الخميس 05 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

اعتذار نقيب الصحفيين.. البيان الذى لم يكتبه خالد البلشى!

حرف

فى السنوات والأشهر والأيام القليلة الماضية اتخذ نقيب صحفيى مصر من المواقف وأصدر من البيانات الصادرة باسمه وباسم مجلس النقابة- الكثير والكثير فى الشأن المصرى العام والشأن الصحفى، ومن بين هذه البيانات، كان هذا البيان الذى لم يكتبه أو يصدره المجلس ولا نقيبه! 

هذا بيانٌ من نقيب صحفيى مصر إلى الشعب المصرى، وإلى الزميلات والزملاء من صحفيى مصر...

لقد جلس على مقعدى هذا كوكبة من صحفيى مصر العظماء الذين كانوا حاضرين دائمًا فى كل موقف وتحدٍ واجهته مصر أو مهنة الصحافة فى مصر، وما طالعته مؤخرًا من مواقف وردود فعل كثير من المصريين على مواقف وبيانات نقابتنا العظيمة فى فترة ولايتى دفعنى لأن أتوقف مع نفسى وأراجع هذه المواقف والبيانات، وأبحث عن أسباب هذا الهجوم الذى طالعته بنفسى سواء على صفحات شخصية لمواطنين مصريين، أو تعليقًا منهم على بيان المجلس الأخير بخصوص أزمة موقع «مدى مصر». 

خالد البلشى
خالد البلشى

بحثت كثيرًا عن إجابةٍ لسؤال واحد.. لماذا يتخذ كثيرٌ من المصريين هذا الموقف تجاه مواقفنا وبياناتنا. لماذا يغضب منا كثير من أبناء شعبنا. رجعت لسير من كانوا يجلسون على هذا المقعد وراجعت مواقفهم مقارنة بمواقفى، وخرجت بنتيجة واحدة هى أننى- كنقيب لصحفيى مصر لم أقرأ جيدًا مفردات ما جرى ويجرى على الساحة السياسية المصرية فى هذه السنوات. كما لم أقرأ جيدًا بوصلة المصريين ولا أولوياتهم وربما شخصيتهم. 

الصحافة مهنة الفكر والعقل والثقافة والبحث عن المعلومة الصحيحة والوعى والوطنية. فالصحافة المصرية كانت دائمًا ذات عقل وتوجه وطنى ولم تكن نقابتها فى يوم ما مجرد نقابة مهنية تبحث عن المصالح المجردة لأعضائها، خاصة فى سنوات مواجهة تحديات وطنية، ولا يمكن للصحافة المصرية أن تكون طرفًا محايدًا حين تحيط بمصر الأخطار، بل يجب أن تكون هى قاطرة الوعى الشعبى الوطنى التى تضىء الطريق للمصريين. حين وضعت هذه المبادئ اليقينية والمواقف التاريخية لنقابتنا العظيمة فى مواجهة ما اتخذته- ومعى المجلس- من مواقف وما أصدرناه من بيانات فى السنوات الأخيرة، وضعت يدى على مواضع الأخطاء التى ارتكبناها، وقررت أن أتحلى بالشجاعة الأدبية الوطنية لكى أعيد تقييم هذه المواقف والبيانات وأعلن هذا على الملأ. 

لقد أخطأنا حين لم نفرق بين الصحافة المعارضة على أرضية وطنية تتسق وشخصية مصر وبين الصحافة التى تروج للفكر المتطرف، وحاولنا منح مدانين بالانتماء لجماعات متطرفة حصانة صحفية بمحاولة إخفاء بعض هؤلاء داخل مقر النقابة، وكانت هذه أول وأكبر الأخطاء أو السقطات. 

لقد أخطأنا خطأً كبيرًا حين لم نقرأ مشاهد ومفردات ما حدث فى المنطقة بعد هجمات السابع من أكتوبر، كما لم نقدر موقف الدولة المصرية حق تقديرها حين كانت تتعرض لضغوط ومساومات دولية كبرى للتفريط فى السيادة الوطنية. ترتب على هذه القراءة الخاطئة أن سمحنا لبعض المنتمين لهذه المهنة العظيمة باستخدام سلالم النقابة للتظاهر الخطأ والتعريض بموقف الدولة المصرية التى كانت تواجه بمفردها مخطط التهجير، بل وسمحنا للبعض بالتطاول على قيادة الدولة المصرية. حدث هذا فى توقيت بالغ الحساسية كان يتطلب منا التخندق مع جموع المصريين فى مساندة الدولة المصرية. كان ينبغى لنا أن نكون فى مقدمة الصفوف المدافعة عن السيادة المصرية. كان ينبغى أن تقود نقابة صحفيى مصر جهد التصدى للحملات الإعلامية الخارجية الموجهة ضد مصر وقيادتها. كان ينبغى للنقابة أن تقود جهد نشر الوعى بين جموع المصريين لا أن تسمح باستغلال سلالم نقابتها للانضمام ضمنًا لحملات التشكيك فيما كانت تقوم به مصر. كما لم نقم- كنقابة- بالدور المنتظر منا فى التصدى القوى لمن كانوا يستهدفون الاقتصاد المصرى فى البحر الأحمر. 

لقد أخطأنا حين لم نفرق بين منصات تتلقى تمويلات خارجية من جهات مجهولة أو معروفة التوجه بالعداء لمصر، وبين المنصات الوطنية تمويلًا وتوجهًا. كان ينبغى علينا أن نقف حائط صد ضد فكرة استحلال تلقى تمويلات بزعم دعم حرية الصحافة فى توقيتٍ عرف فيه كل المصريين ما تم تدشينه بالخارج من منصات إعلامية لا هدف لها سوى هدم الدولة المصرية وتفكيك مصر كدولة. كان ينبغى لنا أن نبادر- قبل أى مؤسسات مصرية- بلفظ كل من يتلقى تمويلًا مشبوهًا ثم يتمسح برداء صحافة مصر الشريفة. كان ينبغى علينا أن نفرق بين الاختلاف السياسى وبين الاختلاف على فكرة حماية الوطن ذاته. كان ينبغى علينا أن نبادر بالتحقيق النقابى مع كل منصة صحفية ممولة خارجيًا أو تعمل ضمن منظومة تهاجم مؤسسات مصرية صلبة سيادية. 

لقد أخطأنا حين لم نقم بعمل دورات نقابية لتثقيف الصحفيين الشباب سياسيًا وتاريخيًا حتى يتمكن هؤلاء من قراءة المشهد السياسى بشكل صائب يتوافق مع الصالح الوطنى العام. 

لقد أخطأنا حين لم نحاسب مهنيًا القائمين على بعض المنصات حين كانوا يزيفون المعلومات قبل نشرها ويقومون عمدًا بالتعتيم على إنجازات مصر ثم يدعون أنهم يمارسون الصحافة، وهم فى الحقيقة يمارسون عملية ممنهجة لتزييف الوعى، وحين لم نتخذ موقفًا نقابيًا قويًا ضد بعض المنتسبين لهذه المهنة، حين نشروا معلومات تستهدف المؤسسة العسكرية واقتصادها بشكل تحريضى. 

لقد أخطأنا حين اقتربت بعض بياناتنا الأخيرة من الوقوع فى فخ الهمز واللمز بمرفق القضاء المصرى تصريحًا أو تلميحًا، ونحن الذين ينبغى علينا أن ندافع دفاعًا مطلقًا غير مشروط عن قضاء مصر بصفته أحد الأسس القائمة عليها الدولة. لم يكن يصح أن تحتوى بياناتنا أى عبارات تنقل لجموع المصريين ضمنا فكرة التشكيك فى إجراءات التقاضى. لم يكن ينبغى لنا أن ندفع أى هيئة قضائية لإصدار بيان تدفع فيه عن نفسها ما تم التلميح إليه. 

لقد أخطأنا حين وضعنا أنفسنا- كصحفيين وكنقابة- فى كفة مقابلة لكفة مصر فى سنوات ريبة سياسية إقليمية ودولية ندرك فيها أن بلادنا مستهدفة فى سيادتها وهويتها واستقرارها واقتصادها. كان ينبغى لنا أن نكون فى صف الدولة المصرية دون مواربة حتى تجتاز مصر هذه التحديات ولحين استقرار الأوضاع السياسية. 

لقد تأملت هذه السنوات وهذه المواقف، وأعدت قراءة كل عبارة صدرت عنى أو عن المجلس ووضعتها فى سياقها الزمنى وما أحاط بها من ظروف، واستقر فى ضميرى الوطنى والمهنى أننى - كنقيب لصحفيى مصر- مدينٌ باعتذار للشعب المصرى ولمصر على سوء تقدير وسوء قراءة بعض المشاهد والظروف السياسية التى ألمت وتلم ببلادنا. فليس عيبًا أن يقدم مواطن مصرى اعتذارًا لبلاده وشعبه حين يتيقن أنه كان على خطأ فى بعض المواقف. وعملًا بمبدأ أن تأتى متأخرًا خيرٌ من أن لا تأتى أبدًا، أقول إننى قد قررت بدء مرحلة جديدة من العمل النقابى فيما تبقى لى من فترة جلوس على مقعد نقيب صحفيى مصر. لقد قررت طرح برنامج نقابى لتثقيف وإعداد صحفيى مصر سياسيًا وتوفير دورات تعليمية لهم لدراسة علوم السياسة والتاريخ والهوية المصرية.

كما قررت حماية سلالم نقابة صحفيى مصر من أى عبث لأصحاب أيديولوجيات لا تتوافق لا مع شخصية مصر ولا مع مواقفها ولا مع ما تواجهه من تحديات، وأننى لن أخضع لأى ابتزاز بالاتهام بموالاة نظام الحكم حين يتعلق الأمر بالدفاع عن مصر. 

وأخيرًا، وفيما يتعلق بما قام به أحد المحامين بطرح اسمى ضمن خمسة أسماء تستطيع المنافسة فى الترشح لمنصب رئيس مصر، فأنا أعتبر هذا الطرح من قبيل الدعابة السمجة ولا يخص إلا صاحبه. أما موقفى الشخصى من هذا العبث، فأنا لا أرى أننى مؤهل له، ومنصب رئيس مصر لا يجب أن يتم العبث به على هذا النحو.

فأرجو أن يقبل المصريون اعتذارى وأن تقبل مصر ما سوف أقوم به من أداء نقابى جديد تصويبًا لما مضى! 

نقيب صحفيى مصر..