الخميس 10 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عن أى إسلام يتحدثون؟.. حديث صريح عن المضللين باسم الله

حرف

- إسلام الإخوان يدفعهم الآن للتخطيط والتآمر والتعاون

- مع أعداء مصر من كل حدب وصوب لا لشىء إلا لهدمها على رؤءوس من يعيشون فيها

كنا ننهى أعمالنا فى تنفيذ جريدة «الفجر» مساء ١٣ أغسطس ٢٠١٣ عندما جاءتنى معلومة أن فض اعتصامى رابعة العدوية وميدان النهضة سيتم صباح الأربعاء ١٤ أغسطس، ناقشنا مسألة تأجيل تقفيل العدد حتى الغد، اعترض البعض تأسيسًا على أنه تم الإعلان عن الفض أكثر من مرة دون أن يحدث شىء، لكننا سرنا وراء المعلومة التى جاءتنا وقررنا التأجيل لنتابع أحداث الفض، فربما كان الخبر هذه المرة صحيحًا. 

عدنا فى اليوم التالى وبعد أن انتهينا من تحرير العدد من جديد على ضوء الأحداث التى كانت عاصفة، جلست مع بعض الأصدقاء على مقهى بجوار الجريدة، وعندما ارتفع صوت المؤذن بأذان العشاء، وجدت أحد الجالسين معى يردد كلمات الأذان وهو يحمد الله. 

التفت إليه وسألته عما يجعله يحمد الله، مع قناعتى أن الحمد مطلوب فى كل وقت وعلى كل حال، فقال وهو يبتسم: لقد أوهمت جماعة الإخوان الناس أن الإسلام مرتبط بوجودهم فى مصر، وأنهم لو خرجوا من المشهد العام فلن يكون للإسلام وجود.. وها هى المساجد ترفع أذان الله من فوق مآذنها، وهو الأذان الذى لن ينقطع أبدًا بإذن الله. 

كان صديقى يتحدث بصدق، لمحته فى نبرات صوته، تركته يواصل ترديد الأذان ويحمد الله، ورحت أتأمل ما قاله، فأدركت الفخ الكبير الذى حاولت الجماعة الإرهابية أن تسقطنا فيه دون أن ننتبه. 

بدأ نصب هذا الفخ مبكرًا جدًا، مع تأسيس جماعة الإخوان التى خرجت من رحمها بعد ذلك كل الجماعات المتطرفة، ولدينا ألف دليل على ذلك. 

لقد حاولوا أن يربطوا الإسلام بهم وحدهم، مصدرين أنفسهم على أنهم وكلاء الله على الأرض، من يسير على طريقهم ويتفق معهم، فهو مع الإسلام، ومن يعارضهم أو يختلف معهم، فهو يعارض الإسلام ويختلف معه، وكانت هذه أكبر خدعة تعرض لها المصريون فى تاريخهم. 

عندما اجتمع الإخوان ليفكروا فى تدشين الحملة الانتخابية لمرشحهم محمد مرسى فى الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٢، قرروا أن تنطلق من مسجد عمرو بن العاص، وأعلنت الجماعة أن هذا التدشين بمثابة الفتح الإسلامى الثانى لمصر بعد فتح عمرو بن العاص لها فى العام الـ ٢٠ من الهجرة. 

قال مرسى نصًا من مسجد عمرو بن العاص إنه سيعيد الفتح الإسلامى من جديد، لتعود لمصر هيبتها وتقدمها وعزتها بشقى الأمة المصرية، مسلميها وأقباطها. 

وواصل بأنه يفتخر بكونه مصريًا إسلاميًا، يريد أن يحكم شرع الله الذى يقوم على العدل والحق ونهضة الأمة وتحقيق مستوى معيشى مناسب لكل أبناء المجتمع المصرى، وطبقًا لما قاله فإن الإخوان تقدموا للرئاسة لتحقيق شرع الله ولنهضة مصر بإرادة مصر دون وصاية من أحد، وقد آن الأوان لعودة العزة والكرامة للشعب. 

وعندما بدأت حملة الإخوان لتزكية مرشحهم، ربطوا التصويت له بالإسلام، فمن يمنح صوته لمحمد مرسى سيدخل الجنة، ومن يمنعه من صوته فسيكون مصيره جهنم وبئس المصير، وجندوا لترويج ذلك كل من يعرفهم من دعاة الإخوان والسلفيين والأحزاب التى أعلنت عن نفسها بأنها أحزاب إسلامية. 

لم تكن هذه الحالة من التبجح جديدة على جماعة الإخوان، كان هذا مسلكها الدائم، وتأكد عندما أعلنوا فى جولاتهم الانتخابية أن «الإسلام هو الحل»، فكأنهم هم وحدهم من يعرفون الإسلام، وغيرهم لا يعرفونه. 

كانت الجماعة تعرف جيدًا أنها تستخدم الإسلام استخدامًا عاطفيًا ووظيفيًا، فالمدخل السهل والمضمون فى التعامل مع الشعب المصرى هو مدخل الدين، تحدث معهم بقال الله وقال الرسول، وقدم لهم نفسك على أنك رجل من رجال الله، فحتمًا سينصتون إليك ويسلمون لك أمرهم دون نقاش، فالدين هو المكون الأساسى والرئيسى فى الشخصية المصرية، ومهما حاول البعض أن ينفوا ذلك أو يتجاهلوه فلن يجدى ذلك ولن يحقق أى نتيجة. 

هل تريدون توصيفًا دقيقًا لما فعلته جماعة الإخوان بالإسلام؟ 

لقد قامت الجماعة منذ بدايتها فى العام ١٩٢٨ بعملية «اختطاف الإسلام». 

هو بالفعل اختطاف، فقد كان الإسلام موجودًا وقائمًا ومتمكنًا فى مصر قبل ظهور جماعة الإخوان، وسيظل الإسلام موجودًا وقائمًا ومتمكنًا فى مصر بعد زوال الجماعة، وسيذكرها التاريخ بأنها كانت جملة اعتراضية- طالت بعض الشىء- فى تاريخ الإسلام وفى تاريخ مصر، وليست أكثر من ذلك، وستكون مثل غيرها من الجماعات الشاذة المنحرفة التى ظهرت ثم تلاشت، وسيلعن التاريخ قادة هذه الجماعة باعتبارهم كانوا سببًا فى سفك دم العباد وتخريب البلاد. 

الإسلام الذى صدرته الجماعة يختلف تمامًا عن الإسلام الصحيح الذى نعرفه من القرآن الكريم ومن سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الصحيحة. 

الإسلام الصحيح ليس انتهازيًا يستغل حاجات الناس ويحولهم إلى أتباع يدينون لمرشد بالسمع والطاعة، يلغون عقولهم، وينفذون ما يصدر إليهم من أوامر دون نقاش، فالإسلام الذى أراده الله للناس لا يطلب منهم أن يكونوا قوالب تخضع، بل قلوبًا تخشع. 

والإسلام الصحيح دين متسامح مع المختلفين معه، يحترمهم ويقدر عقائدهم وأفكارهم، لا يقوم على نفى الآخر وتشويهه وتسفيه رأيه ومحاولة نفيه، وصولًا إلى التخطيط إلى قتله وحرق دور عبادته. 

والإسلام الصحيح يعلى من شأن الأوطان، يعزز من الانتماء لها، والعمل على رفعتها وعزتها، وليس تخريبها وتدميرها والسعى إلى نشر الفوضى فيها، لا يقر مَن يصفون الأوطان بأنها حفنة من تراب عفن على كلامهم،بل يعتبرهم خارجين عليه. 

والإسلام الصحيح لا يرفع شعارات فارغة يخدع بها الناس للحصول على تأييدهم، بل يسعى إلى تحقيق ما يفيدهم ويصلح حالهم وحياتهم، لا يجعل من نفسه أداة لقهر الناس وتخويفهم، إما اتباعه، وإما دخول النار وبئس المصير. 

لقد حاولت الجماعة الضالة المضلة المضللة خداع الناس بأن ما حدث فى ٣٠ يونيو كان ضد الإسلام. 

وما زلنا نذكر ما جرى فى الصالة المغطاة باستاد القاهرة، عندما اجتمع محمد مرسى مع حلفائه من أقطاب التيارات المتأسلمة، وأعلنوا أنهم سيتصدون لمن سيخرجون فى ٣٠ يونيو مطالبين بإسقاط حكم الإخوان، لأنهم بخروجهم يهددون الإسلام. 

كان كلامهم مخالفًا للإسلام فى كل شىء، ومع ذلك أصروا على تصدير ما يفعلونه بأنه دفاع عنه، خدعوا الناس بلحاهم ودعائهم وآياتهم القرآنية التى قاموا بتوظيفها على غير مرادها، وكانوا يعتقدون أن الناس يمكن أن تركن إليهم عندما يستخدمون هذا الخطاب المراوغ والخادع والكاذب، لكنهم لم ينتبهوا أن الناس كانوا قد أفاقوا من الغيبوبة التى أدخلتهم فيها الجماعة لعقود طويلة، ولذلك لم يستجب أحد، ولم يخف أحد، ولم يتردد أحد، لأن الناس عرفوا أنهم يواجهون الإخوان ولا يواجهون الإسلام. 

وبعد أن قال الناس كلمتهم، وأصروا على طرد الإخوان من الحكم ومن المجال العام بشكل كامل، عادت الجماعة لتلعب معهم نفس اللعبة، وبدأوا فى العزف على الوتر الدينى، صدروا أنفسهم على أن ما يفعلونه من أجل الإسلام، ليظهر السؤال لدى الجميع وهو: عن أى إسلام يتحدثون؟ 

هل إسلامهم هذا يأمرهم أن يرفعوا حسن البنا، ويجعلوا منه نبيًا معصومًا، لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه، بل إنهم كانوا يتعاملون معه وكأنه نبى مرسل يأتيه الوحى من السماء، وأنه كان متصلًا بالله يرشده ويدله، وليس على الناس إلا اتباعه والنزول على أوامره؟ 

وهل إسلامهم هذا هو الذى جعلهم يسيرون خلف قاتل اسمه سيد قطب، فسر القرآن على هواه، وجعل منه أداة للتكفير واتهام المجتمع بالجاهلية والحكم على مواطنيه بالقتل، فعلوا ذلك وهم يعرفون أنه ليس أكثر من مريض نفسى، يريد أن يحرق العالم كله، لمجرد أنه فشل فى تحقيق ما يريده، وأخفق فى الحصول على اعتراف من كبار الكتاب والأدباء بأنه أديب كبير، فقرر أن يهدم المعبد على رءوس الجميع؟ 

وهل إسلامهم هو الذى أمرهم أن يبدأوا سلسلة من الاغتيالات التى بدأت باغتيال المستشار الخازندار ولم تتوقف عند اغتيال المستشار هشام بركات.. ولا يزالون يحرضون على القتل، يفعلون ذلك معتقدين أنهم بذلك يتقربون إلى الله، رغم أنهم أبعد ما يكونون عنه. 

وهل إسلامهم هذا هو الذى جعلهم ينقلبون على الرئيس السادات بعد أن أخرجهم من السجون وأعادهم إلى بيوتهم ووظائفهم، وبعد أن اطمأنوا شاركوا فى أول انقلاب عليه فى عملية الفنية العسكرية التى قادها صالح سرية، ثم بعد ذلك باركوا اغتياله، وخرجوا ليعلنوا أن خالد الإسلامبولى قاتله واحد منهم وفخروا بذلك. 

وهل إسلامهم هو الذى جعلهم يستبدون بالناس، وبعد أن يصلوا إلى الحكم يتنكرون لكل شىء، ويخططون لهدم الوطن واختطافه بعيدًا عن أسسه وثوابته، والسير به فى طريق لا يريده له المصريون، متجاهلين تمامًا ما لمصر من قدر وقيمة من الصعب التنازل عنها بسهولة. 

وهل إسلامهم هو الذى جعل أحدهم يقول بجهل وتبجح وغرور: اللهم أمتنى على الإخوان، متعاملًا مع دعوة الجماعة الضالة وكأنها دين أوحى به الله من السماء، بعد الوحى الذى تلقاه الرسول، فهل رأيتم جهلًا أكبر وأخطر من هذا؟ 

وهل إسلامهم هو الذى يدفعهم الآن للتخطيط والتآمر والتعاون مع أعداء مصر من كل حدب وصوب لا لشىء إلا لهدمها على رءوس من يعيشون فيها وتخريبها فكأنها لم تكن، فتجد أحدهم يقول إن زوال حكم السيسى أفضل عند الله من زوال حكم نتنياهو، وراجعوا ما يقوله محمد إلهامى منظر حركة ميدان التى تعلن بوضوح أنها تعمل ضد مصر وضد كل من يمثلها. 

هذا هو إسلامهم الذى لا نعرفه ولا نقر به، لسبب بسيط أنه ليس الإسلام الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعله من أجل الحياة، فإذا بهم يقومون باختطافه وجعله من أجل الموت والخراب والدمار وسفك الدماء. 

لقد ارتكبت جماعة الإخوان أكبر جريمة فى حق الإسلام عندما قامت بتشويهه وإخراجه عن مقاصده الأساسية، والسعى من خلاله للوصول إلى السلطة، جعلت منه مجرد أداة تستخدمها لتحقيق أغراضها، وبعد أن تفعل ذلك لا تلتفت إليه، فهو مجرد حيلة، وطالما الحيلة أتت بثمارها، فما الحاجة إليها إذن؟ 

لو لم يكن لـ٣٠ يونيو فضل إلا أنها كشفت عورة الجماعة أمام المجتمع المصرى بل وأمام العالم كله لكفاها ذلك، لو لم تفعل أكثر من تعرية الجماعة وجعلها مكشوفة تمامًا أمام الناس لكان كافيًا جدًا، ولو لم تفعل أكثر من جعل قادة الجماعة يقفون عرايا أمامنا لكان ذلك كافيًا جدًا. 

المشكلة بالنسبة لى ليست فى الجماعة، فهناك من يقف أمامها بشكل صلب يقاومها ويواجهها ويفسد مخططها، وهناك كذلك من يقف ضد أفكارها يفككها وينبه الناس لمخاطرها، لكن المشكلة هى فى اعتقاد البعض أن الجماعة كانت أو هى الآن على حق. 

هؤلاء الذين لا يزالون مستسلمين لفخ الإخوان، يسيرون خلفها دون أن يفكروا ودون أن يتأملوا ما وصلت إليه، علينا أن نأخذ بأيديهم، أن نذكرهم دائمًا بما فعلته الجماعة وما جنته على الوطن وعلى الإسلام وعلى المسلمين. 

من بين خطط الإخوان الشيطانية أنها تقوم بصياغة التاريخ على هواها، تحكى الحكاية من وجهة نظرها، فعلت ذلك عن قصة صراعها مع عبدالناصر، وجاءت بكل الأكاذيب وجعلت منها حقيقة، وروجت لذلك بشتى الطرق، والآن هى تحاول ذلك، تحكى حكاية ما جرى منذ ثورة ٢٥ يناير وحتى الآن بطريقتها وبما يوافق هواها ومصالحها، ولا تتورع عن الإتيان بكل الأكاذيب وحبكها فى سردية تحاول أن تقنعنا أنها الحقيقة.

الفارق أننا لم نعش فترة عبدالناصر، والخطأ أن من عاشوا فترة عبدالناصر لم يقوموا بواجبهم تجاه كشف الجماعة وضلالاتها، لكننا عشنا هذه فترتنا معهم، ونعرف عن قرب ما حدث، ولذلك لا بد أن نتحدث ونكتب ونذكر الناس بما جرى، حتى لا ننسى، وحتى لا ينسى الناس. 

تراهن الجماعة على أن الشعب المصرى الطيب سينسى.. وهو رهان يمكن أن يربحوه لو تخلينا عن مهمتنا الأساسية فى التذكير بما جرى. 

المعركة طويلة ولن تنتهى اليوم أو غدًا أو حتى بعد غدٍ.. المهم أن نكون على قناعة تامة بأن الحق معنا.. وأن هذه الجماعة على باطل طول الوقت.

فهل ننتبه؟.. أتمنى ذلك.