الأربعاء 23 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

عملية صعبة.. رحلة مؤلفة لاختيار العنوان المثالى لكتابها

حرف

- كنت أعلم أننى سأحتاج إلى بعض المساعدة لكننى لم أكن أتخيل حجمها

- الرحلة استمرت شهرًا كاملًا للوصول إلى العنوان المناسب للعمل

بالنسبة لى، اختيار العناوين دائمًا ما يكون جهدًا جماعيًا. لقد حيرنى عنوان كتابى الأول، وهو تاريخ طريف لأناس يبحثون عن جنة عدن على الأرض، إلى أن اقترح صديقى الكاتب جوش جاريت- ديفيس عنوان «شهوة الفردوس». 

صحيح أن هناك كتبًا أخرى تحمل هذا العنوان، لكن لا يمكن حماية العنوان بحقوق النشر، بالإضافة إلى أنه من غير المرجح أن يخلط أحد بين كتابى ورواية رومانسية خفيفة تدور أحداثها فى تايلاند. 

عنوان «شهوة الفردوس» (دار جروف للنشر، 2011) يعكس بوضوح الموقف الذى اتخذه الكتاب تجاه تاريخه: جرىء، ولكنه دقيق أيضًا، فالكتاب يتحدث حرفيًا عن أناس «يشتهون» الفردوس. 

لذلك، عندما حان وقت اختيار عنوان لكتابى الثانى «أمة على صورة الله: خمسمائة عام من الدين فى أمريكا»، وهو تاريخ من مجلّد واحد عن الأديان فى الولايات المتحدة من «أول اتصال» وحتى عهد ترامب، والذى كلفتنى به دار جروف للنشر عام ٢٠١٦- كنت أعلم أننى سأحتاج إلى بعض المساعدة، لكننى لم أكن أتخيل حجمها. 

لتسع سنوات، ظل الكتاب يتردد فى ذهنى وعلى حاسبى تحت عنوان «الله والوطن». ظننت أن العنوان يحاكى ما فعله كتاب «شهوة الفردوس»: تحريف ساخر لعبارة شائعة مع الحفاظ على دقتها. 

صحيح أننى كنت أتلقى نظرات استغراب كلما أخبرت أحدًا أننى أؤلف كتابًا بعنوان «الله والوطن»، حتى إن أحد الأصدقاء أخبرنى بغضب بأن هذه العبارة هى شعار كل من مشاة البحرية وجامعة ييل، لكننى كنت فى حالة إنكار.

فى منتصف يونيو ٢٠٢٤، أخبرنى محررى بلطف بأن عنوان «الله والوطن»، لن يُقبل؛ فقد كان شائعًا جدًا فى عناوين الكتب الأخرى التى تتناول الدين، ما يجعل من المستحيل تمييز عنوانى من خلال بحث سريع على الإنترنت؛ وهو ما يعد بمثابة ضربة قاضية لبائعى الكتب والمسوّقين. 

مع ذلك، كنت معجبة بعنوانى، ولم أكن أعرف ما الذى يمكن أن يحل محله. وهكذا بدأت رحلة بحث مضنية استمرت شهرًا كاملًا عن عنوان مناسب. تخللتها مراسلات عبر البريد الإلكترونى مع وكيل أعمالى واثنين من محررى دار نشر جروف، ونقاشات مطولة على فيسبوك مع ٨٠ من أقدم أصدقائى، وحتى خلال أحاديثنا المسائية طوال عطلتى العائلية التى استمرت أسبوعًا.

سرعان ما اتضح أن مشاكل إيجاد العنوان الأمثل تعكس مشاكل نشر كتاب عن الدين فى السوق الأمريكية من الأساس. أى أن القراء يأتون إلى هذا الموضوع وهم منقسمون مسبقًا. 

لم يكن المطلوب فقط أن يبرز العنوان فى نتائج بحث «جوجل»، بل كان عليه أيضًا أن يجذب القراء- من المتدينين إلى الملحدين وكل من يقع بينهما- بدلًا من أن ينفّرهم.

بالطبع، كان لدىّ جمهور أكثر تحديدًا فى ذهنى عندما كتبت هذا الكتاب. كنت أكتب تاريخًا للأديان، لأشخاص لا يهتمون بالدين فى حد ذاته. هؤلاء هم جمهورى: عندما أعلنت لوالدىّ، وأنا طالبة فى السنة الثانية بالجامعة فى منتصف التسعينيات، أننى سأتخصص فى الدين، وليس الأدب الإنجليزى، بدت والدتى، وهى يهودية سابقة ونسوية، قلقة: هل أريد أن أصبح كاهنة؟

مع ذلك، خلال السنوات التسع التى استغرقتها فى البحث وتأليف الكتاب، غادرت نيويورك وانتقلت إلى تشابل هيل، كارولاينا الشمالية، للحصول على درجة الدكتوراه فى الدراسات الدينية. 

وخلال هذه الرحلة ترسخت لدىّ بعض المبادئ الأساسية التى لا تقبل المساومة. على سبيل المثال: علّمتنى الحياة الأكاديمية أن الدين لا يقتصر على المعتقدات، بل يشمل الأفعال والممارسات والطقوس والتواصل الاجتماعى والطعام والملابس والموسيقى. 

كان من المهم بالنسبة لى أن يعكس الكتاب وعنوانه هذا التحول. تكمن المشكلة فى أن كلمتى «المعتقد» و«الإيمان» حاضرتان فى كل عبارة شائعة تقريبًا عن الدين قد تكون مألوفة لقرائى.

اقترحنا اقتباسات من شخصيات أمريكية مشهورة، ودرسنا استخدام الصفات فى العناوين الفرعية «سردى؟ مجرد جدًا. شعبى؟ خاص جدًا. إنسانى؟ واضح جدًا. حيوى؟ يبدو كأنه اسم كوكتيلات». 

فكّرنا أيضًا فى عبارات مثل «من _____ إلى _____»، لكن التوليفات اللفظية الوحيدة التى توصلنا إليها لم تكن جذابة للغاية: «من كولومبوس إلى كوفيد».

خفف أصدقائى من قلقى المتزايد باقتراح عناوين أكثر طرافة تدريجيًا: «لن يسن الكونجرس أى قانون». «يا يسوع الطفل». «بدت فكرة جيدة فى ذلك الوقت». بل إن بعضها كان مصحوبًا بعناوين فرعية: «بلاد الله: لا أحد آخر يريدها»، «هللويا: ما شأنك أنت؟». 

فى مرحلة ما أرسلت إلى محررىّ عرضًا جادًا ومفصلًا لكتاب «بارك هذه الفوضى: تاريخ إنسانى للدين فى أمريكا».

لكن فى النهاية، وبعد أن تخلصنا من مخاوفنا، استقررنا أنا وفريقى على خيارين مقبولين للجميع: «حالة الإيمان» و«أمة على صورة الله». من بين هذين الخيارين، بدا الاختيار واضحًا. 

فبينما بدا «حالة الإيمان» عامًا جدًا، ودينيًا جدًا، بل ومسيحيًا جدًا، بدا «أمة على صورة الله» غريبًا بعض الشىء. لا يوجد كتاب آخر يحمل هذا العنوان، والكتب الموجودة التى تحمل كلمة «على صورة الله» فى عنوانها ليست كتب تاريخ، وبالتالى فهى أقل عُرضة للالتباس. 

لم يكن العنوان مؤيدًا للدين أو معارضًا له بشكل مفرط. وكان العنوان الفرعى، الذى تم اختياره فى الأصل لتجنب تكرار أداة التعريف «أ»، مفيدًا أيضًا فى توضيح النطاق والمنظور. 

فكتاب «خمسمائة عام من الدين فى أمريكا» يعنى أن هذا ليس مجرد كتاب تاريخى آخر يعود إلى عام ١٧٧٦، وليس كتابًا يساوى بين الدين والمسيحية.

كما أنه استوفى معيار «شهوة الفردوس» الخاص بى من حيث التورية. نعم، كنت أتلاعب بمصطلح «ثقب على شكل إله»، وهو إعادة صياغة لعالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسى بليز باسكال، الذى كان يحاول بالفعل وصف «هاوية عميقة» داخل البشر لا يمكن ملؤها إلا بالإله المسيحى، مهما حاولنا جاهدين ملؤها ببدائل دنيوية.

لكن فكرة أن يكون شىء ما على هيئة إله بدت لى دائمًا ضربًا من العبث: كيف يمكن لأحد أن يعرف شكل الله على وجه اليقين؟ وأى إله هذا؟ بالنسبة لى، كان «على هيئة إله» أشبه باختبار رورشاخ: ترى فيه ما تحتاج لرؤيته. 

تلك الفجوة تشغل حيزًا صغيرًا أو كبيرًا، كما تشاء فى حياتك. شعرت بالارتياح عندما اكتشفت أثناء بحثى عن عنوان أغنية وألبومين بعنوان «فجوة على هيئة إله»، ويعكس تنوع أنواعها الموسيقية، من الموسيقى المسيحية المعاصرة إلى موسيقى الروك السيكيديلية، حساسية روهرباخ تلك.

يمكن بالفعل قراءة العنوان بمعنى «الله قد شكل الأمة»، كما اعتقد البيوريتانيون والإنجيليون منذ زمن طويل. لكنه قد يعنى أيضًا أن الأمة وعاء يسقط فيه الناس أفكارهم عن الله. 

باختصار: هل هى أمة شكّلها الله أم أمة شكلها الله، أيًا كان المقصود بذلك؟ يبدو لى أن الاحتمال الأخير أقرب إلى وجهة نظرى، وآمل أن يتضح ذلك من خلال الكتاب. 

قد يبدو كل هذا كثيرًا لشرحه فى بضع كلمات، لكن بما أن هذه الكلمات هى الانطباع الأول عن الكتاب، ويجب أن تكون مثيرة للاهتمام بحد ذاتها، فقد كان الجهد المبذول جديرًا بالاهتمام، بل كافيًا، كما آمل، لدعوة القراء إلى اقتناء الكتاب واتخاذ قرارهم بأنفسهم.

اقرأ أيضًا من ماذا يكتب العالم: 

التواجد الاستراتيجى.. 10 طرق لتعزيز حضورك على «لينكدإن»

قلـق أكبـر.. الذكاء الاصطناعى والارتجال الدينى

فرط كتابة.. عن المؤلفين الذين لا يتركون القلم أبدًا