الأحد 30 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيرة هشّة ليوم عادى.. قراءة تفكيكية لرواية عبدالكريم الحجراوى

حرف

- النص يفتقر إلى الحبكة التقليدية والصراعات الحادة، والأحداث المثيرة

- التعبير عن الملل وتحويله إلى مادة أدبية هو جوهر العمل

كيف يمكن للكتابة أن تتحول من أداة للإمساك بالمعنى وصناعة اليقين «اللوغوس» إلى مساحة راديكالية لمقاومة المعنى ذاته وتفكيك مركزية السرد، من خلال تحويل اليوم العادى والهشاشة إلى ملحمة وجودية لا مركز لها ولا نهاية؟ 

لكى نجيب عن هذا السؤال، يجب أولًا أن ندرك أن الرواية لا تُقرأ كحكاية تقليدية تنمو أفقيًا نحو ذروة درامية ثم تنفرج عقدها نحو خاتمة أخلاقية أو وجودية جاهزة؛ بل هى نص ضد السرد إن صح التعبير، أو سرد يمارس فعل تقويض ذاته من الداخل، تمامًا كما يطرح الفيلسوف الفرنسى «جاك دريدا» فى تفكيكه للثنائيات المركزية. 

منذ العتبات الأولى، يرفض النص الخضوع لسلطة الخطاب العقلى المهيمن الذى يدعى امتلاك الحقيقة وتوجيه المعنى. عندما يصرح السارد بأن الرواية خالية تمامًا من الحبكة، وأن للقارئ الحرية المطلقة فى قراءة الفصول كيفما شاء دون أن يتأثر البناء، فإنه يوجه ضربة قاصمة لمفهوم الوحدة العضوية الكلاسيكية. 

 

تحمل العتبة النصية الأولى للرواية تناقضًا أنطولوجيًا صارخًا فالعنوان يزاوج بين متضادين؛ «السيرة» بوصفها سجنًا للذاكرة، وتوثيقًا للمسار الإنسانى الكبير، و«الهشة» التى تنفى عنها صفة الديمومة والصلابة. إنه يوم «عادى» تمامًا، ولكنه محمل بصراعات القرية. 

وحين يعلن الكاتب فى العتبة الثانية: «هذا عمل مُمل بذلت قصارى جهدى فى أن يبدو كذلك...»، فإنه يعلن حالة من مقاومة المعنى وتعرية أفق انتظار القارئ. ويأتى صوت السارد: «لك أيها القارئ الحرية الكاملة فى قراءة هذه السيرة... دون الالتزام بالتسلسل... ولن يؤثر ذلك على حبكة النص الخالى من الحبكة تمامًا». هنا يتم تقويض البنية الهرمية التقليدية للسرد؛ فلا بداية حتمية ولا نهاية مأساوية، بل «لا حبكة». إننا أمام كتابة تفكيكية تخرج من شباك اللغة إلى «متاهة المعنى» بتعبير دريدا، حيث تتوزع الدلالة وتتمنع عن الإمساك بمركز واحد. 

لماذا وضع نصية «الملل» فى بداية النص؟

فى الصفحة الثانية من الرواية، يطالعنا النص بعبارة مكثفة ومباشرة:

«أبذلت قصارى جهدى فى أن يبدو هذا العمل عملًا مللًا...» .

وضع هذه النصية الاستباقية فى عتبات النص الأولى هو استباق للإدانة وكسر أفق التوقع. 

الكاتب يعلم أن النص يفتقر إلى الحبكة التقليدية، والصراعات الحادة، والأحداث المثيرة «لا توجد مسدسات تطلق النار، ولا حبكات بوليسية». لذلك، فهو يواجه القارئ منذ الصفحة الأولى بـ«اعتراتريّة» واعية: هذا النص قد يبدو مملًا لمن يبحث عن الإثارة الرخيصة. فيعلن التمرد على أدب الإبهار السريع. 

الملل هو الشعور الأساسى الذى يختبره الإنسان المعاصر فى مواجهة رتابة الأيام العادية. بما أن الرواية تتناول «سيرة هشة ليوم عادى»، فإن التعبير عن الملل وتحويله إلى مادة أدبية هو جوهر العمل. الملل هنا ليس عيبًا تقنيًا فى الكتابة، بل هو موضوع النص وبنيته الشعورية. أن يجعل القارئ يلامس ثقل الوقت وبطء الساعات العادية هو محاكاة دقيقة لواقع الحياة اليومية المعاشة. يريد الكاتب القول إن الجمال لا يكمن بالضرورة فيما هو مثير وخارق، بل يكمن فى تلك «الهشاشة» العادية، وفى التفاصيل المنسية بين طيات الفجر والغروب. وضع الملل فى البداية هو بمثابة «فلتر» أو اختبار لقارئ نوعى يستطيع أن يتجاوز صخب الحبكات التقليدية ليصغى إلى صوت الهشاشة والعدم.

الأمر الآخر هو غياب الحبكة المركزية يعنى غياب الهدف النهائى؛ فلا بطل منقذ، ولا رحلة بالمعنى الميثولوجى الكلاسيكى، بل كائنات تتقاذفها أمواج اليومى العادى والمكرر. هذا التخلى مقصود بذاته، لكى تُترك مساحة للزمن أن يتنفس دون إكراه السرد، وللأشياء الهامشية «كالرماد، والمسدسات المؤجلة التى لا تطلق النار، وحركة الصهريج، وثرثرة العجائز» أن تحتل بؤرة الاهتمام بدلًا من الأحداث الكبرى. 

كيف يتحول «اليوم العادى» إلى ملحمة؟ الإجابة تكمن فى إعادة الاعتبار لـ«اللاشىء». فى الرواية، اليوم العادى ليس فراغًا، بل هو البؤرة التى تتكثف فيها مأساة الكائن البشرى.

الشخصيات «مثل عمران، وزكية، ومنصور، وعموشة» لا تخوض حروبًا كونية، بل تخوض حربًا خفية ضد ثقل الروتين وضد صقيع اللحظة ومباغتات الغياب.

هذه «الهشاشة» المذكورة فى العنوان هى الوجود الإنسانى عاريًا من أى أيديولوجيات أو شعارات كبرى. عندما تصبح السيرة «هشّة»، فإنها تعلن انتصارها على الخلود المزيف؛ فالاستمرار فى العيش، وتنظيف الأخطاء، ومواجهة بؤس المكان والزمان، يكتسب طابعًا بطوليًا وجوديًا من نوع فريد، يذكّرنا بفلسفة العبث لدى كامو، لكن بروح محلية تضرب جذورها فى قاع القرية المصرية وهمومها اليومية. 

تتجلى مقاومة المعنى فى النص عبر آليتين تفكيكيتين واضحتين:

إبطاء الحركة وتعدد المسدسات: يستحضر الكاتب مقولة أنطون تشيخوف الشهيرة: «إن المسدس الذى يظهر فى المشهد الأول ينبغى أن تطلق ناره فى المشهد الأخير»، ليكسر هذه القاعدة تمامًا؛ ففى النص تظهر مئات المسدسات فى كل مشهد ولكنها لا تطلق النار أبدًا. هذا التكنيك السردى يعكس التحرر من «درامية الحدث»، فالأيام العادية لا تنتهى بانفجارات أو ذروة درامية، بل تنقضى فى سكون وهشاشة. 

الزمن هنا ليس خطًا مستقيمًا يتجه نحو التقدم، بل هو دوائر متداخلة تبدأ من «البكور» ولا تنتهى عند «السحر»، مرورًا بالتحولات الفلكية والنفسية بالتناص الدينى المعتاد. هذا التشظى يمنع القارئ من القبض على معنى نهائى للرواية. المعنى يهرب دائمًا إلى الأمام، يتمنع، يتوارى خلف الكلمات، تمامًا كما تفلت المدلولات من قبضة الدال عند دريدا.

الحجراوى فى «سيرة هشّة ليوم عادى» يعكس الترتيب الزمنى للأجزاء؛ فيبدأ بالـ«الجزء الثالث» (الذى يضم فترات مثل: الهجيرة، الظهيرة، الروام، العصر، القصر، الأصيل، العشى، الغروب- أى ثلث النهار الأخير)، ثم ينتقل إلى «الجزء الثانى» (وسط النهار)، ويختتم بـ«الجزء الأول» (ثلث النهار الأول مثل: الشفق، الغسق، العتمة، المحفزة... إلخ).

هذا التشظى الزمنى يعكس ما تسميه الدراسات النقدية بتفكيك «حضور اللحظة»، حيث يتساوى الزمن الأطول بالزمن الأصغر.

حين تنفتح الرواية على برق «طوبة» وصقيع السحر (كما فى حركة سورية، أو مغامرة عموشة وصباح فى الجبانة)، يتحول الزمن إلى «حفر» فى الذاكرة المقموعة. السحر هنا ليس مجرد توقيت فلكى، بل هو منطقة رمادية بين الموت والحياة، بين الغياب والحضور؛ حيث تتداخل طقوس الجبانة مع تراتيل المسجد، وحركة الموتى مع شقاء الأحياء.

إنه زمن محلى، قروى، شبحى، يتناوب فيه صرخات «صاروخ» من المئذنة مع صراخ عرفات فوق صهريج المياه. الزمن هنا يتنفس، ينقبض، وينبسط، لا تقيسه عقارب الساعة، بل تقيسه دقات القلوب المكسورة «مثل حالة عمران ومنصور».

تتجسد القرية فى النص كـ«هيتروتوبيا» تجمع بين التناقضات الصارخة: الصحراء القاحلة والنيل الخصيب، الجبال الحمراء والبيوت الطينية، قسوة الآباء وخذلان الأبناء «مثل ثيمة مايا وعمران، وقسوة شيبان على صبرى، ومكائد باتعة لقعلوط». الأجساد هنا مهشمة، مستلبة، تتحرك كدُمى فى مسرح عبثى واسع، لكنها تقاوم الموت باليومى والمكر الصغير.

النص يمارس «تقويضًا ذاتيًا» مستمرًا؛ فالشخصيات (مثل زكية التى لا تنام وتكنس الأخطاء والرماد، وعمران الذى يبتلعه خذلان العاطفة، ومنصور الذى يلتزم الصمت المطلق)، كلها تُمثل انهيار «اللوغوس» (الخطاب المركزى العقلانى) . اللغة هنا لا تنقل المعنى بيسر، بل تتعثر، تتشظى، وتفضح عجزها أمام فجائعية الواقع وهشاشته. اللغة تُعيد كتابة الهامش ليصبح متنًا، ويجعل من اليومى العادى ملحمة صامتة من القهر والتحمل.

لغة «اليوم العادى»: الحياة لا تصنعها الأحداث الكبرى، بل تصنعها التفاصيل الهشة المتكررة. عبر العكس الزمنى، يحرر الكاتب اليوم الإنسانى من رتابة الغايات الكبرى؛ فاليوم يبدأ بالغروب وينتهى بالفجر، فى إشارة إلى أن الموت والنهايات متداخلة مع البدايات والولادات فى دورة الحياة البسيطة واليومية.

يتجلى التناص الفلكلورى فى أعلى تجلياته عند عتبات الزمن؛ ففى مقطع «السَّحَر»، تبرز المأثورات الشعبية المرتبطة بالتقويم القبطى والذاكرة المناخية الفلاحية، مثل قول العجوز «سورية»:

«طوبة تخلى الصبية جلدة والعجوزة قردة... طوبة تخلى الشابة كركوبة».

لا يعمل هذا التناص بوصفه مجرد زينة تراثية أو محاكاة فلكلورية مجانية، بل يتحول إلى بنية تفسيرية وجودية تلخص قسوة الطبيعة «الزمهرير» وصراع الجسد البشرى الهش مع الزمن والبرد. التناص هنا يمنح الشخصيات عمقها الدلالى؛ فالأم «سورية» تواجه الشيخوخة والصقيع عبر استدعاء حكمة الجماعة الشعبية المتوارثة التى تختزل عشرات الأيام فى عبارة إيقاعية لاذعة.

ثانيًا: طقوس الموت، الجبانة، والمخيال العجائبى

فى المشهد الليلى الذى تنزل فيه «عموشة» وابنتها «صباح» إلى المقابر فى وقت المحاق، يتداخل الفلكلور المرتبط بالخرافات والرهبة الجماعية من الموتى مع الواقع السردى:

يستدعى الكاتب الموروث الجمعى الخرافى المتعلق بانتهاك حرمة الموتى، وظلمات القبر، والأشباح، والخوف المتوارث من «عالم الغيب السفلى». إن حضور «عموشة» كامرأة متمردة على التابوهات الشعبية مقابل ذعر «صباح» يعكس صراعًا بين جيلين تجاه التراث؛ جيل يمارس الطقس بيقين غامض وجيل آخر يرتجف تحت سطوة الوهم والخوف المفارق للواقع.

ثالثًا: الممارسات الاحتفالية والإنشاد الصوفى «الحضرة والطريقة النقشبندية»

يمتد التناص الفلكلورى الدينى ليلامس طقوس «الحضرة» والإنشاد فى المساجد (مثل استدعاء السلسلة البهائية للسادة النقشبندية وأوراد الشريف إسماعيل بن تقادم الحسينى).

يوظف النص هذا التناص الصوفى - الشعبى ليؤكد على كون الدين فى القرية ليس مجرد نصوص مجردة، بل هو ممارسات طقوسية حية تتشابك فيها الموسيقى الروحيّة بحركات الأجساد واهتزاز الرءوس طردًا للهموم وعزاءً عن خذلان الواقع «كما فى حالة عمران». التناص هنا يعمق البعد النفسى والاجتماعى لشخصيات تعيش اغترابها الداخلى وتلجأ إلى فضاءات الذاكرة الجمعية والتصوف الشعبى بحثًا عن الطمأنينة. 

رابعًا: البنية اللغوية الحكائية والموروث الشفهى

يتغذى نص الرواية على لغة سردية تنوس بين الفصيح المعبر والمفردات الشعبية الصعيدية الخالصة «مثل: الترحيلة، المقاول، المخلة، القرقوش، التقشيطة، الكلسون».

هذا التناص اللغوى يمنح «اليوم العادى» المذكور فى عنوان الرواية ملحميته الخاصة؛ فاليوم ليس عاديًا بيولوجيًا، بل هو محمل بتراكمات دلالية وحكائية تجعل من التفاصيل اليومية البسيطة كـ«سقاية الأرض، شرب الشاى، صياح الديكة، نداءات المساجد بـ(صاروخ)»، متواليات فلكلورية تحتفى بالبساطة وتفضح فى الوقت ذاته قسوة التهميش والفقر.

نجح عبدالكريم الحِجْرَاوِى فى روايته «سيرةٌ هشّةٌ لِيَوْم عَادِى» فى جعل التناص الفلكلورى عضوًا حيًا فى بنية السرد؛ فلم يكن وسيلة للتوثيق الإثنوجرافى البحت، بل تحول إلى أداة نقدية وسردية تكشف عن صراع الإنسان المصرى البسيط مع الهشاشة، والفقر، والبرد، والقدر، محولًا التفاصيل اليومية للقرية إلى أسطورة صغرى تعج بالحياة والرمز.

لا يظهر الموت فى «سيرة هشّة ليوم عادى» كحدث طارئ أو نهاية بيولوجية عابرة، بل يتسرب تدريجيًا ليكون جزءًا لا يتجزأ من الإيقاع اليومى للقرية. ينعكس الموت فى النص عبر تجليات متعددة:

الموت المكانـى «الجبانة كفضاء حى»

تتحول جبانة الموتى إلى فضاء سردى فاعل لا يقل حيوية عن شوارع القرية. ففى أوقات مبكرة وصعبة مثل «السحر»، تتحرك شخصيات مثل «عموشة» وابنتها «صباح» نحو الجبانة فى ظلام دامس لفتح القبور والعبث بأجساد الموتى حديثًا. هذا التداخل بين عالم الأحياء وعالم الأموات يعكس حالة من «تطبيع الموت»؛ فالجبانة ليست مكانًا معزولًا للرهبة المطلقة، بل هى مسرح لأفعال بشرية غامضة، وانتهاك صارخ لحرمة الموت يعكس تآكل القيم الإنسانية وتحول الموت إلى سلعة أو أداة طقسية سوداء.

الموت الرمزى والنفسى

يمتد الموت ليصيب الأحياء وهم فى قمة حركتهم. فشخصيات مثل «عمران» يعيشون موتًا روحيًا ونفسيًا قاهرًا «موت الكرامة والخذلان» بعد صدمته مع «مايا فهمى البرعى»، وانهياره تحت وطأة الضرب والقسوة الطبقية والنفسية. هذا الموت الداخلى يجعل الشخصيات تبدو كالزومبى أو الأموات السائرين، حيث تفقد الحياة بمعناها الدلالى وتكتفى بالحركة الميكانيكية البحتة.

الموت المجازى والعبثى

يتجلى الموت أيضًا فى المجازفات اليومية والتهجير القسرى والشقاء المستمر لعمال التراحيل «مثل (قعلوط) و(هريدى)»، حيث يبدو الإنسان رخيصًا، وحياته معلقة بحبل رفيع من العبث، تمامًا كما تظهر فى مفارقات الرواية السوداء حين تُدار الحياة البشرية بمنطق البقاء للأقسى، وحين تتساوى دلالات الموت الإنسانى مع «مذبحة الطيور والدواجن» التى تتعرض لها شخصيات مثل «فتحية» أو «روحية»، فيتماهى الموت البشرى والحيوانى فى كتلة واحدة من العبث المظلم.

ثانيًا: لغة النواح «صوت الحزن المقيم والتعبير الجنائزى»

لغة النواح فى الرواية ليست مجرد تنهيدات عاطفية، بل هى جهاز لغوى ونبرة ساردة تهيمن على الأجواء العامة للقرية، وتتجسد فى عدة مستويات:

يرتبط النواح صواتيًا وحسيًا بظروف القسوة المناخية «برد طوبة وكيهك»، حيث ترتعش الأجساد وتتصلب الأطراف. هذا الصقيع الخارجى ينعكس على لغة الحوار والداخليات؛ فالشخصيات تناجى وتئن بصوت خفيض يشبه فحيح الأفاعى أو خشخشة الحراك البشرى المتعب. الصوت البشرى هنا مثقل بالهموم، وكأن النواح هو اللغة الوحيدة المتبقية للتعبير عن قسوة العيش، مثل بكاء «عمران» بلا دموع، أو أنين «منصور» فوق هضبة الصحراء.

وتتجلى لغة النواح بوضوح فى أصوات النساء اللواتى يحملن أعباء الفقد والفقر و القهرى «مثل (بثنية) التى تفقد ابنها حامد المعتقل، أو (شادية) و(سورية) اللواتى يواجهن شقاء اليوم بقهر صامت.. مريم فى نواحها على أسماء». النواح هنا يتحول إلى مقاومة خفية أو صرخة احتجاج مكتومة ضد عالم ذكورى وقاسٍ لا يرحم الضعفاء. يبرز ببراعة تناقض لغة النواح الحزينة مع مظاهر الصخب الفرح المصطنع «مثل زفة العريس (السمطى) أو صرخات المجانين مثل (عرفات) فوق صهريج المياه». هذا التباين يخلق إيقاعًا سرديًا سرياليًا؛ فالقرية تتأرجح دائمًا بين حافة النواح الجنائزى «الموت» وحافة الصخب الاحتفالى الأهوج «الحياة»، ما يعمق الإحساس بالهشاشة والسيرة الهشة ليوم عادى يتكرر بلا معنى حقيقى سوى اجترار الألم.

نجح عبدالكريم الحجراوى فى توظيف ثيمة الموت ولغة النواح ليس كإضافات ميلودرامية، بل كبنيتين تكوينيتين تعكسان واقعًا قرويًا مهمشًا، تتداخل فيه الأساطير الشعبية بالواقع القاسى، وتتحول فيه تفاصيل اليوم العادى إلى جحيم مصغر يعيش فيه الأحياء أمواتًا، وينتظر الأموات من ينتهك قبورهم، فى سيرة تتحدى الحبكة التقليدية لتلتقط نبض العدم والهشاشة الإنسانية بامتياز.

ثنائية الصراع الوجودى والزمن: سورية، الحج عبدالرحيم، وبسطويسى القجاج

سورية: تمثل صمود الذاكرة التاريخية والجسد البشرى فى مواجهة قسوة الطبيعة وبرد شهر طوبة القارس. تواجه الصقيع بالمناجاة الروحية واليقين الداخلى متحدثة عن تاريخ متجذر يعود لعصر الوحدة. 

الحج عبدالرحيم الجدوابى: يجسد الشيخوخة المفعمة بالتطلع الروحى والتعلق بالمعنى الأبدى. يستند إلى تسعين عامًا من الوعى ورؤى الغيب المنتظرة لزيارة الحجاز محاربًا بطء الجسد باليقين. 

بسطويسى القجاج: يعكس أزمة الوجود المرتبطة فقدان الملكية والأرض. يشهد انهيار عالمه بعد ضياع ثلث أرضه ونخيله لصالح أخته، ليتحول إلى كائن غارق فى العبث والأسى الصامت تحت أشجار الأثل. 

صراع السلطة

عمران: يمثل نموذج الإنسان المكسور بفعل الخذلان العاطفى والطبقى المفاجئ. يعيش عذابًا روحيًا خانقًا بعد رحلته المريرة إلى الإسكندرية وصدمته أمام طعنة الحبيبة التى تشبه خيانة بروتس ليوليوس قيصر. 

مايا: تجسد قسوة البرجوازية الحديثة وبرودها العاطفى. تتخلى عن شريكها بلا تردد وتسلمه لسلطة أبيها الغاشمة ثم تكللها بابتسامة قاتلة. 

فهمى البرعى: يمثل رمز السلطة الأبوية الرأسمالية المتجبرة. يتعامل مع البشر باحتقار مطبق ويصنفهم كـ«جرابيع» لا يستحقون سوى الإهانة والرمى بالمال. 

بثينة: تمثل الأم المفجوعة التى تُقهر ببطش الدولة وسلطة الأمن المفاجئة إثر اعتقال ابنها الطالب الجامعى حامد دون تهمة واضحة. 

التمرد الصامت والمكر الأنثوى

عموشة وابنتها صباح: تجسدان كسر التابوهات والخروج على الحدود المألوفة عبر طقوس الليل الغامضة فى جبانة الموتى. تواجه عموشة الموت بصلابة وفحيح أفعوانى بينما تعانى الابنة من الرعب والارتجاف الوجودى. 

باتعة: تمثل الذكاء المنزلى والمكر العملى الفاعل. تنجح ببرود وحزم فى الإيقاع بزوجها المتهرب «قعلوط» وفرض واقع جديد عليه عبر مقدم الترحيلة. 

«قعلوط»: يجسد شخصية الهروب والتحايل العبثى على المسئولية عبر النوم المصطنع والتهرب الوجودى. 

زكية: تمثل كائنًا ماورائيًا تحرر من قيود البيولوجيا البشرية بعد انقطاع الطمث. تتخلى عن النوم لتتحول إلى طاقة ليلية غامضة تقوم بطقوس مبهمة لتطهير القرية ودفن المنسيين. 

قسوة الواقع الاقتصادى

شيبان: يصارع القحط المائى وشظف العيش اليومى. يتجسد غضبه فى قسوة متوارثة يمارسها على ابنه البكرى لحمايته من التراخى. 

صبرى: يمثل جيل الشباب الممزق بين ثقل الواجبات المادية القاسية «حمل الأسمدة والوقود وسقاية الأرض» ولذة التمرد العابر بحضور حفلات الكف. 

شادية: تتحمل العبء المزدوج للأمومة والعمل المنزلى المضنى تحت وطأة قلق الطقس والسحب المعرقلة لخبزها. 

الجحش، القبسى، عبدالدايم، وصبحى: يجسدون عمال الترحيل والكسارة الذين يصارعون الصقيع والجوع والجهد البدنى المضنى وسط حقول القصب. 

صراع الفن

منصور: يمثل الفنان المتأمل المتاخم للجنون والعزلة الجبلية. يحيل حبه المستحيل لـأسماء إلى تمثال حجرى متطابق تمامًا «غالاتيا العاصفة»، معبرًا عن مأساة الصمت المطلق والخلاص عبر التدمير الداخلى. 

عرفات «ثمانين المجنون»: يعبر عن صرخة الوجود العبثى المفاجئ من أعلى خزان المياه. يكشف صعوده عن هشاشة العقل البشرى أمام اتساع الفراغ وانقلاب موازين الواقع. 

كتكوت وجاسر: يمثلان طفولة القرية المتمردة التى تتأرجح بين البراءة والعبث الغريزى الفطرى بمراقبة دورة الطبيعة والحيوانات. 

رواية «سيرةٌ هشّةٌ لِيَوْمِ عَادِى» هى نص سردى يمارس حفرياته الفلسفية فى بنيات الهشاشة الإنسانية. إنها ترفض الأحكام الجاهزة والحبكات المصطنعة، محتفظة بجماليات التيه والتفكيك، لتترك القارئ وجهًا لوجه أمام مرآة أيامه العادية المقدسة التى تختزن فى تفاصيلها الصامتة كل مأساة الكون وعبثه.