سقوط أسطورة الشيخ تهامى.. وصفة صلاح حافظ الأدبية لتجديد الدين
- الشيخ تهامى ليس إلا وهمًا لا يملك ضرًا ولا نفعًا لأحد لكن المريدين يصرون على عكس ذلك
- الشيخ متولى كان يعادى «الطائرة» ويقول: ما ركب رسول الله طائرة وما يحق لمسلم أن يركبها
- كان المترددون على الشيخ تهامى يعتقدون فى أنه قادر على قضاء حوائجهم
- صلاح حافظ يناقش أعقد الأفكار الدينية من خلال سرد قصصى عذب يأخذك من الوهلة الأولى
قضى الكاتب الصحفى الكبير صلاح حافظ ثمانى سنوات من عمره فى السجن.
دخله فى العام 1954 وخرج منه فى العام 1962.
كان السجان يتعامل مع صلاح والذين معه على أنهم مجموعة من الشيوعيين الكفرة الذين لا يعرفون ربنا، فقد تم القبض عليهم على ذمة تكوين خلية شيوعية.
ولأن صلاح كان قد درس فى كلية الطب دون أن ينهى دراسته بها، إلا أنه كان خبيرًا بالأمراض وعلاجها، وحدث أن ابتلع ابنا مأمور السجن حبوبًا مهدئة بالخطأ، وكادا أن يموتا، طلب المأمور مساعدة صلاح الذى بدأ على الفور فى فحص الطفلين، بينما كان الأب المنهار يبكى ويرفع كفيه إلى السماء قائلًا: يارب انقذ ولو واحدًا منهما فقط.
نظر صلاح إلى المأمور مندهشًا، وقال له: واحد ليه؟ ادعى ربنا ينقذهما معًا.. ربنا كبير.
توقف المأمور عند ما قاله صلاح، وقال له متعجبًا: أنت تعرف ربنا؟
فرد صلاح: نعم أعرف.. أعرفه أكثر منك.. أنا أعرف الله بالتصرفات وليس بالكلام.
لم يكن صلاح حافظ يتحدث فى قضايا الفكر الدينى كثيرًا، مقالاته فى الدين تكاد تكون نادرة، فقد وهب نفسه للعمل السياسى والصحافة السياسية ومعالجة قضايا المجتمع جميعها من وجهة نظر يسارية، ولم ينسَ حظه من الموهبة الصحفية الاستثنائية، فشارك فى تأسيس العديد من الصحف والمجلات، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الصحفيين المصريين الذين يدينون له بالفضل.
لكن هذا الموقف يرسم بدقة علاقته بالله بصورة واضحة وصريحة لا رتوش عليها، فهو يقول لنا إن معرفة الله ليست بالكلام فقط ولكنها تكون بالعمل.
خلال السنوات التى قضاها صلاح فى السجن كتب كثيرًا.
فى مقاله «صلاح حافظ.. أسطورة مقاتل»، يقول تلميذه عادل حمودة: لم يكتب صلاح حافظ إبداعاته الأدبية أو الفنية إلا عندما فرضت عليه السياسة الانفصال عن الصحافة وفرّقت بينهما، ففى معتقل الواحات كتب رواية «المتمردون»، ومسرحية «الخبر» ورواية «القطار»، وعشرات القصص القصيرة التى نشر بعضها فى مجموعتى «أيام القلق» و«الولد الذى جعلنا لا ندفع نقودًا»، وهناك أيضًا أصدر مجلة ساخرة- من نسخة واحدة- اسمها «حميدة» سخر فيها من كل خصومه: الفاشية، الاستغلال، القهر، الاستعمار الجديد، التستر وراء الدين، والمأمور، والجلاد، مع أنه كان يعرف أن السجان أقل حرية- فى معظم الأحيان- من السجين نفسه.
وفى كتابها «قصة الحب والرحيل»، الذى أصدرته زوجته هالة الحفناوى بعد وفاته، يقول لها صلاح: أنا كتبت أحسن إنتاجى الأدبى فى فترة السجن، فى الواحات كتبت روايتين طويلتين هما «القطار» و«المتمردون»، كتبت أيضًا مسرحيتين هما «الخبر» و«الغلطة» وكتبت أيضًا مجموعتين من القصص القصيرة.
وتقول له هالة: غريب أنك تكتب كل هذا الإنتاج وأنت فى السجن.
فيرد عليها صلاح: لو استطاع السجين أن يتغلب على إحساسه بالضيق والقهر داخل أسوار السجن فسوف يتمتع بحياة مثقف حاصل على منحة تفرغ.

قصة «نهاية الشيخ تهامى»
أشار صلاح إلى مجموعتين قصصيتين كتبهما فى السجن، منهما مجموعته «الولد الذى جعلنا لا ندفع نقودًا» وهى المجموعة التى أصدرها ضمن سلسلة الكتاب الذهبى بمؤسسة «روزاليوسف» فى ١ يونيو ١٩٦٧، أى قبل النكسة بخمسة أيام فقط.
من بين قصص هذه المجموعة توقفت عند ثلاث قصص يمكن أن نأخذ منها منهجًا لتجديد الفكر الدينى من خلال الأعمال الأدبية، فصلاح يناقش أعقد الأفكار الدينية من خلال سرد قصصى عذب يأخذك من الوهلة الأولى.

القصة الأولى هى قصة «نهاية الشيخ تهامى».. وهى قصة يعالج فيها صلاح حافظ مسألة الخرافة المرتبطة بأضرحة الأولياء الذين هم فعلًا ليسوا أولياء، وتعلّق الناس بهم واعتقادهم فيهم.
تبدأ القصة بموت الشيخ تهامى فى الأرض التى يملكها الشيخ رمضان، وفى البقعة التى زهقت فيها روحه دفنه الناس، وأقاموا فوقه أربعة جدران من الطوب الأخضر، ولكن الجدران لم تعِش طويلًا، وإنما تهدمت طوبة وراء طوبة، وذاب ترابها فى ماء الرى، فلم يعد من الشيخ فى النهاية غير كومة عالية تتوسط الأرض، وتنبت فوقها وعلى جانبيها حشائش كالسكاكين.
حاول عم رمضان أن يحمى زراعته من الناس الذين يدوسونها كل يوم ذاهبين عائدين من أجل هذه الكومة، كانت أقدامهم تبطط النبات على طول خط عريض يبدأ من حافة الغيط وينتهى عند الشيخ.
كان المترددون على الشيخ تهامى يعتقدون فى أنه قادر على قضاء حوائجهم، وهو ما دفع عم رمضان لأن يقول لهم: «يا عالم.. الراجل هايفضى لمين ولا لمين؟ ده إنتو مكلفينه بحاجات تلخم ربنا نفسه».
التعبير الذى وضعه صلاح حافظ على لسان عم رمضان يمكن أن يعتبره البعض متجاوزًا، لكنه تعبير عفوى يمكن أن يأتى على لسان البسطاء من خلق الله دون أن يعتقد أحد منهم أنه يتجاوز فى حق الله.
لم يستجب زوار الشيخ تهامى لصرخات عم رمضان، فلم تكن هناك قوة تستطيع أن تمنعهم عن الشيخ الذى يشفى الأطفال، ويصالح الزوجات، ويكسب القضايا، ويصيب الذى يغضب عليهم بالحمى، أو ينفخهم فيصبح الواحد منهم أكبر من كيس القطن الممتلئ.
كان عم رمضان هو الوحيد الذى يعرف حقيقة الشيخ تهامى، بل وكان يسخر منه.
يرسم حافظ هذه الصورة كما تخيلها.
كان هو الوحيد- عم رمضان- الذى يجرؤ على أن يقول.
أحيانًا كان عم رمضان يذهب أثناء الليل يروى الأرض فيضبط ورا الكومة «فتحية المغربية» أو «جلفدان»، ومعها شبان من القرية يحتمون هناك بالظلام بعيدًا عن الناس، وكان الذى يغيظ عم رمضان أن الشيخ لم يغضب مرة واحدة من هؤلاء، ولهذا كان يقول له أحيانًا: والله يا شيخ تهامى ما ناقصك غير قرنين.

كان هو الوحيد الذى يجرؤ على أن يقول للشيخ شيئًا كهذا دون أن يخاف منه، فهما أصدقاء منذ وقت طويل جدًا، والعشرة التى بينهما لا تسمح للشيخ بأن يضره، وقد تعوّد عم رمضان ألا يخفى عنه شيئًا مما يفكر فيه، وسواء كان يحرث أو يقتلع الحشائش أو يروى أو يستريح، فهو لا يكف أبدًا عن الكلام، وكثيرًا ما كان يقول له: والله صعبان عليا نومتك فى البرد كده يا شيخ تهامى، لكن معلهش مسيرها برضه تتعدل وأبنى لك مقام زى بتاع زمان.
فيما يبدو أن عم رمضان بطل صلاح حافظ لم يكن يصدق أو يكذب فيما يخص الشيخ تهامى، لكن جرى ما كشف له الغطاء، وذلك عندما اشترى شيخ البلاد الأرض الملاصقة لأرض رمضان، وبدأ ينغص عليه حياته ويرفع عليه قضية وراء قضية، كأنما لم يخلقه الله إلا من أجل خراب البيوت، حتى القناة الصغيرة التى تنقل الماء إلى الأرض، لم يلبث شيخ البلد أن ادّعى فى النهاية أنها تقع فى أرضه.
كان محالًا أن يفرّط عم رمضان فى هذه القناة، فحفيت قدماه من أجلها فى المحاكم، وأنفق عليها دم قلبه والجلسات لا تنتهى، وكل جلسة لا بد أن يسافر من أجلها إلى المدينة، وأن ينام فى اللوكاندة، والمحامى كالمنشار يأكل ولا يشبع، وشيخ البلد يمط القضية ويؤجلها مرة بعد أخرى، لكى يجعله يفلس ويسلّم، وكل هذا كان الشيخ تهامى يعرفه طبعًا أولًا بأول، حين يعود عم رمضان من الجلسة، ويقعد إلى جوار الكومة يحكى له ما حدث ويتساءل فى ضيق: بأه يعنى عاجبك الراجل ده يقعد يعاكس فى مخاليق ربنا كده؟ بأه مانتش قادر تجيب له مصيبة تشيله من هنا؟
لجأ عم رمضان إذن إلى الشيخ تهامى حتى يغيثه.
قبل الجلسة الأخيرة بأيام، جلس عم رمضان وقتًا طويلًا يحكى للشيخ آخر ما سمعه من تصرفات شيخ البلد الذى لا ذمة عنده ولا ضمير: قال إيه.. حالف ليدبح لك عجل يوم ما يكسب القضية، بأه ده راجل عنده دم؟ بأه عشان عجل حاتسيبه ياكل مال الناس حرام؟ حتى أهل الله عاوز يشترى ذمتهم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.
لم يقف الشيخ تهامى فى صف عم رمضان، خسر القضية، ويومها عاد واتجه إلى الحقل دون أن يدخل البلد، ووقف أمام الكومة العالية المدفون تحتها الشيخ تهامى، يرمقها بغيظ شديد، ثم انفجر فيها صائحًا: بأه هى دى آخرتها؟ بأه كل ده مش عاجبك؟ واخد لك قيراطين نايم فيهم، والناس رايحة جاية تهرس فى الزرع، وأنا أقول معلهش يا واد أهه ضيف عندك ووجوده بركة، وبعدين تيجى على الآخر وتعمل كده؟ تبقى عارف القناية فى أرضى وبرضه تديها له؟ ليه؟ دى واخدة أكتر من قيراط يا شيخ تهامى، بأه عشان عجل تعمل كده؟ بأه إنت من أهل الله إنت؟ الله يقطع النهار اللى جيت فيه البلد دى، هى كانت الدنيا ضاقت فى وشك مالقتش حتة تموت فيها إلا هنا.
كانت هذه اللحظة هى لحظة الإفاقة التى أجراها صلاح حافظ لبطله عم رمضان، فالشيخ تهامى ليس إلا وهمًا، لا يملك ضرًا ولا نفعًا لأحد.
لكنه حتى يؤكد هذه اللحظة كان لا بد من التأكيد على ما يعتقده الناس.
عندما عاد عم رمضان إلى بيته، تذكر الكلمات التى قالها للشيخ فى الحقل، فشعر بأنها كانت أكثر مما يجب، وخاف على نفسه من غضب الشيخ وانتقامه، ولكن هل يمكن حقًا أن ينتقم منه الشيخ لكلمات أطلقها فى لحظة غضب، بينما هو يعرف جيدًا أنه أخطأ فى حقه، وهز رمضان رأسه، ثم تنهد، وقد اعتزم أن يصالحه على أية حال.. ومن يدرى؟ ربما تكون للشيخ حكمة فيما حدث، إن الإنسان لا يعرف الغيب، وفى الجامع يقولون إنه لو عرف الغيب لاختار الواقع، ولكن فى اليوم التالى ذهب رمضان مبكرًا إلى الحقل ليجد أن الشيخ سبقه وانتقم.
الذى حدث أنه كانت هناك مساحة كبيرة من الذرة تقف عيدانها عارية تمامًا، وقد سرقت منها كل الأكواز الناضجة، شىء لم يحدث قبل ذلك أبدًا فى أرض عم رمضان، فكل الناس يعرفون أن الشيخ يحرس هذه الأرض، واللصوص يسرقون من كل مكان فى البلد إلا فى هذا المكان، ووقف عم رمضان فى موضعه جامدًا كالحجر، ينظر فى تعاسة إلى زراعته التى يعرف الجميع أنها دائمًا أحسن زراعة فى البلد، إنها الآن خراب أمام عينيه، لو سرق اللصوص ذراعه لكان أهون، لو سرقوا إحدى عينيه لكانت تكفيه الأخرى.
أحس رمضان بنفسه ضعيفًا لا تقوى ساقاه على حمله، ولا يطيق أن ينظر إلى الخراب الذى أمامه، فاستدار منكس الرأس ليعود إلى البيت، وفى طريقه توقف أمام الكومة التى تغمرها الحشائش، وبقى صامتًا لحظات قبل أن يهز رأسه ويقول فى مرارة المهزوم: طيب يا شيخ تهامى.. وكمان بتجيب الحرامية.
بدأ رمضان يفكر فيما يمثله الشيخ تهامى، وبدأ يتذكر تصرفاته التى لا تعجبه، فقد كان ينصر الظالم على المظلوم، وكثيرًا ما يسلّط الحمى على الرجال الطيبين لأقل هفوة فى حقه، بينما يسكت عن كثيرين يستحقون ضرب النار.
ورغم قناعة عم رمضان بملاحظاته، إلا أنه عاد مرة أخرى يستغيث بالشيخ تهامى.
فعندما جاء موسم القطن وكانت زراعة عم رمضان كعادتها أحسن زراعة فى البلد، ولكنه صُعق ذات صباح عندما نظر فوجد على بعض أوراقها لطعًا من دودة القطن، وعلى الفور مثلت أمام عينيه الصورة الرهيبة: صورة العيدان الجرداء، واللوزات المثقوبة من كل ناحية، وأنفار الجمع لا يخرجون برطل من كل قيراط، إن هذا لا يمكن أن يحدث، وتلفّت حوله يبحث عن اللطع ويسحقها بيديه فى حقد وهو يغلى، وفى تلك اللحظات وجد نفسه يهتف دون وعى: الحق يا شيخ تهامى.. اعمل معروف.. كله إلا الدودة.
كانت هذه أول مرة يكلم رمضان الشيخ تهامى بعد الخصام الطويل، وأحس بالحرج وهو يفعل ذلك، ولكنه ضغط على نفسه وراح يستعطفه: عيب تعمل فيا كده يا شيخ تهامى، ده إحنا برضه جيران، أنا غلطت فيك معلهش، حقك عليا، اعمل معروف.
لم يستجب الشيخ تهامى لتوسلات صديقه عم رمضان، فاللطع فى اليوم التالى كانت أكثر، فذهب إليه، وقال له: برضه لسه زعلان يا شيخ تهامى؟ ولكن الشيخ تهامى لم يكترث، وظلت اللطع رغم كل شىء تتزايد يومًا بعد يوم، ثم فقس البيض وظهرت الدودة الرهيبة مئات وآلاف من الغيلان الصغيرة الشرهة، لا تترك وراءها غير الحطب، وعم رمضان يطاردها بيديه وأسنانه، ويملأ منها زكائب يحرقها كل ليلة فى حفرة أمام البيت، ولكن بلا فائدة، كان زحفها لا يتوقف، ونداءاته للشيخ تهامى تذهب كأنما ينفخها فى قربة مقطوعة، إلى أن يئس منها فى النهاية، وأصبح يشعر وهو يردعها بأنه يضحك على نفسه، وأخيرًا ألغاها من حسابه، ونفض عن ذهنه كل أمل فى أن تنفعه، وهكذا ضاع القطن أيضًا على عم رمضان، ولم يستطع أن ينقذ منه فى النهاية غير حوض واحد، طرد منه الدودة بالجاز والدخان.
قادت الصدفة عم رمضان إلى فض أسطورة الشيخ تهامى.
بعد أسابيع كان رمضان يحرث حطام مزرعته من جديد ليزرع البرسيم، وفى الشمس كانت حبات العرق تلمع بين تجاعيد وجهه وهو ينظر أمامه إلى الأفق البعيد ويغنى لنفسه أغنية قديمة، وسن المحراث يظهر ويختفى على الخطوط، وكلما بلغ الربوة التى ينام فيها الشيخ دار حولها فى حذر متجنبًا أن يجرحها، ولكن رمضان فيما يبدو غاب عن نفسه ذات لحظة، فانغرس منه المحراث دون قصد فى جانب الربوة، وتعثر الثور وقد أحس بالمقاومة المفاجئة للأرض المسلحة بجذور الحشائش منذ عشرات السنين، فتنبّه ووجد الربوة قد جرحت، وصرخ فى انزعاج: يا نهار إسود.
راح رمضان يفحص المكان الذى غاص فيه المحراث ليرى مدى الإصابة التى حدثت للشيخ، ثم وقف واستند إلى المحراث لحظات يهرش رأسه، وفجأة لمعت عيناه ببريق غريب، ووجد نفسه يندفع ضاغطًا بصدره وبكلتا يديه على المحراث، حتى غاص كثيرًا كثيرًا فى جنب الشيخ، ثم هتف بالثور: اطلع يا بن ال..، ولذعه بالسوط فاندفع يمشى، ومن ورائه سن المحراث يشق الشيخ إلى نصفين.
فى صباح اليوم التالى صحا الناس فلم يجدوا أثرًا للشيخ، وانتشر النبأ فى القرية كما ينتشر الحريق، وأصبح مؤكدًا لديهم أن عم رمضان سوف يصيبه العمى، وأن أرضه سوف تبور، ولكن عم رمضان ظل سليمًا كما هو، وفى الموضع الذى كان ينام فيه الشيخ نبتت عيدان البرسيم كلها صحة، وقامتها أطول من جاراتها، يراقبها فى اعتداد كل يوم والناس يذهبون ويجيئون ثم يهز رأسه ويقول: أمال.. راجل كله غذا، ويسمعه الناس يضحك فى تشفٍ، ثم يضيف: بإذن الله كل اللى دخل بطنه خرفان وعجول حايطلع على جتته برسيم وفول، ثم ينهض نافشًا صدره، ويمشى ذاهبًا عائدًا على حافة الأرض كما يمشى المنتصر.
القصة الثانية التى يقدم من خلالها صلاح حافظ وصفة أدبية لتجديد الخطاب الدينى كان عنوانها «الحجر»، وفيها ينتصر للعلم والعقل.
على لسان بطل قصته يبدأ صلاح الاشتباك مبكرًا، يقول: كنت محظوظًا لأننى أقيم فى المدينة وسأرى بعينى المعجزة، أما الذين يقيمون فى القرى فلم يكن مقررًا أن يشهدوا شيئًا، وكنت سعيدًا لأننى سأتمتع دونهم بالفرجة، فيسير أحدهم بالخراف والجاموس ويلهثون وراء المحراث والنورج، فهذا هو ما يليق بأمثالهم.. أما أنا سأذهب وأرى الطائرة.
كان مدرس اللغة العربية قد كلف الطلاب بكتابة موضوع عنوانه «الطيار محمد صدقى أول طيار مصرى سيصل إلى الفيوم بطائرته فى الشهر القادم.. صِف شعورك»، وناظر المدرسة طلب نتائج الامتحان الشهرى ليكافئ المتفوقين بأخذهم معه لمشاهدة الطائرة، وسعادة المدير أمر بالاستعداد لاستقبالها، وجريدة «الفيوم» كتبت تصفها وقالت إن لها ذيلًا وأجنحة، وكل هذا كان معناه أن ثمة طائرة حقيقية فى الأمر، وأنه سوف يراها، ومن يدرى فقد يستطيع أن يركبها، فنحن فى زمن الأعاجيب حقًا، وكل شىء ممكن ما دام الإنسان يعيش فى المدينة.
أثار خبر الطائرة جدلًا كبيرًا، ومن هذا الجدل يدخل صلاح إلى قضيته الكبرى.
فما من رجلين يتحدثان إلا ويختلفان، وما من خلاف إلا ويدور موضوعه حول الطائرة، البعض يزعمون أن أجنحتها من الريش، والبعض الآخر يزعم أنها من الحديد، وأنها لا ترفرف، وما أكثر ما كانت تطير المقاعد والموائد فى مقاهى المدينة، وما أكثر ما حرر «البندر» من محاضر بين الناس لأنهم لم يتفقوا على رأى حول حجمها أو الطريقة التى تطير بها، وكانت مراهنات كثيرة ينتظر أصحابها يوم وصول الطائرة ليروا من الذى كسب ومن الذى خسر.
على هامش الاختلاف يقدم لنا صلاح حافظ شخصية الشيخ متولى الذى كان له موقف من الطائرة، يمكن أن نعتبره موقف رجل الدين التقليدى من العلم.
كان الشيخ متولى يقضى سهرته كل ليلة يشتم الطائرة وأصحابها وركابها والذين سيتفرجون عليها، وكان الناس يسمعون كلامه لأنه شيخ طريقة، وكل ما يراه فى الحلم يتحقق، وكان يقول عن الطائرة: إنها من علامات الساعة، يريدون أن يفتنوا الناس عن دينهم بحديدة يزعمون أنها تطير، أكلما فعل الكفرة شيئًا فعلنا مثلهم؟ أليس لنا ديننا ولهم دينهم؟ والله ما ركب رسول الله طائرة، وما يحق لمسلم أن يركبها، ولن تنتهى هذه الحكاية على خير.
كان والد بطل القصة هو الوحيد الذى يسمح له الشيخ بأن يرد عليه، فكان يقول له: سبحان الله فى طبعك يا شيخ متولى.. يجرى إيه يعنى لما تيجى طيارة ونتفرج عليها؟
فيرد الشيخ متولى: نتفرج؟ من الذى يتفرج؟ والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى ما أرتكب هذه المعصية، فقلد رأيت فى المنام...
يقاطعه والد بطل القصة: منام؟ ثم ينفجر ضاحكًا حتى يحمر وجه الشيخ متولى، الذى ذهب إلى المدير بنفسه، وطلب منه أن يوقف الفتنة فى البلد ويمنع الطائرة من المجىء.
سمع أهل الفيوم فى ذلك اليوم أن المدير بكى أمام الشيخ وقال له: سامحنى يا عم الشيخ.. فما أنا إلا عبد مأمور أنفذ أوامر الحكومة.
ولكن آخرين فى المدينة كذّبوا ذلك وقالوا إن المدير طرده وقال له: اطلع بره يا راجل يا مجنون.
بينما أكد آخرون أن المدير لم يقابله أصلًا، لأنه كان مريضًا باللوز، ولم يعرف الحقيقة أحد، ولكن الشيخ كان حزينًا، وجلس طوال الوقت صامتًا يهز رأسه، ولا يفتح فمه إلا ليقول بين وقت وآخر: اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.
كان موعد وصول الطائرة فى الرابعة بعد الظهر، ولكن الناس تركوا بيوتهم من السابعة صباحًا، وذهبوا إلى العراء خارج المدينة فى المكان الذى خُصص لهبوطها، وكان هذا المكان قد حُدد- طبقًا للأوامر- بدائرة مرسومة بالجير، أصغر قليلًا من مساحة الحلقة التى يلعب فيها رجال السيرك، وحول الدائرة كانت تصطف مقاعد ضخمة مذهبة، خصصت للمدير والحكمدار والمهندس والأعيان والعُمد، ومن ورائها دوائر من الكراسى الخيزران للموظفين، ثم مساحة عريضة لوقوف التلاميذ، أما الأهالى فكانت الأوامر مشددة بمنعهم من الاقتراب، ولكنهم كانوا أول من حضر، وحملوا معهم أوانى الطعام وأباريق الشاى ومواقد الفحم، وجاء فى إثرهم باعة الطعمية والسجائر وأصحاب مقاهى السوق، وعرضوا دكاكينهم المتنقلة فى الزحام منذ الصباح المبكر، فلما جاء العساكر لم يكن فى استطاعتهم أن يبعدوا أحدًا، ولم يتمكنوا من الوصول إلى الدائرة المرسومة بالجير إلا بصعوبة شديدة.

قصة «الحجر»
قبل الساعة الرابعة ساد صمت، وفوجئ الجميع بصوت ينبثق من بين الصفوف صارخًا كأنه يستغيث: اللهم إنى برىء مما يفعلون، اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون، اقتربت الساعة وانشق القمر.
تلفّت الناس فى دهشة، فإذا بالشيخ متولى يشق الزحام نحو المدير، ووجهه يتطلع إلى السماء، ويداه مبسوطتان إلى أعلى، وكل عضلة فى بدنه تختلج، وبهت المدير فى مقعده، والتفت الحكمدار إلى المأمور، والتفت المأمور إلى العساكر، وانطلق العساكر يفتكون بالشيخ، وماج الناس هنا وهناك، وبعد قليل ظهر الشيخ طافيًا فوق الرءوس وقد حمله العساكر ليبعدوه عن المكان، وصوته يلعلع: حجر من سجيل.. حجر من سجيل.. حجر من سجيل.
انتشرت موجة من الخوف الغامض بين الناس، وحاول البعض أن يضحكوا على منظر الشيخ، ولكن ضحكاتهم جاءت ميتة بلا روح، لأن معظم الناس كانوا مشغولين بسؤال بعضهم البعض عن معنى الكلمات التى يقولها، وظل الارتباك سائدًا، وفى الجو مزيج من الحيرة والخوف، وصوت الشيخ يضيع شيئًا فشيئًا فى الزحام، إلى أن صرخ فجأة أحد الواقفين: الطيارة.
ذاب الشيخ وصوته وحكايته فى لحظة، وانتفضت الجموع تنظر إلى أعلى، وتفحص السماء بلهفة وقلق، لقد كانت اللحظة إذن، وكان يقال إن الطائرة فى السماء لا يزيد حجمها عن النقطة الصغيرة، فراح كل إنسان يبحث عن هذه النقطة الصغيرة، ولكن بلا فائدة، كان ثمة صوت واضح ينبئ عن وجودها، ولكن أين؟ لم يكن يبدو لها أثر، ثم فجأة ومن مكان مجهول، عبر فوق الرءوس سيف هائل الحجم، خاطف السرعة يصاحبه زئير مزعج، وعلى الفور انبطح الناس على الأرض خائفين، ووقع الكبار فوق الصغار، وتصاعدت صرخات الأطفال هنا وهناك، وتراجع كل فى مقعده حتى المدير، فقد كان الجميع يشعرون كأنما هذا السيف قد جزّ بالفعل أعناقهم فى طريقه.
كانت لحظة خاطفة وبعدها اختفى كل شىء، ولم يعد هناك أثر لا للسيف ولا للصوت، هل هذه إذن هى الطائرة؟ أم أنها شىء آخر؟ لماذا إذن لم تهبط؟ وأين اختفت بهذه السرعة؟ كيف نضمن أن هذا السيف الذى عبر فوق رءوسنا كان طائرة حقًا ونحن لم نرَ شكله، ولم نتبين له رأسًا ولا ذيلًا ولا مروحة ولا أجنحة؟ كيف نضمن أنه ليس الصاعقة التى أنذرنا بها الشيخ متولى؟
عاد الخوف مرة أخرى يسيطر على الجموع، وفى تلك اللحظة لمح أحد العساكر- فى وسط الدائرة الفضاء- منديلًا معقودًا بإحكام حول شىء فى حجم قبضة اليد، فأشار إليه قائلًا لجاره: إيه دى؟، والتفت الجار إلى جار آخر، والتفت الآخر إلى ثالث، كان مؤكدًا أن هذا المنديل لم يكن موجودًا منذ لحظات، وأنه إما هبط من السماء، وإما انشقت عنه الأرض، ولمح المأمور العساكر يتهامسون ويشيرون إلى المنديل، فأمر أحدهم بإحضاره، ولكن العسكرى لم يجرؤ على أن يلمسه، واضطر المأمور أن ينهض بنفسه ويلتقطه، ولكنه لم يحاول أن يفتحه وإنما ناوله للحكمدار، وناوله الحكمدار للمدير الذى شرع بشىء من الغرور يفك عقدته.
حبس الواقفون عن قرب أنفاسهم فى انتظار ما سيحدث، وما مادت أطراف المنديل تنحسر عن الشىء الذى فى داخله حتى أصفر وجه المدير كالليمونة، وانسابت بين الجموع همسات مذعورة: حجر.. حجر.. حجر، وانتشر النبأ كما ينتشر الحريق، حجر من سجيل، وفى لحظات كانت الجموع تفر كالجراد، وداس الناس بعضهم بعضًا فى طريق النجاة، وتطايرت الأوانى، وأكواب الشاى، وبنادق العساكر، وانعقدت فوق المكان كله سحابة خائفة، هائلة من التراب.
أما المدير فإنه بدا مشلولًا فى مقعده، والحجر فى يده لا يريد حتى أن ينظر إليه، وكان يمكن أن يظل هكذا إلى اليوم التالى، لولا أن أحد العساكر صاح فجأة: فيه ورقة يا سعادة البيه.. فيه ورقة فى المنديل، فتنبّه المدير ليجد أن مع الحجر ورقة حقًا، وعندما فضّها بأصابعه المرتعشة وجد أنها رسالة من الطيار يقول فيها إنه عائد إلى القاهرة لأن الدائرة الفضاء التى خصصناها لهبوطة لا تتسع لسيارة.
عندئذٍ فقط تنفس المدير الصعداء، ثم هز رأسه ونظر إلى الدائرة، ثم إلى وجه الحكمدار والتفت الحكمدار إلى المأمور والتفت المأمور إلى العساكر ولكنه لم يجدهم، وفى تلك الليلة كان الزحام فى بيت بطل القصة خانقًا، والشيخ متولى يصيح ذات اليمين وذات اليسار: حجر من الطائرة.. استغفر الله العظيم.. ما كانت هناك طائرة، وما يطير غير الملائكة، إنما هو حجر من السماء أرسله الله نذيرًا للكافرين، ولطفًا بعبادده حتى يعودوا إلى رشدهم.
عفريت الظهر تقدم رؤية لتجديد الخطاب الدينى بصورة أدبية لا وعظ فيها ولا إرشاد
وفى اليوم التالى قيل إن المدير مريض، وإن الشيخ متولى نصحه بأن يصوم شهرًا حتى يكفّر عن ذنبه ويغفر الله له.
يختم صلاح حافظ قصته على لسان بطله، يقول: كان ذلك منذ ثلاثين عامًا، وفى الأسبوع الماضى ذهبت لأركب طائرة إلى أسوان، ولا أدرى لماذا كنت متشائمًا، وعندما وجدت قائد الطائرة يصافحنى كأنه يعرفنى انتهزت الفرصة وسألته: هل أنت مطمئن؟ قال: الطائرة سليمة، والجو ممتاز، وأنا أتقن القيادة، فلماذا لا أطمئن، قلت: لا أدرى.. ربما رأيت حلمًا مزعجًا ليلة أمس، فهتف يقاطعنى: حلمًا، ثم انفجر ضاحكًا حتى احمر وجهى من الخجل، وظلت أصداء ضحكته تلاحقنى وتذكرنى بوالدى وهو يضحك من الشيخ متولى، إلى أن وصلنا، وجاء الطيار مرة أخرى يصافحنى، وبعد تردد قصير قال لى: يظهر إن حضرتك مش فاكرنى.. أصلى كنت صغير قوى لما والدى ساب البلد، قلت فى حرج: والدك؟ فرد: أيوه.. الشيخ متولى.. مش فاكره؟

القصة الثالثة التى قدم من خلالها صلاح حافظ رؤيته لتجديد الخطاب الدينى بصورة أدبية لا وعظ فيها ولا إرشاد كانت قصته «عفريت الظهر»، التى يمكن لنا تلخيصها بأنها كانت معركة بين الشيخ والأستاذ.
كان الأستاذ قد ترك الناس مبهورين فى السوق، مذهولين من جرأته، وطار بحمارته فى الطريق بين المركز والقرية مزهوًا كالأسد، مدركًا أن العيون جميعًا تتبعه، فلم تكن أول مرة يشتبك فيها مع الشيخ ويقهره.
لم تهدأ الحرب بين الأستاذ والشيخ، منذ اجترأ الأستاذ وقال لتلاميذه فى المدرسة إن الدنيا ليس فيها عفاريت، فمنذ ذلك اليوم والشيخ يتهمه بالجهل، وهو يتهم الشيخ بالنصب، ولم تنقطع المعارك بينهما، والحجج التى يتقاذفان بها يطير صيتها فى الآفاق، انقسم الناس فى القرية والقرى المجاورة إلى حزبين كبيرين، وما من مرة جمعتهما الصدفة فى القرية أو المركز، فى المقهى أو فى المسجد، إلا احتشد الناس حولهما ودفعوهما دفعًا إلى مباراة جديدة.. حتى جاء اليوم الحاسم.
فكل ما فعله الأستاذ بالشيخ طوال أربع سنوات لا يساوى ما حدث فى هذا اليوم.
فقد فتك الأستاذ بالشيخ كما يفتك ذئب بفريسته، وجعله أضحوكة السوق، ولم ينصرف إلا بعد أن تركه كالأخرس الذى بال على ثيابه أمام جموع الفلاحين، وعندما خلا إلى نفسه فى الطريق بين المركز والقرية كان يشعر بأنه خفيف كالعصفور، يكاد الهواء الذى يملأ شمسيته البيضاء أن يحمله ويطير به، فقد كان يعلم أنه لن تمضى غير ساعات حتى يعرف الناس جميعًا بما حدث اليوم، وتتناقل الشفاه كلماته وحججه القاطعة وسخرياته التى ذبح بها الشيخ فى السوق، وكلما تذكر الأفراح التى سيقيمها حزبه بهذه المناسبة، والمآتم التى ستنعقد عند حزب الشيخ، دار رأسه بنشوة النصر وانفجر يقهقه حتى يكاد ينزلق من على ظهر الحمارة.
بلغ الأستاذ منتصف الطريق والشمس فى حلق السماء تمامًا، والحقول كلها مهجورة ولا مخلوق يمكن أن تتبينه العين على مدى البصر فى أى اتجاه، وتذكر عندئذ من كلمات الشيخ الغبية قوله: «عفاريت الليل قد تخرج لتشم الهواء.. ولكن عفاريت الظهر لا تخرج إلا للشر، فابتسم ساخرًا، ولكنه أحس بشىء من القلق».
بعد قليل سرح ببصره فى ماء الترعة التى ترافقه على طول الطريق، فخيل له أن الماء الذى يزحف بين شاطئيها يئن من قسوة الشمس والظمأ، وتذكر أنه على هذا الشاطئ نفسه يوجد أشهر عفريت مزعوم فى المنطقة، عفريت رجل قتله الأشقياء منذ عشرة أعوام، وما زال الناس يقسمون أنه يظهر بين وقت وآخر فى شكل ثعبان، أو ذئب، أو قرموط سمك، وأحيانًا فى شكل أصبع خفى يغمر النسوة فى الذهاب والعودة.. سخافة ولا شك، ولكن ما الذى يغرى الناس أن يتشبثوا بها؟ لماذا يقسم رجل طويل عريض برأس أبيه، وأحيانًا بالمصحف، أنه رأى شيئًا لا شك فى أنه خرافة؟ هل هى مجرد الرغبة فى الكذب؟ أم هو الوهم يصور لضحاياه ما لا وجود له؟ أم ترى..؟
مرة أخرى أحس الأستاذ بالقلق وهو يتطلع إلى الحقول المهجورة من حوله، وصور له الصمت السائد أنه وحيد فى عالم لا أحياء فيه، وأنه على ظهر دابته البكماء يقطع رحلة بلا نهاية، ثم زاد فى قلقه أنه عندما حاول أن يفكر فى شىء آخر غير العفاريت لم يستطع، ومضى وقت طويل قبل أن يصارح نفسه فى النهاية ويعترف بأنه إلى حد ما خائف.
ضايق الأستاذ كثيرًا هذا الاعتراف، فأسرع يسخر من مخاوفه ويكلم نفسه بصوت عالٍ: «ما هذا الهراء! فلتأت هنا عفاريت الدنيا إن كانت تستطيع، ها أنا ذا وحدى، ولا أحد يبدو على مدى البصر حولى، فلماذا لا تظهرين أيتها العفاريت المزعومة؟».
دبت فى صدره شجاعة مفاجئة عندما سمع صوت نفسه، فسر كثيرًا لذلك، واندفع يستأنف الصياح بصوت أعلى: كلام فارغ! ليس فى العالم شىء اسمه العفاريت، لقد قضيت على هذه الخرافة، وأنقذت منها الفلاحين، وها أنا ذا أسير وحدى على حافة الترعة، فماذا حدث لى؟ ها أنا ذا أقترب من المكان الذى قتل عنده الشقى المزعوم، فلماذا لا يظهر؟ ها أنا ذا الآن عند المكان نفسه فأين ذلك الـ...، ولكن الكلمات احتبست فجأة فى حلقه.
ففى اللحظة التى وصل فيها إلى المكان فوجئ بحمارته ترهف أذنيها، ورأى شعرها القصير ينتصب واقفًا، وفى اللحظة التالية أحس بشعر رأسه يقف هو الآخر، ثم فجأة غمزه أصبع مجهول غمزة عنيفة فى ظهره، غمزة واضحة لا يمكن أن تكون وهمًا، ولا يمكن أن تصدر إلا عن أصبع حقيقية.
وقبل أن يفيق من هول المفاجأة كانت هناك غمزة ثانية! وثالثة!، ثم غمزات أخرى متوالية، وبحث الأستاذ عن صوته فلم يجده، وقرر أن يلتفت إلى الوراء، ولكن عضلات جسمه جميعًا رفضت أن تطيعه، كأنما تحول إلى كتلة من الحجر الأصم على ظهر حمارته.
وفى قبضة الرعب الداهم الذى سيطر على الأستاذ لم يعد يفكر إلا فى شىء واحد.. النجاة، وخطر له أن يستغيث ولكن بمن؟ لم يكن هناك آدمى واحد فى أى مكان قريب، ولم يكن له فى الرحلة رفيق غير حمارته التى لا تفهم مثله ولا تخاف مثله، ولا يعنيها إلا أن تواصل السير.
وتكررت غمزات الأصبع اللعينة، والأستاذ مع كل غمزة منها ينخلع فؤاده، وتزداد قبضة الرعب ضغطًا على صدره، إلى أن أشرقت فى ذهنه فجأة من خلال ضباب الرعب واليأس كلمات كان الشيخ يقول إنها تطرد العفاريت، فوجد نفسه دون وعى يتشبث بها، ويستحث ذاكرته أن تستعيدها.
كان قد سخر من هذه الكلمات أمام الناس أكثر من مرة، ولكنها الآن كانت القشة الوحيدة فى دوامة الرعب التى تبتلعه، فأطبق عليها دون تفكير، ومضى لسانه يتحرك كالمحموم ويرددها بصوت كالفحيح لا يكاد هو نفسه يسمعه.
فى تلك اللحظات أحسن الأستاذ بذلة لم يجرب مثلها فى حياته، وانبثق من داخله صوت يصيح مؤنبًا: ما هذا الذى تفعله؟ هل جننت؟
ولكنه رفض أن ينصت إلى هذا الصوت وترك لسانه يردد الكلمات المنقذة دون توقف، فلم يكن يعنيه عندئذ شىء غير النجاة.. مهما كان الثمن.
إلا أن الصوت اللعين الذى انبثق يؤنبه رفض أن يدعه وشأنه، والذلة التى كان يشعر بها وهو يردد كلمات الشيخ كانت تزداد مرارتها مع كل كلمة، حتى كاد يختنق بها، وجاءت لحظات نسى فيها حتى الخوف، ولم يعد يشعر حتى بالأصبع التى تغمزه، ولا بأى شىء آخر غير هذه الذلة التى تعتصر قلبه، ولم يدر الأستاذ متى كف لسانه عن ترديد الكلمات، ولا متى كفت الأصبع اللعينة عن غمزاتها، ولكنه عندما استرد روعه وأفاق إلى نفسه كان يشعر أنه أكثر الناس مهانة على ظهر الأرض، وكانت تنساب من عينيه دموع لا يدرى كيف يحبسها.
وبعد قليل لاحت له من بعيد ثياب جماعة من الفلاحين مقبلة من نفس الطريق، فأسرع يمسح دموعه حتى لا يراها أحد، وعندما اقترب منهم شد قامته باعتداد وهو يتهيأ ليلقى عليهم السلام، وإذا بالأصبع اللعينة عندئذ تعود لغمزه، وارتبك الأستاذ، ولكن جماعة الفلاحين كانت الآن على مسافة خطوات منه، فاستطاع أن يتماسك، وسيطر على نفسه وهو يرد تحياتهم، ثم غامر مستجمعًا كل شجاعته، ونظر إلى الوراء.
لا أحد مهما كان شأنه يملك ضرًا ولا نفعًا لأحد وما يعتقده الناس فى الأولياء ليس صحيحًا
لم يكن هناك غير سلك الشمسية مغروسًا فى ظهره، يهتز مع الدابة التى يركبها، ويغمزه على إيقاع خطواتها، وانتفض الأستاذ وهو لا يكاد يصدق نفسه، ورقص قلبه بسعادة غامرة وهو يشعر أن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن صدره، لقد خدعه إذن هذا السلك اللعين، والعالم حقًا ليس فيه عفاريت، وكل ما يدعيه الشيخ أكاذيب سخيفة كما كان دائمًا يقول للناس، ومضى يستحث الدابة أن تطير به نحو القرية وهو يقول لنفسه: الحمد لله.. لم يشهد أحد ما حدث إلا هذه الحمارة البكماء.. ولكنه لأمر ما أحس بأنه لم يعد خفيفًا كما كان.
الجهلاء يعتقدون على غير الحقيقة أن الدين يمكن أن يقف عائقًا أمام العلم وتطوره
وعندما بلغ القرية واحتشد الناس حوله يسمعون منه كيف فتك بالشيخ، كانوا يشعرون بأن شيئًا فيه قد تغير، فقد كانت نظراته كثيرًا ما تطرق إلى الأرض، وكان صوته يبدو فى آذانهم أجوف، وكلماته بلا حياة، وضحكاته كاذبة.
فى مشاهد بسيطة دون فذلكة حطم صلاح حافظ أكثر من أسطورة.

الأسطورة الأولى هى أسطورة الشيخ تهامى، فقد قال بوضوح إنه لا أحد مهما كان شأنه يملك ضرًا ولا نفعًا لأحد، وأن ما يعتقده الناس فى الأولياء ليس صحيحًا.
والأسطورة الثانية هى أسطورة الجهل الذى يعتقد أصحابه أن الدين يمكن أن يقف عائقًا أمام العلم وتطوره، فالشيخ متولى الذى كان يعتبر الطائرة تخالف شرع الله، أصبح ابنه فى النهاية طيارًا.
أما الأسطورة الثالثة فهى أسطورة العفاريت.. وكأن بصلاح حافظ يريد أن يقول من خلال قصته «عفريت الظهر» أنه ما عفريت إلا بنى آدم.
فى كتابه «الأهالى.. صحيفة تحت الحصار» وبعد أن حكى حسين عبدالرازق كيف أسهم صلاح حافظ فى تأسيس جريدة «الأهالى» فهو الذى اختار اسمها، ووضع أبوابها، وحدد سياستها التحريرية، قرر أن يترك الجريدة.
يقول «حسين»: تشكل مجلس التحرير برئاسة صلاح حافظ وتوالت الإجتماعات ووصلنا إلى مرحلة التبويب وإعداد التحقيقات والتفكير فى العدد الأول، واقترح صلاح حافظ أن تصدر فى شهر يناير وأن يكون موضوعنا الرئيسى عن أحداث ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، وأن تقدم الأهالى فى أول أعدادها والأعداد التالية، وبعد مرور عام على هذه الأحداث أول تحقيق شامل يعيد وصف الأحداث كما جرت بالفعل وليس كما صورتها أجهزة الأمن والصحافة الحكومية وأسبابها ونتائجها، بالتالى حقيقة اتهام الحكومة لحزب التجمع واليسار الشيوعى والناصرى بالتدريب والتخريب، وعهد إلىّ بهذا الواجب خاصة أن اتهامى فى هذه القضية وحبسى خمسة أشهر مع المتهمين وتوفر عدد مهم من الوثائق حول هذه الأحداث.
لم تسر الأمور كما كان يريد مجلس تحرير جريدة «الأهالى»، ففجأة أعلن السادات فى ١٧ نوفمبر ١٩٧٧ عن مبادرته بالسفر إلى القدس، وقامت الدنيا ولم تقعد.
ويضيف حسين عبدالرازق: وقعت مفاجأة لم تكن فى الحسبان فبعض الزملاء والأصدقاء فى الحزب ممن ينتمون تاريخيا إلى التيار الماركسى أيدوا هذه الزيارة لأسباب مختلفة، اعتبروها خطوة صحيحة فى طريق السلام والرخاء والديمقراطية، وعبر عدد منهم عن رأيه علنًا فى الصحف والمجلات، وكان من بينهم صلاح حافظ الذى بادر بأمانة تحسب له واتساق مع النفس إلى طلب إعفائه من رئاسة مجلس تحرير «الأهالى» ما دام أنه مختلف مع الحزب فى قضية أساسية، وبالطبع لم تملك قيادة الحزب إلا الاستجابة إلى طلبه، مع الإلحاح عليه فى مواصلة التعاون مع المولود الجديد الذى صاغ مع الآخرين ملامحه الأساسية فقبل.
فى كتابه «صلاح حافظ مايسترو الصحافة» وصف رشاد كامل تخلى صلاح حافظ عن رئاسة مجلس التحرير وفى هذا الوقت الحرج، حيث كان مقررًا أن تصدر الأهالى خلال شهر يناير ١٩٧٨ أى بعد أقل من شهرين بأنه كان ضربة لا يمكن التقليل من شأنها.
كان صلاح حافظ أمين مع نفسه يعبر عما يرى أنه صحيح، بصرف النظر عن وجهة الآخرين فيما يقوله، ورغم أن السادات كان قد أبعده عن رئاسة تحرير «روزاليوسف» فى يناير ١٩٧٧ بسبب تحقيق المجلة عن مظاهرات الجوع، إلا أنه كان منصفًا معه، وهكذا كان صلاح دائمًا.

قصة «عفريت الظهر»
فبينما كان كل يسار العالم العربى وفى مصر أيضًا- كما يشير رشاد كامل- يشنون أكبر حملة ضد السادات ومبادرته كتب صلاح حافظ فى ٥ ديسمبر سنة ١٩٧٧ مقاله «رحلة السادات وخطيئة العرب» جاء فيه: إن الحملة على السادات خطيئة كبرى يكرر بها العرب خطاياهم السابقة التى أضاعت فلسطين، وأن زيارة السادات لإسرائيل لم يحرمها قرآن ولا إنجيل ولم تكبد العرب خسارة شبر من أرضهم الحالية.
واختتم صلاح حافظ مقاله بالقول: إن السادات عندما قرر أن يزور إسرائيل لم يعرض للخطر أى حق عربى، ولم يغامر إلا بمستقبله الشخصى فى سبيل الهدف العربى، أما الحملة على السادات فتعرض للخطر مستقبل العرب جميعًا وتغامر بمستقبل الأمة العربية كلها، والسادات لديه أكثر من حجة صحيحة ومقنعة تفسر إقدامه على هذه المبادرة التاريخية الجريئة، ولكن خصومه ليست لديهم أية حجة تفسر إصرارهم على استثمار هذه الزيارة فى تصفية المعسكر العربى وإنهائه، أيها العرب اتحدوا لا تمزقوا معسكركم بأيديكم ثم تتعزوا على الكارثة وتخدعوا ضمائركم بإلقاء التهمة على السادات.
كانت هذه مقدمة ضرورية لرصد إنصاف آخر من صلاح حافظ للسادات، لكن هذه المرة بعد موته.
فبعد اغتيال الرئيس السادات فى ٦ أكتوبر ١٩٨١ انحاز اليسار المصرى إلى قتلة السادات، وذهب محامون يساريون يدافعون عنهم فى المحكمة، فارق صلاح رفاق اليسار وكتب فى «روزاليوسف» فى ٢٦ أكتوبر ١٩٨١ مقالًا ينحاز فيه إلى السادات ويضع خطة لمواجهة القتلة والأفكار المتطرفة.. والإرهاب.
المقال تاريخى ومهم وفارق وتأسيسى، وهو ما يمكن أن نتأكد منه بعد قراءته، يقول صلاح:
ليس هذا -فى مصر- وقت تسوية أى حساب، لا حساب السادات، ولا حساب عبدالناصر، ولا حساب عرابى، ولا حساب إخناتون، القضية فى مصر الآن هى تطهيرها من الإرهاب.
فعندما يتكلم الرصاص لا يعود أى حوار، ولا يمكن التفكير فى أى مستقبل، ويستحيل عمليًا أن نسوى أى حساب.
لكن الماضى -مع الأسف- يعيش فى الحاضر.
والمناخ الذى أتاح للقتلة أن يعبثوا بمصير مصر لا يجوز أن نسمح باستمراره، أو نؤجل محاكمته وإدانته، وإلا كان معنى ذلك أننا نمنح القتلة فرصة أخرى لذبح مصر فى ظروف أنسب.
قتل المتآمرون الرئيس السادات فى وضح النهار، وفى وسط جيشه، وبين مسئولى دولته.
وكانت جريمتهم جزءًا من انقلاب «خومينى» عام، وكان القتلة فرعًا من شبكة شاملة، ومع ذلك نشرت الصحف تصريحًا لمسئول لم يعلن اسمه يقول فيه إن التحقيقات أثبتت أن هؤلاء الأربعة لا صلة لهم بأية جهات أخرى.
لماذا تطوع هذا المسئول وبهذه السرعة بتبرئة الشبكة التى كان رجل الشارع -بحسه الفطرى- قد أدانها مقدمًا.
ثم جاءت أحداث أسيوط على إثر جريمة الاغتيال، وأدرك ملايين المصريين أنها الفصل الثانى فى مخطط الشبكة الإجرامية، ولكن التقارير الرسمية أسرعت تفصل ما بين الجريمتين، وتؤكد أن توافقهما مجرد مصادفة، ولا صلة بين فريق القتلة هنا وفريق القتلة هناك.
تبرئة أخرى تتطوع بها الدولة، لتعفى أسيوط من دم السادات، ثم يأتى بعد ذلك دور الصحافة ودور التليفزيون.
فى صحيفة «مايو» -وهى صحيفة الحزب الحاكم- يتبرع أستاذ جامعى كبير بتحليل ما جرى، واقترح العلاج، فيتلخص اقتراحه فى تشكيل لجنة من المفكرين لتصحيح المفاهيم التى يدين بها هذا الشباب المضلل.. بفتح اللام.
وفى التليفزيون يظهر مدير أمن أسيوط ويقول ببساطة إنه يعرف شخصيًا كل الذين قتلوا الأبرياء هناك، وأنهم كانوا يزورونه فى مكتبه، وكان يناقشهم لتصحيح أفكارهم.
أى أنه سواء كان المتحدث أستاذًا فى الجامعة أو قائدًا من رجال الأمن، فإن عقيدته هى مقاومة القتل بالتنوير، ومحاربة الجريمة من خلال اقتلاع جذورها الفكرية.
وهذا لا شك تفكير بالغ التقدم والرقى.
ولكن لماذا لم يطرح نفسه إلا بمناسبة التعامل مع القتلة بالذات؟
أين قرع الطبول وصليل السيوف وصرخات الحرب التى ألفناها ضد المنحرفين والمتمردين إلى آخر هذه التسميات التى وصف بها أتباع مختلف التيارات الفكرية الذين لم يحملوا قنبلة، ولم يختزنوا مدافع، ولم يقتلوا زعيمًا ورئيس جمهورية.
ليس هذا اتهامًا لأحد.
لا للمسئول الذى صرح بأن قتلة السادات غير متصلين بأية جهة أخرى، ولا للتقرير الذى زعم أن حوادث أسيوط غير مرتبطة بحادث الاغتيال، ولا لأستاذ الجامعة أو مدير الأمن اللذين يؤمنان بجدوى الحوار مع عصابات القتلة.
فكل هؤلاء فى اعتقادى ضحية مناخ عام ساد الدولة ذاتها.
ضحية فكرة سياسية كانت تتلخص فى أن تشجيع الحركة الدينية هو السياج الذى يحمى الشباب من التطرف السياسى.
لكن الدولة لم تدقق فى نوع الحركة الدينية التى يمكن أن تخدم هذا الهدف، وبدلًا من أن تزرع هى فكرًا دينيًا متنورًا ومعاصرًا وقادرًا على الحوار ومقاومة التطرف، أعطت الضوء الأخضر لحركة لها تاريخ فى التطرف والغوغائية والاغتيال، ومن أجل الوجه الدينى لها تجاهلت الوجه العنصرى والفاشستى، واعتبرته عيبا يمكن التحكم فيه، وتدارك خطره، ما دام رجال الأمن على علم بأشخاص الحركة وتنظيماتها، وعلى حوار متواصل مع زعمائها.
ولكن منذ متى كانت العنصرية أو الفاشستية مما يمكن الحوار معه؟ إن وجودهما أصلًا يناقض العقل، ومصدر وقودهما العواطف والانفعال، وحجر الأساس فى بنيانهما رفض كل تراث فكرى سابق عليهما، مهما يكن مصدره.
وقد كانت هذه الحقيقة -التى تجاهلتها الدولة- مصدر الكارثة التى دفع الرئيس الراحل ثمنها بحياته. تفرغت الدولة لمخاطبة عقول القتلة والحوار الودى معهم والصبر الطويل إلى أن يتنوروا.
بينما تفرغ القتلة لتكديس السلاح وإحكام الخطط وتجنيد الأنصار وغسل العقول.
واستفاد القتلة كثيرًا من الأسلوب الودى الذى اتبعته الدولة فى التعامل معهم واستفادوا أكثر من الصرامة التى اتبعتها الدولة فى التعامل مع كل تطرف آخر غير تطرفهم، فالتطرف اليسارى والتطرف الناصرى والتطرف الوفدى والتطرف الليبرالى تولت الدولة بنفسها -وبأجهزة إعلامها- إدانته، وفض الأنصار من حوله، وتركت التطرف الدينى وحده فى الساحة، تنقده أحيانًا، ولكن برفق، وحين يسبها تقول له: عيب كده، وحين يتحدى سلطتها تكتفى بقرص أذنه.
وكان طبيعيًا أن يرسخ فى الأذهان أن التطرف الدينى بالذات يتمتع باستثناء خاص.
وبدأ المسئولون فى أجهزة الدولة ومؤسساتها يعاملون هؤلاء كما كانت مصر أيام الاحتلال تعامل أصحاب الامتيازات الأجنبية، لا يجرؤ رئيس على محاسبة مرءوس غائب، إذا قال المرءوس إنه كان يصلى، ولا يعترض المدير إذا قرر الفراش تحويل مدخل المؤسسة إلى مسجد، ومنع دخول الجمهور خمس مرات فى اليوم، وانتهز الموظفون الفرصة فى بعض المصالح التى تخدم الجمهور-كالجمعيات الاستهلاكية- وألغوا مواعيد العمل الرسمية، ووضعوا المواعيد التى تروق لهم، على زعم أنهم فى غيرها يذهبون إلى المسجد لأداء فريضة الصلاة.
والسلطة فى أى مكان من الدنيا ليست قوة فقط، وإنما هى قبل القوة هيبة.
الدولة فى السبعينات أعطت الضوء الأخضر لحركة لها تاريخ فى التطرف والغوغائية والاغتيال
وقد أتاحت الدولة وهى مطمئنة إلى قوتها، أن يفرض هؤلاء هيبتهم وأن يتغلغلوا بهذه الهيبة داخل جهازها نفسه، إلى أن يستكمل رفاقهم إعداد ما يلزم من قوة لانتزاع السلطة بأكملها.
الشىء الوحيد الذى أفسد هذا التدبير هو أن جناح القتلة -كالعادة- لم يصبر حتى ينضج التدبير، تمرد كما حدث فى جميع المرات السابقة على قادته السياسيين العقلاء، وضرب ضربته مبكرًا، ونجح فيها، ولكنه فى الوقت نفسه دمر الخطة كلها، إذ إنه أيقظ الدولة إلى ما يراد بها، وأتاح لها -فى الساعة الرابعة والعشرين- أن تهب لإنقاذ سلطتها، وإنقاذ مصر من القبر الفاشستى الرهيب الذى كان محفورًا لها.
صحيح أن الثمن كان دم الرئيس السادات، ولكن هذا الثمن اشترى حياة مصر، وأيقظها وهى على حافة الهاوية، وأنقذها من خرافة الاستعانة بالتطرف الدينى لمقاومة التطرف السياسى.
وليس مفهومًا -بعد هذا الدرس القاسى وهذا الثمن الفادح- أن نظل نسمع أصواتًا تزعم أن اغتيال الرئيس السادات كان عملًا فرديًا، أو أن تيار العنصرية الفاشستى فى مصر لا صلة له بها، أو أن أموال هذا التيار وأسلحته ليس لها مصدر أجنبى أو أن مقاومته لا تحتاج إلى أكثر من الحوارر الهادئ والتنوير الأبوى العطوف، إن هذه النغمة معناها أننا لم نجزع بعد بما فيه الكفاية للثمن الذى دفعناه، وأننا مصممون على إتاحة فرصة أخرى للتدبير الذى فشا.
وأنا لا أتهم أصحاب هذه النغمة، ولكننى أطالبهم -باسم مصر - أن يكفوا عنها، على الأقل فى الوقت الحاضر، فالذى يفيد مصر الآن هو أن تتيقظ وتقلق، لا أن تتخدر وتستهين بالخطر.
صحيح أن المبالغة فى تصوير الخطر لها أضرار، ولكن أضرار التقليل من شأنه أخطر وأفدح.
وقد لطف الله بمصر وأنقذها من مذبحة كانت مدبرة لها، وأنقذ النيل من أن يتحول إلى نهر دم، ولكن ليس معنى هذا أن نكرر الأخطاء نفسها التى عرضت مصر للدمار، أو أن نواصل الكلام نفسه ونشيع المناخ نفسه.
لقد أنقذنا الله هذه المرة، وتدخلت عنايته لحماية سلام هذه البلاد.
لكن عناية الله لن تسعفنا فى المرة القادمة، لأنه قضى - جل جلاله- بألا يعين إلا الذين يعينون أنفسهم وألا يحمى الذين يلقون بأيديهم إلى التهلكة.
قد يأخذ البعض على صلاح حافظ توجهه فى هذا المقال، لكننى اعتبرته تاريخيًا ومهمًا وتأسيسيًا، لأنه يضع الخريطة الصحيحة لمواجهة القتلة، فالحوار لا يجدى معهم، عندما يرتفع صوت الرصاص لا مكان للكلمة، وأعتقد أن صلاح فعل ذلك من خلال خبرته السياسية والأدبية العريضة، فالحوار مع هؤلاء تبديد للطاقة والوقت، والحل الصحيح هو الوقوف أمامهم بما يليق بإجرامهم وتطرفهم ورغبتهم فى سفك الدماء.
كان صلاح حافظ فى مقاله «ضد قتلة السادات» ابنًا لتجربته السياسية، لكنه كان ابنًا كذلك للخيال الذى كان يملكه، ووضع من خلاله تصورات مهمة لم يلتفت لها كثيرون، وهو ما فعله فى مقاله الذى نشره فى مجلة «الغد» عدد ١ ديسمبر ١٩٨٦، عن القصص الدينى وكيف نتعامل معه، وقد قدم رؤية أعتقد أننا لم نصل إليها حتى الآن رغم مرور ما يقرب من أربعين عامًا على هذا المقال.
يرى صلاح أن القصص الدينى يلعب دورًا أساسيًا فى تشكيل وجدان العوب، ذلك أنه ليس مجرد تاريخ، وإنما وعاء للحكمة، ومرجع للقيم الفاضلة التى لا تتبدل على تعاقب الأيام والحكام والأنظمة، وفى الماضى لم يكن لقصص الدين أو قصص الدنيا أداة غير الكلمة، ولم تكن هناك أداة غيرها للتنوير ونقل المعرفة، وكان أبلغ الناس أثرًا فى صياغة وجدان الإنسانية هم أقدرهم على تطويع الكلمة، وامتلاك ناصية البيان، لكن الكلمة لم تعد وحدها الآن فى الميدان، صاغ الإنسان أدوات أخرى تنافسها وتقاسمها شرف أداء رسالتها.
يرصد صلاح ما جرى، يقول: فى عصرنا زحفت هذه الأدوات حتى كادت تهدد عرش الكلمة، فالأعمال الأدبية أصبح الناس يقرأونها على شاشة السينما، والأفكار الاجتماعية والسياسية أصبحت تخاطبهم فى ثياب الدراما المسرحية، والمعارف التى كان يتلقاها الطالب على صفحات الكتاب أصبحت ترتسم أمامه على شاشة الفيديو حية نابضة متحركة، ولم يعد فى مقدور الكلمة المكتوبة -مهما تكن بلاغتها- أن تنافس هذه الأدوات الجديدة فى مخاطبة الناس والتأثير عليهم، فهى لا تخاطب إلا الفئات القادرة على القراءة، بينما هذه الأدوات تخاطب الكافة، وتستطيع إبلاغ رسالتها لمن لم يقرأ فى حياته حرفًا، ولم يدرك الفرق بين الألف وعود القصب.
ويضيف: معنى هذا أن مهمة تشكيل الوجدان أصبحت فى قبضة فرسان جدد، غير فرسان الكلمة، وقد يكون هؤلاء الجدد تلاميذ لدى فرسان الكلمة، يستلهمون الفكر والعلم والقيم، لكنهم فى النهاية الذين يبلغون الرسالة، والذين يستحوذون على عقول الناس وقلوبهم، ولا يتركون لفرسان الكلمة إلا جمهور الخاصة من القراء.
هذه الحقيقة العالمية لم ننتبه إليها -كما يقول صلاح- فى بلادنا العربية إلا متأخرين، فنحن أمة لم تفصح عن نفسها منذ فجر التاريخ إلا بالكلمة، ولم نتصور أداة غيرها للتعبير، وفى الجاهلية كان بيت من الشعر يرفع قبيلة ويخفض أخرى، ثم جاء الإسلام فكان سلاحه ودستوره ومعجزته آيات من بيان الكلمات، وطبيعى ألا تقبل مثل هذه الأمة أدوات التعبير الأخرى بسهولة، وأن نرتاب مقدمًا فى كل أداة غير الكلمة الصريحة المباشرة، وطبيعى عندما نقبل فى النهاية استخدام هذه الأدوات، ونوظفها فى عالم الفكر والتثقيف والتنوير أن نتردد فى دعوتها إلى ساحة المقدسات الدينية.
كان لما فعلناه نتيجة ليست فى صالحنا، يقول صلاح عنها: النتيجة أن معظم قصص السيرة، وتاريخ المسلمين الأوائل ظل مصونًا على صفحات الكتب، ولم يسمح لأدوات التعبير المعاصرة بأن تنشره على الناس إلا فى أضيق الحدود، وبشروط يختلف بشأنها الفقهاء من بلد إلى بلد، وإذا كان هذا حال قصص السيرة والمسلمين الأوائل، فما بالك بقصص القرآن الكريم، لا يمكن عمليًا عقد أية مقارنة بين المحاذير التى يواجهها من يتعرض للسيرة وتاريخ المسلمين الأوائل، وبين تلك التى يواجهها من يتعرض لقصص القرآن الكريم، فغاية ما يحذره الذى يصور السيرة وتاريخ المسلمين الأوائل ألا يضع على المسرح، أو على الشاشة، صورة أحد الصحابة أو التابعين.
الذى يحاول تصوير قصص القرآن الكريم فإن عليه أن يغربل التفاصيل التى - سيرويها لكى يميز بين ما هو إسلامى منها وبين ما هو إسرائيليات أو خرافات تسللت إلى كتب الرواة
ويخرج صلاح من قصص السيرة إلى القصص القرآنى، فيقول: أما الذى يحاول تصوير قصص القرآن الكريم، فإن عليه أن يغربل التفاصيل التى سيرويها، لكى يميز بين ما هو إسلامى منها وبين ما هو إسرائيليات أو خرافات تسللت إلى كتب الرواة، وعليه لكى يؤدى هذه المهمة أن يلجأ إلى علماء الدين وفقهائه، يسألهم الهداية، فإذا بهم مختلفون، ثم يأتى بعد هذا دور صياغة القصة، والشخصيات التى تؤديها، فالفنان لا يعرف أى شخصيات القصص القرآنى يجوز ظهوره، وأيها لا يجوز، وبعض العلماء يقصر التحريم على الرسل المبعوثين، وبعضهم يسحب التحريم على زوجاتهم وأبنائهم، والفنان لا يجرؤ أن يخالف هذا أو يخالف ذلك، لأن الأمر يتعلق -فى النهاية- بقدسية القرآن الكريم.
لهذا الأسباب كلها -كما يرى صلاح- لم يجرؤ فنان عربى حتى الآن على صياغة عمل على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة يروى قصص القرآن، ورسخ فى ضمير الفنانين العرب أن عملًا كهذا لا يجوز أن تتصدى له غير الجهات الرسمية، التى تملك الاستعانة بكبار رجال الفقه، وتملك التواصل إلى رأى شرعى حاسم فيما يتعلق بتفاصيل ما يعرض على الشاشة، وتملك فوق هذا ما يلزم من نفقات لكى يظهر العمل الفنى فى الصورة المشرفة التى تليق بقدسية ما يتناول من نصوص، ومضت الأيام والفنانون محجمون، والجهات الرسمية من جانبها لا تجد ما يدعوها إلى التصدى لمهمة مثقلة بالمحاذير كهذه المهمة، وكان أول من دفع ثمن هذه الورطة هو الطفل العربى المعاصر.
يمسك صلاح بما حدث للطفل العربى الذى هو بالنسبة له ضحية لعدم الجرأة على تصوير القصص القرآنى وقصص السيرة بالأدوات الحديثة، يقول: هذا الطفل -مثل كل أطفال العالم- أصبح يتلقى معظم أفكاره ومعارفه وقيمه من منصة المسرح أو شاشة السينما والتليفزيون، وهو مثل أطفال العالم، يتلقى الكثير من صور الواقع المعاصر الأليم، يتلقى الكثير من صور الواقع المعاصر الأليم، ومن صور الشذوذ والقتل والقسوة والخرافات، لكن أطفال العالم يتلقون -مع هذه الصور- صورًا من التراث الدينى، تنافسها وتعارضها وتسعى إلى التوازن معها، بينما الطفل العربى لا يتلقى غيرها، لأن تراثه الدينى لم يتح له بعد أن يظهر ويزاحمها، صحيح أنه يتلقى هذا التراث الدينى فى المدرسة، لكنه يتلقاه بلغة الكبار، لا بلغة التليفزيون، والمعلمون يلقنونه القصص الدينى كنصوص، ويلقنونه حكمة هذا القصص كما يدركونها هم، لا كما تتسع لها مداركه هو، والنتيجة أن هذه القصص فى المدرسة تتحول إلى تلقين لا إلى تربية وإلى تحفيظ لا إلى تنوير.
لم يكن صلاح حافظ صاخبًا فيما قدمه ويمكننا أن نعتبره يصب فى نهر تجديد الخطاب الدينى، وربما لهذا لم يلتفت إليه كثيرون، لكن ما الذى يمنعنا أن ننصت إليه الآن، خاصة أن ما قاله سهل تطبيقه، هذا إذا أردنا ذلك بالفعل.






