الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مختارات من قصائد علاء خالد

حرف

بعد عشرين عامًا

بعد عشرين عامًا،

سأقابل امرأة عجوزًا

وسأخلع ملابسى أمامها

وسأريها الغابات المحترقة تحت جلدى. 

عندها سأكون أقل توترًا من الآن

وأكثر ثقة بجسدى

سأنيخ لها ذكرياتى

لتختار بوابة يفيض منها الحنان

لا شك أنها ستسألنى عن أمى

وعندها ستكون أمى قد ماتت

وسأحتار فى الإجابة

وسأترك لها أن تحفر فى جسدى 

عندها سأكون فى الخمسين من العمر

وحاملًا لخبرة عميقة فى اصطياد الأمومة من أوجه العابرين

وستأخذنى بين ذراعيها

وستفتح لى بوابة أخرى من الحنان

وستنيخ لى ذكرياتها لأركب

وأعدو فيها بحثًا عن ابن احترف الكتابة صغيرًا.

ضد الاعتراف

بلاغتكِ فى الضحك

فى جرجرة قلبى حافيًا

فى استدراجى فى الحديث بصمتك المغوى

حتى يخرج سرى

من بين ضلوعى

كلؤلؤة مكسورة

تجرح من يدوس عليها. 

من قصائد البار

سأقضى السنوات العشر الأخيرة

من حياتى

فى احتساء الخمر

عازفًا عن الأحاديث الجادة والأصدقاء المهمين

كى أراقب هزائمى، من قريب،

بروح ثملة

بقلب عامد فى التفاهة

كى لا أبدد أحزانى المتبقية، ذخيرة طفولتى،

على امرأة واحدة

وأعبّد أمام عينىَ طرقًا جانبية للبكاء

بمثيرات غاية فى الضعف

بشرخ بسيط فى زجاجة الخمر،

ستخطئه يدى، وتلحظه روحى فى عزلتها المتنامية. 

وسأضع يدى، الوصايا العشر

فى عناية النار

كى لا أكتب بعد الآن بيد باردة، وبأعصاب غير محترقة 

ولكنى سأقف مهزومًا

أمام رجل ظل يراقبنى فى البار

ويعلم أن وراء كل تفاهتى روحًا معذبة

سأقف أمامه منكسًا

عندما يصرخ فى وجهى: إن حياتك ما زالت هناك. 

شجرة البونسيانا

فى بيتنا القديم بالإسكندرية ودعت شجرة البونسيانا العجوز

ذات الزهور الحمراء

وفى لوس أنجليس

فوجئت بثلاث شجرات أخرى من البونسيانا لها زهور أرجوانية

أكثر شبابًا

وذاكرتها ما زالت بيضاء

تطل على كل صباح عبر زجاج النافذة

تتمايل مع حركة الرياح

تظهر وتختفى، كوجه طفل

لقد جاءها أخيرًا زائر له نسب بتلك العائلة التى تفرقت، قديمًا، فى البلاد

من بذرة استوائية واحدة

جئت لأذكرها بهذا الإرث الضائع من عائلتها الثرية

التى توزع الظل بدون حساب

وتفرش الأرض تحت أقدام البسطاء بسجاجيد ملونة

وهم فى مسارهم اليومى

حتى يظنوا أنهم فى طريقهم لاستلام جائزة. 

يرحل الحزن من مكان لمكان

وفى كل سفر له يأخذ لونًا جديدًا.

مازلت أؤدى دورًا حزينًا 

بينه وبين قبرها، المسافة أقرب منه إلى السرير، حيث ترقد وتنادى ملائكة الموت، وهو مستسلم، يجلس أمامها بدأب، يؤرجح عينيها بحكاياته، صامتًا قدر الإمكان، حتى لا يؤلب الملائكة أكثر بنحيبه. منذ أن تجاوز الأربعين، وهو يفكر بدور جديد له فى الحياة. عشرون عامًا يفكر، خذلته الأمومة، يضغط الموت ضغطة خفيفة على قلبه، فيفر إلى أعوامه الستين ليستنجد بها، بالكرامة المفروضة لبياض شعره، يردد وهو يعبر الممر الضيق  إلى غرفته: ما زلت ابنًا، ما زلت أؤدى دورًا حزينًا فى الحياة. 

عندما ازدحمت الغرفة بالمياه، ولم يعد هناك رفيف لأجنحة ليقاومه، خرج بهدوء لا يلوى على شىء، نزل إلى الشارع الكبير ليندس وسط جموع حزينة، ساعات وهو يحمل جثمان أمه فى عينيه.

فرغ الشارع من الحنان، فعاد إلى البيت، كانت الغرفة خالية تمامًا، بعدها كلما هم بنزول الشارع والسير وسط الجموع شعر بحزن كبير يطارده، بخيط من المياه يجرى وراءه.