الجمعة 04 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

كرادلة «الخالدين».. تمخض مجمع اللغة العربية فولد «فسْبكة»!

حرف

- قرارات المجمع بتعريب كلمة Facebook تثير موجة سخرية على مواقع التواصل

- الكلمة نفسها أجنبية أعجمية ولا تحتاج لاستخراج بدائل واشتقاقات جديدة

- حين يقرأ الناس «عزيزى الفُسْبُكى» أو «لنُفسبك قليلًا» فرد الفعل الطبيعى «الضحك»

- إذا أراد المجمع استعادة ثقة الناس فعليه أن يربط اللغة بحياة الناس اليومية

«عزيزى الفُسْبُكى، أصدقائى الفسابكة، ما رأيكم أن نُفسبك قليلًا على الفُسْبُك؟».. للوهلة الأولى قد يظن القارئ أن هذه الجملة الساخرة مجرد تعويذة أو دعابة لغوية، لكنها فى الحقيقة الصياغة التى يقترحها مجمع اللغة العربية للتعامل مع مصطلح Facebook ومشتقاته، وفق آخر قراراته المنشورة على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعى.

المفاجأة أن هذه القرارات ليست جديدة، بل تعود إلى عام 2014 حين أقرّ المجمع تعريب كلمة Facebook  إلى «فُسْبُك» واشتق منها أفعالًا وأسماء مثل «فَسْبَكَ» و«الفُسْبُكى» و«الفُسْبُكة».

ولم يتوقف الأمر عند «فُسْبُك»، إذ بعد ساعات فقط نشر المجمع قرارًا آخر يتعلق بفعل «دَبَّسَ»، كمشتق من «تدبيس» أجاز فيه استعمالها كدلالات حديثة لمعان، مثل «أوقعه فى أمر لا يستطيع الهروب منه»، و«تخلّى عنه ليحتمل التبعة وحده»، و«غشّه وخدعه»، وهو القرار الذى تبين أنه صادر أصلًا عام 1994. غير أن إعادة نشر تلك القرارات فجّرت موجة واسعة من التعليقات الساخرة والانتقادات، حيث اتهم كثيرون المجمع بالانفصال عن الواقع، ورأوا أن محاولته لإظهار مواكبته العصر انتهت إلى اشتقاقات هزلية، وكأنه أقرها بمنطق أقرب إلى فكرة «أنا شعبى أكتر من الشعب»، متناسيًا دوره الأساسى فى حماية اللغة العربية وترسيخها فى وعى الأجيال.

من يتأمل الاشتقاقات التى أعلنها مجمع اللغة العربية لتعريب كلمة Facebook إلى «فُسْبُك» وما تفرع عنها من أفعال وأسماء مثل «فَسْبَكَ» و«الفُسْبُكى» و«الفُسْبُكة»، يدرك أن القضية أكبر من مجرد اجتهاد لغوى، وأنها تعكس أزمة أعمق يعيشها الكيان العريق.

فكلمة Facebook نفسها أجنبية أعجمية ودخلت إلى حياتنا الرقمية كما هى، وتعارف عليها الناس عالميًا دون حاجة إلى إعادة صياغة أو اشتقاق، ومن أطلق عليها هذا الاسم هو من ابتكر المنصة نفسها، وأصبح المصطلح جزءًا من لغة العصر، ولم تكن هناك حاجة ملحة لاستخراج بدائل أو فرض اشتقاقات جديدة.

وتكمن غرابة هذه الاشتقاقات فى أنها جاءت لتبدو أقرب إلى «اختراع» لغوى لا يجد له مكانًا فى الاستخدام اليومى، فحين يقرأ الناس جملة مثل «عزيزى الفُسْبُكى» أو «لنُفسبك قليلًا»، فإن رد الفعل الطبيعى هو الضحك أو السخرية، وليس التبنى أو الاستعمال، لتتحول قرارات المجمع من محاولة جادة للحفاظ على العربية إلى مادة للتندر بشكل يفقد المؤسسة جزءًا من هيبتها ويضعف ثقة الجمهور بها.

والأدهى أن هذه الاشتقاقات تخرج فى وقت تعيش فيه اللغة العربية حالة تغريب واسعة، حيث تنسحب الأجيال الجديدة تدريجيًا نحو اللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية، فى التعليم والإعلام والتواصل اليومى.

وفى ظل هذا الانسلاخ، كان الجمهور يتوقع من المجمع أن يقدم حلولًا عملية لمشكلات تعليم اللغة العربية، أو أن يواجه تراجع حضور اللغة الفصحى فى المدارس والجامعات، لا أن ينشغل بابتكار صيغ لغوية غريبة لكلمات أجنبية مستقرة فى التداول.

وتكشف القرارات من هذا النوع عن وجود فجوة كبيرة بين الكيان العريق والواقع المعيش والجمهور فى الشارع، فالمجمع يعمل وفق منهج لغوى صارم ويحاول أن يطبق الأوزان العربية على كل لفظ جديد، بينما الناس يعيشون فى واقع رقمى سريع يبتكر لغته الخاصة يوميًا، ويعتمد على المصطلحات كما هى دون حاجة إلى إعادة صياغة.

وهذه الفجوة تجعل المجمع يبدو وكأنه منفصل عن الحياة أو يعيش فى زمن آخر، وهو ما يفسر موجات السخرية العالية التى صاحبت قراراته الأخيرة، ويكفى فقط أن نتابع التعليقات على المنشورات الخاصة بتلك القرارات على موقع «فيسبوك». 

ولعل الأخطر أن هذه الممارسات تكرّس صورة سلبية عن المؤسسات اللغوية، وتدفع الشباب إلى مزيد من الانصراف عن الفصحى، باعتبارها لغة جامدة أو غير قادرة على مواكبة العصر، فإذا كان المجمع يريد أن يستعيد ثقة الناس، فعليه أن يعيد النظر فى أولوياته، وأن يركز على تطوير تعليم العربية، وأن يواجه تراجع استخدامها فى الإعلام، وأن يقدم مبادرات عملية تربط اللغة بحياة الناس اليومية، بدلًا من الاكتفاء باشتقاقات لا تجد لها مكانًا فى الواقع.

كما أن خروج «مجمع الخالدين» إلى الشارع لا يجب أن يكون بالضرورة عبر استخراج الاشتقاقات الغريبة مثل «فُسْبُك» أو «دَبَّسَ»، إنما بالنزول إلى الناس وتبسيط اللغة عليهم واستعادة الزمن الذى كان فيه من لا يعرفون القراءة والكتابة يرددون قصائد الفصحى التى يغنيها عمالقة الطرب باقتدار وسلاسة، وكأنهم تعلموا النطق الفصيح فى أرقى معاهد اللغة.

يحتج بعض اللغويين بأن دور اللغة هو استيعاب كل ما هو جديد، ويستشهدون بأبيات حافظ إبراهيم الشهيرة: «وسِعتُ كتاب الله لفظًا وغايةً/ وما ضِقتُ عن آىٍ به وعِظاتِ/ فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة/ وتنسيق أسماء لمخترعات».

لكن المشكلة ليست فى مبدأ الاستيعاب ذاته، إنما فى الطريقة الهزلية التى يتم بها تطبيقه أحيانًا، كما حدث فى قرار مجمع اللغة العربية بتعريب كلمة Facebook إلى «فُسْبُك» واشتقاق أفعال وأسماء منها.

فاللغة العربية بالفعل قادرة على استيعاب الجديد، لكن ذلك لا يعنى إخضاع كل لفظ أعجمى لقوالب الأوزان العربية مثل «فعلل» أو «فعّل»، خاصة إذا كان اللفظ مركبًا مثل Facebook.

وتبدو هذه المحاولات أقرب إلى «تحذلق» لغوى يفتقد المنطق، وتفتح الباب أمام سخرية واسعة من المؤسسة التى يفترض أن تكون حامية للغة، فكيف سيتعامل المجمع مثلًا مع «تويتر» الذى أصبح اسمه «إكس»؟! 

هل سيقول «أكسس فلانٌ» و«المؤكسسون» و«المؤكسس»؟ وأى مادة للضحك سنكون قد جررنا أنفسنا إليها إذا حاولنا اشتقاق أفعال من «تيك توك» أو «إنستجرام»؟!

وتكمن غرابة هذه الاشتقاقات فى أنها تضرب الأساس الذى يقوم عليه الاشتقاق العربى، وتتعامل مع الألفاظ الأجنبية وكأنها قابلة للتطويع بنفس قواعد العربية، بينما الواقع أن كثيرًا من المصطلحات التقنية دخلت كما هى واستقرت فى التداول، مثل كلمة «كومبيوتر» التى لم يحاول أحد أن يفرض لها بديلًا قسريًا، لأن الناس بطبيعتهم يتبنون ما هو عملى وسهل، ولا يحتاجون إلى اشتقاقات مصطنعة لا تجد لها مكانًا فى الاستخدام اليومى.

فماذا يحدث حين يرى الناس مؤسسة لغوية عريقة تنشغل بابتكار صيغ غريبة لكلمات أجنبية مستقرة؟! ببساطة سيزدادون اقتناعًا بأن هذه المؤسسة منفصلة عن الواقع، أو أنها تستخف بعقولهم.

ويرى قطاع من اللغويين أن تلك الاشتقاقات تمثل نوعًا من التساهل الذى يضر ببلاغة العربية نفسها، فبدل أن تنهض هذه المؤسسة بدور الحارس الأمين للفصاحة، وتعمل على صون اللغة من الابتذال، نجدها أحيانًا تنزلق إلى قرارات تُنزل العربية من عليائها إلى الحضيض.

وحين نتحدث هنا عن أصالة اللغة العربية والحفاظ عليها فى العصر الحديث، فإننا لا ننادى بعودة اللغة القديمة البائدة كما وردت فى أشعار «العصر الجاهلى»، ولا نطالب بأن يتحدث الناس اليوم بنفس القوالب التى استخدمها امرؤ القيس أو زهير بن أبى سلمى، فالعربية، مثل كل لغة حية، تتطور وتستوعب الجديد، وتتكيف مع حاجات الناس وأدواتهم، لكن هذا التطور لا يعنى أن نسمح بانحدارها إلى مستوى الابتذال أو أن نجرّها إلى صيغ هزلية تضعف مكانتها وتفقدها هيبتها.

ولا يمكن أن تكون حماية اللغة بفرض اشتقاقات غريبة على ألفاظ أعجمية مستقرة فى التداول، بل عبر رعاية البساطة فى التناول اللغوى، بحيث تظل اللغة العربية قادرة على التعبير عن العصر دون أن تفقد أصالتها، فالحفاظ على الفصاحة وصونها، لا يتطلب إثقالها باشتقاقات مصطنعة تجعلها مادة للسخرية، أو التعامل مع اللغة كأنها زخارف وتحف وليست وعاء للفكر والهوية.

ما الذى يجب أن يفعله مجمع اللغة العربية الكائن فى ١٥ شارع الشاعر عزيز أباظة بالزمالك، من أجل أن ينهض بدوره الحقيقى؟! 

إذا أردنا أن نضع روشتة حقيقية للمجمع كى ينهض بدوره، فلا بد أن ننطلق من إدراك أن الأزمة لا تكمن فى اللغة نفسها، بقدر ما تكمن فى تعامل المؤسسة معها وفى صورتها لدى الناس العادية فى الشوارع.

فرغم أن المجمع يمتلك تاريخًا عريقًا ومكانة علمية لا يُستهان بها، يظل حبيس القاعات المغلقة والقرارات البيروقراطية، فى وقت تتطور فيه اللغة فى الشارع والمدرسة والجامعة والمنصات الرقمية. 

يمكن للمجمع مثلًا أن يستغل مكانته ومقره العريق ليصبح مركز إشعاع حيًا، يعقد ندوات دورية مفتوحة تناقش قضايا اللغة، ويستضيف مثقفين وكتّابًا وشعراء، ليعيد ربط الناس به ويجعله حاضرًا فى النقاش العام.

والندوات وحدها لا تكفى أيضًا، فالمجمع مطالب بالنزول إلى الشارع عبر فعاليات ميدانية ومعارض كتب وورش عمل للأطفال والشباب، بحيث يشعر الناس بأن هذه المؤسسة ليست بعيدة عنهم، بل تشاركهم حياتهم اليومية وتقرّب اللغة منهم. 

وفى عصر الإعلام الرقمى، لا يمكن أن تنهض اللغة العربية دون حضور قوى على منصات التواصل، فيمكن مثلًا أن يطلق المجمع حملات إعلانية قصيرة وجذابة تستعيد مكانة اللغة وتغرس الوعى بها لدى الأجيال الجديدة، عبر رسائل بسيطة مثل تدشين مبادرة «كلمة عربية كل يوم»، بحيث يطلع الجمهور على محتوى لغوى جذاب كل يوم، وهى خطوة يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا إذا قُدمت بذكاء وبشكل احترافى.

ومن الضرورى أيضًا أن يعيد المجمع النظر فى تركيبته الداخلية، إذ لا يمكن أن يظل أشبه بـ«مؤسسة كهنوتية» مغلقة على العلماء من كبار السن، بل يجب أن يضم وجوهًا شبابية وباحثين معاصرين ومبدعين من مجالات مختلفة، ليكون أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على فهم الواقع الرقمى، باعتبار الشباب هم الطاقة التى يمكن أن تمنح المجمع الحيوية التى افتقدها، وتجعل قراراته أكثر واقعية وانفتاحًا.

أما التعليم فهو المعركة الكبرى، إذ تبدأ أزمة اللغة من المدرسة، لذلك يمكن أن يكون للمجمع دور مباشر فى تطوير مناهج تعليم العربية وتبسيطها وربطها بحياة الطلاب اليومية، عبر مبادرات لتدريب المعلمين وإنتاج محتوى تعليمى حديث، والتعاون مع وزارة التعليم من أجل مواجهة التغريب والانسلاخ، حيث يمكن أن تُطلق مشاريع رقمية تجعل العربية حاضرة فى التطبيقات والمنصات، مثل قواميس إلكترونية وأدوات للكتابة الصحيحة ومحتوى تفاعلى يجذب الشباب، لتصبح العربية جزءًا من الحياة الرقمية وليس مجرد لغة دراسة.

وأخيرًا، لا بد أن يعيد المجمع ترتيب أولوياته، فيتخلى عن الاشتقاقات الغريبة التى لا يستخدمها أحد، ويركز على القضايا الجوهرية، مثل حماية الفصاحة من الابتذال، ومواجهة تراجع العربية فى الإعلام والتعليم، ودعم الكتابة الإبداعية، وتجربة استخدام اللغة العربية فى البحوث العلمية وتقييم النتيجة، وكل ذلك بهدف استعادة المجمع ثقة الناس، وأن يصبح بالفعل الحارس الأمين للفصاحة.