الأربعاء 12 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحرير الإسلام من دين الإخوان .. المسكوت عنه فى واقعة مطعم «سيزلر»

حرف

 

 

 

 

كان يمكننا التعامل مع واقعة مطعم «سيزلر» بمول العرب باعتبارها واقعة عادية وعابرة يمكن أن تحدث فى أى مكان دون أن تثير كل هذا الصخب.

وكان يمكن لأحداثها أن تمر دون أن يلتفت أحد، أو ندخل فى جدال ونقاش وخلاف فى الرأى حولها، لولا أن بطلة الواقعة ندى متولى أخرجتها من مجالها الخاص إلى المجال العام، حيث التقطها الناس وجعلوا منها قضية عامة. 

لكن يبدو أن بطلة الواقعة كانت تريد ما أهو أكثر من إنهاء المشكلة بشكل لا يزعج أحدًا، كانت تريد- فيما يبدو- أن تصدر للمجتمع أزمة، نشعر من خلالها بأن هناك خللًا ليس فى أوضاع المجتمع، ولكن فى عقيدته وتدينه أيضًا. 

وعندما عرفنا أن ندى متولى هى ابنة متولى عبدالعزيز القيادى الإخوانى، وأحد مَن ناهضوا ما جرى فى ٣٠ يونيو لصالح جماعته، أدركت أن الأمر يتجاوز الحدث العابر إلى محاولة زرع فتنة مجتمعية يكون وراءها ما وراءها. 

ما جرى ببساطة أن صديقة لندى- كما قالت هى- وقفت لأداء صلاة الظهر فى مكان جانبى بالمطعم بعيدًا عن الطاولات والعملاء، إلا أن مدير الفرع توجه إليها أثناء الصلاة وطلب منها التوقف. 

حشدت ندى كل ما يدين مدير المطعم ويصوره فى صورة الشيطان الرجيم الذى يمنع الصلاة لله.. بل ويسخر منها أيضًا. 

فأشارت إلى أنه تحدث بشكل غير لائق، ليس عن صديقتها ولكن عن الصلاة نفسها. 

قال لها: رُوحى صلِّى عند الحمامات. 

وقال: صلى عند ربنا.. مش عندى. 

ثم قال لهم جميعًا فقد كانوا فى صحبة أمهات وأطفال: اتفضلوا اطلعوا بره.. أنتم غير مرغوب فيكم هنا. 

لم يكتفِ مدير المطعم بما قاله، بل استدعى أفراد الأمن وطلب منهم أن يُخرجوا ندى ومن معها. 

قامت ندى بعبارات محددة بشيطنة مدير المطعم، صوّرته وكأنه لا يحب أن يرى أحدًا يصلى، وأن منظر صديقتها التى تصلى فى مكان جانبى وبعيدًا عن الطاولات والعملاء يؤذيه ولذلك حرص على أن ينهى الصلاة. 

وحتى تعزز ندى موقفها قالت إنها سألت رواد المطعم: هل سببت لكم صديقتى أى إزعاج؟ 

فردوا جميعًا أنه ليس فى الأمر ما يزعجهم، بل واعترضوا على سلوك مدير الفرع. 

واصلت ندى إدانتها لمدير المطعم، فقد تسبب ما فعله فى حالة من الخوف لدى الأطفال الذين كانوا معهم بسبب ارتفاع الأصوات داخل المطعم. 

لم تكتفِ بطلة الواقعة بما قالته فى حق مدير المطعم، بل صعدت الأمر لإدانة إدارته كلها عندما قالت إنها طلبت اعتذارًا رسميًا منها، لكنها انتظرت مع صديقاتها نحو أربع ساعات دون تلقى أى رد. 

خرجت ندى من المطعم لتشيع ما حدث، كتبت منشورًا على صفحتها بالفيسبوك، فى إصرار منها على جعل الأمر تحت نظر الرأى العام الذى انقسم بدوره حول الواقعة، وبالطبع كان معظم التعليقات ضد مدير المطعم الذى لا يمنع الصلاة فقط، ولكن يكرهها، ويكره كل من يقوم بها. 

كان هناك بعض العقلاء الذين رأوا فى تصرف مدير المطعم أمرًا طبيعيًا، فهو ينفذ سياسة المكان، والمكان هنا ليس مقصودًا به المطعم فقط، ولكن مول العرب، فهناك أماكن محددة للصلاة تم تخصيصها لمن يريد الصلاة فى وقتها أو حتى فى غير أوقاتها، وهو ما يعنى أن إدارة المول ومن وراءها إدارة المطعم لا يمانعون فى الصلاة، بل يوفرون المكان المناسب لها، وكان على صديقة ندى أن تحترم هذه السياسة، لكن يبدو أن الأمر لم يكن فى الصلاة. 

إدارة المطعم واستجابة للرأى العام قدمت اعتذارًا، بل وأنهت عمل المدير. 

ولا أدرى هل فعلت ذلك بعد تحقيق فى الواقعة ومعرفة ما إذا كان المدير مخطئًا أم لا؟، وإن كنت أتوقع أنهم بادروا إلى فعل ذلك من باب سد الباب الذى جاءتهم منه الريح، فنص الاعتذار المنسوب إليهم يقول ذلك، فقد أكدوا أن الموظف المعنى بالواقعة حديث التعيين، ولم تتجاوز مدة عمله ١٥ يومًا، وأن ما بُدر منه يمثل تصرفًا فرديًا مرفوضًا لا يعبر عن قيم أو سياسة المطعم، وأن هذا السلوك لا يمثل ثقافة العمل، مؤكدين أنهم طوال ١٤ عامًا من العمل لم يشهدوا أى واقعة مماثلة، وأن احترام العملاء وتقديم أفضل مستوى من الخدمة يمثلان أولوية دائمة. 

لم يكتفِ المطعم بذلك، بل وفى مزايدة واضحة على من هاجموه قالت الإدارة إنهم أخذوا إجراءً فوريًا يتمثل فى تخصيص مكان لأداء الصلاة داخل فرع مول العرب، وذلك بعد التنسيق مع إدارة المول والحصول على موافقتها لتحديد المكان المناسب. 

لماذا أقول إن إدارة المطعم فعلت ما فعلته من باب المزايدة على من أخذوا صف ندى؟ 

سبب بسيط دفعنى إلى ذلك وهو أن إدارة المطعم أعلنت أنها ستخصص مكانًا للصلاة فى الفرع الذى جرت فيه الواقعة، ولو كانت مقتنعة بالأمر من الأساس لأعلنت أنها ستخصص أماكن للصلاة فى كل فروعها الأخرى، لكنها لم تفعل، بما يؤكد أنها كانت تشترى راحتها وتريد أن تنهى الجدل والسلام. 

بعد قرار إدارة المطعم شكرت ندى ما فعلوه وأثنت عليه، وكتبت أنها تحتسب ما فعلته صدقة جارية فى ميزان حسنات والدها. 

دون أن تدرى ندى وبعبارة قصيرة وعابرة فتحت الباب للبحث عنها وعن أبيها، الذى جعلت ما قامت به- ومن بينه قطع عيش مواطن يجرى على رزقه ورزق عائلته إن كانت لديه عائلة- صدقة جارية على روح المرحوم باباها. 

ولأنه كما لندى لسان فإن للناس ألسنًا، تم البحث عن أبيها الذى أدخلته فى جملة مفيدة فى الحدث الصاخب، فتم التأكد من أنه بشحمه ولحمه متولى عبدالعزيز الإخوانى المناهض للدولة المصرية. 

كشفَ هوية متولى عبدالعزيز حساب منسوب لحسام فتح الله على الفيسبوك. 

يقول حسام: ندى متولى هى ابنة الدكتور متولى عبدالعزيز الذى كان أستاذًا لمادة تحليل المنشآت بكلية الهندسة فى جامعة القاهرة، وسبق ودرس لى فى دبلوم الدراسات العليا، وتوفى فى ديسمبر ٢٠١٩. 

وأضاف حسام: والد ندى كان من المنتمين لجماعة الإخوان، وأفراد عائلته كانوا كذلك. 

تحول مسار الحدث تمامًا بعد الكشف عن هذه المعلومات، وأصبحت ندى فى مرمى سهام حتى من تعاطفوا معها وتبنوا موقفها ضد مدير المطعم، وبدأت فئران الريبة تلعب فى صدور الجميع، وما زاد هذه الريبة أن ندى قامت بإغلاق حساب والدها على الفيسبوك، بعد أن وجدت انتشارًا كبيرًا لمنشوراته وصوره وفيديوهاته التى تؤكد صلته وصلة عائلته بجماعة الإخوان الإرهابية.. فقد تأكد الجميع أن هناك ما تحاول ندى أن تخفيه وتجعله سرًا من أسرار عائلتها يجب ألا يطلع عليه أحد. 

قد تقول- ولك الحق فى ذلك بالطبع- لماذا تربط الموضوع بهوية ندى متولى الإخوانية؟ وما علاقة تصرفها هذا بانتمائها هى وعائلتها للجماعة الإرهابية؟ 

السؤال منطقى، وقد تقبلته بصدر رحب، فعليك أنت أيضًا أن تتقبل إجابتى التى سأحاول أن تكون منطقية بصدر رحب. 

ترتبط هذه الواقعة بمسألتين مهمتين جدًا. 

المسألة الأولى هى رغبة من ينتمون إلى جماعة الإخوان فى إرباك المجتمع من حولهم. 

لقد قامت الثورة على الإخوان، أدخلت عددًا منهم السجون، وهرب آخرون أصبحوا مشردين فى كل حدب وصوب، لكن هذا لا يعنى أنه لم يعد بيننا إخوان، بل هم موجودون يعيشون حياة طبيعية، يعملون فى مؤسسات الدولة، ويتحركون بأريحية شديدة يمارسون حياتهم الطبيعية، وهؤلاء يمارسون دورًا خطيرًا جدًا من خلال وجودهم الآمن بيننا. 

يحاول الإخوان الآمنون هز استقرار المجتمع من خلال اصطناع مشكلات من هذه النوعية، من ناحية يثيرون نقاشًا وجدلًا فارغًا لا ينتهى، يشغل الناس فى مصر عن قضاياهم المهمة، ومن ناحية أخرى يحاولون التأكيد أن هذا المجتمع فقد إيمانه، وأنه أصبح عدوًا للإسلام، فها هو مدير مطعم يمنع الصلاة بل ويسخر منها، وأن مصر ما وصلت لهذا إلا بعد أن خرج منها الإخوان. 

أتخيل أن ندى متولى الإخوانية بعد أن خدعت الجميع، ونجحت فيما أرادته، احتفلت بأنها أدخلت الإسلام إلى مول العرب ومطعم سيزلر، ولا بد أنها تلقت التهانى من شبيهاتها الإخوانيات، بأنها انتصرت على المجتمع فى معركة فرض الإسلام عليه رغم أنه له كاره. 

لقد صور الإخوان ثورة ٣٠ يونيو على أنها حرب على الإسلام، وأنه إذا تعرضت الجماعة لخطر فلن تقوم للإسلام قائمة فى مصر من بعدها، وكان فى هذا ابتزاز دينى وسياسى رخيص، وهى فلسفة مقاومة، وما فعلته ندى لم يكن إلا تطبيقًا لهذه الفلسفة، وللأسف الشديد فإن كثيرين من بيننا وقعوا فى فخها وانساقوا خلفها دون تفكير. 

المسألة الثانية ترتبط بما يمكن أن نسميه «دين الإخوان». 

ما قرأته ليس خطأ على الإطلاق، التعبير صحيح مائة بالمائة، فالأمر لا ينصرف إلى نمط تدين تختص به الجماعة نفسها، ولكنه «دين» تحاول فرضه وترسيخه. 

تذكرون المحامى الإخوانى الشهير صبحى صالح الذى أصيب فى اشتباك بالإسكندرية بينه وبين محتجين على حكم الإخوان، عندها قال وهو يرقد على سريره فى المستشفى: اللهم أمتنى على دين الإخوان. 

لم تفلت منه الكلمة عفو الخاطر، بل كان يقصدها تمامًا، لأنها تعبر عما يختلج فى صدور أفراد هذه الجماعة، وما هو راسخ فى قلوبهم، فللإخوان دينهم الخاص الذى جاء به مرشدهم الأول حسن البنا، وهم مخلصون لهذا الدين أكثر من إخلاصهم للإسلام، لكنهم وفى حالة من الخداع الكبير يحاولون تمرير دينهم هذا تحت راية دين الإسلام. 

عندما تحركت ندى فى مطعم «سيزلر» لم تكن غيورة على الإسلام، ولم تكن حريصة على تمكين صلاته فى أى مكان، لكنها كانت تفرض دينها الإخوانى، وهو دين يعتمد على المظاهر، ويأخذ منها دليلًا على قوته، وقدرته على الانتشار. 

فى فيديو قديم يحكى القيادى الإخوانى الراحل عصام العريان كيف أنهم استطاعوا أن ينشروا الحجاب على طالبات كلية الطب عندما كان طالبًا بها، وكان يفخر بذلك، وذلك لأن الإخوان وفى محاولتهم لفرض الحجاب على المجتمع، كانوا يخططون لتمييز من ينتمى إليهم ممن هو خارج عليهم، فالمظهر لديهم دليل قوة. 

لقد حاولت جماعة الإخوان الإرهابية التمكين لنفسها بأنها حامية الإسلام والمحافظة عليه والعاملة على الإعلاء من شأنه، وأنها الجماعة الربانية القرآنية، أعضاؤها هم رجال الله، ومرشدوها هم أولياء الله الصالحون، وذلك فى أكبر خدعة اعتقدوا أنها يمكن أن تنطلى طويلًا على الناس، ليتمكنوا من مفاصل المجتمع الذى اتهموه بالكفر والجاهلية، وأنهم جنود الله الذين سيخرجون الناس من الظلمات إلى النور. 

اعتقد كثيرون أن الجماعة ستتوقف عن هذه الحيلة بعد انكشاف أمرها عندما وصلت إلى الحكم، لكن كان هذا وهمًا كبيرًا، فما زالت الجماعة تواصل مسعاها إلى تنفيذ استراتيجيتها، والدليل على ذلك ما فعلته ندى متولى.

أعتقد أنه آن الأوان لأن نحرر الإسلام من دين الإخوان. 

أن نعرف الحيلة التى تعتمد عليها الجماعة فى الوجود بيننا وفرض نفسها علينا، فالمجتمع المصرى رغم كل ما يعانيه من أزمات ومشاكل وربما من خلل فى بعض تصوراته الدينية والمجتمعية، فإنه مجتمع لا ينقصه الالتزام بالدين والولاء للإسلام، لكن الجماعة نجحت خلال عقود فى تشويه إسلام المجتمع تمهيدًا لفرض دينها علينا، وحكمنا باسمه. 

الخدعة كبيرة أعرف ذلك جيدًا، لكن الرهان الآن على وعى الناس، فيجب ألا نقع فى فخ الجماعة مرة أخرى. 

من يريد أن يصلى فليصلى فى أماكن الصلاة، لكن أن يفتعل مشكلة، وكأنه يريد أن يعرى المجتمع، ويصدره على أنه ليس ملتزمًا ويرفض الصلاة، فهذه حيلة إخوانية خبيثة، ولأنها كذلك فقد كشف الله الغطاء عن صاحبتها وفضحها على رءوس الأشهاد. 

فهل نتعظ؟ 

أعتقد أننا يجب أن نتعظ.