الأربعاء 07 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

رسولة الرسل.. شخصيات مريم المجدلية عبر العصور

حرف

- خطيئة.. صلاة.. حب.. ثلاث صور رئيسية للمجدلية فى فرانكفورت

- معرض فنى بألمانيا يكشف الأوجه المتعددة لقديسة مثيرة للجدل

- مريم المجدلية.. أكثر الشخصيات النسائية ثراءً فى التقاليد الكتابية وتاريخ الفن

- كيف أضفى كل عصر تساؤلاته وأفكاره وتطلعاته على تصوير مريم المجدلية؟

- المجدلية.. كيف تغيرت النظرة إلى المرأة والإيمان والمجتمع على مر القرون؟

- لا يميز الفنانون بين شخصيات مريم المختلفة.. والأهم إيصال الفكرة 

تعرف مريم المجدلية بلقب «رسولة الرسل»، وهى قديسة تثير الجدل، وتتسم شخصيتها بتعدد الأوجه، كما تحيط بها الأساطير والغموض. فما الذى تكشفه هذه الأعمال الفنية عنها؟

قلة من الشخصيات الكتابية الواردة فى الكتاب المقدس، أثارت اهتمام المجتمع، بقدر ما فعلت مريم المجدلية، التى يقال إنها كانت أول من شهد قيامة المسيح ونقل الخبر للآخرين. 

وعلى مدى قرون، حظيت المجدلية- وهى إحدى أتباع المسيح وتلقب بـ «رسولة الرسل»- بمكانة خاصة واهتمام كبير لدى الأوساط الدينية والعلمانية على حد سواء، وذلك رغم قلة الإشارات إليها فى الكتاب المقدس. ونتيجة لذلك، طغت الأساطير المحيطة بها على حقيقة شخصيتها الفعلية.

مع مرور الوقت، أصبح اسم المجدلية يمثل مزيجًا من شخصيات كتابية، وأفكار تاريخية مختلفة، لدرجة أن بعض هذه الأفكار ارتبط بها بقوة تفوق ارتباطها بالروايات الواردة فى الكتاب المقدس ذاتها. 

وهذا ما يستكشفه معرض «مريم المجدلية: خطيئة، صلاة، حب»، الذى يفتتح فى متحف «شتادل» بمدينة فرانكفورت الألمانية، وذلك فى الفترة من 17 سبتمبر الحالى إلى 17 يناير 2027.

يقول مؤرخ الفن باستيان إكليرسى، أحد منسقى المعرض: «لقد اكتشفنا فى جوهر الأمر أن هناك ثلاث شخصيات لمريم المجدلية، فى شخصية واحدة: الأولى هى الخاطئة مجهولة الاسم، والثانية هى مريم من بيت عنيا «أخت مرثا ولعازر»، والثالثة هى مريم المجدلية، كما وردت فى الكتاب المقدس بالمعنى الدقيق».

وكما يوحى عنوانه، يتناول المعرض ثلاث صور رئيسية، جرى من خلالها تصوير المجدلية؛ إذ يوضح إكليرسى أن «الخطيئة» ترمز إلى صورة المرأة الخاطئة والتائبة التى شكلت التصورات السائدة عبر القرون، و«الصلاة» ترمز إلى مريم المجدلية بصفتها قديسة وتلميذة للمسيح، بينما يرمز «الحب» إلى المفاهيم المتنوعة للحب والتفانى والحميمية المرتبطة بها.

وقال متحف «شتادل» فى إعلانه عن المعرض: تتأرجح صورتها بين القديسة والخاطئة والرفيقة المقربة للمسيح؛ إذ ظلت مريم المجدلية، على مر القرون، واحدة من أكثر الشخصيات النسائية ثراءً وتعددًا فى الأبعاد ضمن التقاليد الكتابية وتاريخ الفن. 

ويقدم كل من متحف «شتادل» «Stadel Museum» ومجموعة «ليبيجهاوس» للمنحوتات «Liebieghaus Skulpturensammlung» أول معرض شامل مخصص لها فى العالم الناطق بالألمانية. ولا يكتفى المعرض بتصويرها كمجرد مساحة لإسقاط الأفكار الثقافية والدينية، بل يبرزها أيضًا كشخصية مستقلة، تتجلى من خلالها تصورات متنوعة حول الجسد والإيمان والأدوار الاجتماعية.

تقدم الأعمال المعروضة، نظرة شاملة على النطاق الفنى والعاطفى لتصوير مريم المجدلية، وتوضح كيف أضفى كل عصر على هذه الشخصية، تساؤلاته وأفكاره وتطلعاته الخاصة.

ويستهل المعرض فعالياته باستعراض التصورات المعاصرة لشخصية مريم المجدلية، ويتتبع كيف جرت إعادة تفسير هذه الشخصية وصياغتها وبنائها مرارًا وتكرارًا، بدءًا من أقدم الروايات الكتابية، ووصولًا إلى العصر الحديث.

يقول فيليب ديماندت، مدير متحف «شتادل» ومجموعة «ليبيجهاوس» للمنحوتات: تثير مريم المجدلية الاهتمام، لأنها تعكس بوضوح التغيرات فى النظرة إلى المرأة والإيمان والمجتمع على مر القرون؛ ولذا، فإن قصتها هى أيضًا- وباستمرار- قصة للطريقة التى نظر بها إليها.

نستعرض هنا عشرة أعمال فنية من المعرض، تجسد وجهات النظر المختلفة حول المجدلية، وتعكس أيضًا تغير نظرة المجتمع للنساء بمرور الزمن.

الصعود

فى مطبوعة الفنان الألمانى ألبريشت دورر، المنفذة بأسلوب النقش على الخشب «حوالى ١٥٠٤-١٥٠٥»، تظهر مريم المجدلية عارية، بينما ترفعها ستة ملائكة نحو السماء. 

ويستمد المشهد إلهامه من كتاب «الأسطورة الذهبية» «The Golden Legend»، وهو نص يعود إلى القرن الثالث عشر، وضعه المؤرخ ورئيس الأساقفة الإيطالى ياكوبوس دى فراجينى. 

وفى إحدى القصص الشائعة الواردة فى هذا الكتاب، تعتزل مريم الحياة وتتوجه إلى جنوب فرنسا بحثًا عن العزلة. 

ويقول إكليرسى: «لم يكن هناك طعام متاح فى تلك البرية، ولذا كانت الملائكة تحملها سبع مرات يوميًا وترفعها إلى السماء، لتستمع إلى موسيقاهم، وكان ذلك هو قوتها».

عند القبر

على الرغم من أن اللوحة الزيتية الإيطالية بريشة جيوفانى جيرولامو سافولدو «حوالى ١٥٣٥-١٥٤٠»، لا تظهر ملامح «المجدلية» بشكل بديهى ومباشر، إلا أن الخبراء تمكنوا من التعرف على هويتها، بفضل تفاصيل محددة: الإناء الصغير الموجود فى الزاوية اليسرى، والرداء الأحمر «الذى يرتبط عادة بالإغراء والخطر» الذى يظهر جزئيًا من تحت عباءة من الساتان الفض».

تقول سيوبهان جولى، المحاضرة فى الدراسات المسيحية بجامعة مانشستر فى المملكة المتحدة - والتى تتولى تنسيق معرض متجول عن مريم المجدلية لصالح المعرض الوطنى «National Gallery» والمقرر افتتاحه عام ٢٠٢٧-: «لقد جادل البعض بأنها قد تكون مريم العذراء «أم المسيح»، نظرًا لغياب العديد من الرموز أو السمات الفنية الواضحة والمألوفة، لكننى أعتقد أنها مريم المجدلية، لوجود ذلك الإناء الأبيض المصنوع من المرمر فى اللوحة». 

وتشير جولى إلى أن هذا الإناء يرتبط بتلك المرأة «الخاطئة»- التى لم يذكر اسمها- الوارد ذكرها فى الكتاب المقدس، والتى قامت بدهن قدمى المسيح بالطيب.

وترى جولى أن الأعمال الفنية التى صورت المجدلية على مر القرون، لا تقدم لنا الكثير من المعلومات عنها كشخصية حقيقية؛ إذ تقول: «إنها تخبرنا- فى رأيى على الأقل- الكثير عما أرادت الثقافات المختلفة أن تكون عليه صورة المرأة».

ظهور المسيح

رسمت الفنانة الإيطالية لافينيا فونتانا «١٥٨١»، المنتمية إلى المدرسة المانييرية «الأسلوبية وهى طراز فنى أوروبى يعود إلى القرن السادس عشر، نشأ فى إيطاليا حوالى عام ١٥٢٠»، مريم المجدلية، بثوبها الأحمر المميز. 

تعد هذه اللوحة من أوائل الصور التى رسمتها فنانة للقديسة. يقول إكليرسى: «مع أن البعض قد يبحث عن نظرة أنثوية، إلا أننا لم نتمكن من رصدها». تشير فونتانا مباشرة إلى مشهد من الكتاب المقدس، حيث ظنت مريم أن المسيح بستانى. فى اللوحة، يظهر المسيح مرتديًا زى عامل إيطاليًا تقليدى من القرن السادس عشر، قبعة واسعة الحواف وسترة.

المتأملة

تتميز نسخة الفنان جورج دو لا تور «١٦٣٥-١٦٤٠» من لوحة «المجدلية التائبة»، بطابع أكثر رقة وهدوءًا. 

تقول جولى: «يعجبنى أن لا تور يقدم لنا صورة للمجدلية تعكس عالمًا داخليًا؛ إذ نرى المرايا والشموع وغيرها من الرموز التى تشير إلى الزمن والفناء والتأمل الذاتى، دون أن يضطر الفنان إلى جعل اللوحة جذابة بطرق أخرى». 

ويمكن القول إن لوحاته ترفض التصوير التقليدى للمرأة فى الفن، بوصفها عنصرًا للزينة أو الإغراء.

المغرورة

يخلط العديد من التصورات التاريخية والمعاصرة حول شخصية المجدلية بين شخصيات مختلفة وردت فى الكتاب المقدس؛ بما فى ذلك «امرأة خاطئة» لم يذكر اسمها قامت بدهن قدمى المسيح، وامرأة زانية، ومريم من بيت عنيا. وتقول جولى: «هذا ما تطلق عليه «مؤرخة الفن» مارينا وارنر اسم «خلط شخصيات مريم»؛ حيث لا يميز الفنانون بين شخصيات مريم المختلفة، طالما أن الشخصية تؤدى الغرض المطلوب منها فى اللوحة أو القصة لإيصال فكرة معينة». 

وفى لوحة الفنان سيمون فوييه «١٦٢١»، تظهر المجدلية فى مشهد متخيل «غير وارد فى الكتاب المقدس»، وهى تجلس أمام طاولة الزينة، بينما توبخها أختها مرثا، بسبب فرط اهتمامها بمظهرها ووقوعها فى فخ الغرور.

الباكية

يصور الرسام السويسرى الفنان أرنولد بوكلين «١٨٦٧» شخصية المجدلية فى مشهد درامى وهى تقف بجوار جسد المسيح الهامد. 

فبدلًا من الالتزام بالصور التقليدية التى تظهر المجدلية إما خاضعة، أو ذات طابع جنسى صريح، يبتكر بوكلين شخصية متقدة المشاعر، منحت الحرية للتعبير عن طيف كامل من أحاسيسها، ومن ثم التعبير عن حزنها العميق على المسيح. 

ويقول إكليرسى: «إن مريم المجدلية تتقمص هنا- بشكل ما- دور مريم العذراء؛ إذ تعبر عن أقصى درجات الحزن التى يمكن أن يشعر بها المرء».

منظور آخر

يطرح تصوير الفنانة مارلين دوماس «١٩٩٦» الجنوب إفريقية لشخصية «المجدلية» بملامح عارضة الأزياء نعومى كامبل، أفكارًا متعددة فى آن واحد. 

وتقول جولى إن هذا العمل لا يكتفى بـ«طرح رؤية حول الشهرة والسمعة- وهى أمور لازمت مريم المجدلية عبر العصور- بل يدعونا أيضًا للتفكير فى كيفية ربطنا لمفهوم الجمال بالعرق». ورغم شح الأوصاف الجسدية لمريم المجدلية فى الكتاب المقدس، إلا أن الفن الغربى دأب غالبًا على تصويرها كامرأة شابة وبيضاء البشرة؛ وهنا تقدم لنا دوماس منظورًا آخر يستحق التأمل.

وتضيف جولى قائلة: «يبدو العمل وكأنه مرآة للجمهور.. تعكس صورتهم أمام المجتمع»، مشيرة إلى أن الناس غالبًا ما يشعرون بأنهم يعرفون مريم المجدلية جيدًا، رغم أن معرفتهم الفعلية بها محدودة للغاية. 

وتتابع موضحة: «ثمة علاقة (شبه اجتماعية) تربط الناس بمريم المجدلية؛ إذ تتشكل لديهم صورة عنها من خلال الثقافة الشعبية والأعمال الفنية، وهى صورة لا تستند فى الواقع إلى معرفة حقيقية بالشخصية، كما وردت فى الكتاب المقدس، ولا حتى إلى اهتمام فعلى بذلك».

التائبة

تعد صورة المجدلية فى حالة من الندم والتوبة، موضوعًا شائعًا فى تاريخ الفن؛ إذ يقول إكليرسى: «لقد أصبحت نموذجًا يحتذى به للتائبين، رجالًا ونساءً». 

وقد ربطت التقاليد الغربية- على وجه الخصوص- المجدلية تدريجيًا بالخطيئة الجنسية، وهو أمر يتضح جليًا فى العديد من اللوحات، مثل لوحة الفنان جويدو كاجناتشى «١٦٢٦-١٦٢٧»، التى تبرز فيها بوضوح سمات الرغبة الجنسية.

ورغم عدم وجود نص دينى صريح يحدد طبيعة الخطأ الذى ارتكبته تلك «المرأة الخاطئة» «التى لم يذكر اسمها»، إلا أن الكثيرين افترضوا أن خطيئتها كانت ذات طابع جنسى. 

وتقول جولى: «من الشائع جدًا سماع وصفها بأنها عاملة فى مجال الجنس، خاصة فى النصوص القديمة، رغم أننا لا نملك أى أساس حقيقى لذلك فى الوثائق الكتابية». 

وتضيف: «بالنسبة للفنانين، يمثل هذا الأمر فرصة لإضفاء طابع جرىء ومثير على صورة مقدسة؛ فهم يدركون أن بإمكانهم تصويرها بمظهر مغرٍ أو ذى إيحاءات جنسية، دون أن يواجهوا الاعتراضات التى قد تثار، لو فعلوا الشىء نفسه مع قديسين آخرين». وفى لوحة كاجناتشى، تمسك المجدلية بجمجمة، وهو رمز يستخدم غالبًا فى تاريخ الفن، للتذكير بقصر الحياة وضرورة إعداد أرواحنا للقاء الله.

الخاطئة

تُعرف لوحة الفنان ماكس بيكمان «١٩١٧» باسمين متداولين: «المسيح والخاطئة» أو «المسيح والمرأة التى ضبطت متلبسة بالزنا»؛ ويقال إنها تصور مشهدًا توراتيًا شهيرًا يمنع فيه المسيح حشدًا غاضبًا من رجم امرأة مجهولة الهوية حتى الموت «وهى قصة ارتبطت بـ«مريم المجدلية» مع مرور الوقت». وتشير جولى إلى أن الأعمال الفنية السابقة- التى صورت فيها المجدلية بطابع يبرز الجانب الجنسى بشكل مبالغ فيه- «تكشف الكثير عما كان يتخيله الناس كأسوأ صورة يمكن أن تكون عليها المرأة»؛ فى حين يقدم بيكمان تفسيرًا أكثر تسامحًا لهذه الرواية.

التحدى

تنجح الفنانة البصرية الإسبانية نيفيس جونزاليس «٢٠٢٥» فى الحفاظ على العديد من السمات المميزة لشخصية المجدلية- مثل شعرها الأشقر المائل للحمرة، وملابسها الحمراء، وحملها لجمجمة- مع إضفاء طابع عصرى على هذه الشخصية الشهيرة، عبر تصويرها وهى ترتدى جاكيت منفوخًا ضخم الحجم. 

ويرى إكليرسى أن جونزاليس «تقدم لنا شابة تتمتع بثقة عالية جدًا بالنفس»؛ إذ تتسم نظرة المجدلية الموجهة نحو المشاهد بالجرأة والثقة التى لا تعتذر عن عدم حضورها. 

وتضيف جولى قائلة: «إنه عمل يتمحور حول مفهومى الإرادة المستقلة وامتلاك الذات؛ إذ يكاد ينتابك شعور بأنها تسألك: «ما الذى تود قوله عنى؟».