الثلاثاء 06 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

لحم إدريس وجريمة محفوظ

حرف

فى وقت متقارب جدًا، يوسف إدريس كتب قصة «بيت من لحم»، ونجيب محفوظ كتب قصة «الجريمة»، ولـ الوهلة الأولى «وربما التانية والتالتة والخمسين» تظن إنهم قصتين ما لهمش أى علاقة بـ بعض، مفيش أى شىء مشترك بينهم، لا الأحداث ولا الأشخاص، ولا السرد ولا اللغة ولا الموضوع ولا أى حاجة، إنما بـ النسبة لى الاتنين نفس القصة هى هى مكتوبة بـ طريقتين مختلفتين.

واضح جدًا أننا قدام عالم رمزى غير واقعى سواء عند محفوظ أو إدريس. صحيح عند إدريس المكان أوضه واحدة بـ تدور فيها كل الأحداث، وعند نجيب مدينة كاملة، لكن هنا وهناك المكان مغلق، وتحس إنه طابق على نفس أفراده المحكومين بيه، وبـ تكوينه، وفيه مشكلة سواء هنا أو هناك إنه فيه «جريمة» ما.

بـ النسبة لـ محفوظ، بـ يروح أكتر ناحية التجريد، يعنى مش مهم الجريمة نفسها، مش مهم تفاصيلها، مش مهم مين الفاعل ومين المفعول به. لكن إدريس بـ يمعن فى ذكر تفاصيل الجريمة وكيفية وقوعها، إنما الاتنين بـ يقدموا الجريمة بـ اعتبارها هى المفتاح لـ فهم العلاقة داخل هذا المكان، وطبيعة «العقد الاجتماعى» اللى اتفقوا عليه.

هنا وهناك فيه اتفاق «يصل لـ حد التواطؤ» على إننا مش هـ نكشف الجريمة، حرص تام على إنها تبقى طى الكتمان، خوف وذعر من إنه التحقيق فيها هـ يؤدى إلى انهيار العالم، فـ مفيش مفر من الصمت، عند إدريس هو صمت حرفى، محدش بـ يفتح بقه، لكن عند محفوظ صمت صاخب، صمت عبر الكثير والكثير من الدوشة، صمت تحسه فى كل سطر من غير ما يذكر كلمة الصمت ولو مرة.

فى القصتين الدافع الأساسى لـ هذا التواطؤ هو الانقياد التام لـ الغريزة، الغريزة التى تدفع للإثم ثم تهرب من عقابه، صحيح الغريزة عند إدريس حسية مباشرة «الجنس»، وعند محفوظ مركبة وأقرب لـ غريزة البقاء نفسها، بس الاتنين يمكن وضعهم تحت مظلة أوسع هى «الخوف»، الإحساس بـ الخطر لو شلنا الغطا عن المستور.

فى القصتين، هذا التواطؤ غير مريح، بـ معنى إنه لا يجلب سعادة، ولا يخفف ألم، ولا يقضى على معاناة، لكنه ضرورة، ضرورة ثقيلة، لكن ضرورة، هى كمان ضرورة محيرة، لـ إنك ما تبقاش عارف إيه الفايدة منها؟ يعنى كل هذا الحرص على التواطؤ، كل هذا الحرص على إخفاء الجر.بـ يصب فى مصلحة مين بـ الظبط؟ ومنين بـ ييجى الإحساس إنه لو الصمت دا انتهى، هـ ينفض العقد كله؟

التساؤل الأخير مش استنكارى، هو استفهام بـ جد، يعنى فيه إحساس طاغى إنه بديهى ومعلوم بـ الضرورة إنه التحقيق فى الأمر هـ يؤدى إلى نقض الغزل المجتمعى كله، مع إنه مش بـ الضرورة «على الأقل ظاهريًا» وممكن جدًا التحقيق فيها يؤدى إلى إعادة تشكيل النظام على نحو أفضل، لكن المشكلة إنك إنت كمان كـ مراقب بـ تشترك معاهم فى الإحساس نفسه، فـ ما تبقاش قادر تطالب أفراد المجتمع هنا وهناك بـ كسر هذا التواطؤ.

طبعًا، كل قصة منهم محتاجة كلام وكلام وكلام، أنا بس حبيت ألفت الانتباه لـ تشابه القصتين جدًا جدًا، لـ درجة إنه عادى جدًا، ممكن تاخد الجملة الختامية فى قصة محفوظ زى ما هى، وتقفل بيها قصة إدريس:

جميع القيم مهدرة لكن الأمن مستتب.