الأحد 30 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

رحابة المثقف.. اقتراب ودى من عالم رضا البهات السرى

حرف

- يبدو منجزه الأدبى نوعيًا للغاية مسكونًا بحس إنسانى شفيف

كان رضا البهات حاضرًا، ضمن كتّاب بارزين، فى رسالتى للدكتوراه فى العام 2009، وحملت عنوان «بنية المساءلة فى الرواية المصرية عند جيل السبعينيات»، وأعيد نشرها للقارئ العام تحت عنوان «جيل السبعينيات فى الرواية المصرية.. إشكاليات الواقع وجماليات السرد»، فى ديسمبر 2014، حينها كتبت عن روايته المهمة «بشاير اليوسفى»، ولم نكن قد التقينا بعد، حتى هاتفنى فى العام 2015، عقب نشر الكتاب، ودوائر التلقى والقراءة التى صنعها فى مصر والعالم العربى آنذاك لدى الباحثين والكتاب والنقاد والمثقف العام على حد سواء، وبدأت بيننا صداقة ممتدة. ناقشت أعماله الإبداعية أكثر من مرة، وكان مثقفًا رفيعًا، وصديقًا يحمل روحًا صافية، وديعة، وطيبة. 

ويعد رضا البهات أحد أهم كتّاب جيل السبعينيات فى السردية المصرية، ويبدو منجزه الأدبى نوعيًا للغاية، مسكونًا بحس إنسانى شفيف، ولغة نافذة إلى سيكولوجية المتلقى، وحضور دال للأيديولوجيا بوصفها بحثًا عن المعنى، لا بحثًا عن الصراخ والمباشرة. وتبدو نصوصه «بشاير اليوسفى»، و«طقوس بشرية»، و «شمعة البحر»، و«ساعة رملية»، وغيرها تعبيرًا عن منجز متميز فى متن السردية العربية.

فى «بشاير اليوسفى»، الرواية الأثيرة لدى جمهور المتلقين للكاتب رضا البهات، ثمة مراجعة للتحولات المجتمعية التى حدثت فى الواقع المصرى فى السبعينيات؛ ولذا جاء التقسيم الشكلى للرواية موزعًا على جزءين مركزيين، الجزء الأول «بشاير اليوسفى» والجزء الثانى «المبدولون».

وفى روايته «شمعة البحر» يتخذ رضا البهات من الريف المصرى فضاء لنصه، ويجعله مركزًا للسرد، ويصبح شخوص المكان، وفى مقدمهم الجدة، والشيخ جلال أبوستة، ومعاطى، والشيخ الباز، والشيخ سامبو، علامة ثقافية يلخصها العنوان الدال على الونس، والتمرد، والرغبة المستعرة «شمعة البحر»؛ ومن ثم يتواتر حضور مفردة الشمعة بوصفها دالًا مركزيًا فى الرواية عبر أكثر من صيغة، فتأتى عابرة على لسان البطل المركزى للرواية «الشيخ جلال»، حين يشير إلى الفتاة الموشّاة بالحزن أن توقدها لزوجها طلعت، ثم تأخذ مسارًا فنيًا مغايرًا حين تحضر «شمعة المعبد» بوصفها إيذانًا باشتعال الرغبة فى جسد الفتاة اليونانية، ثم تأخذ بعدًا أسطوريًا: «سرّ الوجود لم يكن أبدًا غير سراج ضئيل بيد امرأة، يسمّى الونَّاسة، والشيخ على، والسّهّارى، والعافطة والشعلولة، ثم صاروا يطلقون عليه شمعة البحر، لا يفارق بيتًا ولا يدًا فى الخلاء، وعندما يأكل الشق قمره يصير هو الضوء الوحيد الذى يهدى العابر ظلًا فى الليل الكافر». وصولًا إلى شيوع الدلالة بوصفها تعبيرًا عن الممارسة الحياتية فى قرية مصرية. 

هى رواية مسكونة بالثقافة الشعبية، وتجلياتها الخلاقة، من الممارسة الطقوسية والعادات الاجتماعية «زيارة المقابر واختلاط الموت بالحياة» إلى الأغنية والموَّال، والمعتقد، حيث ثمة «شمعة فى طبق صاج، تضىء لأيدى النساء على الموردة فى الفجر، ولعيونهن فى أوقات الحزن، يسمينها شمعة البحر».

تبدو «شمعة البحر» متخمة بالشخوص، والحكايات، يمثل الشيخ جلال مركز الحكى فيها، نراه يوصف باسمه تارة، أو لقبه العائلى تارة أخرى «جلال أبوستة»، أو بعاهته تارة ثالثة «جلال الأعرج»، كل وفق المسار السردى وسياق الحكاية. ويظل جلال فى ذلك كله جامعًا بين كل شىء فى الرواية، يعيش مبتهجًا ومؤرقًا فى الآن نفسه لمئة عام، قرن من الزمان يحياه ومعه الشيخ الباز، فيبدوان نقيضين بامتياز، أحدهما يمثل الحياة، والآخر يمثل الموت. أولهما يمثل البهجة والثانى يمثل الكراهية. يبدو جلال ترميزًا للتدين الشعبى، وتعبيرًا حيويًا عن الروح المصرية وهى تعابث العالم وتؤانسه. 

وفى مجموعته القصصية «ليلة للغنا» يتوافر الكاتب رضا البهات على جملة من الحكايات التى لم تزل قادرة على استدعاء الدهشة، بوصفها فعلًا ملازمًا للحكاية، والبدء مما هو إنسانى فى مجموعة تتشكل من أربع عشرة قصة قصيرة، تعقبها ثلاث من القصص المحكية للفتيان والفتيات: «الجميلة تتزوج الديك الشركسى/ حكاية الأميرة وابن الحداد/ لعبة الغابة».

واللافت أن «حكايات للفتية والفتيات» فى استدعائها نمط الحكى الأسطورى والفانتازى تبدو متممة للرؤية السردية فى المجموعة فى اتكائها على الواقعى وصبغه بطابع جمالى خاص، والنظر إلى المتعين من زوايا تخييلية مختلفة، بدءًا من قصة «أجمل بنت فى الدفعة» فى الاستهلال/ ووصولًا إلى «جيبة ديرتى» فى الختام.

ثمة محاولة للتعبير الجمالى فى المجموعة عن واقع متحول، عن ماضٍ لم يزَل فاعلًا، عن التقاطات إنسانية تملك حضورها فى حيوات الرواة داخل القصص، والذين يتنوع حكيهم ما بين الحكى بضمير المتكلم كما فى قصص «أجمل بنت فى الدفعة/ عمود الإيمان/ ليلة للغنا/ مقعد خال/ ممر مظلم/ ونسة/عيون.. عيون.. عيون/ القمر وكيس الطحين/ تشابك بالإصبعين/ جيبة ديرتى»، أو الحكى بضمير الغائب كما فى قصص «الريس حسنين/ آسفة.. آسفة جدًا، الخزينة/ امرأة فى الزحام/ تشابك بالإصبعين».

فى «أجمل بنت فى الدفعة» تلوح أمل، ويلوح معها زمن سبعينى بامتياز، وعلى الرغم أنها لم تكن مثل الرفاق فى وعيها السياسى، لكنها كانت شفافة مثل حلم، هكذا يقدمها السارد فى القصة، هذا السارد الذى يبدو متورطًا فى الحكاية وجزءًا مركزيًا منها، وحين يلقاها بعد سنوات طوال لم تكن التغيرات التى طالتها كثيرة، بينما تبدل هو قليلًا، وصارا معًا محاصرين براهن من التيه والارتباك.

وفى «الريس حسنين» يحتل الصبية الصغار حيز السرد، يبدون قلقين على «الريس حسنين العجلاتى»؛ لأن متعتهم الوحيدة فى عالمهم القاحل أصبح مرهونًا بالعم حسنين ودراجاته التى يؤجرها لهم بمحبة وتسامح شديدين، لذا لم يكن غريبًا أن يذهبوا للمسجد الكبير فى الحى الراقى المقابل لحيهم البائس للصلاة والدعاء من أجل شفائه. 

يبدو الضابط البطل «نبيل»، الذى فقد إحدى يديه وقدميه فى الحرب، فى قصة «عمود الإيمان»، علامة على بشر يقاومون الموت بالحياة، فى قصة لا تحوى صراخًا أيديولوجيًا زاعقًا، بل تنطلق من وعى بالضرورة الحياتية المعاشة، من محبة العالم، عبر عينى سارد متورط فى الحكاية، يبدو صديقًا لبطلها المركزى «نبيل»، هذا الذى لا نعرف اسمه إلا بعد حين، وفى نص تهيمن عليه تلك الرؤية المصاحبة فى السرد، فالسارد لا يعرف أكثر من قرائه، ويتوصل للحقيقة معهم فى الوقت ذاته، ويبدو «نبيل» مفعمًا بالحيوية رغم بتر أعضائه الجسدية.

تبدو «ليلة للغنا» بمثابة القصة المركزية فى المجموعة، لا لكونها تتصدر غلاف المجموعة، ولكن لكونها تحمل الدلالة الكلية للنص، فتعبّر عن مخزونه الإنسانى الوافر، واستيلاده الدهشة من رحم حكايا واقعية بامتياز، فثمة سارد يحكى لنا عن «الأغراب»، الذين يسكنون قريبًا من المكان، عن عالم يسكنه «الغجر» الذين يبدون فى الوعى الجمعى لأبناء المكان علامة على التحلل من أى قيمة، هنا تختلط الفانتازيا بالحقيقة، ومن رحمهما تخرج «جورية» الساحرة مثل ملاك، المغوية مثل شيطان، لكن لا رؤية حدية للعالم فى النص، ولا أحكام قيمة، إنما متسع من المدلولات والحكايات التى لا تنتهى عن بشر مختلفين، وامرأة هى موطن الغواية، فجورية الفاتنة تستقطب شابًا من القرية «شقيق السارد»، ويجتمع الأهل كل مساء لمناقشة الأمر، ثم ينفضّون دون فعل حقيقى، فقط يروون بعض الحكايات التى تخلق حالًا من إشباع السرد وترصيعه بالحكايات الفرعية: «هكذا تبددت الليلة أيضًا من دون طائل، وتهيأوا للرحيل. اتفقوا على موعد آخر، بعد أن منحوا زوجة أخى بعض المال، غير أننى من تلك الليلة عرفت أنهم يكذبون. فقد كانوا جميعًا يتمايلون فى نشوة يوم رقصت جورية فى يوم المولد». وتبدو «جورية» بمثابة المرأة الحلم التى راودتهم جميعًا، غير أن المجتمعات المغلقة تظل أسيرة لتناقضات فادحة، تؤثر فى حركة أفرادها ونوازعهم الشخصية.

فى «مقعد خال» تصبح «صباح» بمثابة الشخصية الحافزة المحركة للسرد، والدافعة به صوب الأمام، فالسارد الذى يذهب لأداء الخدمة العامة فى إحدى القرى النائية لتعليم بعض أبنائها من الأميين، يجد عالمًا مختلفًا، هامشًا يكمن خلف القاع، فقرًا وجهلًا، وبشرًا على الحافة، وفى الفصل الدراسى يقابل سيدات وفتيات لا حيلة لهن سوى الانتظار، وعلى الرغم من تقدم «صباح» فى الدراسة إلا أنها تغيب فجأة مثلما ظهرت فجأة، لعلها تزوجت، غير أن سؤالًا فطريًا يخرج من قروية بسيطة يبدو جوهرًا للنص والحكاية معًا، فى مختتم بديع للسرد: «- فين صباح.. معدتش بتيجى ليه؟ اكتفت الحاضرات بالابتسام. غير واحدة رفعت يدها، ولم أكن سألت عن شىء يخص الدرس. قالت المرأة إنها كانت تظن الحروف كثيرة، كثيرة جدًا. وأن الذى يعمل كل هذا الكلام الذى فى الكتب حروف بلا عدد- أضافت فى دهشة- طلعوا ٢٨ حرف اللى بيعملوا كل حاجة فى الدنيا.. فى الحقيقة كانت أول مرة أفكر بأن الـ٢٨ حرفًا لا تصنع الكلمات فقط، بل كل حاجة فى الدنيا، كل حاجة». 

وفى «ممر مظلم» يبدو شبق الممرض بالطبيبة خلاصًا من نوع آخر، ويبدو التواطؤ بالصمت الذى مارسته تعبيرًا عن احتياج نفسى وجسدى، فى عالم مسكون بالقسوة، والموت، وروائح الأجساد الميتة، ومواء القطط والقمامة ذات اللون والرائحة المقززة، وتتواتر هذه الرائحة فى قصص أخرى داخل المجموعة، بحيث يصير «المستشفى» أحد الأمكنة المركزية داخل المجموعة بما تحويه من تفاعلات إنسانية خصبة.

وفى قصة «الخزينة» يلوح «الرجل البركة»، الذى صارت توبته مضرب المثل، ولا يجد المجموع غيره كى يفتح خزينة العمدة التى ضاع مفتاحها، وفى «آسفة.. آسفة جدًا» نصبح أمام قصة تبدو مقطعًا من نص سردى طويل ومكثف، وفى «عيون.. عيون.. عيون» ثمة أجساد ميتة وأخرى تدب فيها الحياة، عالم متغير باستمرار، ويتماس العنوان هنا مع أغنية شهيرة للمطرب المصرى الكبير محمد منير.

فى «جيبة ديرتى» يبدو «حمدى» علامة على تحول اجتماعى عاصف، يحيل حياة زوجته «منى»، وابنتهما، إلى جحيم، ويصبح هاجس المال والاستثمار فى البورصة مقرونًا بهوس التطرف لديه. 

عن عالم يتجادل فيه الموت والحياة، والمرض والصحة، والجدب والعطاء، موصول بسياق متحول، وإطار من التدين الشكلى، والهوس الاستهلاكى، ثمة حكايات إنسانية ضافية تنمو فى متن «ليلة للغنا»، تشد قارئها إلى عالم أكثر جمالًا ورحابة وحرية.