الخميس 29 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

نُص كيلو «نظريات».. هل أفسد أساتذةُ الجامعات النقد الأدبى حقًا؟!

حرف

- أغلب كتابات الأكاديميين النقدية تحولت لـ«دَش» ومصطلحات «مُقعرة» نفّرت القراء

- الناقد الجامعى يتبارى فى حشو دراسته بالنظريات بطريقة «لى عنق النصوص»

- النقد فن لا يختلف عن الشعر والرواية والغناء.. والموهبة هى الأساس وليس الشهادات العلمية

فى مقال نشره على صفحته الشخصية قبل أيام، أعاد الدكتور الضوى محمد الضوى، المدرس بكلية الآداب جامعة المنيا، تفجير قضية امتهان أساتذة ودارسى النقد واللغة والأدب فى الجامعات المختلفة لمهنة «الناقد»، وما نتج عن ذلك من إنتاج نقدى أصبح فى أغلبه صعب الفهم وقائمًا على الاستعراضات اللغوية المُتقعرة- بشهادة الجميع- بشكل أسهم فى نفور القارئ عن تلك النوعية من الكتابات.

وأعاد المقال أيضًا فتح جرح قديم لم يندمل، حول الجدوى والدور والإنجاز الذى حققته كتابات «أساتذة الجامعة» النقدية فى كليات الآداب ودار العلوم وغيرها من الكليات المتخصصة فى دراسات الأدب طوال عقود مضت، لدرجة دفعت نجيب محفوظ وهو يطالع تلك النوعية من الكتابات فى أحد أعداد مجلة «فصول» الشهيرة فى الثمانينيات، ليقول بسخرية: «لم أفهم شيئًا»! ثم يضيف مُندهشًا: «لم أكن أدرك أن النقد بهذه الصعوبة»!

لماذا نتحدث عن كتابات الأساتذة فى الكليات التى لها علاقة بالأدب تحديدًا؟ لأن أدوارهم- منذ عقود- تخطت أسوار الجامعة لتسيطر بشكل شبه كامل على مفاصل وبنية العمل الثقافى والمسابقات الأدبية، فيسهمون فى إبراز ذلك الاسم وتلميعه بالدراسات المُسلحة بالعناوين الطويلة والمصطلحات العلمية الفخمة والمركَّبة، أو تجاهل ذلك الاسم وإحباط معنوياته وكأنه لم يكتب شيئًا يستحق الإضاءة عليه فى حياته، فى أدوار لا نعلم إن كانت هى المنوطة بهم فعلًا أم لا.

ويدفعنا ذلك إلى طرح سؤال مهم، أليس النقد نوعًا من أنواع الفنون مثله مثل الشعر والرواية والقصة والغناء والتمثيل؟ وإن كان كذلك، فلماذا أصبحت النظريات والمناهج العلمية التى وضعت ليدرسها الطلبة فى المحاضرات، غاية «الكتابة النقدية الأدبية»، ولماذا ينتحل دارسوها ومُدرّسوها أثواب «النقاد»؟!

قبل فترة، وقع أمام عينى مقال نقدى كتبه أحد الأكاديميين المعروفين عن ديوان لأحد الشعراء الأصدقاء، فشحذت حواسى للقراءة لكننى لم أفهم شيئًا تقريبًا؛ لدرجة جعلتنى ربما أكره «الديوان وصاحبه»، وهذه ليست مجرد حالة فردية بل ظاهرة عامة يلاحظها القراء عند مختلف النقاد من أساتذة الجامعة.

إذن لا جديد يُذكر، فما زالت الكتابات النقدية التى تخرج بأقلام الأكاديميين تعانى أزمة الصعوبة التى تصل أحيانًا إلى حد يجعلها أقرب إلى لوغاريتمات مغلقة، وليست قراءة تساعد القارئ على اكتشاف ما لم ينتبه إليه فى العمل الأدبى.

وأستاذ الجامعة حين يكتب فى النقد فإنه يتبارى فى حشو دراسته أو مقالته بالنظريات وأقوال مُبتكريها، ويسوق الأدلة والبراهين ليربط بين كلامهم وتفاصيل النص المنقود بطريقة عجيبة، وكأنه مهرجان لحشر النظريات و«الكلام المجعلص»، وبالتالى لا يفهم القارئ شيئًا.

فما جدوى النقد إذا عجز عن شرح العمل الأدبى، أو تقديم زاوية جديدة لفهمه، أو حتى إقناع القارئ بأن وراءه ما يستحق التأمل؟ وهل تكمن قيمة الناقد فى قدرته على استخدام النظريات والمصطلحات، أم فى قدرته على توظيفها لكشف جماليات النص وأفكاره؟

فى مقال نشرته مجلة «نيويوركر» فى يناير ٢٠٢٣ بعنوان «هل أفسدت الأكاديمية النقد الأدبى؟»، تناولت الكاتبة ميرف إمرى، كتاب الناقد الأكاديمى جون جيلورى Professing Criticism، الذى يتتبع تحول النقد من ممارسة ثقافية مفتوحة نسبيًا، إلى تخصص جامعى تحكمه قواعد ومؤسسات.

ووفقًا لهذا الطرح، منح التخصص الأكاديمى النقاد أدوات ومعرفة أكثر دقة، لكنه أسهم أيضًا فى تضييق دائرة القراء الذين يستطيعون متابعة كتاباتهم، حتى صار جانب من النقد مفهومًا فقط للمتخصصين الذين ينتجون النوع نفسه من المعرفة، وبهذا المعنى فإن الدكتور فلان الفلانى الذى يكتب مقالًا عن الرواية الفلانية، عليه أن يُرفق مقالته بـ«كتالوج» لفهم ما أورده من أفكار ونظريات ومصطلحات، أو يخصص «دكتورا» آخر للشرح، بحيث يكون هناك دكتور للكتابة ودكتور للتفسير.

المشكلة، إذن، ليست فى أن يستخدم الناقد نظرية أو مصطلحًا متخصصًا؛ فلكل علم لغته، وليس مطلوبًا أن تتحول البحوث الجامعية إلى مقالات صحفية مبسطة، لكن الأزمة تنحصر فى تعمد التقعر وتعمد حشر النظريات ليكون ذلك غاية فى ذاته، ويطغى شرح المنهج على القراءة والاشتباك مع العمل نفسه، فتتراكم المصطلحات من دون أن تضيف أى شىء إلى فهم النص، وتتحول اللغة الصعبة لحاجز عريض وكريه يحول دون الاستمتاع والغوص الحقيقى تجربة الكاتب.

ولعل المفارقة أن النقد نشأ فى جانب مهم من تاريخه الحديث، ككتابة تتوجه إلى جمهور أوسع، وتشارك فى تشكيل الذائقة العامة والنقاش الثقافى، أما اليوم فتبتعد الكتابات النقدية عن القارئ إلى درجة تستدعى السؤال عن وظيفتها وجدواها وعن العقل الذى يكتبها، فهل نكتب عن الأدب لكى نفتح أبوابه أمام الآخرين، أم لكى نثبت أننا نمتلك مفاتيح ومعلومات لا يملكها سوانا بصفتنا «أساتذة جامعات»؟!

ويعيدها هذا السؤال إلى جوهر الأزمة التى أثارها الدكتور الضوى محمد الضوى فى حديثه عن الفارق بين دراسة الأدب وامتلاك موهبة النقد، فإذا كنا نسأل عمّن يستحق لقب الناقد، علينا أن نعرف أولًا لمن يكتب الناقد وماذا يضيف إلى قراءتنا للعمل الأدبى.

لا نشتبك هنا مع لغة النقد وحدها، إنما أيضًا الطريقة التى يقترب بها بعض النقاد من العمل الأدبى، ففى أحيان كثيرة، يبدو المنهج النقدى وكأنه المادة الأولى التى يكتب بها الناقد دراسته لا النظرة الجمالية والتذوق الذى يقيس مستوى المتعة والإضافة.

فتجد الناقد يحمل نظريته وأدواتها ومصطلحاتها، ثم يبدأ البحث فى القصيدة أو الرواية عما يؤكد صلاحية هذه الأدوات، فيتحول العمل الأدبى، الذى يفترض أن يكون موضوع القراءة وأساسها، إلى مادة لتطبيق نظرية جاهزة بطريقة «لى العنق»، وفى نفس الوقت تتراجع خصوصية العمل الفنية وتجربته الإنسانية أمام رغبة الناقد فى إثبات كفاءة المنهج الذى يستند إليه، تفكيكيًا كان أو بنيويًا أو تحليليًا أو إدراكيًا أو أى شىء، و«ياما فى الجراب يا حاوى».

ولا يعنى ذلك أن استخدام المناهج النقدية عيب فى ذاته؛ فقد أتاحت هذه المناهج طرقًا مهمة لفهم بنية النصوص، وعلاقاتها اللغوية والسردية، وصلاتها بالسياقات التاريخية والاجتماعية، لكن المنهج يظل أداة، وقيمته الحقيقية تقاس بما يكشفه لنا، لا بحشره فى الدراسة كما يُحشر الشىء بين البصلة وقشرتها، فالناقد فى هذه الحالة يستطيع أن يصل إلى النتائج نفسها التى كان يتوقعها أصلًا قبل قراءة العمل المنقود، وإذا استبدل اسم الرواية بأخرى، فلن يتغير شىء فى جوهر تحليله، وهو بهذا يكون قد نجح فى شرح نظريته هو، وليس قراءة النص الذى هو أساس العملية النقدية.

والأدب بطبيعته أوسع من أن يُختزل فى قالب واحد، فقد تحمل قصيدة ما تناقضًا لا تحسمه قراءة أيديولوجية أو تقدم رواية شخصيات تتجاوز تفسيرًا نفسيًا واحدًا من الذى يفترضه النقاد الأكاديميون، أو يخلق كاتب عالمًا فنيًا لا يمكن فهمه بمجرد تصنيفه تحت مدرسة أدبية أو اتجاه فكرى معين.

وفى هذا النقطة تكمن موهبة الناقد الحقيقية، الذى لا يلهث من أجل العثور و«تظبيط» النظرية المناسبة فحسب، وإنما يلتقط الجماليات التى ليس شرطًا أن تفسرها النظريات، وما يجعل هذا العمل مختلفًا عن غيره وتجلعه يضيف إلى خبرتنا فى الحياة واللغة والإنسان.

هذه المعضلة تطرح بحسرة شديدة سؤالًا أعمق وهو، لماذا لا يترك جانب كبير من الإنتاج النقدى الحالى أثرًا واضحًا فى حياتنا الثقافية؟ ولماذا نشعر بالملل الشديد ونحن نستمع إلى «دَشّ» هؤلاء النقاد فى الندوات والأمسيات والحلقات النقدية؟ 

فليس كافيًا أن تتراكم الدراسات والرسائل الجامعية والمقالات المتخصصة حتى يصبح لدينا حراك نقدى مؤثر، فالأثر يظهر حين تغير قراءة ما طريقة استقبالنا لعمل أدبى وتعيد اكتشاف كاتب مهمل سحقته الأيام، وتفتح نقاشًا حول قيمة فنية أو قضية فكرية وتدفع القارئ إلى العودة إلى كتاب لم يكن يلتفت إليه.

أما الدراسة التى تظل محصورة فى إثبات براعة صاحبها فى استخدام المناهج و«الكلام الكبير»، فقد تحقق غرضًا أكاديميًا محدودًا، لكنها لا تتحول إلى كشف أو حدث أدبى.

وهنا ينبغى التمييز بين البحث الأكاديمى الذى قد تكون له قيمة داخل تخصصه، والنقد الذى يسعى إلى المشاركة فى الحياة الأدبية العامة والأوسع؛ فليس مطلوبًا من كل دراسة جامعية أن تتحول إلى حديث عام، لكن من حقنا أن نسأل عن الدور المفقود وحدود المساحة التى تصل فيها المعرفة النقدية إلى القراء وتؤثر فى أحكامهم واختياراتهم.

ولا نسأل هنا كم دراسة نشرها الدكتور فلان الفلانى، بل ماذا أضافت كتاباته إلى فهمنا- نحن القراء العاديون تمامًا- للأدب؟! وكم مرة نجح نقده فى أن يجعل عملًا أدبيًا معينا يُرى من القراء بشكل مختلف، بدلًا من أن يكون المنهج النقدى الذى يتبناه هو بطل الحكاية؟

لكن استعادة النقد لدوره لا تعنى التخلى عن المناهج العلمية، أو مطالبة النقاد بالكتابة بلغة سهلة على حساب الدقة، وإنما تعنى إعادة صناعة الوعى بماهية ومعنى ووظيفة النقد نفسه، من ناحية هل هو خطاب فنى أم خطاب علمى أكاديمى، ثم إعادة صياغة العلاقة بين الناقد والعمل الأدبى والقارئ.

نحن لسنا فى خصومة مع النظريات والكلام العلمى، والنظرية ليست أيضًا فى خصومة مع الأدب، والتخصص ليس عيبًا؛ لكن لا يجب أن يتقدم المنهج على النص ويصبح الناقد مشغولًا بإثبات معرفته أكثر من انشغاله بما يقرأه، فالنقد الجيد لا يكتفى بتصنيف العمل تحت اتجاه أدبى أو تفسيره بمصطلح جاهز، بقدر ما يكشف ما يميزه ويختبر نجاحه وإخفاقه، ويقدم للقارئ أسبابًا واضحة تجعله يعيد النظر فى العمل سواء اتفق مع الناقد أم اختلف معه.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قياس قيمة الناقد برسائل الماجستير والدكتوراه التى حصلها وعدد الكتب التى قرأها أو المناهج التى أتقنها، أو المصطلحات التى يستدعيها فى كتاباته وحدها، بل بقدرته على تحويل هذه المعرفة إلى رؤية، وهذا بالضبط سر نجاح عمالقة النقد، مثل محمود أمين العالم ورجاء النقاش وفاروق عبدالقادر وغيرهم وغيرهم.

فقد يختلف ناقدان فى تقييم رواية واحدة، لكن قيمة كل منهما تظهر فى قدرته على الاستناد إلى النص وتفسير اختيارات الكاتب، وتقديم حجج يمكن مناقشتها، أما الأحكام التى تصدر حتى ولو من أسماء مشهورة ولها ألقاب مُشرفة، من دون أن تبسط وتكشف للقارئ كيف وصلت إلى تلك النتائج، فلا تصنع حياة نقدية حقيقية مهما كان صاحبها واسع المعرفة، ومهما كان قد نجح فى الاختراق والنشر فى مجلات إقليمية شهيرة، بعد ترسيخ قاعدة: النقد «نقد»، أو «أوراق خضراء»! و«المعنى فى بطن البنك».

ولعلنا نحتاج فى هذا السياق، إلى تعريف ما هو مُعرف أصلًا، بأن النقد ليس نشاطًا مُلحقًا بالأدب يأتى بعد اكتمال القصيدة أو الرواية ليشرحها، بل هو جزء من الحياة الثقافية التى تمنح الأعمال فرصتها فى الوصول إلى القراء والبقاء فى الذاكرة، هو فن لا يختلف عن الشعر والرواية والقصة والغناء، فن حقيقى أساسه الموهبة وليس الشهادات العلمية.

الناقد يستطيع أن يلفت الانتباه إلى عمل لم يحظ بالتقدير الكافى، أو يكشف ضعفًا أخفته شهرة صاحبه، أو يعيد قراءة تجربة أدبية من زاوية جديدة، وهذه الوظيفة لا تتحقق بمجرد نشر الدراسات كما يحدث الآن، وإنما حين تصبح القراءة النقدية نفسها إضافة تستحق أن تُقرأ ولا يمل القارئ وهو يقرأها ولا تجعله ببساطة يتجاوزها بـ«الاسكرول» وهو يطالع الـ«فيسبوك»، فالقراءة النقدية ليست وثيقة تثبت أن صاحبها أنجز بحثًا أو أتقن منهجًا ويمكن أن يحصل على ترقية علمية بفضلها بعد نشرها فى تلك المجلات المحكّمة، إنما عمل فنى خالص لوجه الفن.

وليس المطلوب أن يتخلى الناقد عن تخصصه أو أن يُرضى القارئ بأحكام سهلة، عليه فقط أن يمتلك الشجاعة لترك النص يقوده أحيانًا إلى ما لم تتوقعه النظرية، وأن يمتلك المهارة لشرح ما اكتشفه دون أن يحجب اكتشافه خلف لغة مغلقة مُقعّرة، فمن أقنع نقادنا أن التبسيط قد يكون مرادفًا للسطحية وأن التعقيد دليل على العمق؟!

فى النهاية، لا تحتاج الحياة الأدبية إلى مزيد من الكتابات التى تتحدث عن الأدب بقدر ما تحتاج إلى نقد يجعلنا نقرأ الأدب بشكل أفضل، السؤال الذى ينبغى أن يجيب عليه كل ناقد، ليس أى منهج استخدمتَ؟ وإنما ماذا رأيتَ فى هذا العمل ولم يره القارئ قبلك؟ وماذا يستطيع القارئ أن يرى بعد قراءة ما كتبت؟!