استعادة طه حسين.. «نور» العميد يهزم «ظلام» التطرف
- منح العالم العربى طرقًا متجددة فى التفكير وفى النظر المتعدد إلى العالم
- استكمال ما بدأه أمر لا غنى عنه فى استئناف مشروع التحديث المصرى والعربى
فى عمله اللافت عن أبى العلاء المعرى يهدى طه حسين كتابه «إلى الذين لا يعملون، ويؤذى نفوسهم أن يعمل الناس»، ويمثل هذا الإهداء الدال مدخلًا كاشفًا عن سيكولوجية طه حسين، المولع بالعلم، والمعرفة، والمترفع عن الصغائر، والسفاسف، والضغائن الظاهرة والمضمرة.
وقد بدت حياة طه حسين ذاته نموذجًا ملهمًا فيما يتصل بمنجزه المعرفى والإبداعى، من جهة، ومعاركه الفكرية الجادة من جهة ثانية.
إن المعرفة سلسلة ممتدة من الحلقات المتراكمة، لا ينفى فيها اللاحق السابق، وإنما تحيا وفق صيغة التجاور الخلاق. وقد ضرب العميد ذاته مثالًا يحتذى فى علاقته بسابقيه، ومجايليه على حد سواء، حيث ظل يعترف بدور رفاعة الطهطاوى، وتأثيرات محمد عبده، وليبرالية أحمد لطفى السيد.

وفى ظل أجواء معقدة على المسارين السياسى والثقافى، فالجماعات المتطرفة لم تتوقف عن إنتاج الخرافة، وتقديس الماضى، ومن ثم لم تتوقف عن الولع بالقتل والهوس بالدماء، والخطاب الفكرى الذى يجابه المد المتطرف لم يزل غائبًا، أو محدود التأثير فى أكثر التعبيرات تفاؤلًا؛ ولذا فإن استعادة طه حسين ليست، فحسب، استعادة لقيم الثقافة الوطنية، ولكنها بالأساس استعادة لمعنى التنوير ذاته، حين يواجه واقعًا صلدًا، يهيمن عليه الجمود والتصور الرجعى للعالم.
وتختزل التصورات الفكرية لطه حسين تاريخًا من الأفكار، وتحمل الطبيعة المتجددة للمفكر التنويرى الأبرز فى القرن العشرين وعيًا بقيم العقل النقدى الطليعى حين يسائل واقعه وتراثه، ويسعى صوب غدٍ أفضل لناسه وأمته، بحيث يمكنك أن تكتشف روح مصر وطبقاتها الحضارية من خلال طه حسين، فالنتاج المعرفى والإبداعى الذى خلفه عميد الأدب العربى يعد تعبيرًا جماليًا رفيعًا عن قيم التقدم والاستنارة والحرية.
فى العام ١٩٢٦ أصدر طه حسين كتابه اللافت «فى الشعر الجاهلى»، فهاج وماج التيار الماضوى الذى كان يتخفى خلف عباءة المحافظة والتقليد وقتها، وصعد الأمر للبرلمان المصرى، الذى كان حاويًا جملة من التيارات السياسية المتصارعة، وهوجم طه حسين هجومًا شديدًا ودعا البعض إلى فصله من الجامعة، وقاد التيار الظلامى الحملة بشراسة ضد أحد أهم رموز التنوير فى الثقافة العربية، وقد ظلت الواقعة المخزية حاضرة فى وعى طه حسين، ربما لم يخفف من آثارها القاسية سوى المذكرة التى قدمها وكيل النائب العام السيد محمد نور بما حوته من دفاع رصين عن طه حسين، والحرية الفكرية معًا. وعلى الرغم من صدور الكتاب فيما بعد تحت مسمى جديد «فى الأدب الجاهلى»، فإن جوهر الفكرة التى أراد طه حسين تضمينها فى مؤلفه ظل حاضرًا.

كان التيار الماضوى يسعى صوب توطيد أركانه فى المجتمع آنذاك، وكان صنيع طه حسين يفضى إلى خلخلة المستقر من الأفكار الجاهزة، وكان المناخ الليبرالى فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى كفيلًا بأن يرهن مفكر بحجم أحمد لطفى السيد استقالته من إدارة الجامعة بعدم تعرض طه حسين لأى عسف.
تواصلت معركة طه حسين مع التيارات الظلامية، ولم تهدأ الاتهامات ضده حتى الآن، وراجت أباطيل كاذبة بحق الرجل الذى نذر نفسه للدفاع عن حرية التفكير، ولم يفت فى عضد المفكر الرائد كل تلك الانتقادات، كانت فى القلب غصة ولا شك، لكنه مضى مواصلًا طريقه.
لا يكون المفكر مفكرًا إلا إذا كان قادرًا على إنتاج أفكار جديدة، وطه حسين ترميز لخيال جديد فى أوانه، يقظ، ومستشرف للمستقبل، ويكفى أن نشير فى هذا المسار إلى كتابه المحورى «مستقبل الثقافة فى مصر»، الذى يعيد تأمل سؤال الهوية، منفتحًا على أبعاد جيوثقافية/ سياسية جديدة، أما الأهم داخله فيتمثل فى أطروحاته الطليعية عن التعليم، وتصوراته النابعة من روح خلاقة، وبصيرة ناصعة.
فعقب معاهدة ١٩٣٦ بين مصر وبريطانيا، جاء كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر»، مشيرًا إلى الجذر الحضارى للأمة المصرية، بانتمائها إلى الحضارة المصرية القديمة التى خرجت من عباءتها مع الحضارة اليونانية القديمة وحضارة الهند حضارات الغرب والشرق، ونبّه إلى الانتماء المصرى لثقافة البحر المتوسط، ومن ثم فالصلة بين مصر وأوروبا وثيقة للغاية؛ ولذا كان البناء الجديد الذى يأتى عقب الاستقلال النسبى لمصر عن بريطانيا يجب أن ينهض من وجهة نظره على قيم الحداثة؛ لإمكانية اللحاق بالعالم المتقدم.

كان طه حسين أيضًا مفكرًا إجرائيًا، لا يمنح قُراءه تصورات نظرية محضة فحسب، ومن ثم نبّه إلى خطورة التعليم التراثى، وحذّر من ازدواجية التعليم لدينا، وربما تكمن الأهمية الحقيقية لكتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» فى كونه تأسيسًا لفلسفة تقدمية تحوى أفكارًا مؤسسة عن التعليم وإمكانية تطويره وعصرنته.
لقد ضرب طه حسين بسهم وافر فى مناحٍ شتى من المعرفة، وحين تقرأ بتمعن المشروع الفكرى والإبداعى لطه حسين، تشعر وكأنه كان معنيًا بالتأثير الفعلى فى حياة أمته، فنصوصه الإبداعية بدت تأسيسًا ملهمًا للسرد فى بواكير علاقة العرب بالرواية الحديثة، ونصوصه المكتملة مثل «دعاء الكروان»، و«الحب الضائع» تمثل نقلة نوعية فى مسار السردية العربية فى زمنها، فضلًا عن رائعته «الأيام» التى تعد علامة دالة على سرود السيرة الذاتية.
أما أعماله النقدية، وفى المتن منها «حديث الأربعاء»، و«من أدبنا المعاصر»، فقد بدت زوايا نظر عميقة للنص العربى قديمه وحديثه، وأحيانًا تأسيسًا مبكرًا للغاية لطروحات فى «نقد النقد» (Metacriticism)، أو درسًا تطبيقيًا رفيعًا فى الأدب المقارن من زاوية التأثير والتأثر بين نصين ينتميان لثقافتين وأدبين مختلفين.
خاض طه حسين معارك عديدة، لم تكن ابنة الهوى الشخصى، أو بحثًا عن دور مفقود، وإنما كانت تعزيزًا للمعنى، وانتصارًا للقيمة، وقد تمثلت معركته الأشهر فى كتابه «فى الشعر الجاهلى»، الذى اتكأ فيه على مبدأ الشك الديكارتى: أنا أفكر.. إذن أنا موجود. وقد أحدثت فكرة الانتحال للشعر الجاهلى جدلًا متزايدًا، امتد من طلاب الأزهر وبعض شيوخه إلى أروقة البرلمان آنذاك، وصولًا إلى قاعات المحاكم. واجتمع خصوم عديدون ضد طه حسين، شيوخ تقليديون، مثقفون محافظون، سياسيون براجماتيون، أكاديميون حانقون.
ولم يكتفِ طه حسين فى كتابه المركزى «فى الشعر الجاهلى» بإلقاء حجر فى المياه الثقافية، لكنه مثّل نسقًا لآلية التفكير النقدى القائم على المساءلة والمراجعة النقدية المستمرة، وأيًا ما كان الأمر فإن ما طرحه طه حسين كان جديرًا بالمناقشة، وهذا عين ما كان، وإن اشتط مهاجموه كثيرًا فى التعبير عن رفضهم الذى تحول فى بعضه إلى سباب لا يليق بهم ولا بالمفكر التنويرى المثال فى ثقافتنا العربية المعاصرة.
وقد استخدم طه حسين فى كتابه آليات العقل النقدى، حيث جعل الأشياء جميعها محلًا للسؤال، ومثّلت بعض الفقرات داخله مركزًا فى طرح الفكرة الرئيسة التى انطلق منها، من قبيل «شككت فى قيمة الأدب الجاهلى، وألححت فى الشك، وانتهيت إلى أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًا، ليست من الجاهلية فى شىء، إنما هى منحولة بعد ظهور الإسلام»، ثم قطع برأيه قائلًا: «فالشعر الذى ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء»، وحظيت هذه الفقرة ومثيلاتها بانتقادات واسعة، سواء من بعض الأدباء والباحثين، أو من المؤسسات الدينية.

وربما لم تحظَ قضية نوعية بمثل ما حظيت به قضية «فى الشعر الجاهلى» من مساجلات تواترت طيلة القرن العشرين وربما حتى لحظتنا الراهنة، حيث لم تزل مثارًا للبحث الأكاديمى التقليدى، الذى يسعى فى جلّه إلى الانتصار لنقيض الفكرة التى طرحها طه حسين، ومن جهة أخرى كانت هذه المعركة من أولى القضايا التى دخل فيها القضاء على خط التماس، وقد بدأت المعركة عقب صدور الكتاب مباشرة من خلال عدد من البلاغات التى قدمها أزاهرة، وصولًا إلى شيخ الأزهر نفسه محمد أبوالفضل الجيزاوى، وقد دخل البرلمان المصرى على الخط أيضًا، حيث هاجم النائب الوفدى عبدالحميد البنان، ومن خلفه حزبه ذى الشعبية الواسعة آنذاك، طه حسين، فى حين وقف الأحرار الدستوريون موقفًا داعمًا لطه حسين، خاصة النخبة المثقفة التى انتمت إليه وقتها أو فى فترات سابقة من قبيل: أحمد لطفى السيد، وعلى عبدالرازق، ومصطفى عبدالرازق، والدكتور محمد حسين هيكل.
كان طه حسين يمثل الجديد فى زمانه، وقد توفرت قضية الصراع بين القديم والجديد على مناحٍ عدة، كان من أبرزها منحى الأسلوب الذى شهد جولات مختلفة من الصراع الفكرى بين مؤيدى اللغة القشيبة التى تعيد إنتاج الماضى، والأخرى ابنة عصرها والتى تحتفظ بالجزالة الواجبة دون تقعر، وقد ثارت قضية القديم والجديد على مستوى الأسلوب أكثر من مرة، وما يعنينا هنا معركة شهيرة كان أحد طرفيها المركزيين طه حسين، فى مواجهة مصطفى صادق الرافعى، فقد كتب الرافعى فى مجلة الرسالة «رسالة فى العتب» بأسلوبه الموغل فى القدم، وقد استرعى هذا الأمر انتباه طه حسين الذى رد على رسالته بمقال أورده فى «حديث الأربعاء»، ذكر فيه نصًا: «أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب إذ أعلنت مضطرًا أن هذا الأسلوب الذى ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا فى هذا العصر الحديث الذى تغير فيه الذوق الأدبى، لا سيما فى مصر، تغيرًا شديدًا». وكان الرافعى قد احتج بأن الأسلوب الذى كتب به رسالته فى العتب هو «موضع الانفراد، والغاية التى تتقاصر دونها الأعناق منذ القرن الرابع إلى آخر التاسع»، بل وزاد على ذلك بأن اتهم معارضيه، ومن أبرزهم طه حسين، بالضعف فى سلوك هذا المنحى «وتقصيرهم عن حده»، فرد طه حسين بعبارته الشهيرة: «لا حاجة لنا إلى أن نجيد هذا الأسلوب، وأننا لا نريد أن نجيده».
ثمة معارك أدبية لطه حسين سلكت مسارًا تقنيًا بالأساس، من قبيل الانتقادات الفنية التى وجهها طه حسين لثلاث من القصائد الشعرية التى جعلت من مناسبة صدور ترجمة كتاب «الأخلاق» لأرسطو على يد أحمد لطفى السيد موضوعًا لها.

كان أحمد لطفى السيد مفكرًا تنويريًا بامتياز، وكان أستاذًا وصديقًا وداعمًا لطه حسين باستمرار، إلا أن ذلك لم يحُل دون أن يُقرع طه حسين مادحى ترجمة أحمد لطفى السيد لكتاب أرسطو الشهير «الأخلاق»، حيث خاض طه حسين غمار معركة موضوعية مع ثلاثة من الشعراء الكبار، وهم: أحمد شوقى، وحافظ إبراهيم، وأحمد نسيم، الذين سطروا القصائد فى امتداح الترجمة، وامتداح الكتاب الذى لم يقرأوا نصه الأصلى الذى كتبه أرسطو، وقد أثبت طه حسين ما أورده بشأن هذه المعركة فى الجزء الثالث من كتابه الملهم «حديث الأربعاء»، وكان نقده حاملًا نزوعًا ساخرًا عن أولئك الذين وظفوا قريحتهم الشعرية فيما لا يعلمون! وكان طه حسين قد كتب فى أكثر من موضع عن هذا الكتاب، وأوفاه حقه متنًا أصليًا لأرسطو، وترجمة دقيقة نافذة للمعلم لطفى السيد.
كما تعددت المعارك بين طه حسين والعقاد، وكان من أبرزها الخلاف الذى دار حول أبى العلاء المعرى، حيث عدّ العقاد «رسالة الغفران» فقيرة الخيال، وهو ما رد عليه طه حسين متسائلًا عن هذا الفهم المغلوط الذى تلبس العقاد تجاه أبى العلاء.
لطه حسين فضل السبق، والريادة، والتطوير، أنه لم يكتفِ بتعبيد الطريق، بل شق مسارات عميقة داخله، منحت العالم العربى جميعه طرقًا متجددة فى التفكير، وفى النظر المتعدد إلى العالم، والواقع، والأشياء.
وفى مناخات العتامة والتطرف تصبح استعادة طه حسين واجبة، ويصبح استكمال ما بدأه أمرًا لا غنى عنه فى استئناف مشروع التحديث المصرى والعربى من جهة، وتكريس فكرة الدفاع عن العقلانية بوصفها جوهر التنوير من جهة ثانية.
وبعد.. يعد طه حسين تعبيرًا حقيقيًا عن روح مصر البهية، والمتجددة، التى لم تزل قادرة على الفعل والحلم والمغامرة، بحيث بدت حيوية العميد جزءًا من حيوية مصر ووهجها الذى لن ينقطع أبدًا، ومن ثم فإن استعادة طه حسين استعادة لمعنى العقل النقدى، والخيال الإبداعى، حيث يبدو الانتساب للجد الأعظم فى مسيرة الفكر والتنوير شرفًا لا يدانيه شرف، ليس من قبيل تقديس الماضى، ولكن من قبيل الاعتراف بالفضل، والامتنان لكل هذا الشغف والجمال الذى حمله طه حسين لنا، وقدمه إلينا عن طيب خاطر، بلا صخب زاعق، أو هوس زائف بالحضور.
طه حسين ابن زماننا المتجدد، ونحن أحفاده المدركون قيمة البصيرة التى تعين المبصرين على مغالبة العتامة، والظلام، وقسوة الأرواح.




