الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عُقدة خليفة «النجيب».. لماذا لا يفوز أدونيس بـ«نوبل»؟

حرف

- يُرشح منذ نصف قرن تحت ضغوط «مواقع المراهنات» حتى صار جزءًا من قاموس الجائزة السنوى

- لا يوجد إثبات على ترشيحه رسميًا لأن القوائم تظل سرية لـ50 عامًا

- ظروف فوز وخصوصية تجربة نجيب محفوظلن تتكرر بالضرورة مع كاتب آخر 

انتهى موسم «نوبل» للآداب لعام 2026 بإعلان فوز الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بالجائزة، عن أعمال وصفتها الأكاديمية السويدية بأنها جريئة ومبتكرة، وتقيم حوارًا مع التراث الكلاسيكى وتبتكر أشكالًا جديدة للأدب المعاصر.

كما انتهى مع الإعلان، مرة أخرى، الانتظار العربى السنوى لاسم أدونيس؛ الشاعر الذى يكاد يكون قد أصبح جزءًا ثابتًا من موسم التكهنات بـ«نوبل»، حتى صار الحديث عن فرصه فى الفوز يتكرر فى كل شهر أكتوبر.

ويمكننا القول إنه لا أحد خارج الأكاديمية السويدية يستطيع أن يقدم إجابة قاطعة عن سؤال «لماذا لم يفز أدونيس؟»؛ لأن الترشيحات الرسمية للجائزة وما دار حولها تظل سرية لعقود حسب قواعد الجائزة، وبالتالى ما نقرأه كل عام عن «المرشحين» ليس بالضرورة قائمة الترشيحات الرسمية، وإنما خليط من التوقعات والتكهنات وقوائم المراهنات. 

أدونيس
أدونيس

والمحصلة أن اسم أدونيس ظل حاضرًا بقوة فى هذه الدائرة لسنوات طويلة، حتى وصفه البعض بأنه «المرشح العربى الدائم» للجائزة، ومع كل إعلان للفائز، تنهال إما اللطميات على عدم فوزه، أو السخرية من اسمه الذى يحمل خلفه منجزًا تاريخيًا فى العطاء الأدبى والنقدى.

فلماذا ننتظر أدونيس كل عام؟ ولماذا أصبح عدم فوزه خبرًا يحتاج إلى تفسير، بينما لا نعرف أصلًا إن كان موجودًا فى دائرة ترشيحات الأكاديمية؟ ولماذا نجعله- ربما رغمًا عنه- مسئولًا عن تحقيق أحلامنا الساذجة بـ«نوبل عربية ثانية»؟!

بداية ترشيح أدونيس لجائزة نوبل ليست وليدة اللحظة الراهنة، فقبل أكثر من ٢٥ عامًا وهو ضيف دائم على قوائم التوقعات والمراهنات حتى صار جزءًا من قاموس الجائزة السنوى.

وكل هذا مرتبط بأسئلة طبيعية يوجهها المتابعون فى أكتوبر من كل عام، مثل من سيفوز؟ وهل يكون العام عام شاعر أم روائى؟ وهل تذهب الجائزة إلى كاتب من منطقة جغرافية لم تصلها من قبل؟

وبين عشرات الأسماء التى تتغير من عام إلى آخر، بقى أدونيس حاضرًا فى المشهد بدرجات متفاوتة، ففى عام ٢٠٠٣، على سبيل المثال، تصدر اسمه توقعات عدد من النقاد والمراهنين على الجائزة، وقدمته تقارير صحفية باعتباره أحد أبرز المرشحين.

واستمر الأمر على ذلك المنوال، خلال السنوات التالية حتى عام ٢٠١٠، الذى شهد بالفعل دعوات ومقالات أدبية عديدة تناقش صراحة أحقية أدونيس بالجائزة، وفى ٢٠١١ تصدر بالفعل القوائم فى شركة المراهنات البريطانية Ladbrokes، ووصفه تقرير فى The Guardian بأنه «مرشح دائم» فى السنوات السابقة، بل ذهب الحديث فى ذلك العام إلى حد اعتباره المرشح الأوفر حظًا والأكثر استحقاقًا.

والمفارقة هنا هو إصرار البعض على أن أدونيس مرشح، رغم عدم وجود أى إثبات رسمى على ذلك، فكل ما يُتداول كل عام عن «مرشحى نوبل» ليس قائمة رسمية تكشفها الأكاديمية السويدية، لأن تلك القائمة لا تُكشف بالأساس للجمهور وتظل سرية لمدة ٥٠ عامًا حسب القواعد المنصوص عليها فى موقع الجائزة؛ وبالتالى، من أين جاء كل هؤلاء المتابعين باسم أدونيس أصلًا؟!

وهكذا نشأت حول أدونيس حالة خاصة، ليصبح الرجل الذى لا نعرف على وجه اليقين عدد المرات التى ترشح فيها رسميًا- إن كان قد ترشح أصلًا- واحدًا من أكثر الأسماء رسوخًا فى الذاكرة الجماهيرية لموسم الترشيحات نفسه، وأصبح وجود اسمه فى التوقعات حدثًا سنويًا قائمًا بذاته.

لكن لو سألت كل المشاركين فى هذا الزخم سواء من المؤيدين أو الرافضين لترشيحه: «هل تعرفون حقًا منجز أدونيس؟ وهل كونتم تقييمًا حقيقيًا بناء على قراءة جادة لكتبه؟»، فما شكل الإجابة التى سنحصل عليها؟!

وربما ارتبط حضور أدونيس أيضًا بأمنية ثقافية عربية أوسع وهو أن تستعيد نوبل صلتها بالأدب العربى، بعد عقود من فوز نجيب محفوظ عام ١٩٨٨، وأن يظهر اسم عربى جديد فى قائمة الفائزين. لذلك فجزء من الإلحاح على فوزه يبدو تعبيرًا عن رغبة فى تعويض نقص رمزى؛ كأن فوز شاعر عربى سيعيد الاعتبار لأدب، نرى أنه لا يحظى فى الغرب بالحضور والانتشار اللذين يستحقهما. هذا الإلحاح يحدث فى ظل تساهل أو يمكن تسميته تواطؤ، مع العجز الكامل للأدب العربى الحالى فى صناعة مكانة وحضور دولى وعالمى، سواء عبر الترجمة أو النشر أو النقد، فنحن لا نسأل أنفسنا، هل أصلًا لدينا الأدب الحقيقى المؤهل أو الذى نتشرف أن يصل إلى القراء والمؤسسات الثقافية من خارج لغتنا العربية. ولا شك أن فوز «محفوظ» ساعد على تكريس فكرة «العربى الثانى»، بمنطق «اللى عملها مرة يعملها أكتر من مرة»، غير أن الظروف التى أحاطت بفوز «محفوظ» بما تحتويه من خصوصية تجربته الروائية، ومسار وصول أعماله إلى القراء بلغات أخرى، وسياق تلقى الأدب العالمى له حينها، لا يمكن افتراض تكرارها تلقائيًا مع كاتب آخر، ولا تكفى الجائزة السابقة وحدها لتأسيس توقع بأن يأتى بعدها فائز عربى، كما لا يمكن افتراض أن مسار أدونيس الأدبى والدولى يطابق مسار «محفوظ» أو يستجيب للشروط نفسها.

هذه هى حقيقتنا الآن كعالم عربى يحترف «المبالغة» و«اللطميات»، ففوز أدونيس فى نظر البعض، تعويض عن غياب عربى، أما خسارته المتكررة فهى إما مؤامرة على العرب أو قدح فى منجز الرجل نفسه أو ذم فى منظومة الأكاديمية السويدية.

لا أحد يمكن أن يشكك فى امتلاك أدونيس حضورًا طاغيًا فى المشهد الأدبى العالمى وليس العربى فقط؛ حيث تُرجم شعره إلى لغات عدة، وارتبط مشروعه منذ عقود بأسئلة الحداثة الشعرية، وعلاقته بالتراث العربى، وحدود القصيدة ومفهومها، كما امتد حضوره إلى النقد والفكر والترجمة، وبالتالى فإن استمرار وجود اسمه فى موسم التوقعات لم يأتِ من فراغ.

لكن «نوبل» لا تمنح جائزة لما يمكن اختزاله فى «الأهمية» وحدها، لأن الجائزة، كما تنص وصية ألفرد نوبل، تُمنح لمن قدم «أبرز عمل فى اتجاه مثالى»، وهى صياغة واسعة تركت للأكاديمية مساحة كبيرة فى تفسيرها وتطبيقها. 

ومع مرور السنوات، كشفت اختيارات الجائزة غير المتوقعة والغريبة أحيانًا، عن تنوع هائل فى الأجناس الأدبية، واللغات، والمناطق الجغرافية، والأجيال، والمشروعات الفنية؛ الأمر الذى يجعل تحويل الجائزة إلى معادلة ثابتة من نوع «هذا الكاتب مهم، إذن يجب أن يفوز» تبسيطًا غير حقيقى لطبيعة الاختيار.

وبسبب ذلك ظهرت مشكلة أخرى فى حالة أدونيس تحديدًا، فربما يكون تكرار اسمه قد صنع توقعًا أكبر من المعلومات المتاحة عنه، لأنه حين يتكرر الاسم عامًا بعد عام فى الصحافة وقوائم المراهنات، يتحول «احتمال الفوز» بمرور الوقت إلى ما حقيقة مستقرة فى الوعى العام. 

ومع كل موسم جديد، لا يعود سؤال «هل يمكن أن يفوز؟» وإنما «لماذا لم يفز حتى الآن؟» وكأن الجائزة حق مؤجل له، لا قرار أدبى تتخذه مؤسسة وفق معاييرها الخاصة.

وقد يكون من الخطأ أيضًا البحث عن «سبب عربى» جاهز لعدم فوزه؛ كأن الجائزة تتعمد تجاهل الأدب العربى، أو كأن وجود نجيب محفوظ على قائمة الفائزين يفرض بالضرورة أن يأتى بعده شاعر عربى آخر، لأن كل هذه استنتاجات أكبر من المعطيات التى لا نملكها أصلًا فى عالمنا العربى، الذى بالكاد يعرف مثقفوه الشاعرة الفائزة هذا العام، وهى آن كارسون.

نحن بالفعل لا نعرف شيئًا عن «أُسطوات» الكتابة الأدبية فى الغرب رغم كل ما نمتلكه من وسائل اتصالات حديثة وقدرة رقمية هائلة على ترجمة أى أعمال أجنبية.

وفى المقابل، فإن غياب فائز عربى ثانٍ منذ نجيب محفوظ يظل ظاهرة وحقيقة ثقافية تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها دليلًا على مؤامرة أو انحيازًا كما يفترض البعض، وإنما كسؤال مشروع عن مدى حضور الأدب العربى الآن فى المشهد الأدبى العالمى، وعن مدى وصوله وترجمته وتلقيه خارج لغته.

فربما إذا أردنا فعلًا أن ننصف أدونيس، أن نقرأ تجربته باعتبارها تجربة أدبية مستقلة وليس من خلال ما ينقصها من الجوائز؟ لأن «نوبل» فى النهاية ليست معيارًا نهائيًا للقيمة.

إذا وضعنا «نوبل» جانبًا للحظة، لن نسأل لماذا لم يفز أدونيس بل ماذا قدم للشعر العربى حتى صار اسمه حاضرًا فى النقاش حول واحدة من أكبر الجوائز الأدبية فى العالم.

منذ بداياته، ارتبط مشروع أدونيس بمحاولة زحزحة الحدود المستقرة للقصيدة العربية، وإعادة النظر فى علاقتها باللغة والتراث والتاريخ، حيث رأى التراث أكبر من نموذج مكتمل ينبغى تكراره، وإنما مادة للحوار والتأويل وإعادة البناء. 

ومن هنا جاء حضوره فى قلب نقاشات الحداثة الشعرية العربية، بما أثاره شعره وكتاباته النقدية من أسئلة حول شكل القصيدة ووظيفتها، وحدود الموروث، وإمكانات التجديد.

وعلى امتداد عقود، لم يقتصر حضوره على الشعر، بل امتد إلى النقد والفكر، ليصبح واحدًا من أكثر الأسماء تأثيرًا، ولعل كتابه «الثابت والمتحول.. بحث فى الإبداع والتابع عند العرب» واحد من درر الثقافة العربية التى أثارت الجدل والزخم. ولا يعنى ذلك أن تجربة أدونيس فوق النقد، أو أن مكانته تمنحه حصانة من الاختلاف معه، فقد ظلت أفكاره ومواقفه موضع نقاش واعتراض، سواء فى تصوره للتراث العربى الإسلامى، أو فى آرائه السياسية والفكرية. 

لكن هنا تحديدًا ينبغى التمييز بين نقد مشروعه الأدبى ومناقشة مواقفه، وبين اختزال الاثنين فى أحكام ساخرة لا تترك مساحة لقراءة منصفة، لأن الاختلاف مع الشاعر لا يلغى ضرورة التعامل الجاد مع منجزه، كما أن تقدير شعره لا يُلزم أحدًا بالموافقة على مواقفه.

وتطفو تلك الظاهرة على السطح فى موسم نوبل، حيث يقدَّم أدونيس قبل إعلان النتيجة، باعتباره أملًا عربيًا كبيرًا واسمًا قادرًا على استعادة حضور الأدب العربى فى الجائزة، لكن ما إن يذهب الفوز إلى كاتب آخر حتى تنقلب النبرة فى بعض التفاعلات إلى السخرية من أدونيس نفسه، وكأن عدم الفوز كشف فجأة عن انعدام قيمته أو عن وهم المكانة التى حظى بها. 

وتتداخل فى هذه السخرية أسباب مختلفة؛ منها خيبة التوقعات المتكررة، ومنها خلافات سياسية وأيديولوجية سابقة معه، ومنها ببساطة ثقافة «التعليق السريع» والخفّة التى تحوّل كل حدث إلى مادة للتندر.

ولا يصح، بالطبع، رد كل نقد لأدونيس إلى خصومة سياسية أو أيديولوجية؛ فهناك اعتراضات أدبية وفكرية جدية على مشروعه تستحق المناقشة، لكن من المشروع أيضًا التساؤل عما إذا كانت بعض موجات السخرية من عدم فوزه تتعلق بالجائزة فعلًا أم أنها تجد فى المناسبة فرصة لتصفية خلافات أقدم مع الشاعر ومواقفه.

ربما آن الأوان لأن نخرج أدونيس من موسم نوبل، ونعود إلى كتبه؛ أن نقرأ شعره ونقده، ونختلف مع أفكاره ومواقفه إن شئنا، لكن عبر قراءة جادة لا عبر أحكام تصنعها نتيجة جائزة، فاستعادة منجزه لا تعنى تحويله لـ«إله عجوة»، بل إنصافه بالقراءة ووضع تجربته فى سياقها الأدبى والفكرى.