حينما تصبح القصة القصيرة رمزًا للتطهر
الدرويشة.. رقصة على حد السكين
- صفاء النجار تنتقد هشاشة العلاقات الإنسانية فى العصر الحديث
بين جلال الوجد وجور الواقع، تفتتح الكاتبة صفاء النجار فى مجموعتها القصصية «الدرويشة» فضاءً سرديًا مغايرًا لا يكتفى برصد معاناة الأنثى، بل يمنحها رداء «الدروشة» كآلية للمقاومة والتحرر.
إنها ليست دروشة الدراويش القانعين بالزهد، بل رقصة حافة الهاوية؛ حيث تسير البطلات على نصل السكين، فى محاولة الموازنة بين جسد يئن تحت وطأة القيود الاجتماعية، وروح تحلق فى مدارات الكشف والحرية. فى هذه المجموعة، يصبح الحكى طقسًا تطهيريًا، وتتحول الكلمة إلى خطوة فى رقصة صوفية حزينة، تحاول القفز فوق جراح الواقع المرير.
فى القصة الأولى «يوميات السندريلا فى القصر» سؤال طرح الهامش عن المركز والتاريخ المضاد لشخصية السندريلا فى الحكاية الموروثة.
الكاتبة تضع المتلقى فى تردد فعل الحكى نفسه، فتقود الحكاية إلى مركز الأسطورة والسحر، بقياس آخر لكن فى الامتداد نفسه لتأريخ الذات واستعادة الكينونة المغيبة «تدرك سندريلا أن كلمة مساواة كلمة خادعة، وأن المساواة القانونية ليست كافية لتحقيق العدالة، وكانت على يقين من أنه لم يتح لجميع الفتيات الحضور إلى الحفل الملكى» ص١٤.
هذه المشاهد هى إيمان بمنطق مغاير، وبقياسات الزمن والمكان والوقائع تتحول ممكنات السرد إلى إنتاج خطاب جمعى مختلف من الذاكرة والتاريخ ومن الأسطورى والواقعى، من النفسى والجسدى.

فالكاتبة هنا ترتهن لتجديد الخطاب الفكرى الموجّه وعكس التقديس الاستسلافى للغة، ودفع الوعى الجرىء فى خلق مصائر قادمة تتشكل تبعًا لإرادات الوعى النسوى، وتحث على استكشاف ضروب أخرى غير ضروب النمطية المجتمعية.
وفى ظل هذا الحضور الملكى تأخذنا الكاتبة لالتفات يحمل سمات التجربة الإنسانية فى كينونة الماضى «كانت قد قرأت فى كتاب الفلسفة للصف الثالث الثانوى: إذا كان سطح البحر جميلًا وخلابًا ورائعًا، فإن الغوص إلى باطنه وقاعه يتيح لنا فرصة أجمل وأكثر روعة؛ ففى أعماقه الكنوز والجواهر، واللآلى الثمينة.. لكنها الآن تتساءل: ماذا عن الحيتان وأسماك القرش والعمق الأسود.. ليس كل ما نتعلمه صحيحًا تمامًا؛ فالمعرفة ليست دائمًا جاهزة أو نهائية» ص ١٩.
عبر هذه الأزمنة المرجعية المختلفة، والمستويات المتنوعة للذات يتجلى من خلالها مركزية وجود السندريلا الحقيقية المتخفى، بما تمتلكه من حيازة الحرية والاختيار، وشمولية الإرادة، فأقنعة السندريلا فى القصر الملكى الجديد هى تمثلات لطرح رمزى مفتوح الدلالة، تعمد إليها الكاتبة، لتمنح للنص صياغة وجودية ممكنة، فهذة الأقنعة برغم دورها الخفى هى بمثابة السعى الحثيث لليقين والحقيقة، فالأنا تنفتح من خلال الوعى الجمعى لميكانيزمات المعرفة «ابتسمت السندريلا، الآن أخمن لماذا اخترتن؟ نعم. لأنك وحدك دون كل المدعوات من سألتنى عن اسمى» ص ٢١.
وأما عن الطرح النصى الآخر فى المجموعة القصصية بعنوان «سنوات الظل والتيه» من عتبة العنوان نحن إزاء ما تغيره الأنا السردية وينقلب بها وينقلب عليها، ويتحول فيها ويتحول عليها الظل الذى يمارسه الواقع، والتيه بمعانيه الصوفية من تمثلات الوجد.

فنجد فى قصة «الحلم الذى لن أرويه لجدتى» الحلم هنا تداخل بنائى داخل السرد، ما يعنى أن تأويل النص ليس مغايرًا لتأويل الحلم.
الحلم يمنح النص خصوصية التلقى بين الأنا الفردية والأنا الجمعية بشكل يعمل على تتبع مسار الدلالة السردية.
ما بين الجدة والحفيدة، حلم يمنح الانفلات من قبضة الشعور والوعى الجاد، لكنه فضاء متسع للا شعور المتمرد كوسيلة لسرد ذاتى مندمج فى الآخر. «رأيت حلمًا وأنا كثيرًا ما أصنع أحلامى، لكننى هذه المرة لا أخترع حكاية، كما أن التردد الذى أبديه، وعدم رغبتى فى حكيه، والقتامة الباردة التى تقبض صدرى كلها تؤكد أنه فعلًا حلم، وليس نسيجًا صنعته مخاوفى» ص ٢٥.
الأنا هنا فى تتابع وجودى مع الجدة التى ترى نفس الحلم من سماح التى رسبت حتى الحلم الرمزى لموت الجدة، ومن هنا تستبق الأنا الحضور الميتافيزيقى الفاعل الممكن وغير المشروط واقعيًا، فبنية الحلم تتغير لكنها فى صيرورة أبدية تتمرد على الموت لأنها تصنعها، ومن خلال تجليات الحلم يبقى الأفق الغيبى يسهم فى مراوغة الدلالة السردية، التى إن نالها الفناء تحقق وجودها دائمًا.
فالتداخل الزمنى بين الزوج وسامية والجدة وطرح الموروث الثقافى لعادة السحر والأعمال تشحن الشخصيات بطاقات لغوية وتعبيرية مترعة بمشاعر الوحدة والقلق والخوف التى ودتها تعقيدات الحياة وتغيرات المجتمع من حولها فمثلًا «الصعود والهبوط، والدخول والخروج الرمزى، والفتاتين اللتين يرتديان زى الخدمة العسكرية، ثم سخرية الأحداث فى كونهما يرتديان ملابس بالية ورثة تحت هذا الزى وما هو إلا رداء يمنحهم الدفء من البرد وكأن تغيرات الزمن فى جانب من جوانبها تقود إلى مصير محتوم لا يمكن تغييره أبدًا، وينتهى الحدث بمصير مفتوح وكأن جذوة الحلم تنتصر لا للتحول أو للتغيير فى الحلم، وإنما للثبات والاستمرار لبذرة الوعى الغامضة فى الواقع.
أما عن قصة «الدرويشة والمريد» هى رؤية سيكولوجية وجودية تكسر تراتبية الحدث السردى الصوفى التقليدى بمنظور نسوى يكسر احتكار الدلالة العامة للرجل فى المقامات الصوفية فى الأدب الكلاسيكى.
تلك السيدة البسيطة فى زمنية ومكانية عادية تطرح السؤال عن النداء الصوفى للمحبة فى سرد ينزاح من الواقعية إلى رحاب الوجودية و علاقة التابع بالمتبوع؟
كانت تلك السيدة التى تصلى ويعدل لها أولادها أركان الصلاة فى احتياج إلى اليقين الذى يربطنا بخلفية «الدرويشة» فتبحث عن مرجعية للخلاص.
الشيخة مركز ثقل تدور حوله الأرواح القلقة منذ فقدها ابنتها ثم موت حفيدها فى سلطة نابعة من المعرفة والاحتواء.

صفاء النجار تعيد تشكيل زوايا النفس الإنسانية وهى تكسر التراتبية فى اختيار امرأة لتكون القطب الروحى الذى يمتثل لفلسفة الانتظار والعبور.
وهو ما ينقلنا إلى التجريب السردى المكانى «البرزخ» الذى منحته للنص، فتلك السيدة عبر سجادة الصلاة التى تحمل ورودًا وزهورًا عوضًا عن ثوابت المقدس، تكشف لنا العالم الداخلى بكل ما فيه ومَن فيه، فتمحى الفواصل وتتلاشى التخوم وتصعد فى سميفونية «الوجدان» المقياس الوحيد للتجربة، وهنا تتجلى قدرة الكاتبة على تحويل «الحالة الصوفية» من طقس دينى إلى حالة إنسانية عامة تتواصل فيه مع الآخر، فيصبح المحدود غير محدود فى المريد «الشيخ حسن» والضيق فسيحا بخروج وبقاء الأشخاص فى قلبها، وهو ما يعيد الاعتبار للذات الأنثوية فى قلب الأدوار من الهامش إلى المركز فتبدو الواقعة الهامشية للموت، الضئيلة، الطارئة، حدثًا كبيرًا، مؤثرًا ومدويًا وراسخًا، ورازح الحضور.
«أنا جميلة لأننى أشبه أمى» هنا نجد السرد الذاتى فى المجموعة القصصية الذى يمزج بين مفاهيم الهوية والعلاقة بين الأصل والصورة إنها فلسفة الانعكاس، فالجمال لا يستحضر إلا فى صورة الأم الغائبة، والكمال الوجودى للام من الصبغة الميتافيزقية كونها تنتمى إلى جبل الأوليمب منح النص معرفية راسخة «هى التى غرست مفهوم الله والضمير».
الكاتبة ترفض التشيىء وتتحرك فى ميكانيزم الشخصية الذى يجعل شخصية الأم هامشًا فى سياق المتن؛ لكن هى المتن الحقيقى فى إقرار التبعية، ولحظة التنوير فى السردية التى تمشط شعرها لترى البراوز على الحائط كاحتفاء للنموذج المكتفى بذاته ويحمل جدلية الاستمرار الروحية لزمن آخر.
«أنا كاتبة لأننى أشبه أبى» من اليقين والكمال إلى الحيرة والتعدد فى جملة تعتبر ليست نفيًا للوجهة الاجتماعية بقدر ما هى إثبات للهوية «لم يكن أبى موظفًا كبيرًا» الأب هنا «راعى غنم، بواب، رسام، شاعر بلاط، لقمان الحكيم».
تلك التعددية فى فضاء السرد تمثل الصيرورة الدائمة للكاتبة أنا كاتبة لأننى أشبه أبى فهى قادرة على تقمص الحيوات المتخيلة والواقعية.

تجدلنا الكاتبة فى أبواب الحيرة وفضاءاتها الرمزية الكبرى «الغابة والصدام مع الحداثة، البحر والوجد الذى يجعله محيطًا هائجًا لا يشعر بالفقد، القصر لغة الحيلة، الجنة عتبات تشقق الروح.
فالأب هو رمزية كبرى للعمية الإبداعية نفسها فحينما تصفه بأنه رسام تبحث عن ماهية الفن وقدرته على كشف القبح، واستهلاكه للمنظفات، سخرية من الواقع وفى الوقت ذاته مفارقة وجودية.
فإذا كانت الأم هى المعنى «الثبات،الضمير، الكمال» فالأب هو المبنى «الحكاية، القناع، التعدد» وهو ما منح التنوع الإنسانى فى التجربة القصصية كلها.
«أمى وأبى» هنا ذروة التكثيف الدلالى لثنائية الوجود «الاب، الأم» تمتثل تلك الذروة فى رصد الصدام الوجودى، ويستمر النص فى استقتطاب الرمز الميتافيزيقى عبر الفعل الماضى.
الأم المطلق برفضها للغفران فى صراع الأوليمب، والأب النسبى والتمرد البشرى، الإنسان الذى طرد من الجنة ليواجه مصير التيه، أما الأبناء هم «الجوقة» فى المأساة اليونانية هم ملائكة يسبحون بحمد الأم لكنهم عاجزون عن تغيير القدر.

وينتقل النص إلى فضيلة النسيان فيطرح السؤال هل النسيان خلاص أم عقاب؟.
تبرع صفاء النجار فى ضمير المتكلم «نحن أبناؤها، أورثنى أبى»، لكنها تحافظ على مسافة الغياب التى تراقب بها الانهيار كمرثية للعالم القديم الذى أعادنا إلى البراءة الأولى والبطولة المطلقة للنسيان قبل السؤال والطرد كنوع من الاستسلام لحتمية القدر.
ومن الأوليمب إلى حداثة التجريب فى قصة «تمساح فستقى يحتل مطبخى» المطبخ هو قلب البيت هو الألفة والأمان ظهور التمساح فيه يكسر هذا الأمان، التمساح هو فضاء رمزى يطرح الاكتئاب والصدمة «كائن ثقيل، بارد، يربض فى مكان حيوى، ويشل حركة صاحبه».
وهو كذلك رؤية للذاكرة والماضى وثقل الأسطورة التى تلاحق الإنسان المعاصر، التمساح هو الجانب المظلم للذات «الظل» بالمفهوم اليونغى تلك الأجزاء القبيحة أو المخيفة من أنفسنا التى نرفض الاعتراف بها لكنها تصر على البقاء أمامنا.
الكاتبة هنا تعايش العبث بدلًا من محاولة تفسير وجوده وتقرر دمجه فى الروتين اليومى كنوع من الاستسلام للعدمية «هل أنت حزين لأنك قبيح أم لانك قاتل وشرير»؟.
وربطت الكاتبة بين تلك العدمية ورمزية الكوتشينة «لعبة الحظ» ربما نحتاج هذا الظل كما نحتاج لوجود الوحش والقبح فى حياتنا لكى ندرك أبعاد وجودنا.

صفاء النجار تعالح القلق الوجودى من خلال «Humanization» الأنسنة لما هو وحشى بسخرية سوداء وكأنه يمثل الوجه الآخر للإنسانية.
«امتحان» ومن الرمزية للواقعية الهشة، تطرح الكاتبة هنا إشكالية الهوية عبر الزمن، فالذاكرة ليست مخزنًا للمعلومات، بل هى الوجود الذى يمنح للذات معناها وغيابها يعنى موتًا جزئيًا، فالصراع هنا بين المعرفة والجهل، بين الوعى والنسيان، ولكن التفاصيل اليومية هى تساؤلات الذاكرة المزعجة وهى الحصن ضد فوضى الماضى التى تحاول شخصية ريهام إعادته.
صفاء النجار تنتقد هشاشة العلاقات الإنسانية فى العصر الحديث، فالساردة هنا ليست فى امتحان مدرسى، بل هو «امتحان وجودي» لاستعادة ما تبقى منها.
تتحول الساردة من البحث فى ذاكرة الأشخاص إلى البحث فى ماهية الزمن والوجود من خلال علاقة أم بطفلتها «مريم فى قصة الزمن الأسطورة والأزرق الحار».
تتلاعب الكاتبة بمفاهيم الفيزياء عند أينشتاين لتحولها إلى تجربة شعورية فتقدم الزمن ليس كحقيقة مطلقة، بل كفعل نابع من الحركة والنبض «ساعة اللعب أسرع كثيرًا من ساعة الحساب» هى تجسيد للزمن النفسى مقابل الزمن الفيزيائى، أما عن صراع الاستقامة فى النص ناتج عن محدودية الرؤية، بينما حقيقة الدوران تمارسها الكاتبة بانتقادها للعقلانية الجافة التى ترى الحياة كخط مستقيم.

الدلالة السردية تمنح النص مفارقة ساخرة من التفكير فى مدارات المعرفة الممتدة والنيترونات إلى فاتورة المشتريات وسعر الكورن فليكس، ما يجسد الوجودية اليومية وهنا بذكاء أعطتنا مساحة للتأمل فى السماء والوقت وأنها رفاهية لا يمتلكها إلا من تحرر من طحن الحياة والمطالب السياسية والديمقراطية.
أما عن الأزرق الحار فهناك تناقض دلالى للمعنى، فالبرغم من كونه الأزرق يعبر عن حرارة النجوم نراه باردًا، وهو رمز خفى للخديعة فى الرؤية، فالسلام والهدوء الذى ننشده هو نتيجة احتراق داخلى للسكينة، وأن أقصى ما يمكننا فعله هو الاعتراف بضآلتنا أمام مدارت الوجود لمواجهة برودة الأسئلة الوجودية الكبرى.
«كوشينا» هى كذلك محطة زمنية ونزوع سيرى فى رصد ملامح الذات الداخلية «القطة»، ما إلا تنبأ بولادة روحية جديدة، حيث تشكل القطة هنا غابة مظلمة للبحث عن الذات الغائبة داخل حضور الوعى، وهذا يحتاج لشرط أساسى هو التخلص من ظلمة العادى وثقله بتعلم الروسية لتستطيع البطلة الحاضرة الوصول إلى حدس الذات التى تتسم بصنع المعجزات، تمثل ذلك القطة البطل الحاضر بالنداء التى عن طريقها يمكن التعرف على رموز حياتنا التى تفسر لنا العمق اللا موعى للأنثى.
وفى «تدريبات الحياة» الحياة هنا ليست غاية فى حد ذاتها، بل هى سلسلة من التمارين الشاقة للتأقلم مع الفقد والنسيان، والسباحة هنا إحساس واضح بالتحرر من ثقل الحياة اليومية، وتلك التدريبات تحتاج للتوازن النفسى لرصد ما هو مفصلى، وحاسم، ومهم.

أما فى قصة «البراح الذى يسكننى» هو طواف للدرويشة من زواية أخرى فى الرغبة الملحة فى التلاشى والانفصال عن الواقع المادى المزعج.
الهروب من الزمن الكرنولوجى وضجيج الأحداث، ضربات القلب المتسارعة إلى الزمن الخاص السكون والتأمل، وهنا تظهر فى عبثية سيزيف الفكر الوجودى، بأن الحياة تكرار مجهد وبلا جدوى وأن مرور الأيام يتطلب جهدا سيزيفيا.
أما عن رقصة الموت على مدار السرد تكتمل هنا بجملة «شادية لم تمت».
الموت هنا ليس نهاية، بل إغلاق للقوس، وتحويل للكائن من كينونة متغيرة إلى ماهية ثابتة.
كما أن شاعرية الخطاب السردية تحول الصفات البشرية لعبء يفرض عليه توقعات الآخرين.
ويظهر صراع خفى يمتد فى ثوب المجموعة القصصية هو الصراع بين المقدس والعادى، مثلًا «كصلاة الفجر» الساردة تبحث عن البراح لتنتصر للحقيقة الداخلية على حساب المظاهر الاجتماعية كنوع من الزهد المعاصر.
وتختتم الكاتبة المجموعة القصصية «بورم مشاكس يؤنس وحدتى» تلك السيرة السردية لسكين الألم وهو يراقص الأنا ويعكس مرايا الموت على مسار زمن لا يتوقف، يحتفظ من خلالها بسيماء البهاء والقوة على كل تغير ويأتى دائمًا فى موعده ويترك وراءه ما يدافع عن وطأة عالم موغل بين الصدى والصوت.

يطل الموت كحكم أخلاقى تؤوب خلاله الروح إلى مصدرها، ويتراءى معه عالم محلق عبر الأزمنة والأمكنة وأسماء الأدوية، ويتجاور به وجود متكافئ لحضور الأحياء الأم والأخت وبراءة الطفولة.
صفاء النجار لا تجسد شخصية المرض بقدر ما هى رؤية للمصير المرتقب فى الأبدية وإقامة جسور ممتدة بين الأحياء والموتى، وهو يشى بتصور جمعى مشترك فى كل المجموعة القصصية بعدم انفصال الموتى بموتهم، عن حياة الأحياء، بل تريد أن تحول كارثة الموت؛ فجيعته ووطآته وغيابه المفجع، إلى إلفة مقيمة ورحمة، تناوئ كل فجيعة ليظل الحزن الإنسانى كنسق من أنساق الواقع والمقدس الذى يمنح الدرويشة صرخة هادئة فى وجه العالم، ويخبرنا بأن الأسطورة لا تكتمل إلا برحيل الآخر بحثًا عن سكينة تجعل من الموت أسمى صور الحضور للحياة، وتعبير عن بلاغة الألم الرقص فوق الجراح لمواجهة الواقع بطريقة غير مألوفة.







