ضغط جديـد.. كيف تغير دور الغلاف فى عصر التواصل الاجتماعى؟
- لا يقتصر الغلاف على إيصال نوع الكتاب أو أسلوبه بل يشكّل هوية يتقمصها القارئ
أعمل فى قسم التصميم الفنى فى دار نشر هاربر كولينز، حيث أتابع عن كثب النقاشات التى تشكل كيفية ظهور الكتب فى العالم. ما نوع تصميم الغلاف الذى يصنف على أنه «أدبى» مقابل «تجارى»؟ ما الذى يشير إلى أنه «كتاب مناسب لنادى الكتاب»؟ ما الذى يبدو «جادًا» مقابل «ودودًا»؟ والأهم من ذلك، كيف نجعل الغلاف مفهومًا اجتماعيًا على الإنترنت؟

يتوقع من الأغلفة اليوم ليس فقط جذب القراء إلى المكتبات، بل أيضًا أن تنتشر بسلاسة عبر منشورات إنستجرام، ومقاطع تيك توك، وصور سبستاك، وحتى من خلال ديكورات الشقق المختارة بعناية.
يطلب من الكتب الآن أن تؤدى وظيفتها كنصوص وكعناصر نمط حياة فى آنٍ واحد، ويُكلَّف المصممون بتخيل مستويات وصول متعددة فى الوقت نفسه، بدءًا من طاولة المكتبة وصولًا إلى شاشة الهاتف.
فى الماضى، كان غلاف الكتاب بمثابة تفسير للنص: دعوة بصرية تهدف إلى جذب القراء ومساعدتهم على فهم محتوى الكتاب. عند تصميم غلاف جديد، كان المصممون يسألون أنفسهم: ما هى هذه الرواية؟ ما هى التجربة العاطفية التى تعد بها؟ كانت هذه هى الأسئلة التى حاولوا الإجابة عنها من خلال عملهم.
أما اليوم، فقد دخل سؤال آخر بهدوء إلى استديو المصمم: كيف يريد قارئ هذا الكتاب أن ينظر إليه؟ أو بعبارة أخرى: من يريد أن يكون؟
لا تغنى هذه الأسئلة عن الهدف الأصلى، لكنها تنافسه بشكل متزايد، فى تحول فرض ضغطًا جديدًا، وإن كان غير معلن، على مصممى أغلفة الكتب.
لم يعد الغلاف مقتصرًا على إيصال نوع الكتاب أو أسلوبه، بل يجب أن يشكل هوية يتقمصها قارئ الكتاب. فإذا كانت أغلفة الكتب تترجم النص لقرائها، فإنها الآن تعمل بالعكس: تترجم القراء لجمهورهم.
فى هذا السياق، انقلبت المقولة القديمة من «لا تحكم على الكتاب من غلافه» إلى «احكم على القارئ من أغلفة كتبه». فى أوساط النشر غالبًا ما يناقش هذا التحول بشكل غير مباشر. نتحدث عما إذا كان غلاف الكتاب يعكس شخصية القارئ المستهدف، وما إذا كان قابلًا للمشاركة، وما إذا كان يتمتع بجاذبية كافية لجذب الانتباه، وما إذا كان من السهل تحويله إلى منتجات ترويجية، وما إذا كان يصل إلى القراء الأصغر سنًا، أو ما إذا كان يبدو أكاديميًا جدًا، أو تجاريًا جدًا، أو أنثويًا جدًا، أو ذكوريًا جدًا.
هذه نقاشات تسويقية عملية، لكنها تستند إلى افتراض ثقافى أوسع: وهو أن القراء يتفاعلون بشكل متزايد مع الكتب كصور قبل- إن تفاعلوا معها أصلًا- أن يقرأوها كنصوص.
ربما كان هذا متوقعًا. وكما قالت لى أوليفيا ماكجيف، مساعدة مدير قسم الفنون فى دار هاربر كولينز للنشر: «فى كثير من الأحيان لو حضرت اجتماعًا لمناقشة تصميم غلاف كتاب دون أى سياق، لكان من الممكن أن يساء فهم الحوار على أنه نوع مختلف تمامًا من التزيين الجمالى»، «هذا الغلاف يبدو غاضبًا جدًا، أنا أفضل الأغلفة الأكثر ودًا، إنها أكثر جاذبية»، «سأختار هذا الغلاف، فالآخر قاسٍ وجاد للغاية»، «أريده فقط أن يكون جميلًا، لا حزينًا جدًا، غير الضمائر، وسنكون فى حانة فى موراى هيل».
يُبرز التباين بين الروايات التجارية المعاصرة والروايات الأدبية المرموقة هذه الجهود بشكل واضح. فروايات إميلى هنرى تعلن عن الدفء والذكاء والتواصل العاطفى والتفاؤل من خلال ألوان زاهية ورسوم توضيحية جذابة وطباعة مرحة.
فى المقابل، تجسد روايات إيلينا فيرانتى، المعاد تصميمها، الجدية من خلال ضبط النفس: ألوان هادئة، وتكوينات بسيطة، وخطوط أنيقة، ورفض شبه مدروس للموضة الرائجة.
لا يقتصر أى من النهجين على الرواية نفسها فحسب، بل يشكل كل منهما صورة نمطية للقارئ. يتخيل أحدهما شخصًا يرغب فى أن يشعر- ويبدو- عصريًا وأنيقًا؛ بينما يتخيل الآخر شخصًا يرغب فى الظهور بمظهر عفوى وبسيط.

تسأل: لمن يظهر؟ لمن هذه الهوية الاجتماعية المتخيلة تحديدًا؟ للإنترنت، بالطبع.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى ثقافة للتنسيق الذاتى العلنى المستمر، حيث بات كل شىء مرئى تقريبًا جزءًا من بناء هوية الفرد. فالكتب اليوم، إلى جانب الملابس والأثاث ومنتجات العناية بالبشرة وقوائم التشغيل الموسيقية، تستخدم كعناصر جمالية أساسية لتحديد هوية الشخص، أو على الأقل كيف يرغب أن ينظر إليه.
ومع ذلك، بالمقارنة مع العديد من مقتنيات الحياة اليومية، تحمل الكتب عبئًا أخلاقيًا وفكريًا إضافيًا، فهى توحى بالمعرفة والعمق والانضباط والحساسية، أو على الأقل تشير ضمنيًا إلى امتلاك هذه الصفات.
أقول «الكتب»، ولكن ما أقصده حقًا هو أغلفة الكتب: السطح الخارجى للقراءة نفسها، وهو الشىء الوحيد الذى تعبّر عنه هذه الصور حقًا. ومثل الموضة والجمال، يتأثر هذا السطح بشدة بالتوقعات النمطية للجنسين حول كيفية ظهور الذكاء والعاطفة والذوق فى الأماكن العامة.
تخيل شخصية القارئة «الرائعة»: ذكية بالفطرة، أدبية بشكل عفوى، عاطفية بطلاقة دون أن تكون طاغية.
فكّر فى نادى كتاب «علوم المكتبات»، الذى أسسته كايا جربر، والذى حظى بتغطية إعلامية واسعة، أو فعاليات نادى ميو ميو الأدبى فى ميلانو، أو حسابات إنستجرام مثل @coolgirlsreading، حيث تعرض الكتب لا كأنشطة فكرية بقدر ما هى امتداد لنمط حياة طموح.
يبدو الذكاء وكأنه جزء من الحياة اليومية، والذوق الأدبى بمثابة نسيج. يصبح الكتاب جزءًا من مفردات بصرية أوسع تتسم بالرقى العفوى «لكنه دائمًا ثرى وجذاب»: حقائب جوان ديديون من موقع Lit Hub، وكتب ورقية معلّق عليها، وملابس صوفية فاخرة، وكوب قهوة مثلجة بجانب نسخة من رواية «المرآة المحدبة».
حتى لو لم تقرأ رواية «المرآة المحدبة» من قبل، فإن تصميمات الأغلفة الحديثة تخبرك بدقة بنوع القارئ الذى تستهدفه الرواية. فالحروف المنحنية، وألوانها المستوحاة من الطراز القديم، ورسومها التوضيحية الناعمة، ومقدماتها الجديدة التى كتبتها نخبة من الكاتبات، تجعل الرواية أقرب إلى كونها إضافة لشخصية أنثوية يسهل تمييزها: حزينة، جذابة، ذكية، أنيقة، لكنها فى الوقت نفسه فوضوية.
إنها الفتاة، الفتاة التى قطع عليها الاتصال. يصبح الكتاب جزءًا من أى نوع محدد من الأداء.
بمجرد حدوث ذلك، يبدأ القراء أنفسهم بالشعور بأنهم مصنفون وفقًا للكتب التى يحملونها. فبعض الأنواع الأدبية والمؤلفين والأساليب البصرية تشير إلى هويات اجتماعية كاملة قبل فتح صفحة واحدة.
لا يكمن الخطر فى مجرد القراءة الاستعراضية، بل فى أن الفضول الأدبى نفسه يضيق. يصبح القراء أقل رغبة فى اختيار الكتب التى لا تتناسب مع الهويات التى رسختها رفوفهم أو حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى أو صورهم العامة.
يخضع تصميم أغلفة الكتب اليوم لنفس آليات الطموح والتسويق والاختيار الذاتى التى تشكل عالم الموضة. يجب أن يعبّر الغلاف الناجح ليس فقط عن معنى الرواية، بل أيضًا عن دلالة الظهور معها.
عندما تصبح قيمة الأدب فى المقام الأول جمالية اجتماعية، لا يكمن الخطر فى السطحية فحسب، بل فى الاستبدال التدريجى للفضول الفكرى بالتماشى مع العلامات التجارية، وللانخراط الشخصى بالأداء العلنى، وللقراءة نفسها بمظهر الشخص الذى يقرأ.







