GPS.. قصة الشبكة الخفية التى تدير عالمنا
- أول قمر صناعى لنظام GPS أطلق عام 1978 بتكلفة 10 مليارات دولار
- كتاب جديد يكشف الروابط غير المرئية للعالم.. من سباق الفضاء إلى المحمول
- الكتاب يسرد التاريخ المثير وغير المروى لأهم تقنية ظهرت فى القرن العشرين
- أقمار «بيدو» «BeiDou» تمتلك القدرة على التشويش على أنظمة الملاحة
- تقنيات الخداع والتشويش على الإشارات أمر شائع فى مناطق النزاع
- حرب الخليج 1991 شهدت أول استخدام معروف لقنابل مزودة بنظام GPS
ولّت الأيام التى كنا نتوقف فيها بجانب الطريق، ونقلب الخريطة يمينًا ويسارًا، ونحدق فيها بضيق وتبرم قبل أن نعترف قائلين: «لقد ضللنا الطريق». أما اليوم، فهناك شبكة من الأقمار الصناعية التى تدور حول الأرض ترشدنا إلى الاتجاه الصحيح.
لم يعد نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» مجرد تقنية مدمجة فى هواتفنا فحسب، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من تاريخنا الثقافى ومستقبلنا. لقد أحدث هذا النظام- الذى لا نراه بالعين المجردة ولكنه حاضر فى كل مكان- تحولًا جذريًا فى علاقتنا بحدسنا ومكاننا فى هذا العالم، مما جعلنا نعتمد اعتمادًا كليًا على تقنية نكاد ننسى وجودها من فرط اعتيادنا عليها.

فى كتابها «نقطة زرقاء صغيرة: كيف شكل نظام تحديد المواقع العالمى GPS العالم الحديث»، تسلط كاثرين دان الضوء على نقاط الضعف الحرجة فى نظام عالمى جوهرى يمس حياتنا جميعًا.
الكتاب الذى يقع فى ٣٨٤ صفحة، صدر فى ١٦ يونيو الماضى، عن دار نشر «بلومبزبرى» البريطانية العالمية، ويأتى فى المرتبة الثامنة للكتب الأكثر مبيعًا فى فئة الخصوصية والمراقبة فى المجتمع، وأيضًا المرتبة التاسعة فى فئة تاريخ صناعة الحوسبة.
يكشف الكتاب عن جذور نظام GPS باعتباره نتاجًا لحقبة الحرب الباردة- بدءًا من سباق الفضاء ووصولًا إلى حملات القصف فى فيتنام- متتبعًا مسار توسع استخداماته العسكرية والمدنية وتحولها لتصبح جزءًا من نسيج الحياة العصرية. كما يتناول مستقبل نظام GPS، وتأثيره على فهمنا للمكان والزمان، ودور التكنولوجيا فى حياتنا.
كاثرين دان صحفية ومحررة اقتصادية مقيمة فى لندن. عملت فى مجلات «فورتشن»، و«إس آند بى جلوبال»، و«وول ستريت جورنال/داو جونز»، ومعهد رويترز بجامعة أكسفورد، حيث شاركت فى شبكة أكسفورد لصحافة المناخ، وهى شبكة دولية تهدف إلى تطوير صحافة المناخ عالميًا، تقيم فى لندن، وهذا كتابها الأول.


تروى دان القصة التى ألهمتها لتأليف الكتاب، فتقول: كنت أتتبع مسارات تدفق النفط حول العالم. عملت سابقًا لدى صحيفة «وول ستريت جورنال»، ثم انتقلت للعمل فى مؤسسة «S&P Global».
وفى أحد الأيام، وبينما كنت جالسة على مكتبى، أرسل لى أحد الزملاء تقريرًا عن حادثة غريبة وقعت فى البحر الأسود، وذلك بعد فترة وجيزة من غزو روسيا لشبه جزيرة القرم.
كانت هناك مجموعة من السفن تظهر فجأة فى ميناء «نوفوروسيسك» الروسى القريب جدًا من القرم، فعندما ينظر طاقم السفينة من النافذة، يرون بوضوح أنهم فى الميناء، لكن أنظمة تتبع السفن لديهم- وهى تشبه إلى حد كبير «خرائط جوجل» التى نستخدمها جميعًا- كانت تظهرهم وكأنهم فى مطارات روسية، وتحديدًا على مدرج المطار.
وبطبيعة الحال، السفن لا تطير، لذا كان الأمر غريبًا للغاية. لقد كان لغزًا أثار فضولى بشدة، وببساطة، أصبحت مهووسة بالأمر ومشدودة إليه تمامًا.
توضح الكاتبة أنها قصة بنية تحتية، وقد يكون من الصعب نوعًا ما جعل قصة عن البنية التحتية تبدو مثيرة وجذابة، ولكنها تشير إلى أنك بمجرد أن تدرك مدى تغلغل نظام تحديد المواقع العالمى فى بنيتنا التحتية، تبدأ فى رؤية مدى تأثيره التحويلى الهائل، وكذلك مدى خطورة ما نشهده الآن من مستويات عالية من التشويش والتداخل.


تستعرض المؤلفة فى كتابها، قصة ابتكار نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» وتوسع نطاق استخدامه، بدءًا من استخدام موجات الراديو لتوجيه عمليات القصف الجوى خلال الحرب العالمية الثانية وشبكات الأقمار الصناعية الأولى، متتبعة مسار تطور هذه التقنية عبر محطات بارزة شملت تطورات تقنية ولحظات حاسمة، مثل تلك الفترة فى السبعينيات التى أجبرت فيها شبكات عسكرية أمريكية متنافسة على الاندماج، مما أدى إلى ولادة نظام GPS الأمريكى الحديث.
تشير إلى أن الدوافع والضغوط الرامية إلى إتقان تقنيات تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية، كانت عسكرية فى المقام الأول- مدفوعة بأسباب مثل فشل الغارات الجوية الأمريكية فوق فيتنام فى إصابة أهدافها- أو نابعة من كوارث بيئية مثل حادثة ناقلة النفط «إكسون فالديز».
تصف دان نظام GPS بأنه بمثابة تجربة أولية لتقنيات أخرى قادرة على إحداث تغييرات جذرية فى البنية الاجتماعية- مثل الذكاء الاصطناعى- مشيرة إلى أن أنظمة GPS أصبحت فى السنوات القليلة الماضية عُرضة للمخاطر، فى ظل تزايد هائل فى محاولات تعطيلها عبر التشويش والخداع التقنى «spoofing»، وظهور أنظمة منافسة جديدة مثل شبكة «ستارلينك» «Starlink» المعتمدة على تقنية الشبكات المتداخلة «mesh network».


ترجع الكاتبة تاريخ هذه التقنية إلى اللحظة التى طورت فيها وزارة الدفاع الأمريكية نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» فى سبعينيات القرن الماضى، وشهدت حرب الخليج عام ١٩٩١، أول استخدام معروف لقنابل مزودة بهذا النظام.
وعندما أتيح للمدنيين استخدام هذه التقنية لأول مرة، كان ذلك مقتصرًا على نسخ ذات دقة أقل، ولكن فى عام ٢٠٠٠ قررت الولايات المتحدة إتاحة إشارات النظام نفسها للجميع. وفى غضون عقد من الزمان تقريبًا، أصبح هناك مليار جهاز استقبال لنظام تحديد المواقع العالمى قيد الاستخدام حول العالم.
وأصبحت تقنية تحديد المواقع العالمية «GPS» عنصرًا حيويًا فى شبكات السكك الحديدية المخصصة للشحن، والشحن الدولى، والتداول المالى، وصناعة الأفلام، ورصد النشاط الزلزالى، وشبكة الكهرباء الأمريكية.
تشير المؤلفة إلى أن معظم الاستخدامات لم تكن لها أى علاقة بالجيش، فقد تحولت تقنية عسكرية إلى قوة توجيهية خفية فى حياتنا. وتضيف قائلة: «الأمر أشبه بأننا جميعًا نستخدم قاذفات صواريخ، لطلب خدمة توصيل».


تعود دان مرة أخرى إلى التاريخ البعيد لنظام تحديد المواقع العالمى «GPS»، حيث كان نتاجًا لاستخدام موجات الراديو، كأداة فى الطيران العسكرى، وهو الاستخدام الذى مكن ألمانيا من قصف بريطانيا العظمى عبر الأجواء المظلمة خلال الحرب العالمية الثانية.
وذلك عبر نظام «كنيكى باين» «Knickebein». كان هذا النظام الألمانى يعمل عن طريق بث شعاعين لاسلكيين ضيقين باتجاه الجزر البريطانية انطلاقًا من أجهزة إرسال تقع على الحدود الهولندية والدنماركية، إذ كان طيار سلاح الجو الألمانى يطير متبعًا المسار الذى يحدده الشعاع الأول، مصغيًا عبر سماعات قمرة القيادة إلى نغمة مستمرة تؤكد له أنه يسير فى المسار الصحيح.
وعندما كانت نغمة ثانية تشير إلى عبوره الشعاع المتقاطع مع الأول، كان يدرك أنه أصبح فوق هدفه، فيقوم بإسقاط قنابله. أما الرد البريطانى، الذى انطلق من «قصر ألكسندرا»، فتمثل فى التشويش على تلك الأشعة ببث إشارات مضادة، مما أطلق شرارة تطلق عليها الكاتبة «معركة الأشعة»، وهى المعركة التى استمرت- بشكل أو بآخر- طوال الفترة المتبقية من الحرب.
تتناول القصة التى تسردها محطات مألوفة- مثل عمل ماركونى فى مجال البث اللاسلكى، وسباق الفضاء بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة لإطلاق قمر صناعى، وإخفاقات القصف الدقيق خلال حرب فيتنام.
كما تذكرنا بمحطات ليست ببعيدة زمنيا، بما فى ذلك أول سيارة تنتج تجاريًا ومزودة بنظام تحديد المواقع العالمى «GPS» للملاحة «وهى سيارة «مازدا يونس كوزمو» التى كشف عنها عام ١٩٨٩»، وأول صاروخ جوال «كروز» موجه بنظام GPS يدخل الخدمة الفعلية «عام ١٩٩١».


توضح الكاتبة كيفية عمل نظام تحديد المواقع العالمى، والذى أطلق أول قمر صناعى له عام ١٩٧٨، ودخلت الكوكبة الكاملة المكونة من ٢٤ قمرًا صناعيًا حيز التشغيل عام ١٩٩٣.
وبلغت تكلفة النظام نحو ١٠ مليارات دولار بحلول عام ١٩٩٥- ولم يكن تمويل الحكومة الأمريكية له مبررًا إلا بقدرة الأقمار الصناعية على توجيه الصواريخ الأمريكية ورصد التجارب النووية للدول الأجنبية فى آن واحد.
ورغم ذلك، ظل النظام مهددًا بالإلغاء مرارًا وتكرارًا طوال حقبتى السبعينيات والثمانينيات على يد دعاة خفض الإنفاق فى البنتاجون.
تشرح المؤلفة أن الملاحة عبر الأقمار الصناعية تعتمد على عملية تعرف بـ«التثليث المساحى» «trilateration»، حيث يستقبل جهاز الاستقبال- سواء كان فى هاتف محمول أو ساعة ذكية أو نظام ملاحة فى مركبة- إشارات من أربعة أقمار صناعية على الأقل.
يستخدم نظام تحديد المواقع العالمى القياسى أربعة أقمار صناعية لحساب أربعة متغيرات مجهولة: خط الطول، وخط العرض، والارتفاع، وفارق التوقيت فى جهاز الاستقبال.
أما نظام تحديد المواقع العالمى المعزز، فيضيف قمرًا صناعيًا آخر ويجرى معادلة خامسة تحسن حساب التوقيت بشكل أكبر. وعلى عكس المتوقع، يساعد هذا أيضًا جهاز الاستقبال على حساب موقعك بسرعة أكبر بكثير، فى خلال ثانية أو ثانيتين.
ويمكن للجهاز حساب المسافة الفاصلة بينه وبين هذه الأقمار من خلال قياس الزمن الذى تستغرقه كل إشارة للوصول إليه، وبناء على هذه المعلومات، يستطيع الجهاز تحديد موقعه بدقة.


تلفت دان إلى أنه فى أوائل العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، أصبح التركيز على استخدام الموقع والوقت، بالإضافة إلى نقلهما، أمرًا راسخًا فى جميع جوانب السفر البشرى وسلاسل التوريد: فقد باتت الطائرات التجارية وسفن الحاويات وحاويات الشحن قابلة للتتبع. وفى بعض الصناعات، بما فى ذلك الشحن الدولى، أصبح هذا التتبع شرطًا قانونيًا.
واستخدم نظام تحديد المواقع العالمى «GPS»، ليؤدى وظيفة أخرى لا تقل أهمية: وهى تحديد التوقيت بدقة فائقة. وتعتمد شبكات الطاقة، وشبكات الاتصالات، وأسواق الأسهم، وخدمات النقل، وغيرها الكثير، على التزامن الذى يوفره نظام الملاحة العالمى عبر الأقمار الصناعية «GNSS».
وذلك بعدما عملت الحكومة الأمريكية فى عام ٢٠٠٠ على زيادة دقة تحديد المواقع المتاحة، وأصبحت دقة تحديد موقع أى جسم، تصل إلى هامش خطأ لا يتجاوز ٤٠ جزءًا من المليار من الثانية.
ففى ظل الظروف المثالية، تتميز إشارة نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» فى الهواتف الذكية بدقة تبلغ حوالى ١٦ قدمًا «نحو ٥ أمتار»، فى حين يمكن لأنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية «GNSS» عالية الدقة تحديد الموقع بدقة تصل إلى بوصتين «نحو ٥ سنتيمترات».


تشير الكاتبة إلى انضمام شبكات مماثلة تابعة للاتحاد الأوروبى وروسيا والصين واليابان، إلى نظام الملاحة الأمريكى.
وشملت هذه المشاريع: نظام «جلوناس» «Glonass» الروسى، الذى أطلق أول أقماره الصناعية فى وقت مبكر يعود لعام ١٩٨٢، لكن عمليات صيانته توقفت وانهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتى، ولم يستعد عافيته إلا فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين.
ونظام «جاليليو» «Galileo» الأوروبى، الذى أُطلق أول قمر صناعى تجريبى له عام ٢٠٠٥، وهو النظام الذى سعت الولايات المتحدة بنشاط- خلال أواخر التسعينيات- إلى وأده فى المهد خشية ظهور منافس لا يمكنها السيطرة عليه.
وفى عام ٢٠٠٢، أذنت الحكومة اليابانية بإنشاء شبكة أقمار صناعية إقليمية، هى QZSS، ونظام «بيدو» «BeiDou» الصينى، الذى أطلق أول قمر صناعى تجريبى له عام ٢٠٠٠، والذى نجح بحلول منتصف عشرينيات القرن الحالى فى منافسة نظام «GPS» من حيث نطاق التغطية.
ويطلق على جميع شبكات الملاحة عبر الأقمار الصناعية مصطلح «أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية»، أو GNSS، والتى تشير إلى فجر عصر فضائى جديد، حيث عادت الجغرافيا السياسية لتؤثر على الفضاء فوق الغلاف الجوى للأرض.


تركز المؤلفة فى سردها بشكل كبير على العنصر البشرى، بدءًا من فيرنر فون براون وفريد ويبل، ووصولًا إلى برادفورد باركنسون «عقيد فى سلاح الجو الأمريكى» وروجر إيستون، وهما الأخيران اللذان نال كل منهما لقب «مخترع» نظام GPS.
وبدلًا من الانحياز لطرف دون الآخر، توضح أن نظام GPS قد طور وحسن وروج له ووضع موضع التنفيذ بجهود عشرات الأشخاص.
وتولى اهتمامًا خاصًا بأبطال لم ينالوا ما يستحقونه من شهرة، مثل «تشارلى مارى نوبل»- التى سمى باسمها «قبة نوبل السماوية» «Noble Planetarium» فى مدينة فورت وورث- وهى معلمة رياضيات فى مدرسة ثانوية اكتسبت شهرة واسعة بفضل جهودها فى تعزيز الاهتمام بعلم الفلك.
وأيضًا «جلاديس ويست»، عالمة الرياضيات من أصول إفريقية التى عملت على تحسين دقة مسارات الصواريخ من خلال دراسة التغيرات فى مجال جاذبية الأرض، و«ماريا بيرلينسكا»، وهى امرأة أوكرانية شاركت فى تأسيس مدرسة تدريب مجانية لمشغلى الطائرات المسيرة «الدرونز» عام ٢٠١٥.


توضح دان أن ظهور خدمة «خرائط جوجل» «Google Maps» عام ٢٠٠٥، كان النقطة الفارقة فى استخدام نظام تحديد المواقع العالمى، والتى حققت انتشارًا هائلًا بفضل هاتف «آيفون». حيث كان كل من خرائط جوجل وهاتف آيفون يمثلان ما يعرف أحيانًا بتقنية «التكامل»: أى دمج العديد من الاختراعات وأشكال التكنولوجيا فى حزمة واحدة.
حيث إنه بحلول وقت طرح هاتف «آيفون ٣ جى» «iPhone ٣G» فى عام ٢٠٠٨، كانت رقائق استقبال إشارات نظام تحديد المواقع، قد تقلصت فى الحجم من أجهزة تضاهى أفران الميكروويف فى ثمانينيات القرن الماضى، لتصبح بحجم ظفر إصبع مولود جديد.
وفى خلال ١٨ شهرًا من إطلاق شركة «أبل» لهاتفها، أصبح استخدام «خرائط جوجل» «Google Maps» على هاتف «آيفون» أكثر كثافة منه على جميع الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر الأخرى مجتمعة.
تلفت المؤلفة إلى أن خرائط جوجل أيضًا كانت ثمرة تعاون واسع النطاق ومعقد، بنيت على أساس خرائط مرجعية متاحة للعموم من قبل الحكومة الأمريكية، وغالبًا ما استخدمت صورًا فضائية التقطتها أقمار صناعية تابعة للحكومة الأمريكية.
وكان المنتج فى جوهره نتاج اندماج شركتين ناشئتين استحوذت عليهما جوجل عام ٢٠٠٤: شركة رسم الخرائط «وير تو تكنولوجيز» وشركة «كى هول تكنولوجيز»، اللتان قامتا بدمج الصور الجوية والفضائية فيما كان بمثابة النواة الأولى لتقنية «عرض القمر الصناعى» وبرنامج جوجل إيرث.

تشير الكاتبة إلى أنه على الرغم من أهمية نظام GNSS للبنية التحتية، فإنها تشكل أيضًا نقطة ضعف. فإشارات الأقمار الصناعية ضعيفة، ويمكن اختراقها أو التلاعب بها بواسطة إشارات أقوى وأكثر خبثًا.
وتعد الحكومة النرويجية اليوم واحدة من بين عدة حكومات تستعد لعالم قد يصبح فيه نظام الملاحة العالمى عبر الأقمار الصناعية، نقطة ضعف استراتيجية.
وتوضح أن هناك نوعين رئيسيين من التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية. الأول هو التشويش، أو إغراق الإشارات، بحيث تصبح الخدمة غير متاحة. والثانى هو التزييف، وهو اختطاف الموجات الراديوية، حيث يتم تزويد جهاز استقبال GNSS بموقع ووقت خاطئين.
تلفت المؤلفة إلى تجربة أجريت عام ٢٠١٢، حيث تسببت إشارة مضللة فى دفع نظام الطيار الآلى لطائرة دون طيار إلى «تصحيح» مسارها، ما أدى إلى سقوطها وهبوطها الحاد نحو الأرض، كما تذكر تجربة أخرى عام ٢٠١٣، نجحت فيها إشارة مضللة فى السيطرة فعليًا على يخت.
لكن تلك التجارب تتضاءل مقارنة بتزييف الإشارات الملاحية فى روسيا، الأمر الذى أدى إلى تضليل سيارات الأجرة والسفن.
تشمل الأمثلة على ذلك: إجراءات حكومة بوتين لحمايته من هجمات الطائرات المسيرة، وإنشاء «قبة حديدية» كهرومغناطيسية تحيط بإسرائيل بأكملها، وتقنيات «الخداع» «spoofing» التى أُشير إليها فى الأخبار مؤخرًا، والتى تتيح للسفن إخفاء هويتها ومصدرها وموقعها أثناء عبور مضيق هرمز.

تؤكد دان أن تقنيات الخداع والتشويش على الإشارات، أمر شائع فى مناطق النزاع، كما يمكن استخدامها لتعطيل إشارات الهواتف المحمولة.
وردًا على هذه التهديدات، أعادت الأكاديمية البحرية الأمريكية فرض «الملاحة الفلكية» كمهارة أساسية، وجرى تركيب أبراج رادار أرضية، وبدأ تدريب الطيارين- كما كان الحال فى السابق- على الطيران بالاعتماد على الرؤية البصرية المباشرة.
توضح الكاتبة أنه منذ الغزو الروسى الشامل لأوكرانيا، ازداد هذا التشويش بشكل كبير. وكانت أبرز آثاره على قطاع الطيران. ففى مايو من هذا العام، تعرضت طائرة تابعة لسلاح الجو الملكى البريطانى لتشويش على نظام GPS بالقرب من الحدود الروسية، بينما صرحت هيئة النقل السويدية فى سبتمبر ٢٠٢٥ بأن التشويش أصبح حدثًا يوميًا.
فى يونيو ٢٠٢٦، تحققت تلك المخاوف عندما حذرت مجموعة من الخبراء من أن الأقمار الصناعية الروسية تبث تشويشا من الفضاء، ما أدى إلى تعطيل إشارات نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» فى جميع أنحاء أوروبا لفترات وجيزة.
تسرد المؤلفة العديد من حالات إساءة استخدام نظام تحديد المواقع العالمى فى الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال، فى البحر الأبيض المتوسط، يضطر مراقبو الحركة الجوية القبارصة إلى توجيه الطيارين التائهين بسبب انقطاعات متكررة فى نظام تحديد المواقع العالمى.
ومع ظهور العديد من الطائرات «الشبحية» على شاشاتهم، تعلم المراقبون توجيه الطيارين أثناء الهبوط باستخدام إشارات الراديو فقط. وقد ازداد الوضع سوءًا منذ حروب إسرائيل فى غزة ولبنان.
وفى النرويج، لم تتمكن طائرات الإسعاف المروحية من الهبوط فى مواقع حوادث الطرق، لأن جهاز تشويش واحد على نظام تحديد المواقع العالمى فى سيارة سائق محطمة، قد عطل الإشارة الإقليمية عبر مضيق بحرى بأكمله. وفى أوكرانيا، يلجأ مشغلو الطائرات المسيرة على خط المواجهة، الذين وجدوا أن مدفعيتهم وقنابلهم الذكية الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمى والمزودة من الولايات المتحدة، تتعرض بشكل متزايد للتدمير بسبب الحرب الإلكترونية الروسية، إلى استخدام البوصلة المغناطيسية ولقطات شاشة مطبوعة من خرائط جوجل للتنقل.
ويظل احتمال حدوث تشويش واسع النطاق قائمًا، إذ يرى بعض الخبراء أن أقمار «بيدو» «BeiDou» الصينية تمتلك القدرة على التشويش على أنظمة الملاحة أو خداعها فى أى مكان بالعالم، وذلك بالتزامن مع ما توفره هذه الأقمار من تطور فى مجال الاتصالات ثنائية الاتجاه.
تلفت دان إلى أنه فى السابق، كان تشويش نظام الملاحة العالمى عبر الأقمار الصناعية، يقتصر على منطقة أو منطقة حدودية، نظرًا لأن الإشارات اللاسلكية من الأرض لا يمكنها الوصول إلا إلى مسافة محدودة. أما الآن، ومع وصول التشويش أيضًا من الفضاء، فلن يكون هناك مكان أو شىء بمنأى عن التشويش.







