الجمعة 21 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

جدل الطبقة الوسطى.. أحمد زايد القديم يواجه أحمد زايد الجديد

أحمد زايد
أحمد زايد

- أحمد زايد لا يحتاج دائمًا إلى ناقد شديد القسوة يحتاج أحيانًا إلى قارئ شديد الذاكرة

بدأ الدكتور أحمد زايد هذا الأسبوع موسمًا جديدًا من مواسمه الأثيرة فى الكتابة عن الطبقة الوسطى، بمقال عنوانه «أزمة الطبقة الوسطى.. نظرة عامة (1)». والرقم بين القوسين مهم؛ فهو يخبرنا بأن الحلقات قادمة.. ولا بأس؛ فأحمد زايد أحد أهم علماء الاجتماع المصريين، والطبقة الوسطى موضوع يقع فى قلب تخصصه، والعودة إلى الموضوع نفسه ليست إفلاسًا فى ذاتها.. المشكلة فقط أن الطبقة الوسطى عند أحمد زايد تعود كل مرة فتجد النظرية التى تستقبلها قد تغيرت، من دون أن يخبرها أحد لماذا!

والأرشيف يقول إن العلاقة قديمة وممتدة؛ ففى ٢٠٢٠ وحده كتب «زايد» سلسلة من اثنى عشر مقالًا عن الطبقة الوسطى امتدت من «ماذا يحدث عند القمة؟» و«ماذا يحدث فى الوسط؟» إلى الثقافة والقيم و«ملاذات التمايز».. وفى ٢٠٢١ نشر سبعة مقالات أخرى تحمل الطبقة الوسطى فى عناوينها، ثم عاد فى ٢٠٢٤ بأربعة مقالات متتالية، وفى ٢٠٢٥ بـ«الزبد أم ما ينفع الناس؟»، وها هو ٢٠٢٦ يبدأ بسلسلة جديدة.. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا، بل ضروريًا: هل يراجع أحمد زايد ما كتبه أحمد زايد قبل أن يكتب أحمد زايد؟

ليس المقصود بالطبع أن يظل المفكر أسيرًا لما كتبه قبل عشر سنوات؛ تغيير الرأى حق، بل فضيلة عندما تتغير الوقائع أو تتطور النظرية.. لكنَّ تغيير حكم مركزى يستلزم أن يقول صاحبه: كنت أرى كذا، ثم تغير رأيى للأسباب التالية.. أما أن تتغير النتيجة بينما تظل الظاهرة نفسها تقريبًا، فهنا يصبح القارئ مسئولًا وحده عن حمل الأرشيف ومقارنة زايد بزايد.

وأولى المفارقات صارخة! فى ٢٠١٧ كتب زايد «هل حقًا تحللت القيم فى مجتمعاتنا؟»، محذرًا من جمع نماذج السلوك السيئ وتحويلها إلى إعلان بانهيار الأخلاق، ومذكرًا بأن القيم تتغير عالميًا نحو مزيد من الفردية والمادية، وأن المجتمع يحتوى فى الوقت نفسه على العمل والأمانة والالتزام.. ثم عاد فى ٢٠٢٢ بمقال أكثر صراحة بعنوان «الهلع الأخلاقى.. وجرح المجتمع»، ورفض اعتبار الجرائم الفردية دليلًا على تفكك المجتمع، ورأى أن الطبقة الوسطى، بسبب قلقها على المستقبل، تميل أحيانًا إلى إسقاط حالات الفشل والانحراف على مقولة «فساد الأخلاق»..

احتفظوا بهذه النصيحة جيدًا، ثم اقرأوا مقال ٢٠٢٦: تفاخر استهلاكى، مجتمعات مسورة، مطاعم غالية، سوشيال ميديا، دروع وشهادات تكريم، استعلاء، عدم ثقة، وجرائم بشعة فى بعض أحياء الطبقة الوسطى؛ ثم نصل من هذه «المشاهدات» إلى أنها لم تعد جماعة متماسكة وأنها «طبقة تفكك ضميرها». مهلًا يا دكتور زايد.. ألم تكن هذه تقريبًا هى القفزة التى حذرتنا منها؟ كان زايد يحذرنا من تحويل المشاهدة إلى حكم؛ ثم عادت المشاهدات نفسها تقريبًا فى صورة لائحة اتهام.

ولا تقف المفارقة هنا؛ ففى ٢٠٢٠ كتب «زايد» بوضوح أن الطبقة الوسطى «لم تعد طبقة واحدة متجانسة»، وأنها تحولت إلى مجموعات تختلف فى الهوية والطموحات وأساليب الحياة، ووصف تكوينها بأنه «فسيفساء طبقية».. ومع ذلك لم يرَ فى الفسيفساء نهاية للطبقة، بل جعلها موضوعًا لدراسة ثقافتها.. وفى ٢٠٢١ عاد فى «مشكلة التعريف» ليقول إن التطور المصرى أنتج «تكوينًا طبقيًا فسيفسائيًا»، وإن هذه الفسيفساء قد تغرى البعض بالحديث عن زوال الطبقة أو تآكلها؛ لكنه ظل يدافع عن وجودها.

ثم يأتى ٢٠٢٦ ليستخدم عدم التجانس نفسه تقريبًا دليلًا على أنها «لم تعد طبقة».. فى ٢٠٢٠ كانت الفسيفساء وصفًا للطبقة؛ وفى ٢٠٢٦ أصبحت شهادة وفاتها.. من حق النظرية أن تتغير، لكننا نحتاج إلى معرفة اللحظة التى تحولت فيها الدرجة إلى نوع: متى أصبح التنوع تفتتًا؟ ما المؤشر؟ ما العتبة؟ ما البيانات الجديدة؟ لا نجد الإجابة!

وتصبح المفارقة أكبر عندما ننتقل إلى تعريف «الطبقة» نفسه.. ففى أبريل ٢٠٢٤ كان «زايد» حاسمًا فى رفض مقولة اختفاء الطبقة الوسطى، وقال لمن ينكر وجودها: «نحن الطبقة الوسطى».. وعرّفها باعتبارها جماعات تحتل موقعًا متوسطًا بحكم النشاط الاقتصادى والمهنة وأسلوب الحياة، مؤكدًا أن انخفاض الأجور وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة أضعفها لكنه لم يلغِها.. وفى مقال آخر من السلسلة نفسها وصل إلى صياغة أكثر حدة: الطبقة مفهوم موضوعى يتصل بالسوق والثروة، بينما الثقافة والمكانة والقوة مستويات أخرى تتقاطع معها.

بعد عامين فقط يبحث «زايد» عن الطبقة فلا يجدها لأن «الهوية المشتركة» و«الروح الجماعية» و«الإرادة الجماعية» تراجعت.. فى ٢٠٢٤ كان يقيس الطبقة بالسوق؛ وفى ٢٠٢٦ بدأ يبحث عن روحها.. وعندما تتغير المسطرة لا ينبغى أن نفاجأ كثيرًا بأن القياس تغير.

بل إن اتساع تعريفه نفسه يصنع بعض الأزمة التى يشكو منها.. «زايد» يُدخل فى الطبقة الوسطى موظفى الحكومة والمهنيين وصغار أصحاب الأعمال، لكنه يمدها أيضًا إلى كبار المنتجين والتجار ومُلاك الثروات، بل يميل فى ٢٠٢٤ إلى إبقاء كبار مُلاك الثروة داخلها لأنهم خرجوا منها اقتصاديًا ولم يخرجوا منها ثقافيًا.. ثم يعود ليستدل بالكومباوندات والنوادى الخاصة والاستهلاك الباهظ على عدم تجانس الطبقة.. حسنًا.. إذا وضعنا الموظف الذى يتحسس راتبه فى منتصف الشهر ورجل الأعمال الثرى داخل الصندوق نفسه، فلا يجوز أن نفتح الصندوق بعد ذلك ونصاب بالدهشة لأنهما لا يعيشان بالطريقة نفسها.. ربما لم تتفكك الطبقة الوسطى بقدر ما انفجر التعريف الذى وضعناه لها.

والتحول الأهم عندى هو انتقال مركز التفسير من البنية إلى الأخلاق؛ فى نصوصه السابقة كان «زايد» أكثر اهتمامًا بما تفعله الظروف بالطبقة.. فى ٢٠٢١ ربط تضييق الحقل الثقافى بتحولات الاقتصاد والربح والتجارة والعقار والاستهلاك، وفى ٢٠٢٤ أعاد التذكير بالأجور وفرص العمل وتكاليف المعيشة.. أما فى ٢٠٢٥ فتقدمت إلى الواجهة الجوائز والتفاخر والمَلَق والكتابة بلا معرفة والصورة واللقطة والمبادرات الفارغة تحت عنوان «الزبد»، ثم فى ٢٠٢٦ ازدادت القائمة واتسع الحكم من سلوكيات مقلقة إلى «تفكك الضمير».

فى ٢٠٢١ كان السؤال: ماذا فعل الاقتصاد بالطبقة الوسطى؟ وفى ٢٠٢٦ أصبح السؤال: ماذا فعلت الطبقة الوسطى بأخلاقها؟ انتقلت الأزمة، شيئًا فشيئًا، من سوق العمل إلى الضمير، ومن الأجر الحقيقى إلى طبق الطعام العضوى.

ولا أنكر وجود الاستعراض والمَلَق والتفحل الاجتماعى؛ لدينا منها إنتاج محلى يكفى ويزيد.. لكن هل المطعم الغالى أكثر دلالة على مصير الطبقة من راتب الموظف؟ وهل الدرع التذكارية أهم سوسيولوجيًا من شاب جامعى لا يستطيع شراء مسكن؟ وهل الأسرة التى تنفق على مدرسة مرتفعة الكلفة تتفاخر بالضرورة، أم تدافع أحيانًا عن فرص أبنائها فى مجتمع أصبحت فيه جودة التعليم جزءًا من القدرة الشرائية؟ وهل الطبيب الذى يهاجر فَقَد «إرادته العامة»، أم فَقَد ثقته فى أن مهنته تستطيع أن تحفظ له موقعه الاجتماعى؟ أحيانًا ما يبدو أزمة قيم يكون فى الحقيقة أزمة حساب بنكى!

وهنا أصل إلى ما أراه قلب أزمة الطبقة الوسطى المصرية: ليست أزمتها أنها أصبحت متنوعة؛ الطبقات الوسطى متنوعة بطبيعتها.. وليست أنها فقدت تجانسًا تاريخيًا مثاليًا يصعب إثبات أنها امتلكته أصلًا.. الأزمة أن قدرتها على إعادة إنتاج موقعها أصبحت أكثر هشاشة: العمل لا يضمن الأمان كما كان، والتعليم لا يضمن الصعود، والدخل لا يحمى نمط الحياة، والسكن والعلاج وتعليم الأبناء تستنزف موارد متزايدة، والفجوة داخل الطبقة نفسها تتسع بين من يملك أصلًا ومن يحاول امتلاكه، وبين من يتقاضى دخلًا ثابتًا ومن يستطيع حماية دخله من التآكل.

المشاهدة مهمة، لكن المشاهدة تصلح لكى تبدأ بها دراسة؛ لا لكى تنهى بها طبقة.. حادثة قتل لا تتحول إلى مؤشر طبقى لأن عنوانها البريدى يقع فى حى متوسط، وكثرة الدروع قد تثبت ازدهار صناعة الأكريليك أكثر مما تثبت تفكك الضمير. 

ولهذا فإن أفضل ناقد لمقال أحمد زايد الجديد قد يكون أحمد زايد القديم نفسه: الرجل الذى حذّر من الهلع الأخلاقى، ووصف الطبقة بأنها فسيفساء وظل يعتبرها طبقة، وربط ضعفها بالأجور والعمل وتكاليف الحياة، ورفض قبل عامين فقط القول باختفائها.. أحمد زايد لا يحتاج دائمًا إلى ناقد شديد القسوة؛ يحتاج أحيانًا إلى قارئ شديد الذاكرة.

وسننتظر بالطبع الحلقات التالية من «أزمة الطبقة الوسطى».. وبما أن الأرشيف طويل، يمكن حتى المغامرة بالتنبؤ: سيأتى التاريخ، وعدم التجانس، والتباعد، والثقافة، والفردية، والعلاقة بالسلطة والاستهلاك والمكانة.. وإذا أصبنا فلن يكون ذلك لأننا نعرف المستقبل؛ بل لأننا قرأنا الماضى.

أما الحكم الذى أستطيع الدفاع عنه الآن فهو أبسط من «تفكك الضمير»: الطبقة الوسطى لم تفقد ضميرها أولًا؛ فقدت الأرض التى كان يقف عليها هذا الضمير.. والمطلوب ليس أن نستعيد لها تجانسًا ربما لم تعرفه قط، وإنما أن نستعيد لها أمنًا وفرصةً وقدرةً على المستقبل.. فالتنوع ليس مرض الطبقة الوسطى.. العجز عن البقاء فى الوسط هو المرض.