مكتبتي..
عباس البليدى
لو فيه حاجة وقفت عقبة فى مسيرة عباس البليدى فـ هى قوة وجمال وعذوبة وصفاء ومرونة صوته لـ درجة تفوق الوصف.
أصلك إحنا بـ نتكلم عن شخص اتولد ١٩١٢، يعنى عاش عشريناته فى التلاتينات وما أدراك ما التلاتينات! وكان من أوائل الناس اللى تعاقدت معاهم الإذاعة المصرية لما تأسست ١٩٣٤، وهو ٢٢ سنة لسه، وكان بـ يقدم حفلات منتظمة، وبـ يلحن، بداية من ١٩٣٨، وكان من نجوم الراديو المعدودين.
كويس!
لكن فى التلاتينات دى كان فيه معركة طاحنة بين «الجديد» والقوالب الكلاسيكية المعروفة زى الدور والقصيدة والموال والموشح وإلخ إلخ، الموضوع ممكن نشوفه النهاردا سهل، عبدالوهاب والقصبجى عملوا ثورة كانت كل يوم بـ تاخد الدنيا لـ قدام، وصولا لـ الفترة من ١٩٣٨ – ١٩٤٠ اللى عملوا فيها طفرة بـ مضناك والجندول ويا طيور وما دام تحب بـ تنكر ليه فـ بقى دى شكل الموسيقى، إنما هى مش كدا.
الواقع إنه الأشكال الكلاسيكية فضلت لـ فترة طويلة بـ تقاوح، وليها جمهور مش قليل، صحيح بـ يقل كل يوم لكن ما اختفاش فجأة، ولا حتى بقى نوادر، لأ، كان فيه ناس «صناع وجمهور» متمسكين بـ المزيكا والطرب على قديمه، ويمكن كمان بـ يحاربوا أو يحتقروا «الجديد»، وإحنا عارفين إنه ناس زى مصطفى رضا وصفر على وغيرهم ما خلوش على جهدهم جهد فى محاولات تحطيم عبد الوهاب والقصبجى وغيرهم واتهامهم بـ الجهل والميوعة وما إلى ذلك.
طيب! هذا الجمهور وأولئك الصناع لـ الأغنية الكلاسيكية كانوا محتاجين راس حربة لـ إثبات الوجود، ومحاولات البقاء والانتصار آخر مرة، والاستمرار فى احتلال الصدارة بـ ساحة الغناء، وكان البليدى هو راس الحربة المعنية، شاب صغير فى السن، لكنه يتمتع بـ كل ما ذكرناه فوق من جمال وصفاء وقوة ومرونة، فضلًا عن قدرة رهيبة فى أداء كل الألوان الكلاسيكية، وحفظ مخزون لا ينفد من المنتج القديم، فـ كانوا بـ يعتمدوا عليه بـ شكل أساسى على مدار التلاتينات والأربعينات وحتى الخمسينات.
تلات عقود قدم البليدى خلالها عشرات وعشرات من الأعمال المتنوعة من قصايد وأدوار وخلافه، إعادة لـ قديم، أو أعمال «حديثة» معمولة له خصيصا على الطرز القديمة، فـ بقى حاجة زى عايزة نوكيا روح لـ راية، عايز قديم اسمع البليدى.
ما أعتقده إنه هو شخصيًا ما كانش عنده مانع خالص من تقديم الأشكال الجديدة المتطورة، ولا إنه يبقى له هوية خاصة فيما يقدم، لكن فرصته فعليًا وعلى أرض الواقع كانت إنه يفضل فى الأطر القديمة، إذ إنه المنافسة فى الجديد صعبة، والموضوع محتاج حد يتبناه ويبدأ طريق من أوله، فى حين إن كل رعاته وجمهوره كانوا محتاجينه زى ما أوضحنا فى دور المحافظ، يعنى تقدر تقول إنه جديد زى الأستاذ عبدالوهاب والأستاذ القصبجى، بس المنتجين حصروه فى التخت وألوانه.
لـ ذلك مع مطلع الستينات ما بقاش له أى وجود أو مساحة، بعد ما اختفى القديم تمامًا أو كاد، وحتى الإذاعة كانت خلاص تحت احتلال أبناء «الثورة» بـ قيادة الزعيم الخالد عبدالحليم حافظ، ومعاه طابور طويل من المطربات والمطربين شادية وصباح ونجاة وفايزة وعادل مأمون وماهر العطار، اللى هو عبدالوهاب والقصبجى نفسهم بقوا قدام وكلاسيكيين بـ النسبة لهم ومحتاجين يجاروا التطور «بـ غض البصر مين قدر ومين لأ» فـ ما بقاش البليدى مطلوب خالص، ومع الوقت حتى اسمه اتنسى.
لكن لو إنت سميع، ويهمك تسمع طرب «ولو من حين لـ آخر» فـ عليك بـ تحف البليدى المذهلة، يعنى أنا اليوم اللى أبدأه مثلًا بـ«أنا هويته» مع صوت البليدى دا يوم رايق مش بـ أفتح فيه سوشيال ميديا ولا أبقى مستعد لـ أى تلوث حداثى يقل مزاجى.
دور على أغانيه فى يوتيوب وساوند كلاود وادعيلى.






