جعلونى ملحدًا.. نظرات محمد حسنين هيكل فى تجديد الإسلام
- هيكل تحدث عن «الجنة والنار» وقال: ربما كان القصد من ذكرهما هو الرمز للخير والشر
- البعض رأى أن هيكل لا يؤمن بالثوابت الدينية وتحديدًا فيما يتعلق بما بعد الموت
- لم يكن هيكل فقيهًا ولم يكن متخصصًا فى أمور الدين لكنه كان صاحب رؤية فيما يجب أن يكون عليه الدين
- رجال الدين لا يقدمون إلا القوالب المرصوصة والعبارات التى أصبحت وكأنها كليشيهات محفورة
فى صيف العام 2007، بدأت مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية أولى دوراتها التدريبية فى مقر الجامعة الأمريكية بميدان التحرير، وكان ضيف هذه الدورة الكاتب الصحفى الأمريكى الكبير سيمور هيرش.
كنت حاضرًا لهذه الدورة بتوصية مباشرة من الأستاذ، الذى جلس فى افتتاح أعمال الدورة الأولى مع المشتركين فيها، وكنا ظهر يوم الجمعة، امتدت الجلسة كثيرًا، وفوجئ هيكل بأن بعض الموجودين يشيرون إليه إشارات متتالية، وعندما لم يلتفت إليهم، قال أحد الموجودين: عايزين نلحق صلاة الجمعة يا أستاذ.
ابتسم هيكل وهو يحاول أن ينهى كلمته سريعًا، قائلًا: الله.. هو فيه حد منكم هنا بيصلى؟
تباينت ردود الأفعال، وفهم البعض أن الأستاذ هيكل لا يريد لأحد أن يصلى، وبدأوا يتهامسون فيما بينهم بأن هذا طبيعى، فالأستاذ فى الأساس ملحد ولا يلتفت لمثل هذه الأمور.
خرج الأستاذ من القاعة، وتصادف أننى كنت فى طريقه، فقلت له ضاحكًا: الناس اعتقدت أنك ضد الصلاة يا أستاذ.
فقال مبتسمًا: أنا لست ضد شىء.. الصلاة أمر خاص بين الإنسان وربه، ولا يستطيع أحد أن يمنع أحدًا من الصلاة أبدًا.
عندما كنت أفتش فى حياة الأستاذ هيكل، وجدت أن هناك حالة من اللبس شديدة التعقيد فيما يتعلق بعلاقته بالدين، وهذا اللبس وقفت وراءه محاولات الإيقاع به وشيطنته بدوافع سياسية من خصومه، أو من يريدون أن يتقاطعوا معه لإثبات وجودهم.

الغريب أن أول من فعلها كان الرئيس السادات نفسه، بعد أن اشتعل بينهما الخلاف الذى كانت نتيجته إخراج هيكل من موقعه بمؤسسة الأهرام فى فبراير ١٩٧٤.
ففى خطابه الشهير الذى ألقاه الرئيس السادات فى ٥ سبتمبر ١٩٨١ ليبرر قراره باعتقال ١٥٣٦ من مختلف الأطياف السياسية، أهال التراب على من شملهم القرار، ورغم أن الأوضاع كانت مرتبكة والأمور ملتبسة، فإن كلمات الرئيس الغاضبة حصدت تصفيقًا هائلًا.
فى كتابه «خريف الغضب» يذهب هيكل إلى أن ما قاله الرئيس السادات فى ٥ سبتمبر لم يكن كافيًا فيما يبدو، فظهر مرة أخرى يوم ١٥ سبتمبر على شاشات التليفزيون ليتحدث إلى الأمة كلها.
يقول هيكل: «كان الرئيس السادات يريد أن يبدو حديثه من القلب، لكنه لم يلبث أن شرد من موضوع إلى آخر، وكان أداؤه مما يدعو إلى الرثاء، ومضى ساعة فى هجوم مباشر علىّ موجهًا إلىّ خمسة اتهامات».
كان من هذه الاتهامات- ويهمنا هنا- ادعاؤه بأن هيكل ملحد، وأنه اعترف بنفسه للرئيس بذلك.
فى حديث ١٥ سبتمبر ١٩٨١ التليفزيونى، قال السادات عن هيكل: «هو دايمًا يحب يبان علشان محدش ياخد عليه عملية الدين دى، ليه؟ لأنه هو فى عملية الدين زى ما قال لى أنا شخصيًا، واليوم لم يعد من حقى أن أخفيها أبدًا، وزى ما يعرفوا كل من عملوا معه فى الأهرام أو فى غيرها، هو رجل لا يؤمن بالأديان، هو ملحد، ويهزأ بالصيام فى رمضان علنًا، فى الأهرام كان يتغدى علنًا فى الظهر ويلم الناس هناك فوق فى الأهرام للغدا».
ورغم أن السادات كان يتحدث من موقع الخصم، فإن هناك كثيرين صدقوا ما قاله، وبدأوا يرددون تهمة إلحاد هيكل كلما واتتهم الفرصة.

لم يرد هيكل هذه التهمة بشكل مباشر أبدًا، كان يكتفى بإشارات واضحة تعبر عن موقفه.
فى حوار أجراه معه مفيد فوزى ونشرته مجلة صباح الخير فى ٢١ يناير ١٩٨٢، سأله مباشرة: ما مدى إيمانك الدينى؟
فرد هيكل مباشرة أيضًا: علاقة الإنسان بربه ليس من حق أحد أن يناقشها.
أمسك خصوم هيكل بهذا الاتهام، وبدأوا فى حشد ما يدل عليه.
ومن بين ما فعلوه أنهم كان يرددون أن هيكل عندما كان رئيسًا لتحرير الأهرام، وكان يتابع مع محرريه نزول الأمريكان على القمر فى العام ١٩٦٩، قال لمن حوله: «إن التقدم العلمى على وشك تغيير أكثر الوثائق سموًا».
واستندوا، كذلك، إلى الحوار الذى دار بين هيكل وعبدالناصر فى فندق «النيل هيلتون» قبل أيام من رحيل عبدالناصر، وسجله هو بدقة فى كتابه «الطريق إلى رمضان»، حيث أخرجوه من سياقه، وراحوا يشهّرون بهيكل من خلاله.
يمكننا أن نفتح معًا كتاب «الطريق إلى رمضان»، لنقرأ هذا الحوار:
هيكل: إنه لجميل أن يقيم الإنسان فى الفندق بين الحين والحين كنوع من التغيير.

عبدالناصر: أنا لا أجد ذلك جميلًا.. إنه كـ«القشلاق».. أنا جائع، أتظن أن الطعام هنا فى الهيلتون مختلف عن الطعام الذى آكله فى البيت؟
هيكل: المسألة تتوقف على ما الذى ستطلبه.
عبدالناصر: أريد بعض الساندوتشات.
هيكل: هذا ليس نوع الطلب الذى يجب أن يُطلب فى فندق كالهيلتون.
عبدالناصر: وماذا يطلب الناس فى الهيلتون عادة؟
هيكل: عادة فى منتصف النهار لا يطلبون ساندوتشات جبن، ربما طلبوا كانابيه «قطع صغيرة من الخبز المستطيل بالسالمون المدخن»، وربما بعض المارتينى.

عبدالناصر: المارتينى.. ألا يخشون أن يكون ذلك سببًا فى دخولهم النار فى الآخرة؟
هيكل: إنهم يعتقدون أن الله غفور رحيم، وإن المهم هو تصرفات الإنسان وسلوكه.
عبدالناصر: هل أنت مؤمن؟
هيكل: أجل.. بالقطع أنا مؤمن.
عبدالناصر: إذن قل لى ماذا بعد الموت؟
هيكل: ذلك السؤال بالغ الصعوبة، وأعتقد أن الجنة والنار هما هنا فوق هذه الأرض، وربما كان القصد من ذكرهما هو الرمز للخير والشر، وفى إمكاننا نحن أنفسنا أن نجعل من حياتنا جنة أو نارًا.. بعد الموت فربما كانت النهاية.

عبدالناصر: أتعنى أن من يفعل خيرًا على هذه الأرض لا يدخل الجنة؟
هيكل: لا أدرى، إنما أظن أن الجنة والنار رموز.
عبدالناصر: ذلك يعنى أننا بالموت ننتهى.. وهذا كل شىء.
هيكل: هذا كل شىء.
عبدالناصر: هذا ليس مطمئنًا.
ورغم أن هذا الحديث يدور بين الناس آلاف المرات، إلا أن هناك من جعل منه دليلًا على أن هيكل كان رجلًا لا يؤمن بالثوابت الدينية وتحديدًا فيما يتعلق بما بعد الموت، وأنه لم يكن يرى فى الجنة والنار إلا رموزًا، وأن كل شىء ينتهى هنا فى الدنيا، وأنه لا شىء بعد الموت.

وبنفس التفسير المتعسف لحوار هيكل مع عبدالناصر، كان هناك تفسير متعسف آخر لحوار دار بين هيكل مع الأديب الفرنسى «أندريه مالرو»، وكان قد دار بينهما بعد شهور من حواره مع عبدالناصر، كان فى ١٥ يناير ١٩٧١، على النحو التالى:
مالرو: ماذا تقول عن الموت؟ أنا أرى أنه الحقيقة النهائية.
هيكل: قد أختلف معك.
مالرو: أعرف لأنك مسلم فأنت تعتقد أن هناك عالمًا آخر بعد الموت تمتد إليه حياتنا فى الدنيا.
هيكل: لا.. لأسباب أخرى.. ما يمكن أن تتركه حياة أى إنسان منا على هذه الأرض من أثر، ثم تراكم هذه الآثار وما نقدر على صنعه من قيم إنسانية، ثم استمرار هذه القيم وتطورها وامتدادها مع امتداد الحياة نفسها.
مالرو: أختلف معك.. وأصدق ما قاله الزعيم السوفيتى ستالين من أنه مهما فعلنا فإن الموت هو المنتصر الأعظم فى النهاية.
كان الإخوان أكثر من أمسكوا باتهام هيكل بالإلحاد، وربما استندوا لعبارة عابرة فى كتاب «الإسلام فى وجه الزحف الأحمر» الذى أصدره الشيخ محمد الغزالى فى العام ١٩٨٤، والذى كان يعلق على زيارة سارتر إلى مصر، وقال: «بخصوص زيارة الفيلسوف الوجودى جان بول سارتر وسيمون دى بوفوار إلى القاهرة عام ١٩٦٨ بدعوة من هيكل، أن هذا الأخير قد أعلن عن أننا سنهاجم الشيوعية إذا هاجمت الدين، لكنه سمح مع ذلك لممثلى الإلحاد وإلغاء العادات والتقاليد بالدعاية لفلسفتهم فى المجتمع العربى».

وعندما أصبح هيكل خصمًا واضحًا للإخوان فى زخم الحراك ضدهم بعد وصولهم الحكم، وقاد حملة صحفية من خلال حواراته وأحاديثه التليفزيونية ضدهم، عادوا لاتهامه بالإلحاد مرة أخرى، وكانت ذروة الاتهام فيما قاله مذيع الجزيرة أحمد منصور، عندما كتب على حسابه على تويتر: «هيكل المرشد الأعلى للانقلاب يفخر بأنه ملحد، وأوصى بحرق جسده بعد موته، لكنه تراجع بعد ضغوط من حوله، ويركز هجومه على الإخوان من منطلق كراهيته للإسلام».
إننى هنا لا أرد الاتهام عن هيكل، فإيمانه أو عدم إيمانه أمر خاص بينه وبين ربه، لكننى فقط سأستعين بما قاله هو عن علاقته بالدين، وبعدها يكون الحكم لكم.
عندما كانت الكاتبة الكبيرة سناء البيسى رئيسة لتحرير مجلة «نصف الدنيا»، أجرت حوارات مطولة مع هيكل، وكان من بين الأسئلة التى وجهتها له فى حوارها الممتد معه ونشرته على عدة حلقات سألته: كيف تنظر إلى الله من خلال الاكتشافات العلمية؟

وأجاب هيكل: أعتبر الله فى قلبى وفى عقلى، وكثيرًا ما تكلمت عن الأفكار المادية والإنسانية والعقلانية، وأن الأفكار الثلاثة تترابط مع بعضها البعض، لأن الإنسان لديه احتياجات مادية، ولكن لديه عقلانية الحياة تفقد كل قيمتها إذا تكلم المرء فقط عن المادة، ولا يعود هناك معنى للحياة، ضرورة الحياة أن يبقى عندك البعد العقلى والبعد الإنسانى والبعد الإيمانى، لأن الإنسان فى النهاية كائن واحد.
وفى حوار أجراه معه الباحث الأردنى جمال الشلبى وضمنه فى كتابه «محمد حسنين هيكل.. استمرارية أم تحول» ونشره فى العام ١٩٩٩، سأله الشلبى عن النبى محمد، فقال هيكل: الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لم يرس فقط معتقدات إيمانية وممارسات دينية، بل أرسى نمط سلوك كامل يجب أن ينظم المجتمع من حوله، فالإسلام يحدد العلاقات بين الإنسان وربه، كما يحدد العلاقات بين الناس أنفسهم، هذه المعتقدات والممارسات صالحة لجميع الأزمان، وعلى المؤمن أن يقتنع بصلاحيتها العالمية الخالدة.

ويقول هيكل: إن كان هدف المجتمعات هو الاستقرار والترقى والتقدم، فإن الدين كفل هذا مباشرة فى عصور معينة، لكن جاءت عصور أخرى فى الاجتهاد الإنسانى أضافت إلى تعاليم الدين الكثير من الثراء، إن ذلك لم يحدث عندنا فقط، وإنما حدث فى الدنيا كلها، ونحن شأننا شأن غيرنا سرنا فى التطور، الدين موجود ركيزة، لكن التجربة الإنسانية أضافت وبنت حوله الكثير، وليس هناك شىء اسمه أصالة ولا آخر اسمه المعاصرة، أنا إنسان، إذن أنا حى.. ومن ثم فالموروث فاعل والمكتسب أيضًا فاعل، وكلاهما يتسق فى داخلى.
ويضيف هيكل: المشكلة أنك لا تستطيع أن تكون انتقائيًا، إذا أردت أن تسير فى طريق فعليك أن تقطعه حتى النهاية، ولا تستطيع أن تقول إنك هنا علمانى، وهنا إسلامى، المجتمعات لا بد أن تتسق مع نفسه، أنت اخترت، أنا لا أناقش اختيارك، ولكن امض فى اختيارك حتى النهاية، لا ترجع من منتصف الطريق، ومن ثم لا يجوز تضييع الوقت فى بلادنا بأن الدين سياسة أم لا؟ فهو سياسة، وقد حدث ذلك باختيارنا، وبكل مواثيقنا التى عملناها.

لم تنفصل آراء هيكل فى الدين عن نشأته الدينية، وقد تحدث عنها كثيرًا فى سنواته الأخيرة.
فى حواره مع سناء البيسى، قال: أتينا إلى بلدة ديروط الشريف قبيلة من بلاد العرب عبرت، وتركت فروعها فى كل مكان حتى استقرت فى صعيد مصر، ثم هاجر جدى لأبى إلى الشمال وجاء والدى بتجارته إلى القاهرة، وتلقيت دروس تحفيظ القرآن فى مندرة جدى لأمى فى حى الحسين مع أطفال العائلة من الشيخ قاسم فى بيت جدى بالحسين، كان الشيخ قاسم موظفًا مستديمًا لدى جدى، وكان من يحفظ جزءًا كاملًا من القرآن يجازى من الجد جزاء حسنًا، فإذا ختم المصحف فنصيبه جنيه ذهبى، وكان يحضر معنا أحيانًا دروس القرآن بعض أطفال بيوت جيراننا، ومنهم بيت الرافعى وبيت الرزاز، وكان جدى يصطحبنى معه إلى سيدنا الحسين لأجلس إلى جواره فى مقصورة المسجد لأستمع إلى مشاهير العلماء والقراء فى ذلك الوقت: الشيخ على محمود والشيخ على حزين والشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى.

من وقتها والأصوات الجميلة الندية تطربنى، لدرجة أننى كنت أقول لمن حولى مبتسمًا وربما ساخرًا: لو أن صوتًا لا يتقن التلاوة أو به نشاز قرأ القرآن على قبرى فإننى قد أموت فيها.
وفى حوار مطول مع الكاتب محمد الشافعى عندما كان رئيسًا لتحرير مجلة «الهلال» تحدث هيكل أكثر عن نشأته الدينية.
يقول: «فى منزل جدى لوالدتى، وهو من عائلة سلام المعروفة، كان هناك تقليد صارم لكل أطفال العائلة، وهو حتمية تعلم وحفظ القرآن، وكانت فى بيت جدى مندرة مليئة بالكتب، جمعها جدى وخالى من مكتبة صبيح بالأزهر، وبيت جدى كان موجودًا فى المنطقة التى بها مشيخة الأزهر الجديدة، وهذه المنطقة كانت مقرًا للتجارة الوطنية فى مصر، وتمتد إلى ميدان الأوبرا والسكة الحديد حتى ميدان عابدين، وهو الخط الفاصل بين قاهرة التجارة الوطنية، وقاهرة التجارة الأجنبية، كما كانت المكتبات ودور النشر تتمركز إلى جوار المنطقة التى بها بيت جدى، وهى المنطقة التى يطلقون عليها الآن السكة الجديدة والأزهر والغورية، فالتجارة الوطنية كانت فى هذه المنطقة، وفى الجهة المقابلة كانت البنوك الأجنبية، وقد أسهمت هذه المنطقة بكل ما تحمله من زخم دينى فى تشكيل ملامح شخصيتى الأولى، هذا إضافة إلى البيت الذى يحمل استعدادًا ثقافيًا كبيرًا، وهنا أؤكد أننى ولدت بمنطقة الحسين وليس فى قرية باسوس فى القليوبية كما يكتب الكثيرون».
ويتحدث هيكل عن أول كتاب قرأه فى حياته: «أول كتاب قرأته كان (أدب الدنيا والدين)، وعانيت كثيرًا فى فهمه، وقرأت بعد ذلك فى دواوين الشعر وفى كتاب الأغانى للأصفهانى، وفى كتاب ألف ليلة وليلة، ثم جذبتنى كثيرًا كتب السير الشعبية مثل ذات الهمة والظاهر بيبرس، وقد التفت إليه طفلًا يهدهده ملاك النوم، بينما نبرات صوت أمى تهبط وتعلو بانفعال مواقف دراما السطور وهى تقرأ لوالدى سيرته، والظاهر بيبرس واحد من الشخصيات التى تأثرت بها كثيرًا، لأننى رأيت فيه صورة البطل».
ويسأل محمد الشافعى هيكل عن الجذور والروافد الثقافية فى بداية حياته، فيقول: «القرآن الكريم كان الرافد الثقافى الأول فى حياتى، بعد أن تحول إلى واجب عائلى، فقد كان على وعلى كل أطفال العائلة أن نتعلم القرآن على يد الشيخ قاسم، ثم الافتتان بالسير الشعبية، ومنها إلى المجالات الأدبية المختلفة، والفضاءات الثقافية المفتوحة، والثقافة بشكل عام عملية مستمرة تعيش مع الإنسان من ساعة مولده إلى ساعة موته، وتحتاج إلى المعايشة، فليس من المعقول أن أطلب منك أن تتصور معرضًا أو مكتبة أو مرسمًا، لأن عليك أن تتعايش مع هذه الأنشطة الثقافية حياة بالدرجة الأولى، تدفعك إلى امتلاك النظرة الكلية إزاء الزمن والعصور والتطورات والتاريخ.
كان هيكل مؤمنًا فطريًا إذن، وأعتقد أن أحاديثه الأولى عن الموت كانت متأثرة بفورة نجاحه وتألقه، لكنه فى نهايات حياته عاد ليتحدث عن الموت برؤية أكثر نضجًا».
يقول هيكل: «لا بد أن تدرك أن الحياة كأى كائن، فيها فترة نمو وفترة صبا وفترة شباب، ثم فترة نزول وانحدار فى كيانك كلحم ودم، وعندما تجاوزت بعمرى إلى سنواتى السبعين كنت أعرف أننى فى سن متأهل جدًا للمرض، وعندما جاءتنى آلام الكلى لم أكن قلقًا لأن هذا هو الطبيعى، فهذه سن الأمراض التى تتواعد معى، كنت سعيدًا أن الأمراض تركتنى فترات طويلة أعمل، فإذا جاءت بعد ذلك فلعله موعد الاستحقاق الضرورى لزيارة الأمراض، ولما ذهبت لإجراء العملية لم يكن الطبيب يعلم عنى شيئًا، وتدخل البعض للموعد الفورى واستجاب الطبيب دون أن يفهم سر الاهتمام بى».
ويضيف: «كل الذى كان يعرفه الطبيب أننى صحفى فقط، قال لى: إنه قبل إجراء الجراحة كانت هناك حالتان لرؤساء دول عربية، وقلت للطبيب الجراح: لا تقلق علىّ، أنا أعتبر نفسى محظوظًا لأننى عشت زمنًا معقولًا دون أمراض، والحمد لله أنك ستجرى العملية وتزيل كيس جوار الكلى، لا بد أن أعترف بأنه كان هناك وربما يكون هناك خطر علىّ».
ويختم هيكل حديثه بقوله: «إنى من الذين يعتقدون أن الموت جزء من الحياة، وحياتى هى استمرار فى أولادى وأحفادى، وهناك أيضًا فرق بين العمر والحياة، فنحن ربما لا نحب العمر ولكننا نحب الحياة أكثر، لقد كنت مستعدًا للعملية ولم تكن صغيرة.
ويزيدنا: لم يكن فى الموت أبدًا ما يخيفنى، ولم يكن فى الفكرة نفسها ما يفزعنى، لقد كتبت ظرفًا مقفولًا إلى زوجتى، وفيه نعيى، ورسمت فيه جنازتى».
تعجب كثيرون من وصية هيكل.
فقد أوصى أن يخرج من مسجد الحسين ويُصلى عليه فيه، وأن يوضع على قبره مسجل بصوت الشيخ محمد رفعت يتلو آيات من القرآن الكريم، الذى كان يرى فى صوته نفحة من السماء، وحرص على أن يكتب على قبره دار العودة.. فهو كان يؤمن فعليًا بأن الموت هو عودة إلى دار أخرى.
ما علاقة كل ذلك بحديث عن تجديد الخطاب الدينى، وهل كانت لهيكل بالفعل إسهامات فيه؟
يعتقد كثيرون أن هيكل لم تكن له علاقة بالخطاب الدينى، ولم تكن له فيه رؤى واضحة، لكننى لمحت ذلك فى بعض كتاباته وأحاديثه، وهو ما يمكننى أن أدلل عليه.
فى يونيو من العام ١٩٥٤ نشر الشيخ عبدالحميد بخيت مقاله عن الصيام، وذهب فيه إلى تفسير مخالف للآية القرآنية «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم»، «وعلى الذين يطيقونه فدية»، وقال إن من يطيقونه مقصود بها من يتحملونه، وقامت الدنيا ولم تقعد على الشيخ بخيت وتم التحقيق معه من قبل هيئة كبار العلماء بالأزهر.

كان لهيكل رأى مخالف فى قضية الشيخ بخيت، فكتب فى يوميات الأخبار فى يوم السبت ١٨ يونيو ١٩٥٤: قلت لهم: «لا تلوموا الشيخ بخيت ولكن لوموا الذين خرجوا وراءه فى بلاهة (دون كيشوت) يبحثون عن معركة حيث لا معركة، هل تعلمون كم كتبت الصحف عن الشيخ بخيت؟ لقد أحصيت أكثر من مائتى عمود كامل فى صحف مصر كلها، معنى هذا بصورة أخرى أن هذا الذى كتب على أيام متفرقة، لو كان جمع فى يوم واحد لكانت صحف مصر اليومية الكبرى الثلاث الأخبار والجمهورية والأهرام، خرجت صباح أحد الأيام وكل حرف فيها عن الشيخ بخيت، ملحق خاص عن فضيلته، لا تدقوا كفًا بكف عجبًا من أمر الشيخ بخيت، ولكن دقوا بالكف عجبًا من أمر صحافة مصر التى لا تجد شيئًا تكتبه حتى لتحاول أن تخلق من الحبة قبة، ومن الشيخ بخيت محمد عبده آخر».
وعندما التقى هيكل الدكتور طه حسين فى يوليو ١٩٥٥ جاء ذكر الشيخ بخيت بينهما، لكن ما كتبه يشير إلى أنه كان مهتمًا أن تكون هناك جوانب أخرى فى الخطاب الدينى.

لنسمعه وهو يتحدث عن زيارته للدكتور طه حسين فى يومياته بالأخبار يوم السبت ١١ يوليو ١٩٥٥، يقول: «أمضيت ساعة ممتعة مع الدكتور طه حسين قبل أن يسافر إلى أوروبا، إن الجو فى مكتبة الدكتور طه حسين مثير، إن المكتبة أشبه ما تكون بصومعة.. صومعة عقل، غرفة لا تبين جدرانها لأن رفوف الكتب ارتفعت إلى السقف، غرفة فيها آثار أشبه ما تكون باللمسات السحرية، تمثال هنا للدكتور طه حسين، وتمثال على الناحية الأخرى لملاك نشر أجنحته ولكنه بلا رأس، رأسه مكسور، صورة لقرينة الدكتور طه حسين عندما التقى بها أيام الشباب فى فرنسا، قطعة من قماش أثرى ذات لون أحمر تتدلى على قطعة من الجدران لا تزدحم عليها الكتب، مصباح يشع نورًا أحمر خافتًا وفى وسط هذا كله، على مقعد كبير، الرجل الذى مزق حجب الظلام الكثيفة المحيطة به لكى يستقبل النور الخالد، ويعكسه إلى الملايين بعد أن يضفى عليه شيئًا آخر، شيئًا من ذات نفسه».
لم يكن وصف المكتبة هو المهم بالنسبة لى، ولكن كان ما وجده هيكل عند طه حسين.
يقول: «وكان فى المكتبة مع طه حسين اثنان من الآباء الدومينكان، بملابس الرهبان السائحين فى الأرض يبحثان عن المعرفة حيثما يمكن أن يكون التاريخ قد نسيها فى طوافه حول الأرض».

سأل طه حسين هيكل: هل تحب أن تسمع شيئًا ليس فيه أخبار.. وليس فيه سياسة؟
قال هيكل بحماسة: جدًا.
فرد طه: إذن فاجلس وشاركنا فى الحديث.
جلس هيكل، ولكنه لم يشارك فى الحديث واكتفى بالسماع.
كان موضوع المناقشة هو الحب فى الدين الإسلامى والحب فى الدين المسيحى.
وكانت المناقشة بمزيج عجيب من الفرنسية الفصحى والعربية الفصحى، فقد كان الآباء الدومينكان من المستشرقين أيضًا.
واستمع هيكل فى شغف إلى طه حسين وهو يدلل كيف أن الإسلام اهتم بالقلب قدر اهتمامه بالعقل.

ثم سمعه يقول إنه لا فرق بين الإسلام والمسيحية تجاه الحب، ثم يخرج من هذا إلى أن القرآن والإنجيل تعبيران عن شعاع واحد مقدس، ثم يستشهد بالآية الكريمة: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون». ويقول بعدها: اختلاف العقائد إلى درجة التعصب فى رأيى اختراع من صنع رجال الدين، فى كل دين، له هدف واحد، أن يكون وسيلة رزق لهم.
وانتقل الحديث بعدها إلى الشيخ بخيت وقال الدكتور طه حسين ضاحكًا: «ربما كان شيخ الأزهر يريد أن يجعل من الشيخ بخيت وزيرًا، ثم روى كيف أن الأزهر ثار مرة على الأستاذ أمين الخولى، كمثل ثورته اليوم على الشيخ بخيت، وكان هناك اتجاه إلى محاكمته».

وقال طه حسين: «إن المرحوم أنطون الجميل لقيه ذات يوم وقال له: من رأيى أن تقابل إبراهيم عبدالهادى كان يومها رئيسًا للديوان الملكى وتقول له: فى عهد الملك حوكم الشيخ على عبدالرازق بسبب بحثه عن الإسلام وأصول الحكم، والشيخ على عبدالرازق اليوم وزير فى الوزارة، فهل تريدون بمحاكمة الشيخ أمين الخولى أن تجعلوا منه وزيرًا؟».
وضحك الدكتور طه حسين وقال: «وقابلت إبراهيم عبدالهادى وقتها وشرحت له رأى أنطوان الجميل، ويظهر أنه عز عليهم أن يجعلوا أمين الخولى وزيرًا، فإنه لم يقدم للمحاكمة بعدها».

يعلق هيكل على ما جرى، قائلًا: «استأذن الأبوان الدومينكان فى الانصراف، كان على أحدهما أن يلحق بطائرة مسافرة إلى أفغانستان، لقد سمع أن فى كابول مخطوطًا عربيًا أثريًا وهو يريد أن يراجع بعض ما فيه، فهل سمع شيخ الأزهر وعلماؤه الجالسون هنا فى صحن الأزهر يحاكمون الآراء ويعتقلونها، ويلقون حبل المشنقة حول رقابها، ليتهم يسمعون وليتهم يعون الدرس، ولو حتى عن الآباء الدومينكان».
الاقتحام الأكبر من هيكل لمسألة الخطاب الدينى حدث مرتين.
الأولى فى العام ١٩٥٦ ونتركه ليحكى ما جرى فى يومياته التى سجلها فى يوميات الأخبار فى ١٤ أبريل، يقول: إن السيارة هى المكان الوحيد الذى أتابع فيه بانتظام برامج الإذاعة، إننى أدير مفتاح الراديو فى نفس الوقت الذى أدير فيه مفتاح المحرك، وتنطلق أصوات البرامج فى نفس اللحظة التى يبدأ فيها دوى المحرك، ولا يهمنى من البرنامج المذاع لحظتها شىء إلا أنه صوت، مجرد صوت يؤنس الوحدة، ويبدد السكون، ويساعد أفكارى أحيانًا على أن تشرد إلى بعيد.

وكنت على موعد خارج القاهرة مساء اليوم، وقفزت إلى السيارة متأهبًا للطريق الطويل، ومددت يدى إلى مفتاح الراديو بحرارة الصديق حين يلتقى الصديق، زمالة فى رحلة، ورفقة على سفر، وكان البرنامج الذى بدأ ينساب من الراديو، هو الاحتفال برؤية هلال رمضان.
وسمعت صوت المذيع يقدم فضيلة الأستاذ الشيخ حسن مأمون مفتى الديار المصرية، وأصغيت وظللت أصغى، خمس دقائق، وعشر دقائق، وخمس عشرة دقيقة، ثم وليغفر الله لى إذا كنت قد أذنبت، مددت يدى وأقفلت جهاز الراديو وأنا أنفخ.
يغنينا الله عن هذه الزمالة فى الرحلة، وهذه الرفقة على السفر، إن الوحدة الشاملة والسكون المطلق خير منهما وأقل إثارة للأعصاب.
إن مفتى الديار المصرية لم يقل فى حديثه الطويل إلا نفس المعانى القديمة، والقوالب المرصوصة والعبارات التى أصبحت وكأنها كليشيهات محفورة.
شهر رمضان.. الشهر المبارك الذى نزل فيه القرآن.
شهر رمضان.. الشهر الذى فضله الله على كل الشهور.
شهر رمضان.. شهر التقى والبر والورع.
ثم ماذا بعد..؟
لا شىء.
كلام كان يجوز أن يقال منذ ألف سنة، ومنذ خمسمائة سنة، ومنذ مائة سنة، كلام ليس له زمان، وليس بينه وبين التاريخ الذى يقال فيه أى رباط أو صلة.
كلام يقال فى القاهرة، أو يقال فى صنعاء، أو يقال فى الكوفة أو فى أى مكان غيرها على وجه الأرض، كلام أيضًا ليس له مكان، وليس بينه وبين الأرض التى يقال عليها أى رباط أو صلة.
سألت نفسى: لماذا لا تدب الروح فى الأحاديث الدينية؟ ولماذا لا تمتد إليها مؤثرات الزمان والمكان؟
إن ديننا من أكثر الأديان التصاقًا بالحياة، فلماذا يريد رجاله وأقطابه أن يباعدوا ما بينه وبينها؟
ذكرت والسيارة منطلقة على الطريق الطويل، وما من صوت فيها إلا دوى المحرك، ذكرت كاتدرائية صغيرة فى مدينة «تشستر» فى وسط إنجلترا.
قضيت فى هذه الكاتدرائية ساعة حافلة، إن الكاتدرائية ليست معبد صلاة فقط، وإنما هى كعبة وطنية أيضًا، إن فكرة الدين فيها ترتبط بفكرة الوطن، إن جدران الكاتدرائية مزينة بالأعلام الممزقة المضرجة بالدم لكتيبة «تشستر» البلدة التى تقع فيها، واللوحات التذكارية من الرخام والبرونز تحمل صور أبطال كتيبة «تشستر» وأسماءهم من الجنرال «نابيير» قاهر السند، كما تسميه اللوحة التذكارية فوق قبره فى الكاتدرائية إلى جندى صغير سقط فى حرب البوير فى جنوب
إفريقيا، وبقايا المعارك العظيمة التى خاضتها كتيبة «تشستر»، سيف الجنرال الذى مات فى الهند، وقطعة من جناح الطائرة التى سقط بها أحد أبناء «تشستر» فى الحرب العالمية الأولى، ونسخة من الكتاب المقدس على صفحاتها بقع من دماء قسيس من أبناء «تشستر» قتل فى التبت.
الدين والوطن.
الدين والتاريخ.
الدين والحياة.
سألت نفسى: لماذا لا تتحول مساجدنا من تكايا للعاطلين إلى مدارس للوطنية؟
سألت نفسى: لماذا لا يرقد شهداؤنا فى الرحبات الواسعة لمساجد أولياء الله الصالحين؟
سألت نفسى: لماذا لا تعلق أعلام المعارك التى خاضها جنودنا فى بيوت العبادة الضخمة ذات المآذن السامقة تكاد تلامس السحى؟
سألت نفسى.. ولم أجد جوابًا فى نفسى.
وقلت: ليت مشايخنا يذهبون إلى كاتدرائيات إنجلترا يتعلمون منها درسًا ويتلقون عظة.
ثم تذكرت.. وقمعت خواطرى على الفور ثم قلت لنفسى- أيضًا- هش.. مالك ومال المشايخ، دعهم فى حالهم، وإلا أثاروا العالم عليك، وقلبوا الدنيا فوق رأسك.
يعود هيكل مرة أخرى إلى مسألة الخطاب الدينى فى البرامج الإذاعية وهذه المرة فى لقائه الرئيس مبارك، وهو اللقاء الوحيد الذى جمع بينهما، واستمر لما يقرب من خمس ساعات، وكان هيكل فيه مهمومًا بمستقبل مصر.
وثق هيكل هذا الحوار فى كتابه «مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان»، يقول:
قلت للرئيس: إننى سألت أحد زملائنا القدامى فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية فى الأهرام، أن يدرس مساحة البرامج الدينية على الإذاعة والتليفزيون، وفوجئت حين قيل لى إن نتائج بحثه فى الموضوع، أظهرت أن أكثر من ٢٧٪ من مساحة البرامج- دينية، أو ذات طابع دينى، وأنا رجل من أسرة متدينة، وأعرف قيمة الدين هداية وعصمة، ثم إننى من أسرة كان أول تقاليدها أن يحفظ أبناؤها القرآن، وقد حفظته كله، لكنى لا أستطيع أن أتصور بعض ما يقال فى البرامج الدينية.

أضفت آسفًا: إننى سمعت بنفسى من إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، وفى معرض برنامج من برامج التواصل مع السامعين، سائلًا يستفسر عن كيفية الاغتسال بعد ممارسة الجنس مع بقرة، وبقدر ما أفزعنى السؤال، فقد أفزعنى أكثر أن أحد الشيوخ جاوب عليه، وراح يحدد لسائله وسائل الاغتسال المطلوبة فى تلك الحالة.
وأغرق مبارك فى الضحك، ثم قال: التوسع فى البرامج الدينية ضرورى، لأننا لا بد أن نواجه الإرهابيين على أرضيتهم، ونأخذ منهم الناس.
قلت: المشكلة أنك إذا واجهت الإرهابيين على أرضيتهم، وبهذه الطريقة، فسوف تقبل الاحتكام إلى قانون لا تعرف مصدره، ولا تعرف نصه، ولا تعرف قاضيه.
وتوقف عند هذا التعبير وبدت عليه الحيرة: وقال لى: هل يمكن أن تفك لى هذا الكلام الملعبك؟
وحاولت شرح وجهة نظرى بأسلوب آخر: وقال وهو يعاود الضحك: هل علىّ أنا أيضًا أن أهتم بالرجل الذى يعشق- استخدم لفظًا آخر غير العشق- بقرة؟
وقلت له بسرعة: لا أحد يتصور أن يطلب منك ذلك، ولكن الناس تطلب رؤية مقنعة للمستقبل.
لا يمكن أن يطلب أحد من هيكل أن يكون فقيهًا حتى يتحدث فى أمور الدين، ولا يمكن أن يطلب منه أحد أن يكون متخصصًا فى العلوم الدينية حتى يتحدث فى تجديد الخطاب الدينى، ولكنه قال ما قاله من ملاحظات كمسلم يحرص على الدين، وأعتقد أن فيما قاله رؤية واضحة نحتاجها الآن.
تحدث هيكل فى وضع الدين فى حياتنا، وكان يربط ذلك دائمًا بالسياسة التى تخصص فيها ووهب لها حياته، وأعتقد أنه فى كتابه «كلام فى السياسة.. عام من الأزمات» الذى صدر فى العام ٢٠٠١ لخص مسألة الدين فى مصر.
يقول: إن مصر القديمة المغرمة بفكرة الدين سارت وراء الفرعون الإله ثلاثة آلاف سنة تبنى له أهراماته ومعابده، وتدفن معه كنوزه أو كنوزها، وعندما وصلت المسيحية فإن مصر لم تتبعها فقط، وإنما قادت أحد مذاهبها الكبرى وراء «مرقص» قديسها الأعظم، وعندما أقبل الإسلام فإن جيش عمرو بن العاص لم يكن قويًا بسلاحه «أربعة آلاف جندى بالسيوف والحراب»، وإنما كانت قوته الحقيقية هى الشريعة التى سبقت السيف وغاصت إلى أعمق من الحربة، وكانت قوة الشريعة مع عوامل أخرى فعلت فعلها، هى التى شدت الجماعة الأكبر من سكان مصر، فى حين أن جماعة أخرى لها وزنها آثرت أن تظل حيث كانت على عقيدتها المسيحية.
ويضيف: هكذا تجاور دينان على أرض الوطن الواحد، وبالتجربة الحية وعبرتها أدرك أتباع الديانتين من الشعب الواحد على أرض الوطن الواحد، أن الحياة المشتركة فرض ومكتوب، وذلك تحقق على مسار التاريخ رغم اختلاف الدين، ومع أن هذا الاختلاف فى الدين ظل حقيقة اجتماعية وسياسية، مقبولة بالفكر ومعاشة بالواقع، فإن هذا الاختلاف شأنه شأن أى اختلاف، كان قابلًا للاستغلال معرضًا لكل ما تتأثر به قلوب البشر من نوازع تجىء بها تقلبات الأيام، وذلك الاستغلال وقع فعلًا فى فترات من التاريخ تعرضت مصر فيها لحملات الغزو، ولمحاولات الاختراق، ولتربص الأغراض والمطامع، خصوصًا عندما كان ذلك يتوافق مع عوامل التراجع والانحطاط، فتلك بالطبيعة فاتحة الثغرات ومحرضة الأهواء.
مرة ثانية لم يكن هيكل فقيهًا، ولم يكن متخصصًا فى أمور الدين، لكنه كان صاحب رؤية فيما يجب أن يكون عليه الدين، لكن خصومه أحاطوه باتهام باطل.. وكأنى به يقول من قبره: جعلونى ملحدًا.. مع أننى لم أكن كذلك أبدًا.





