الجمعة 23 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

من كتاب «أبناء رفاعة»

خلاصة ونتيجة.. كيف وصلنا إلى الإخوان؟

الإخوان
الإخوان

- السادات بدأ عصره بحملة شاملة على الثقافة فأغلق المجلات الثقافية جملة وأغلق من بعدها المسارح الجادة والمؤسسة الوطنية للسينما وطارد وطرد المثقفين

- «الوعاظ» اهتموا بإبعاد الدين عن قضايا التطور الاجتماعى والمغالاة فى التركيز على الجوانب الشكلية للعبادات

- دخل الإخوان المسلمون مصر بمشيئة الله آمنين فى عهد السادات ليجدوا الأرض ممهدة تمامًا أمام الدعوة والدعاة فعملوا بهدوء وروية وكانت بدايتهم اختراق التعليم

- الدولة المدنیة قدمت وما زالت قادرة على أن تقدم خیرًا كثیرًا لهذا الوطن

- الإخوان جندوا آلافًا من المدرسين الحكوميين ومولوا إنشاء مدارس خاصة إسلامية التوجه والمناهج

لا يكفى مقال ولا كتاب للإجابة عن سؤال هذا العنوان: كيف سيطر الفكر الإخوانى على نسبة غالبة من الرأى العام فى مصر؟ وهذا سؤال يتجاوز بكثير الانتخابات الأخيرة ونتائجها؛ فالسيطرة تشمل حتى تلك الأغلبية التى تقاطع الانتخابات أو التى لا يعنيها أمرها. المسألة فى الواقع هى قصة انقلاب فى ثقافة ووجدان المواطن المصرى تم تدبيره على امتداد ثلاثة عقود على الأقل، بحنكة وعلى مهل، وكان يكسب أرضًا جديدة فى كل يوم.

ولم تفلح أصوات الإنذار المبكر فى وقف مساره ولا فى حشد القوى لمواجهة خطره والتصدى لزحفه.

أسهمت فى نجاح هذا المخطط سياسات داخلية وخارجية، وأموال دولية طائلة، ونزوات للتاريخ غير متوقعة، وقفزات فى وسائل الاتصال غير مسبوقة، ولكننا نقتصر فى هذا المقال على النظر فى الخلفية الفكرية والثقافية لهذا الانقلاب وعواقبه.

فحتى الستينيات من القرن الماضى كان فى مصر مجتمع مدنى قوى، ينخرط فى كفاح تحررى للتخلص من تخلف قرون طويلة فى ظل الخلافة العثمانية التى وصفها مفكرنا الكبير جمال حمدان بأنها «استعمار دينى» من نوع باطش غريب يتستر بمفهوم الخلافة، ليستنزف آخر قطرة من عرق المصريين ودِمائهم.

وعلى مدى قرون ذلك الاستعمار تمثلت الأسس النظرية أو المنظومة الفكرية للحكم العثمانى فى التسليم بحق السلطان «الخليفة فيما بعد» فى الحكم المطلق والأمر والنهى دون أية حقوق للرعية غير الطاعة العمياء لهذا القائد الدينى.

ويصف لنا جمال حمدان بعبارات موجعة حال الأمة فى ذلك العصر بقوله: «كما يفصل الراعى بين أنواع القطعان، فصل الأتراك بين الأمم والأجناس المختلفة عملًا بمبدأ فرق تسد، وكما يسوس الراعى قطيعه بالكلاب، كانت الإنكشارية كلاب صيد الدولة العثمانية، وكما يحلب الراعى ماشيته كانت الإمبراطورية بقرة كبرى عند الترك للحلب فقط».

وفى ظل ذلك الحكم المهلك، المستند إلى مرجعية دينية زائفة يتبرأ منها إسلامنا الحنيف، «عمّ الخراب إقليم مصر» على قول الجبرتى المؤرخ المعاصر لهذه الحقبة المظلمة. وكاد المصريون يندثرون فعلًا لا مجازًا بسبب المجاعات المتكررة والمجازر والأوبئة، وبارت الأرض الزراعية بسبب إهمال الحكم لأعمال الرى والصرف، ولهروب الفلاحين من أرضهم، فرارًا من جباة الضرائب الفاحشة والمتكررة.

وانتشر فيمن بقى من السكان على قيد الحياة «وههم قليل القياس إلى أى عصر فى تاريخنا» الجهل الشامل والخرافة والشعوذة.

والفضل كل الفضل فى خروج مصر من هذا الفصل الكارثى من تاريخها يرجع إلى جهود أجيال متتابعة من المثقفين، عملت على تصحيح وإلغاء مفاهيم البطش العثمانى، وخرج رعيلهم الأول من عباءة محمد على ومشروعه الكبير. لولاه لما تسنى لهم نشر مفاهيمهم الجديدة المتحررة، ولولاهم لما كان مشروعه سوى مجرد فصل لحاكم آخر مستبد سخر الشعب لمجده الشخصى.

استطاع هؤلاء المثقفون العظام أن يغيروا بالتدريج كل الأسس الفكرية المتخلفة للحكم العثمانى وأن يشيدوا بدلًا منها منظومة فكرية عصرية ومدنية ظللنا نعيش فى نطاقها قرنًا ونصف القرن من الزمان. وأبرز ملامح هذه المنظومة هى: إحياء فكرة الوطن «مصر»، التى كانت غائبة تمامًا فى ظل فكرة الأممية العثمانية التى تجعل كل سكان الإمبراطورية رعايا على قدم المساواة فى العبودية لإمام الآستانة.

إدخال مبدأ الوحدة الوطنية والمساواة بين المسلمين والمسيحيين فى الحقوق والواجبات، وعلى قول الطهطاوى فإن «جميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن فى حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من أخوة الوطنية»، وهكذا تم نفى المبدأ العثمانى للفصل بين الملل وسياسة فرق تسد.

نفى وجود السلطة الدينية- يقول الإمام محمد عبده بوضوح: «أصل من أصول الإسلام قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها». ويقول أيضًا: لا يسوغ لقوى ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد، وليس يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به من أحد، إلا عن كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون وسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم.

وبذلك تم نزع أى قداسة أو صفة دينية عن أى حاكم بشرى مهما كان لقبه ونزعها بالمثل عن أى جماعة ومؤسسة تدعى لها سلطة دينية من أى نوع.

تحرير المرأة التى كانت فى وضع أسوأ من الرقيق أو الإماء، والمساواة بينها وبين الرجل، وأذكر فى ذلك دور قاسم أمين والشيخ الإمام، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحق التعليم للجميع، وهى قيم جديدة تمامًا.لم تنطبق تلك المبادئ العصرية بالطبع فورًا ولا من تلقاء نفسها، بل عبر صراع دفع المثقفون خلاله أثمانًا فادحة. لكن هذه المبادئ اكتسبت مصداقيتها لأنها نبعت وتطورت من خلال معارك وطنية ضد الاستبداد الداخلى والاستعمار الخارجى، ولأنها كانت تستجيب لحاجات ملحة للمجتمع.

وربما أهم من ذلك لأن رواد التنوير الأوائل كانوا حريصين باستمرار كما رأينا على إثبات أن هذه المبادئ العصرية مستمدة من صحيح الدين. ومع أنه كانت هناك طوال الوقت تيارات سلفية تحن حنينًا قويًا للعودة إلى المنظومة العثمانية، إلا أن الشعب المصرى أثبت انحيازه فى النهاية لهذه القيم، الجديدة خلال ثورتيه الكبيرتين فى ١٩١٩ و١٩٥٢.

غير أن ذلك كله قد تغير كما ذكرت منذ أوائل السبعينيات. وأنا لا أكن ضغينة شخصية للرئيس السادات، بل إنى أقدر له تقديرًا عظيمًا دوره فى معركة العبور، وأذكر له دوره فى تحرير سيناء رغم الملاحظات والتحفظات على الثمن المدفوع لذلك وآثاره الممتدة حتى اليوم. ولكن فيما عدا ذلك فإن سياسته الداخلية كانت كارثة جلبَت كوارث ممتدة أيضًا حتى اليوم.

وفى سياق موضوعنا فهو قد بدأ عصره بحملة شاملة على الثقافة فأغلق المجلات الثقافية جملة، وأغلق من بعدها المسارح الجادة، والمؤسسة الوطنية للسينما، وطارد وطرد المثقفين الحقيقيين من كل منابر الإعلام والثقافة.

وبينما حسب البعض أن تلك ضربة لخصومه أو من اعتبرهم خصومه من الناصريين واليساريين، فقد اتضح أن مشروعه أبعد من ذلك بكثير. فالضربة كانت موجهة فى الواقع إلى قيم النهضة العصرية التى أشرت إلى أبرز ملامحها وإلى كل من يمثلونها أو يحملون أمانة مواصلتها من المثقفين.

كان لا بد من إخلاء الساحة من عناصر الممانعة والمقاومة للمشروع الفكرى الجديد، وهكذا نجح السادات فى تشتيت مثقفى النهضة والتطوير فى منافى الأرض، وإسكات أو إضعاف من بقى منهم فى مصر، وجلب بدلًا منهم مجموعة من الوعاظ المهاجرين منذ العهد الناصرى إلى دول الخليج.

ولم يكن هؤلاء الوعاظ استمرارًا بأى شكل لشيوخ مصر العظام مثل الإمام محمد عبده أو تلميذه الشيخ شلتوت ممن كرسوا جهدهم لجلاء مواءمة الإسلام للعصر ولكل عصر، وأنه لا يعارض النهضة والتطور الاجتماعى بل يحث عليهما.

على العكس من ذلك كان هؤلاء الوعاظ الجدد فى حينها معنيين تمامًا بأبعاد الدين عن قضايا التطور الاجتماعى، والحض على طاعة الحاكم فى المنشط والمكره، والمغالاة فى التركيز على الجوانب الشكلية للعبادات.

وفتحت أمام هؤلاء الوعاظ الجدد كل المنابر التى أغلقت تمامًا أمام المثقفين المدنيين وأكثر منها بكثير: كل الصحف والمجلات القومية، وأفضل ساعات الإرسال الإذاعى والتليفزيونى، ومطبوعات ومنشورات لا حصر لها.

وفى الوقت الذى لم يكن فيه أى مثقف يستطيع أن ينشر كتيّبًا صغيرًا، انفرد الوعاظ بساحة الرأى العام، وأُضفيت عليهم قداسة ونسبت إليهم كرامات من ماكينة دعاية جبارة، فنجحوا بالفعل فى التأثير على قطاعات كبيرة من هذا الرأى المغيب عن أى مناقشة أو عن أى وجهة نظر أخرى.

أصبح الوعاظ سلطة دينية، وأمسى على الجماهير الطاعة، ثم إن الوعاظ ردوا الجميل لصاحب الفضل، فأضفوا عليه بدورهم هالة دينية ثم جعلوه إمامًا.

ألم يقل قائلهم تحت قبة البرلمان إن السادات «لا يُسأل عما يفعل»؟ أو لم ينته الأمر باقتراح تسميته «سادس الخلفاء الراشدين»؟ خطوة أخرى إلى الأمام نحو إعادة دولة السلطة الدينية.

عندئذ، أو قبلئذ، دخل الإخوان المسرح فوجدوا المشهد مهيئًا تمامًا: جماهير أدارت ظهورها، أو صرفت عنوة، عن كل مكتسبات الدولة المدنية التى ضحت من أجلها أجيال متعاقبة، واستبدلت بالعقلانية الإذعان والدروشة.

وكان الإخوان هم عصب التيار الدينى الذى لجأ إليه السادات للقضاء على البقية الباقیة من قوى المقاومة والممانعة للردة الشاملة، لا سيما فى صفوف الطلبة والشباب أقوى أصوات الاحتجاج خلال السبعينيات.

وعندما اشتد عود بعض هذه التيارات الدينية، تعجلت تحقيق أهدافها ودخلت فى صدام مباشر مع نظام السادات الذى خرجت من عباءته كما أسلفنا.

أما الإخوان فكانوا أذكى من ذلك بكثير. لم يختاروا الصدام بل المسايرة.

حاولوا إرضاء السادات بكل طريق، حتى بالامتناع عن نقد سياساته نحو إسرائيل التى أغضبت كثيرًا من القوى الوطنية، بل وكثيرًا من أفرع الإخوان خارج مصر اشتروا الوقت ليحققوا على مهل مشروعهم الخاص بالسيطرة على العقول، ومن ثم على المجتمع.

كان المئات أو الآلاف من الإخوان المسلمين قد خرجوا من مصر فى الخمسينيات والستينيات بعد صدام متكرر مع نظام عبدالناصر.

ولا مجال للدخول فى تفاصيل هذا الصراع أو تحديد المسئوليات أو الأخطاء، وإنما يكفى القول إنه كان فى جوهره صراعًا بين رؤيتين لنظام الحكم فى مصر: إما الدولة الدينية أو الدولة المدنية.

وقد انحاز المجتمع فى هذا الصراع للدولة المدنية، وخاض صراعًا مع الاستعمار فى الخارج مكسبه الرئيسى استرداد قناة السويس، وصراعًا مع قوى الإقطاع والرأسمالية فى الداخل لتحقيق درجات من العدالة الاجتماعية، ولتحقيق مكاسب فى التنمية، هرمها الأكبر الباقى هو السد العالى.

ثم جاءت بعد الانتصارات والمكاسب الهزائم والانكسارات منذ عام ١٩٦٧. وفى أثناء الانتصارات والهزائم كان الإخوان المهاجرون يحققون ثروات طائلة فى المنافى الخليجية والأوروبية، وذلك إما على أساس أن تسعة أعشار الرزق فى التجارة، أو بطرق أخرى لا يعلمها إلا الله.

وكانوا فى الوقت نفسه يحكمون أطراف تنظيم دولى يكاد يكون إمبراطوريًا «تحدث أمين صندوق هذا التنظيم الدولى على شاشة إحدى الفضائيات عن استثمارات بمليارات الدولارات فبارك الله فيما أعطى».

وبهذا السند القوى دخل الإخوان المسلمون مصر بمشيئة الله آمنين فى عهد السادات كما أسلفت ليجدوا الأرض ممهدة تمامًا أمام الدعوة والدعاة فعملوا بهدوء وروية. وتكفى الإشارة هنا إلى بعض أساليب تغلغلهم التدريجى فى المجتمع. بدأوا كما ينبغى لأى سياسى حصيف بالنظام التعليمى نفسه.

جندوا آلافًا من المدرسين الحكوميين ومولوا إنشاء مدارس خاصة إسلامية التوجه والمناهج. وقد يذكر بعض أولياء الأمور فى حقبة السبعينيات الدهشة التى أصابتهم من تكثيف جرعة التلقين الدينى لأبنائهم فى المدارس، والتى كانت تنصب على تلقين النصوص وإتقان الشعائر والعبادات دون تطرق إلى المعاملات أو المنهج الإسلامى لتقدم المجتمع وتغييره نحو الأفضل. كان التعليم الإخوانى يكمل ما يبثه إعلام الوعاظ الساداتى ويستفيد كل منهما من الآخر فى نشر ثقافة التلقين والطاعة والتمهيد لسلطة الدعاة والوعاظ، لكى تؤتى هذه الثقافة أكلها حين يشب الجيل عن الطوق.

وفى هذا السياق نشأت ظاهرة حجاب النساء. لم يكن المقصود منها فقط نشر ما اعتبروه زيًا إسلاميًا، بل كان الهدف الإعلان هو إعلان الحضور فى الشارع وفى المجتمع والدعوة لاجتذاب مزيد من الأنصار.

ولم يكن الانتشار سريعًا وقوبل أيضًا بنوع من الدهشة والرفض، من مجتمع اعتاد على السفور لعشرات السنين دون أن يرى فيه منكرًا أو خروجًا على الأخلاق.

وأذكر هنا مقالًا لواحد من مفكرى الإخوان يعاتب فيه منتقدى الحجاب بقوله: نحن لا نعترض على سفور السافرات فلماذا تعترضون أنتم على حرية المرأة فى ارتداء الحجاب؟ ذلك قولهم فى مرحلة الاستضعاف.

أما الآن فى مرحلة التمكين فيعلو الصوت إلى درجة تكفير المرأة غير المحجبة، ولم لا؟ انظر حولك. لقد غزت ثقافتهم الشارع باكتساح، فمن يجرؤ على فتح فمه؟ فى صحوة من صحوات الموت للدولة المدنية الرخوة انتبه وزير سابق للتعليم إلى آثار تغلغل الإخوان فى المدارس. لفتت نظره أيامها ظاهرة جديدة وغريبة هى ارتداء تلميذات من الأطفال فى سن السادسة أو السابعة الحجاب، وبدا ذلك- فى حينها- مضحكًا أو مبكيًا حسب رأيك. أظهر الوزير حزمًا، فأبعد عددًا من مدرسى التيار الإسلامى إلى وظائف إدارية لمنعهم من التأثير على التلاميذ، وأصدر قرارًا بتعميم زى موحد فى المدارس كان من شأنه نزع الحجاب عن الطفولة. لكن الوقت كان قد فات منذ زمن طويل على مثل هذا الضبط والربط. كان الأمر قد استتب لحكم الوعاظ والإخوان للمجتمع، فى المساجد والمدارس والجامعات والنقابات والإعلام، ومؤسسات أخرى، فكشر حكام المجتمع الجدد عن أنيابهم وأرغموا الوزير على سحب قراره. وبدا لمن يتابع الأمر أن الانتقال من حكم المجتمع إلى حكم الدولة هو مسألة وقت لا غير.

طريقة أخرى اختطاها الإخوان للسيطرة على المجتمع وقد كتب عنها الكثيرون ولكن فيها الكثير من النظر، وأعنى بذلك الخدمات الطبية والاجتماعية التى يتبناها الإخوان ويقدمونها لاسيما فى الأحياء الفقيرة.

ولقائل هنا أن يحتج: بعد أن تخلت الدولة عن واجباتها نحو أضعف شرائح المجتمع، ألا ينبغى توجيه الشكر للإخوان، لأنهم يجلبون بعضًا من ملياراتهم لمساعدة المحتاجين حقًا؟ أو لا يصبح الشكر مضاعفًا حين ترى لصوص العصر يفعلون العكس تمامًا فيهربون المليارات من أموال الشعب إلى الخارج تحت سمع السلطة وبصرها؟ وفى هذه الظروف ما جدوى سفسطة أمثالى بأن أعمال البر والإحسان الإخوانية هذه هى فى الأساس وسيلة بليغة لنشر الدعوة واجتذاب الأنصار، وأنها لا تفعل إلا القليل للقضاء على الفقرة؟ كلا الأمرين صحيح هنا: الاحتجاج والسفسطة! وحتى لا يتوه منا خيط الحديث، فالمقصود أن إضعاف الدولة المدنية وفسادها قد سهّلا للإخوان تنفيذ مشروعهم فى السيطرة على المجتمع، ومن بعد ذلك تحصيل حاصل السيطرة على الحكم فى الوقت الملائم.

بدأ الأمر بإقصاء المثقفين من أنصار الدولة المدنية وتهميشهم، حتى لا يكون لهم أى تأثير على الرأى العام- وما زال هذا مستمرًا حتى اليوم- وحل محلهم فى منابر الإعلام وعاظ يؤسسون للسلطة الدينية، وفى التعليم والنقابات دعاة من الإخوان يمهدون لقيام الدولة الدينية- وما زال ذلك أيضًا مستمرًا-، ولم تظهر أى قوة جديدة تحمل مشروعًا قويًا ومقنعًا يتصدى للمشروع الإخوانى، حاربت الدولة الفكر اليسارى والوسطى والليبرالى على حد سواء بكفاءة عالية، فلم يبق لها إلا الإخوان!

نشر الأستاذ محمد السيد حبيب، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، مقالًا قصيرًا فى صحيفة- الشرق الأوسط- السعودية التى تصدر فى لندن، تحت عنوان غنى بالدلالات فيما يظهر ويبطن، شأنه شأن المقال نفسه. والعنوان هو: «حكم الإخوان غير وارد ولكن هكذا نتصور الحكم».

ويطرح العنوان منذ عبارته الأولى فكرة أو احتمال حكم الإخوان، ربما لأول مرة علنًا على لسان مسئول كبير فى الجماعة، ثم يبادر فورًا إلى نفى الفكرة أو الاحتمال، ومتروك للقارئ أن يعرف على أى النقيضين ينصب التركيز، وإن لم تطل حيرته إذا ما فكر قليلًا فها هو العنوان نفسه يبسط تصور الإخوان للحكم، لا تنصلهم منه.

وعلى هذا النحو نفسه من التقية والحذر يشرح نائب المرشد معالم البرنامج الإخوانى فى الحكم فى مقاله القصير.

وسأتوقف فقط عند ما يعنينى فى سياق هذا المقال، أى تحديد دور الدين فى الحكم، ثم دور الثقافة فى الدولة الإخوانية.

ففى البند «ثانيًا» يورد المشروع كلامًا جميلًا عن الفصل بين السلطات، ويقترح أن تختار السلطة التشريعية مجموعة من أصحاب الكفاءات الفقهية والقانونية والسياسية لتقوم بوضع دستور جديد يفصل اختصاصات السلطات مستهْدِيًا بقواعد الشريعة الإسلامية.

لن يكتفى المشرعون الجدد إذن بالنص العام الوارد فى الدستور الحالى، وهو أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، بل يريدون للدستور الجديد أن يفصل اختصاصات السلطات الثلاث على أساس الشريعة الإسلامية.

فما هى الدولة الدينية إن لم تكن هذا بالضبط، أى تحديد مرجعية دينية مفصلة لكل مؤسسات الحكم؟ ثم من هم أصحاب «الكفاءات الفقهية» الذين ستختارهم السلطة التشريعية لوضع الدستور الجديد؟ هل هم فقهاء دستوريون مثلًا؟ لا يبدو ذلك، فهو يضيف بعدهم مباشرة «الكفاءات القانونية»؟ فمن هى يا ترى تلك الكفاءات الفقهية، إلا أن يكونوا فقهاء فى الدين يَعْهَد إليهم بوضع الدستور؟ إن كنت مخطئًا فليحددوا لنا هوية هذه الكفاءات الفقهية.

ولماذا بدلًا من ذلك كله لم يقترح المشروع الإخوانى أن تضع الدستور جمعية تأسيسية منتخبة كما هو العرف الديمقراطى والمطلب الشعبى، بدلًا من تلك الكفاءات المختارة؟ وقد ترى الجمعية التأسيسية رأيًا آخر، أحكم، فى شأن الدستور الموضوع للكافة.

فإذا انتقلت من البند الثانى إلى البند الرابع من مشروع الحكم الإخوانى المقترح، فستقرأ مرة أخرى كلامًا جميلًا جدًا عن إخواننا الأقباط الذين هم مواطنون لهم كل حقوق المواطنة ولهم حقهم الكامل فى تولى الوظائف العامة، ثم بين قوسين «فيما عدا رئاسة الدولة!».

وأنا لا أظن أن من مطالب الإخوة الأقباط الحالية رئاسة الدولة، ولكن فى دستور أى دولة متحضرة يتم النص حصرًا على حرمان أى طائفة من الحق فى تولى أى منصب، حتى ولو كان هو مجرد حق نظرى يتعذر تحقيقه؟ ثم ما هى رئاسة الدولة «أو الولاية الكبرى» المنصوص عليها فى هذا الاستثناء؟ هل هى رئاسة الجمهورية، وهى فى نظم دستورية مجرد منصب شرفى، أو رئاسة الوزارة وهى الرئاسة الفعلية فى نظم أخرى؟ أو كلاهما معًا؟ فى الهند، الدولة ذات الأغلبية البوذية الساحقة التى قامت بعد حروب طاحنة بين المسلمين والبوذيين، تولى رئاسة الدولة الهندية المستقلة مسلمون أكثر من مرة حتى الآن.

ألا يدفع هذا السيد حبيب، أو من وضعوا البيان، إلى شىء من التفكير؟ كان يجدر به أو بهم السكوت الحكيم على الأقل عن هذا الأمر، اللهم إلا إذا كان المراد توصيل رسالة خفية، كالتى سعى الرئيس السادات إلى توصيلها حين قال ببراءة وبراعة: «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة». إذا انتقلنا الآن إلى ما يتضمنه المقال البيان عن الثقافة فى ظل حكم الإخوان، فسنوجد الأمور أكثر وضوحًا وسفورًا.

فهو يتحدث فى البند الأول عن ضرورة توفير حرية الصحافة والفكر والإبداع «فى نطاق المقومات الأساسية للمجتمع وحدود النظام والآاداب العامة»، ثم يعود مرة أخرى ليتحدث عنها فى البند السابع فيقول نصًا: «يقع على الحكومة عبء تشجيع الآداب والفنون بمختلف أدواتها ووسائلها، شريطة أن يكونا أدبًا وفنًا جادين وملتزمين بقيم المجتمع وثوابت الأمة، بعيدًا عن الإسفاف، والابتذال والاستخفاف بالعقول وتسطيح الأفكار».

لاحظ أولًا قبل الدخول فى الموضوع أن الحديث عن الشروط أو القيود يفوق من حيث الحجم الحديث عن الحرية، ولاحظ كم هذه الشروط، واللغة العصبية التى صِيغ بها هذا البند بالذات دون باقى بنود البيان.

وأرجو ألا أفاجئ الأستاذ حبيب حين أقول له: إن الفن والأدب لم يعرفا هذه القيود الصارمة والقابلة للتأويل حسب المزاج وحسب التعصب إلا فى أشد عصور الانحطاط لأى مجتمع من المجتمعات، الإبداع والحرية صنوان.

وقد أشير على السيد حبيب بالرجوع إن أراد إلى الإنتاج الأدبى فى شتى عصور الحضارة الإسلامية، وأنا لا أشير هنا إلى من يعرفون بشعراء المجون مثل أبى نواس وبشار، بل أشير إلى أكثر الشعراء جدية وشهرة مثل أبى تمام والبحترى والمتنبى، إلى أكثر الناثرين تقوى واحترامًا، مثل الجاحظ أو ابن حزم الأندلسى إمام المفسرين من أهل الظاهر.

ستثير دهشته إن قرأ إبداعهم الأدبى هم أو غيرهم من أدباء المسلمين درجة الحرية فى تناول موضوعات الجنس والدين بما لا يجرؤ على مثله أى كاتب معاصر، ودون أن يحتج عليهم أحد فى عصرهم، كانوا يعرفون أن الضوابط الأخلاقية حسب الفهم المتزمت للأخلاق لا تحمى الفضيلة وإنما تحمى الرذيلة وتخلى بينها وبين النفوس، على قول الدكتور العميد طه حسين.

القيد الوحيد المقبول على الإبداع، هو قيد القانون العام الذى ينطبق على المبدعين مثل غيرهم. وقد أثار نواب الإخوان ضجة كبيرة فيما عرف بقضية الروايات الثلاث الصادرة عن هيئة قصور الثقافة، أدت إلى سحب هذه الروايات من السوق وإقالة الموظفين الذين سمحوا بنشرها.

ولم يكتفوا بهذا النصر، بل رفع أحد محامى التيار الإسلامى قضية جنحة ضد الزميل الكاتب توفيق عبدالرحمن مؤلف رواية «قبل وبعد» إحدى الروايات الثلاث، على أساس أن روايته تتعرض لعلاقة زنا بين زوجة مسلمة وعشيقها، وتصف تفاصيل العلاقة- وهذا ما تؤثمه أحكام القرآن والسُنة والشريعة الإسلامية- على قول عريضة الدعوى.

لكن محكمة العجوزة التى عرضت عليها القضية أصدرت حكمًا بليغًا يجب أن ينحنى له كل مثقف، بل كل مؤمن بحرية الرأى، إذ قضت بأن الأعمال الفنية لا يتوافر فيها عنصر القصد الجنائى الخاص، ومن ثم فقد رفضت قبول دعوى الجنحة المباشرة ضد المؤلف وأخذت برأى الدفاع بأن عمله عمل أدبى يحتكم فى شأنه إلى نصوص وأحكام النقد الأدبى لا إلى نصوص قانون العقوبات.

شكرًا للقاضى وللقضاء المصرى آخر قلاع الدولة المدنية الباقية حتى الآن.

ومع ذلك فإننى أشعر بخوف حقيقى. فهؤلاء كما يتضح من المقال البيان لا يعتزمون الاحتكام إلى القضاء ولا إلى أحكام النقد الأدبى، بل إلى إثارة الجماهير التى لا تعلم شيئًا من ذلك كله. هم قد فعلوها من قبل، والخوف كل الخوف وقد دانت لهم هذه الجماهير أو كادت، أن يثيروها من جديد بالدعاوى الأخلاقية الكاذبة لكى يحرقوا الكتب إن لم يكن الكاتب!

لماذا كل هذا التعصب والعصبیة؟ ربما لأن المثقفین هم الآن، مثلما كانوا منذ البدء ورغم كل ما أصابهم من إضعاف وتهمیش هم أيضًا آخر قلاع المقاومة ضد مشروع الدولة الدينیة التى يرونها قريبة المنال.

ولا أظنهم مخطئین تمامًا، لكنى ككاتب وكمسلم سأظل أرفضها وأقاومها مستهديًا برأى الشیخ الإمام فى رفض أى سلطة دينیة خارجیة على ضمیر الإنسان.

ولمؤرخنا العظیم ابن خلدون رأى جدير بالنظر فیما نحن فیه الآن، فقد لاحظ أن الفتن التى تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدًا فى عصور التراجع الفكرى للمجتمعات، إذ يتواتر ظهور الجماعات التى تدعو إلى إقامة شرع اﷲ والعمل بسنة نبیه «علیه السلام»، ويصل فى تحلیله إلى جوهر الموضوع فیقول: وأكثر المنتحلین لمثل هذا تجدهم يطلبون بهذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إلیها بشىء من أسبابها العادية فیحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه. 

غیر أنى أختلف مع ابن خلدون بعد ذلك، حین يقول: إن ما يُحتاج إلیه فى أمر هؤلاء هو إما تسلیمهم لصاحب الشرطة، أو وضعهم فى بیمارستانات المجانین.

فالواقع أن هؤلاء قد دفع بهم مرارًا إلى صاحب الشرطة وما زالوا يدفعون، فلم يزد هذا دعوتهم إلا انتشارًا، وإلا احترامًا لدى الجماهیر يستحقه كل من يضحى من أجل عقیدته أيًا كانت.

إنما ما يُحتاج إلیه فى أمرهم هو أن ينهض من جديد أنصار الدولة المدنیة المؤمنون بأنها هى التى قدمت وما زالت قادرة على أن تقدم خیرًا كثیرًا لهذا الوطن، وأن يطرحوا برنامجًا معاكسًا فى الاتجاه ومساويًا فى الأهمیة لفكر الإخوان دون أن تلاحقهم أجهزة الدولة وتقمعهم.

وسیستغرق ذلك وقتًا لا محالة، أرجو أن يكون أقل من الوقت الذى استغرقه الإخوان لینفذوا مشروعهم فى السیطرة على المجتمع.

أما البیمارستانات فیبدو وﷲ أعلم أنها ستكون من نصیب المثقفین أنفسهم ما لم يتغیر نهج هذه الحكومة التى تدفع إلى الجنون بأفعالها وبانعدام أفعالها على السواء.