الخميس 22 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الشاعرة الغنائية كوثر مصطفى

حرف

تصدق لما بـ أقرا العبارة دى بـ أزعل، أصلك دا تعريف ما ينفعش لـ إنه قاصر، هى شاعرة غنائية من طراز استثنائى، لكن لا يمكن اختزال هذا الاسم العريض فى كتابة الأغنيات، حتى لو كان أهمها لـ محمد منير شخصيًا، وحتى لو كانت هذه الأغانى فى مكان ممتاز من خريطة الأغنية المصرية.

قابلتها عدة مرات قليلة، لكنها لا تنسى، وهى لا تعرف أنها كانت محور أحاديث وأحاديث وأحاديث عزيزة على قلبى، وأول مرة قابلتها كان أغسطس ١٩٩٠.

وقتها ما كانتش لسه ظهرت كـ كاتبة أغانى، لكنها كانت معروفة كـ شاعرة أصدرت ديوان أحدث دوى وجدل، كان اسمه «موسم زرع البنات»، الديوان دا كانت قدمته لـ إحدى سلاسل الهيئة فـ اترفض، ثم إنها سجلت دراسات عليا فى الفلكلور الشعبى، تحت إشراف د. عبدالحميد يونس، وهو من هو فى تاريخ الثقافة المصرية، كان لـ الأسف فقد بصره صبيًا وهو بـ يلعب ماتش كورة، فـ طه حسين اهتم بـ حالته، وساعده لـ حد ما بقى أول أستاذ لـ الأدب الشعبى فى الخمسينات، وكان متابع الحياة الأدبية بـ دقة، وله كتابات مرهفة.

المهم، د. يونس عرف من كوثر إنها بـ تكتب شعر، ودا اللى خلاها مهتمة بـ الأدب الشعبى، فـ سمع قصايد الديوان اللى قلت لك عليه، وساعد فى نشره من خلال سلسلة اسمها «إشراقات»، واشتريته أواخر التمانينات بـ ٣٥ قرش من شارع الجمهورية - أسيوط، وفاكر إنه قريته فى المسافة من الشارع دا لـ بيتنا، وإنه أدهشنى كتير، ثم كان محل نقاشات عديدة مع الأصدقاء.

تلف الأيام، ومنير ينزل له ألبوم جديد فى ١٩٩٤، عنوانه «افتح قلبك»، كـ العادة اشتريته يوم نزوله، واستغربت لما لقيت اسم كوثر على أغنيتين: ساح يا بداح والعال يابا، استغربت لـ إنى كنت سمعت إنها هاجرت، لـ حد دلوقتى مش عارف إذا كانت هاجرت وقررت ترجع، ولا ما هاجرتش، لكن مع الاستغراب كان سعادة واستبشار، وبـ الفعل ظنى ما خابش، لـ إن الأغنيتين خصوصًا «ساح يا بداح»، كانوا كتابة طازجة، وفيها آفاق جديدة لـ الغنوة عمومًا، ولـ منير اللى كانت تجربته اقتربت من التكلس «على مستوى الكلام» فى ألبوم يا إسكندرية، ونسبيًا فى «الطول واللون والحرية».

هـ نرجع تانى لـ قصة منير، بس اللى عايز أقوله إنه رجعت تانى أتابع مسيرة كوثر مصطفى، والواقع إنه لها العديد من الدواوين الشعرية بعيد عن الأغانى، وحتى اللى فيها أغانى فـ هى أغانى ما سمعنهاش، لـ إنها ما انفذتش، أنا قريت لها خمس أو ست دواوين مهمين.

ثم إنها صاحبة تجربة فى المسرح، أفتكر لها كذا عرض، ربما أهمهم الصياغة الشعرية لـ «مخدة الكحل» اللى كسب جايزة مهرجان المسرحى التجريبى فى التسعينات، كـ عرض ينتمى لـ المسرح الصوتى، من إخراج د. انتصار عبدالفتاح، وأفتكر كمان اشتغلت مع ناصر عبدالمنعم «المسرحى العملاق» وغيرهم. لـ الأسف ما عنديش توثيق كافى لـ تجاربها المسرحية، إنما عرض عليه اسم كوثر، تروح وإنت موعود بـ المتعة والفائدة معًا.

كمان كوثر اشتغلت صحفية فترة، وكان ليها تجربة فى التحقيقات مع صلاح عيسى فى الأهالى على ما أذكر، والتجربة دى ربما هى نفسها ممكن ما تعتبرهاش محطة مهمة أو فارقة، لكن أنا اشتغلت صحافة وعارف قد إيه بـ تفرق، مع إنها فى الحقيقة مش مهنة محببة لى خالص.

يرجع مرجوعنا لـ موضوعنا، لما اشتغلت مع منير فى «افتح قلبك» وأغانيها علمت، كان طبيعى تستمر معاه، وفى الألبوم التالى كانت أهم تجاربهم سوا «من وجهة نظرى» وهو ألبوم «ممكن»، لـ إنها قدمت تلات أغانى فى ألبوم يضم معاها الأبنودى ومجدى نجيب فـ المنافسة «فنيا» رهيبة، لكنها كانت قدها وقدود، واستمرت فى فتح شبابيك جديدة لـ الغنا خصوصًا فى أيقونتها «شتا» الشهيرة بـ «بعد ما إدى وبعد ما خد»، اللى هو شعر يا إخوانا، شعر بـ يتغنى. لا تتصوروا فرحتى وفخرى إنى عاصرت صدور الغنوة دى لايف. 

الملمح الأساسى فى تجربة كوثر الغنائية بـ النسبة لى، هو قدرتها على خلق المجاز بعيدًا عن الطريقة التقليدية فى صياغة التشبيهات والاستعارات وخلافه، يعنى مثلًا:

«آه يا براح عمال بـ يضيق 

نهر ما بلش حتى الريق»

اللى هو ما قالتش إيه زى إيه؟ أو إيه كـ إنه إيه؟ هى بـ تخلق المجاز علشان تصنع حالة، وكل واحد يقدر يصب فى الحالة دى تجربته الشخصية أو العامة.

«شتا» مجاز عريض، عن الشخص المنهك، اللى تجربته وأحلامه أعرض كتير من واقعه، فـ تمشى على أى حاجة، أذكر إنه حنان كمال عليها رحمة الله كانت دايمًا تقول لى إنها لما بـ تسمع الغنوة دى بـ تستدعى معاها ياسر عرفات، فعلًا كل واحد يقدر يعيش الحالة من خلال ما يعيشه وما يهتم بيه.

كمان كان ليها غنوة مع منير، لـ الأسف، أخد اللحن واداه لـ شاعر غنائى تانى كتب عليها أى كلام، كان مطلعها:

«فى بيتنا شباك متوارب» 

مش عارف مصير الكلمات دى إيه دلوقتى، بس فاكر إنها كانت عظيمة.

نسيت أقول لك إنه اللقاء التانى بينا كان صيف ١٩٩٦، ودا كان لـ وجه الشعر، قعدنا ييجى خمس ست ساعات نقول أشعار، ودا من الأيام الجميلة اللى عشتها، وحكت لى قصة دخولها عالم الأغنية من خلال خيرى بشارة، اللى كان عنده مشروع فيلم ما اكتملش، وعملت فيه «على صوتك بـ الغنا

لسه الأغانى ممكنة»

اللى سمعناها بعدين بـ صوت منير مع يوسف شاهين فى المصير، والواقع إنه شاهين له تجربة معاها لا تُغفل على قصرها، ثم مع خالد يوسف.

بـ النسبة لـ منير، كملت هى معاه، وطلعوا شغل أيقونى زى بكار وسو يا سو، لكنى أؤكد لك إنه هذا الشغل ما ييجيش ربع ما كانت قادرة على إنجازه، ثم إنها أنتجت عشرات الأغانى كانت بصمتها دايمًا واضحة عليها، وأرجع تانى وأقول إننا ما زلنا نقدر نستثمر أفكارها فى الغنا والشعر والمسرح، ربنا يخليها لينا ويطول فى عمرها.

قولوا آمين.