مقاومة الإنتروبيا.. لماذا يغيب «التفاهم الإنسانى» الآن؟
- بيتر أيولوف أكاديمى بلغارى يعمل فى مجال الإعلام والاتصال
كتبت منذ فترة مقالًا بعنوان «إنتروبيا الأمم»، استعرت فيه مفهوم الإنتروبيا من الديناميكا الحرارية لكى أتأمل ما يحدث للدول والمجتمعات حين تضعف قدرتها على حفظ نظامها الداخلى؛ فتتآكل مؤسساتها، وتتسع المسافة بين القانون وتطبيقه، وبين السلطة والمسئولية، وبين الدولة والمواطن.
كنت أرى أن الدول، مثل الأنظمة المادية، لا تبقى متماسكة من تلقاء نفسها؛ فالنظام يحتاج دائمًا إلى طاقة تحافظ عليه، ومؤسسات تجدده، وقيم تمنحه الشرعية، ووعى يقاوم تحلله. أما إذا تُركت الدولة لقوى الإهمال والفساد والجمود، فإنها لا تنهار بالضرورة فى لحظة واحدة، بل تدخل فى مسار بطىء من التفكك، يشبه ازدياد الإنتروبيا فى الأنظمة المغلقة.
كتبت ذلك قبل أن أعرف كتاب «الثقافة المقاومة للإنتروبيا» Negentropic Culture لبيتر أيولوف، الصادر عام 2026، وهو الجزء الثانى من المجلد الثانى من مشروعه الفكرى «ثلاثية سوء التواصل».
وحين اطلعت عليه فوجئت بأن مؤلفه ينطلق من المفهوم نفسه، لكنه يطبقه على مجال آخر: كنت أبحث فى إنتروبيا الدول والمؤسسات، بينما يبحث هو فى إنتروبيا اللغة والمعنى.
لكننى أدركت أيضًا أننى كنت قد اقتربت من فكرته فى مقالين سابقين عن «اختلاف المعانى وخصام التعريفات». تناولت فى الأول كلمات التنوير والعلمانية والليبرالية، ثم تناولت فى الثانى الصهيونية والفاشية ومعاداة السامية.
فى المقالات الثلاثة كنت أقترب، من طرق مختلفة، من حقيقة واحدة: إن المجتمع قد يبدأ فى التفكك حين لا تعود كلماته تحمل معانى مشتركة، وأن إنتروبيا اللغة قد تسبق إنتروبيا الدولة.


بيتر أيولوف أكاديمى بلغارى يعمل فى مجال الإعلام والاتصال بجامعة صوفيا، حصل على درجتى ماجستير فى الأدب والسينما، ثم الدكتوراه فى الاتصال الجماهيرى، وهو ما يفسر الطبيعة المركبة لكتاباته؛ فهو لا ينظر إلى اللغة من زاوية اللسانيات وحدها، ولا إلى الإعلام بوصفه مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يربط بين اللغة والفلسفة والسياسة وعلم النفس ونظرية المعلومات والثقافة الرقمية.
وقدّم فى دراساته السابقة مفهوم «صناعة المعارضة» أو Propaganda ٢.٠، محاولًا تفسير الكيفية التى لم تعد بها الدعاية الحديثة تكتفى بصناعة التأييد والقبول، بل أصبحت قادرة أيضًا على صناعة الغضب والرفض وتوجيههما.
وفى «ثلاثية سوء التواصل» يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف أصبح الإنسان يتواصل أكثر من أى وقت مضى، بينما تتراجع قدرته على الفهم المشترك؟
أما كتاب «الثقافة المقاومة للإنتروبيا» فيحمل عنوانًا فرعيًا يلخص غايته: «ضد إنتروبيا الكلمات».

تقوم الفكرة المركزية للكتاب على مفارقة بسيطة فى ظاهرها، عميقة فى دلالتها: لم تتكلم البشرية فى أى عصر بقدر ما تتكلم اليوم، ومع ذلك لم يكن التفاهم الإنسانى أكثر هشاشة مما هو عليه الآن.
نحن نعيش وسط فيض لا ينقطع من الرسائل والتعليقات والخطب والصور والأخبار. تنتقل الكلمات فى لحظة من أقصى الأرض إلى أقصاها، ويستطيع كل إنسان تقريبًا أن يتحدث إلى العالم، لكن القدرة على الكلام لم تعد تعنى القدرة على صناعة المعنى.
الكلمات تتكاثر، بينما يتراجع الفهم.
ومن هنا يقدم الكاتب مفهومًا لافتًا هو «التقادم المخطط للغة». ففى الاقتصاد الصناعى تُنتَج بعض السلع لكى تصبح قديمة بعد مدة محدودة، فيضطر المستهلك إلى استبدالها. ويرى «أيولوف» أن شيئًا مشابهًا يحدث للكلمات فى عصرنا؛ فالشعارات السياسية والمصطلحات الإعلامية والتعبيرات الرقمية تظهر فجأة، وتملأ المجال العام، ثم تفقد معناها وتختفى لتحل محلها تعبيرات جديدة.
لم تعد الكلمة تُصنع لكى تبقى، بل لكى تنتشر.
ولم تعد وظيفتها دائمًا أن توضح الفكرة، بل أن تحشد جمهورًا، أو تثير انفعالًا، أو تستدعى رد فعل سريعًا. وهكذا تتحول اللغة من أداة للتفكير والتفاهم إلى مجموعة من الإشارات المؤقتة داخل دورات متلاحقة من التعبئة والاستقطاب.
يقسّم «أيولوف» كتابه إلى أربع مراحل فكرية..
فى القسم الأول، «الجهاز»، يبنى الأدوات النظرية التى تسمح بالنظر إلى اللغة باعتبارها نظامًا معقدًا. فكلما ازداد إنتاج الرسائل، تراكمت حولها احتمالات التفسير وسوء التفسير، حتى يصعب التمييز بين الإشارة الأصلية وما تراكم فوقها من تعليقات وتأويلات.
وفى القسم الثانى، «التطور الثانى»، يعود إلى نشأة اللغة وعلاقتها باستخدام الأدوات والتعاون الاجتماعى وتطور التفكير التكرارى؛ أى قدرة العقل على التفكير فى أفكاره، وصياغة كلام عن كلام سابق. ويرى أن الشبكات الرقمية أطلقت مرحلة تطورية ثانية للغة؛ فلم يعد الكلام يصف الواقع فقط، بل أصبح يدور حول كلام آخر، ثم يأتى تعليق على التعليق، وتفسير للتفسير، حتى تدخل اللغة فى حلقات مغلقة لا تعود فيها الكلمات تشير إلى واقع خارجى بقدر ما تشير إلى كلمات أخرى.
أما القسم الثالث، «الإنتروبولوجيا»، فيبحث فى إنتروبيا اللغة ذاتها؛ أى انتقالها التدريجى من المعنى المنظم والمشترك إلى التشتت التأويلى. كل جماعة تفهم الكلمات بطريقتها، وكل تيار يصنع قاموسه، وكل منصة رقمية تنتج سياقها الخاص. وهكذا قد يستخدم الناس الألفاظ نفسها، لكنهم لا يقصدون بها المعانى نفسها.
وحين تفقد الجماعة قدرتها على الاتفاق على معنى الكلمات لا يعود الحوار حوارًا، بل يصبح تبادلًا للأصوات. وقد تنتقل اللغة عندئذٍ من التواصل إلى سوء التواصل، ثم إلى ما يمكن تسميته «اللا تواصل»: يتكلم الجميع، ولا يسمع أحد أحدًا.
ثم يأتى القسم الرابع، «النيجنتروبيا» أو مقاومة الإنتروبيا، ليتساءل: كيف يمكن إنقاذ المعنى؟
يرى «أيولوف» أن الثقافة والتعليم والفلسفة والفن والمؤسسات القادرة على حفظ الذاكرة تمثل قوى مضادة للتفكك. وهذه المؤسسات لا توقف إنتروبيا اللغة نهائيًا، لكنها تعيد تنظيم المعنى، وتمنح الكلمات شيئًا من الثبات، وتصنع جزرًا من الفهم داخل محيط هائل من الضوضاء.
الثقافة المقاومة للإنتروبيا، إذن، ليست ثقافة ترفض التغيير، بل ثقافة تمنع التغيير من التحول إلى فقدان كامل للمعنى.

لم تكن هذه القضية غريبة عن تفكيرى، فقد كتبت من قبل عن ثلاث كلمات أصبحت فى حياتنا السياسية والثقافية ميادين للصراع: التنوير والعلمانية والليبرالية.
لم يكن ما شغلنى الدفاع عن ألفاظ بعينها، بل ما يحدث حين لا يعود المتحاورون مختلفين حول الفكرة نفسها، وإنما حول المعنى الذى يحمله كل منهم للكلمة.
قد يقول أحدهم «العلمانية» ويقصد فصل المؤسسات الدينية عن إدارة الدولة، مع احترام الدين وحرية الاعتقاد، بينما يسمعها آخر مرادفًا للإلحاد ومحاربة الدين. وقد يقول إنسان «الليبرالية» ويقصد الحرية والمساواة وحقوق المواطن، بينما يفهمها آخر بوصفها انفلاتًا أخلاقيًا أو عداءً للقيم. وقد تُستعمل كلمة «التنوير» للدلالة على إعمال العقل والخروج من الوصاية، ثم يعاد تعريفها أيديولوجيًا حتى تصبح اتهامًا بالكفر أو التنكر للهوية.
فى مثل هذه الحالات يبدو الناس وكأنهم يتجادلون حول فكرة واحدة، بينما هم فى الحقيقة يتحدثون عن معانٍ مختلفة تختبئ تحت اللفظ نفسه.
هنا لا يكون الخلاف فكريًا فقط، بل يصبح اضطرابًا فى البنية الدلالية للمجتمع. تنقسم الكلمة الواحدة إلى معانٍ متعارضة، ثم تتحول هذه المعانى إلى هويات، والهويات إلى معسكرات، وسوء التعريف إلى خصومة سياسية أو دينية قد تصل إلى الإقصاء والتكفير والعنف.
وهذا تحديدًا ما يمكن أن نسميه، بلغة أيولوف، «إنتروبيا الكلمات»: تظل الكلمة موجودة ومتداولة، لكن معناها يتفتت بين الجماعات، فتفقد قدرتها على بناء مساحة مشتركة للفهم.
كنت قد عبّرت عن ذلك بقولى إن الاسم ليس هو الحقيقة؛ فلو أطلقنا على الوردة اسمًا آخر، فلن تفقد رائحتها ولا جمالها. لكن المشكلة تبدأ عندما ننسى المعنى ونقاتل من أجل الاسم، أو عندما تستولى جماعة سياسية أو دينية على لفظ ما، وتمنحه تعريفًا مشوهًا، ثم تحاكم الآخرين وفق التعريف الذى صنعته هى.
إن التحكم فى تعريف الكلمات صورة من صور التحكم فى الوعى؛ فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى منع الناس من الكلام، فقد يكفيها أن تغير معنى الكلمات التى يتكلمون بها.

عدت إلى الفكرة نفسها فى مقال آخر تناولت فيه ثلاث كلمات أشد اشتعالًا: الصهيونية والفاشية ومعاداة السامية. وهنا لم يعد اضطراب التعريف مجرد خلاف فكرى، بل أصبح جزءًا من صراع تتداخل فيه الهوية والدين والسياسة والتاريخ والدم.
فالصهيونية ليست هى اليهودية؛ الصهيونية حركة سياسية قومية ظهرت فى أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، بينما اليهودية دين وهوية ثقافية وتاريخية أقدم منها بقرون طويلة. ولذلك وُجد يهود رفضوا الصهيونية منذ نشأتها، كما يوجد اليوم يهود يعارضون سياسات دولة إسرائيل أو يرفضون احتلال الأراضى الفلسطينية.
لكن الصهيونية نفسها لم تبقَ تعريفًا واحدًا جامدًا؛ فقد ظهرت داخلها تيارات دينية وعلمانية وعمالية وتنقيحية واستيطانية. ولذلك فإن النقد الدقيق لا يكتفى بإطلاق الاسم، بل يحدد أى تيار وأى سياسة وأى ممارسة يقصد. ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول تعدد التعريفات إلى ستار نخفى وراءه حقائق الاحتلال والاستيطان والتهجير أو تجريد الفلسطينيين من حقوقهم.
أما الفاشية، فليست مجرد شتيمة سياسية نطلقها على كل سلطة نرفضها، بل نمط للحكم والفكر يمكن التعرف إليه من خلال خصائص محددة: القومية المتطرفة، وتقديس الدولة أو الزعيم، ورفض التعددية، وإقصاء الآخر، وتمجيد القوة، وقبول العنف أداةً مشروعة لإعادة تشكيل المجتمع. ومن ثم تكون المقارنة جادة عندما نفحص السياسات وفق هذه المعايير، لا عندما نستعمل الكلمة لإغلاق باب النقاش.
وتكشف عبارة «معاداة السامية» مفارقة أكثر تعقيدًا. فمن الناحية اللغوية، تشير اللغات السامية إلى عائلة تضم العربية والعبرية والآرامية وغيرها. لكن مصطلح Antisemitism لم يُصَغ تاريخيًا للدلالة على العداء لكل الشعوب الناطقة باللغات السامية، بل ظهر فى أوروبا فى أواخر القرن التاسع عشر اسمًا حديثًا للكراهية الموجهة إلى اليهود. وهذا هو معناه الاصطلاحى المستقر، بصرف النظر عن بنائه الحرفى.
وهنا نتعلم درسًا مهمًا: لا يكفى الرجوع إلى أصل الكلمة وحده لتحديد معناها؛ فالمعنى تصنعه أيضًا ظروف النشأة وتاريخ الاستعمال والاتفاق الاجتماعى. وإلا وقعنا نحن أنفسنا فى الخطأ الذى نحذر منه، بأن نفرض على المصطلح معنى اشتقاقيًا لم يحمله فى استخدامه التاريخى.
لكن الخطر المقابل هو توسيع معنى «معاداة السامية» سياسيًا حتى يصبح كل نقد للصهيونية أو لدولة إسرائيل كراهيةً لليهود. فانتقاد حكومة أو أيديولوجيا أو احتلال أو ممارسة عسكرية ليس فى ذاته معاداة للسامية.
الفاصل الأخلاقى هنا واضح: معاداة السامية هى كراهية اليهود أو التمييز ضدهم لأنهم يهود؛ أما معارضة الصهيونية أو نقد سياسات إسرائيل فموقف سياسى، ما لم يتحول إلى تعميم عنصرى على اليهود جميعًا أو إنكار لحقوقهم الإنسانية.
وهكذا تكشف الكلمات الثلاث كيف تتحول التعريفات إلى أدوات فى الصراع: تعريف يستخدم لتبرير موقف، وآخر لإدانة خصم، وثالث لإسكات النقد. ولا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل: من يمتلك سلطة تعريفها؟

هنا أجد أن تجربتى فى التفكير تضيف إلى طرح «أيولوف» بعدًا آخر. فالكاتب يركز على تشتت المعنى بسبب كثافة الاتصال وسرعة تداول الرسائل، لكن تشتت المعنى لا يحدث دائمًا بصورة تلقائية أو بريئة؛ فقد يكون صناعة واعية.
يمكن أن نسمى ذلك «الاستيلاء السياسى على الكلمات»: أن تستحوذ قوة سياسية أو دينية أو إعلامية على تعريف المصطلح، ثم تستخدم تعريفها الخاص لمحاكمة الآخرين.
وهذا أبعد من «التقادم المخطط للغة» الذى يتحدث عنه «أيولوف»؛ إنه «التشويه المخطط للتعريف».
تُشوَّه الكلمة، ثم يتكرر التشويه، حتى يحل التعريف الدعائى محل التعريف التاريخى. وبعد ذلك لا يعود الناس يناقشون الفكرة، بل الصورة الذهنية المصنوعة عنها. وهكذا يمكن القضاء على التنوير بتعريفه إلحادًا، وعلى العلمانية بتعريفها عداءً للدين، وعلى الليبرالية بتعريفها انحلالًا، وعلى نقد إسرائيل بتعريفه كراهيةً لليهود، أو على حق اليهود فى الأمان بتصويره موافقةً بالضرورة على سياسات إسرائيل.
عندئذ لا تفقد اللغة دقتها فقط، بل تفقد براءتها أيضًا، وتتحول إلى ساحة تمارس فيها السلطة نفوذها.

تكمن قوة كتاب «أيولوف» فى أنه لا يعامل أزمة التواصل باعتبارها مجرد نتيجة للأخبار الكاذبة أو سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، بل يراها أزمة أعمق تصيب العلاقة بين اللغة والحقيقة.
فالخبر الكاذب يمكن تصحيحه، أما إذا فقدت كلمة «الحقيقة» نفسها معناها المشترك، فمن أين يبدأ التصحيح؟
وإذا أصبح كل رأى «حقيقة بديلة»، وكل واقعة «وجهة نظر»، وكل معرفة «سردية»، فإن الخطر لا يقتصر على وقوع الناس فى الخطأ، بل يمتد إلى انهيار المعيار الذى يسمح أصلًا بالتمييز بين الصحيح والخطأ.
وهنا يلتقى الكتاب مع فكرتى عن «إنتروبيا الأمم»، فالدولة لا تتفكك فقط عندما تنهار مؤسساتها المادية، بل قد يبدأ تفككها حين تفقد كلماتها العامة معناها.
عندما يصبح الدستور نصًا لا علاقة له بالممارسة، والقانون شعارًا لا يسرى على الجميع، والمواطنة لفظًا لا يحمل حقوقًا متساوية، والديمقراطية انتخابات بلا تداول حقيقى للسلطة، فإن إنتروبيا اللغة تكون قد سبقت إنتروبيا الدولة.
إن المؤسسات مبنية فى النهاية من كلمات تحولت إلى التزامات: الدستور كلمات، والقانون كلمات، والعقد الاجتماعى كلمات، والوعد السياسى كلمات. لكنها لا تصبح واقعًا إلا حين يحتفظ المجتمع باتفاقه على معناها، وتحتفظ السلطة باحترامها لما تفرضه تلك الكلمات من التزامات.
فإذا انفصلت الكلمات عن الأفعال، بدأ بناء الدولة يتآكل، حتى لو ظلت جدرانه واقفة.

مع ذلك، ينبغى التعامل بحذر مع استعارة الإنتروبيا من الفيزياء. فالإنتروبيا فى الديناميكا الحرارية مفهوم علمى دقيق، وليست مجرد مرادف للفوضى. أما استخدامها فى تحليل اللغة والثقافة والدولة فهو استخدام فلسفى يضىء بعض جوانب الواقع، لكنه لا يحول التاريخ والمجتمع إلى قوانين فيزيائية.
كذلك لا يكون النظام دائمًا خيرًا، ولا تكون الفوضى دائمًا شرًا. فقد يكون النظام استبدادًا محكمًا، وقد تحمل لحظة الاضطراب إمكان ولادة نظام أكثر عدلًا. وقد تتفكك لغة قديمة لأنها لم تعد قادرة على استيعاب واقع جديد، فيكون تفككها شرطًا للإبداع، لا علامة على الانحطاط.
لذلك ليست القضية أن نقاوم كل تغير، بل أن نميز بين التغير الذى يخلق معنى جديدًا، والتفكك الذى يجعل صناعة أى معنى مستحيلة.
فالثقافة المقاومة للإنتروبيا ليست ثقافة جامدة، ولا سلطة تفرض تعريفًا واحدًا على الجميع، وإنما ثقافة تحمى شروط الحوار: دقة المصطلح، واحترام الحقيقة، والتمييز بين الرأى والواقعة، والاستعداد لمراجعة التعريفات، والقدرة على الاختلاف من دون إلغاء المجال المشترك.

يقول «أيولوف»: «حين تتكاثر الكلمات أسرع من المعنى، يصبح الصمت الملاذ الأخير للحقيقة».
لكننى لا أظن أن الصمت وحده يكفى. فالصمت قد يحمى الحقيقة من الابتذال، لكنه لا يستطيع أن يعيد بناء المجال العام.
نحن نحتاج إلى كلام أقل ضجيجًا وأكثر مسئولية، وإلى تعليم لا يكتفى بتلقين الكلمات، بل يدرب العقل على فحص معانيها، وإلى إعلام يدرك أن مهمته ليست زيادة عدد الرسائل، بل تقليل المسافة بين المعلومة والفهم.
نحتاج إلى ثقافة تستعيد قيمة التمهل والدقة والسياق والذاكرة والإصغاء. ثقافة لا تمنع تعدد التفسيرات، لكنها تمنع التفسير من الانفصال الكامل عن الحقيقة، ولا تجعل الاتفاق شرطًا للحوار، لكنها تجعل فهم ما يقصده الآخر شرطًا للاختلاف معه.
لقد كتبت عن إنتروبيا الأمم قبل أن أعرف كتاب بيتر أيولوف، وكتبت عن خصام التعريفات قبل أن أقرأ حديثه عن إنتروبيا الكلمات. ثم جاء الكتاب ليكشف لى أن هذه المسارات لم تكن منفصلة.
فإنتروبيا الكلمات قد تكون بداية إنتروبيا المجتمع، وإنتروبيا المجتمع تمهد لإنتروبيا الدولة. وحين تفقد الكلمات معناها، تفقد المؤسسات شرعيتها، ويتحول الوطن إلى أصوات متنافسة لا يجمعها عقد ولا حقيقة مشتركة.
وربما تبدأ مقاومة انهيار الأمم من مكان يبدو صغيرًا: أن نستعيد احترام الكلمة.
فالحضارات لا تسقط فقط عندما تعجز عن إنتاج القوة أو الثروة، بل قد يبدأ سقوطها عندما تظل تتكلم طويلًا، من دون أن يعود أحد قادرًا على فهم ما تقول.






