الأحد 27 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

روايات سبقت عصرها.. مكتبة منتصف الليل.. هل سنكون أسعد لو عشنا حياة أخرى؟

حرف

- من الحكمة أن نزور الماضى لنتعلم منه لا لكى نقيم فيه

بعدما كتبت مقال «تعالوا نعيش» تذكرت هذا الكتاب فعدت إليه وذكرتنى به صديقة عزيزة..هناك سؤال يزور معظمنا كلما تقدم بنا العمر، وربما يزورنا أكثر مما نعترف:

ماذا لو؟

ماذا لو اخترت تخصصًا آخر؟

ماذا لو تزوجت شخصًا آخر؟

ماذا لو لم أترك ذلك العمل؟

ماذا لو سافرت عندما أتيحت لى الفرصة؟

ماذا لو قلت «نعم» بدلًا من «لا»، أو قلت «لا» حين قلت «نعم»؟

إنهما كلمتان صغيرتان، لكنهما قد تفتحان بابًا لا نهاية له من الاحتمالات.

وقد اكتشفت، وأنا أقرأ رواية The Midnight Library — مكتبة منتصف الليل للكاتب البريطانى Matt Haig، أن الرواية كلها تقريبًا مبنية على هاتين الكلمتين.

ولكنها ليست، فى تقديرى، رواية عن الاحتمالات بقدر ما هى رواية عن الندم؛ ذلك الشعور الإنسانى الغريب الذى يجعلنا أحيانًا نتألم لا بسبب ما حدث لنا، بل بسبب ما نتخيل أنه كان يمكن أن يحدث لو اخترنا طريقًا آخر.

وهنا تكمن عبقرية الفكرة.

مات هيغ كاتب وروائى بريطانى معاصر، كتب الرواية والمقال وأدب الأطفال، لكن جانبًا مهمًا من كتاباته ظل يدور حول أسئلة القلق والاكتئاب والوحدة ومعنى البقاء حيًا.

ولعل أشهر كتبه إلى جانب The Midnight Library كتابه Reasons to Stay Alive، وعنوانه فى حد ذاته يكشف الكثير عن العالم الفكرى الذى يشغله: لماذا نستمر فى الحياة عندما تبدو لنا الحياة نفسها بلا معنى؟

ولذلك فإن مكتبة منتصف الليل، المنشورة عام ٢٠٢٠، لا تبدو لى مجرد فكرة روائية ذكية، بل امتدادًا لسؤال ظل يطارد مؤلفها:

ما الذى يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟

بطلة الرواية هى Nora Seed، امرأة تشعر فى لحظة من حياتها أن كل شىء قد فشل.

أحلام لم تتحقق، علاقات انتهت، فرص ضاعت، وأشخاص تعتقد أنها خذلتهم.

تنظر خلفها فلا ترى حياتها كما نراها نحن عادة، مجموعة من النجاحات والإخفاقات، بل تراها سلسلة طويلة من الأخطاء.

وتصل إلى نقطة تفقد عندها الرغبة فى الاستمرار.

لكنها، فى المنطقة الغامضة بين الحياة والموت، تجد نفسها فى مكتبة لا نهائية.

إنها مكتبة منتصف الليل.

على رفوفها عدد لا نهائى من الكتب، لكن هذه الكتب لا تحكى حياة الآخرين.

إنها تحكى حيواتها هى.

كل كتاب يمثل حياة كان يمكن أن تعيشها لو أنها اتخذت قرارًا مختلفًا فى لحظة ما.

لو استمرت فى السباحة.

لو اختارت عملًا آخر.

لو بقيت مع شخص تركته.

لو انتقلت إلى بلد آخر.

لو حققت حلمًا تخلت عنه.

وتُمنح نورا شيئًا لا يُمنح لأى إنسان فى الواقع: فرصة أن تدخل هذه الحيوات بالفعل، وأن تعرف ماذا كان سيحدث لو اختارت الطريق الآخر.

وهنا تبدأ الرواية الحقيقية.

ليست رحلة بين الأكوان بقدر ما هى رحلة داخل النفس البشرية.

نحن نعرف الطريق الذى سلكناه فقط

وأثناء القراءة توقفت أمام فكرة أراها أعمق من أحداث الرواية نفسها.

نحن نحكم على الطريق الذى سلكناه بمعرفة كاملة تقريبًا.

نعرف إخفاقاته وخيباته وآلامه وأثمانه.

لكننا عندما نتخيل الطريق الذى لم نسلكه، فإننا نتخيله عادة من خلال أجمل احتمالاته.

وهنا نقع فى ظلم كبير لأنفسنا.

نقارن واقعًا كاملًا بخيال ناقص.

نقول:

لو تزوجت فلانًا لكنت أسعد.

لو قبلت ذلك العمل لكنت أكثر نجاحًا.

لو سافرت لكنت أكثر ثراءً.

لكننا لا نعرف الزوج الآخر فى الحياة اليومية، ولا المرض الذى ربما كان سيحدث، ولا الوحدة التى قد تصاحب النجاح، ولا الخسارة المختبئة خلف الثروة.

نحن نرى مكاسب الحياة البديلة، ولا نرى أثمانها.

ولهذا فإن الندم، رغم ضرورته أحيانًا للتعلم، قد يتحول إلى خدعة ذهنية قاسية:

أن نحاكم حياتنا الحقيقية أمام حياة خيالية لم تُختبر قط.

مأساة الإنسان وامتيازه..

وهنا وصلت إلى فكرة أعتقد أنها قلب الرواية بالنسبة لى:

مأساة الإنسان ليست أنه يعيش حياة واحدة، بل إنه يستطيع أن يتخيل آلاف الحيوات التى لم يعشها.

الحيوان يعيش حياته.

أما الإنسان فيعيش حياته، ويتخيل فى الوقت نفسه الحيوات التى كان يمكن أن يعيشها.

وهذا من مصادر عبقريته، لكنه أيضًا من مصادر عذابه.

فالخيال الذى يصنع الفن والعلم والحضارة هو نفسه الذى يستطيع أن يصنع الندم.

والوعى الذى يسمح لنا بتصور المستقبل يسمح لنا أيضًا بإعادة بناء الماضى على صورة أكثر جمالًا مما كان يمكن أن يكون عليه.

مات هيغ
مات هيغ

قادنى ذلك إلى الفيلسوف الدنماركى سورين كيركغارد، الذى جعل القلق جزءًا أساسيًا من فهم الحرية الإنسانية.

فالقلق عنده لا ينشأ فقط من الخوف مما سيحدث، وإنما من إدراك الإنسان أنه كان يستطيع أن يختار شيئًا آخر.

كلما تعددت الإمكانات، ازدادت الحرية، ولكن يزداد معها القلق.

وكأن الإنسان يقف أمام أبواب كثيرة مفتوحة، ولا يعرف أيها يقوده إلى الحياة التى يريدها.

مكتبة منتصف الليل تحول هذا المعنى الفلسفى إلى مكان مادى.

رفوف لا تنتهى.

كتب لا تنتهى.

حيوات لا تنتهى.

وفى البداية يبدو ذلك حلمًا رائعًا.

لكن السؤال يصبح:

هل الحرية المطلقة نعمة فعلًا؟

أم أن جزءًا من قيمة الحياة يأتى تحديدًا من أننا لا نستطيع أن نعيش كل الاحتمالات؟

ثم يأتى جان بول سارتر ليضع علينا مسئولية أكبر.

فالإنسان، فى الفلسفة الوجودية، ليس مجرد ما حدث له، وإنما هو أيضًا ما يختاره أن يفعل بما حدث له.

والحرية هنا ليست دائمًا هدية مريحة.

إنها عبء.

لأن الاختيار يعنى المسئولية.

وكلما قلنا إن الظروف وحدها صنعت حياتنا، ربما نحاول أحيانًا أن نهرب من حقيقة أصعب: أننا شاركنا، بدرجات متفاوتة، فى صنعها.

لكننى أختلف مع القراءة المتطرفة لهذه الفكرة.

فالإنسان ليس حرًا حرية مطلقة.

هناك ميلاد لم نختره، وأسرة لم نخترها، وجينات لم نخترها، وبلد وزمان وظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية قد تفرض حدودها علينا.

لكن داخل هذه الحدود تبقى هناك مساحة للاختيار.

وقد تكون كرامة الإنسان موجودة تحديدًا فى هذه المساحة.

أما نيتشه فيأخذنا إلى اختبار أكثر قسوة وجمالًا فى الوقت نفسه: فكرة العود الأبدى.

تخيل أن يأتيك من يقول لك إنك ستعيش حياتك نفسها مرة أخرى، بكل تفاصيلها، وبكل أفراحها وأخطائها وآلامها، ثم تعيشها مرة أخرى إلى الأبد.

كيف سيكون ردك؟

هل ستعتبر ذلك لعنة؟

أم تستطيع أن تقول نعم لهذه الحياة كما كانت؟

لا أقرأ فكرة نيتشه هنا باعتبارها نظرية فيزيائية عن الزمن، وإنما باعتبارها اختبارًا فلسفيًا للقبول بالحياة.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا عن سؤال نورا فى بداية الرواية.

بدلًا من:

أى حياة أخرى كان ينبغى أن أعيشها؟

يصبح السؤال:

هل أستطيع أن أقبل الحياة التى عشتها، ثم أواصل صنع ما بقى منها؟

وهذا فى تقديرى سؤال أكثر نضجًا.

بعد كل حياة تجربها نورا نكتشف شيئًا بسيطًا وعميقًا فى آن واحد:

ليس هناك طريق بلا خسائر.

فالحياة التى تحقق فيها نجاحًا قد تفقد فيها شيئًا آخر.

والحياة التى تحصل فيها على الحب قد تحمل ألمًا لم تتوقعه.

والاختيار الذى يبدو من الخارج مثاليًا قد يخلق سلسلة كاملة من النتائج التى لم تكن فى الحسبان.

وهنا أعتقد أن الرواية تقترب من حقيقة إنسانية مهمة:

الحياة المثالية ربما لا توجد.

ليس لأن الحياة سيئة، بل لأن الحياة مركبة.

فكل اختيار هو فى الوقت نفسه تنازل عن اختيار آخر.

وكل «نعم» كبيرة فى حياتنا تحمل داخلها عددًا من كلمات «لا».

ولو استطعنا أن نعيش كل الحيوات الممكنة، فقد نفقد أصلًا معنى الاختيار.

محدودية الحياة هى التى تمنحها قيمتها

وهنا أذهب خطوة أبعد من الرواية.

نحن عادة نعتبر محدودية الحياة مأساة.

لدينا عمر واحد.

جسد واحد.

زمن محدود.

ولا نستطيع العودة إلى الوراء.

لكن ماذا لو كانت هذه المحدودية نفسها هى التى تمنح الحياة قيمتها؟

لو كان أمامنا عدد لا نهائى من الحيوات، لكان من الممكن تأجيل كل شىء.

أحبك فى الحياة المقبلة.

أعتذر لك فى حياة أخرى.

أكتب الكتاب لاحقًا.

أسافر فى نسخة أخرى منى.

أبدأ المشروع فى عالم موازٍ.

لكن لأن لدينا حياة واحدة، تصبح اللحظة ذات قيمة.

وتصبح كلمة «أحبك» مهمة لأنها قد لا تتكرر.

ويصبح الاعتذار ضروريًا لأن الزمن لا يعود.

ويصبح القرار ذا معنى لأننا ندفع ثمنه.

الفناء لا يسلب الحياة معناها فقط؛ ربما هو الذى يمنحها جانبًا كبيرًا من معناها.

وقد يُفهم الكتاب بسهولة باعتباره دعوة إلى الرضا بالحياة التى نعيشها.

لكننى لا أحب هذا التفسير إذا كان الرضا يعنى الاستسلام.

لا أريد للإنسان أن يقول: هذه حياتى وقد انتهى الأمر.

فالرضا عن الماضى شىء، والتوقف عن صناعة المستقبل شىء آخر تمامًا.

يمكننى أن أتصالح مع اختياراتى السابقة، وفى الوقت نفسه أقرر أن أغير حياتى غدًا.

يمكننى أن أقبل أخطائى دون أن أكررها.

ويمكننى أن أحب ما حققته دون أن أفقد الرغبة فى تحقيق المزيد.

لذلك أرى أن الرسالة الأعمق ليست:

ارضَ بما لديك.

بل:

لا تجعل ما لم تفعله بالأمس يمنعك مما تستطيع أن تفعله غدًا.

ومع تقدم العمر..

وربما هنا وجدت أكثر ما مسنى شخصيًا فى الرواية.

فى الشباب نسأل:

أى حياة سأختار؟

ومع تقدم العمر قد يتحول السؤال إلى:

هل اخترت الحياة الصحيحة؟

وأرى أن السؤالين ناقصان.

فلا أحد يعرف فى بداية الطريق أين سينتهى، ولا يستطيع فى نهايته أن يعود ليختبر الطرق الأخرى.

لذلك ربما يكون السؤال الأكثر حكمة:

ماذا سأفعل بالحياة التى ما زالت أمامى؟

فالإنسان ليس سيرته الذاتية فقط.

ليس الوظائف التى شغلها، ولا المناصب التى وصل إليها، ولا النجاحات التى حققها، ولا حتى الأخطاء التى ارتكبها.

الذات ليست متحفًا للماضى.

الذات مشروع مستمر ما دامت الحياة مستمرة.

وهنا التقت مكتبة منتصف الليل عندى مع فكرة شغلتنى كثيرًا فى الفترة الأخيرة:

أن تعيش هو أن تسعى.

أن تشعر.

أن تحب.

أن تتعلم.

أن تكتشف.

أن تغير رأيك.

أن تبدأ مشروعًا جديدًا.

أن تفشل مرة أخرى إذا كان الفشل ثمن المحاولة.

وأن تستيقظ فى الصباح وفى ذهنك شىء لم تنتهِ منه بعد.

فالخطر الحقيقى ليس أن تكون قد اخترت طريقًا خاطئًا منذ عشرين أو أربعين عامًا.

الخطر أن تقنع نفسك اليوم بأن الطرق قد انتهت.

مكتبة منتصف الليل فى الرواية مكان خيالى يقع بين الحياة والموت.

لكننى أعتقد أن لكل واحد منا مكتبة منتصف ليل خاصة به.

إنها الذاكرة.

على رفوفها أشخاص أحببناهم.

وفرص ضاعت.

وأبواب أغلقناها.

وكلمات قلناها ونتمنى لو لم نقلها.

وكلمات لم نقلها ونتمنى لو قلناها.

وأحلام تحققت وأخرى بقيت على الرف.

وقد نقضى ما تبقى من العمر نتجول فى هذه المكتبة نسحب كتابًا بعد الآخر ونسأل:

ماذا لو؟

لكن الحياة ليست داخل المكتبة.

الحياة خارجها.

الحكمة ليست أن نمحو الندم؛ فالندم جزء من الوعى، وقد يكون معلمًا عظيمًا.

لكن الحكمة ألا نجعله سجنًا.

أن نزور الماضى لنتعلم منه، لا لكى نقيم فيه.

وأغلقت الكتاب..

عندما أغلقت The Midnight Library شعرت بأن الرواية بدأت من الموت لكى تتحدث عن الحياة.

بدأت من اليأس لكى تصل إلى الإمكان.

وبدأت بسؤال:

أى حياة كان ينبغى أن أعيشها؟

لكنها تركتنى أمام سؤال آخر أراه أهم:

ماذا سأفعل بالحياة التى ما زالت أمامى؟

ربما لم نختر كل ما حدث لنا.

وربما أخطأنا فى بعض ما اخترناه.

وربما لو عاد بنا الزمن لاخترنا أشياء بطريقة مختلفة.

لكن الزمن لا يعود.

ولعل جمال الحياة ليس فى أن نعيش كل الاحتمالات، وإنما فى أن نمنح الاحتمال الذى أصبح حياتنا أكبر قدر ممكن من المعنى.

فنحن لا نملك مكتبة سحرية تسمح لنا بتجربة الحيوات التى لم نعشها.

ولكن ما دام هناك صباح آخر، وفضول لم ينطفئ، وإنسان نستطيع أن نحبه، وفكرة نستطيع أن نكتبها، وعمل لم ننجزه، وحلم صغير أو كبير لم نتخلَّ عنه بعد..

فما زال هناك كتاب مفتوح.

وما زالت هناك صفحة لم تُكتب.

وما دمنا نستطيع أن نكتب الصفحة التالية، فإن السؤال ليس: لماذا لم أعش حياة أخرى؟

بل: كيف أعيش هذه الحياة.. حتى آخر صفحة؟