الثلاثاء 12 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

التجديد بالصدمة..

فى ثلاثة مقالات عمرها 25 عامًا.. شهادة رجاء النقاش: يوسف إدريس مسلم حقيقى

يوسف إدريس
يوسف إدريس

فى العام 2001 قدم المخرج الشاب مروان حامد فيلمه الروائى القصير- مدته كانت 40 دقيقة- «أكان لا بد يا لى لى أن تضيئى النور» عن قصة للأديب الكبير يوسف إدريس بالاسم نفسه، كان قد نشرها ضمن مجموعته «بيت من لحم» التى صدرت للمرة الأولى فى العام 1971. 
على عكس المجموعة القصصية التى استقبلها القراء بهدوء، أثار الفيلم عاصفة من الاعتراض، وصلت إلى تكفير يوسف إدريس، واعتبار قصته تسىء إلى الإسلام، وكانت النتيجة أن الفيلم الذى حصل على جائزة لجنة التحكيم فى مهرجان «برلين»، تم منع عرضه فى القاهرة، وتم حصاره بالاتهامات التى جعلت صُناعه فى موقف لا يحسدون عليه. 
ليس صحيحًا أن الفيلم كان مشروع تخرج مروان حامد فى معهد السينما، ولكنه كان أول فيلم روائى يخرجه بعد تخرجه مباشرة. 
قصة الفيلم -كما نسجها مروان من وحى قصة يوسف إدريس -كانت عن الشيخ عبدالعال الذى يعمل إمامًا لمسجد الشبوكشى فى حى الباطنية بالقاهرة، يلمح الشيخ فتاة جميلة اسمها «لى لى»، تظل تطارده فى أحلامه، ليقع فى صراع بين رغبته فيها وإيمانه وما يفرضه عليه من التزام، وفى إحدى صلواته وبينما هو يَؤم الناس، ويغرق فى تمتماته يجد نفسه ينسحب من إمامة المصلين ليقف على باب «لى لى»، فى إشارة إلى أن الرغبة انتصرت على الإيمان، وأن الشيطان قهر إيمان الشيخ. 

رجاء النقاش


لم يتخيل مروان حامد أن يثير فيلمه كل هذه الضجة، كل ما كان يعرفه أنه كان يحب يوسف إدريس، وأن هذه القصة تحديدًا ظلت مسيطرة عليه من المرة الأولى التى قرأها فيها، وكان حريصًا على أن يقدمها سينمائيًا، حتى يراها من لم يقرأها، ولم يكن تشغله أحداث القصة، بل ما كان مهتمًا به مساحة المشاعر فيها، وهى التى عمل على إبرازها سينمائيًا. 
استوقفت الضجة التى صاحبت الفيلم- الذى يمكن أن تجدوه متاحًا الآن عبر اليوتيوب- الكاتب الكبير رجاء النقاش، فكتب ثلاثة مقالات نشرها فى جريدة «الأهرام»، لا ليدافع عن الفيلم، ولكن للدفاع عن يوسف إدريس، ويدفع عنه الاتهام بأنه عدو للدين. 
المقال الأول كان عنوانه «يوسف إدريس أقرب إلى الله» ونشر فى 25 مارس 2001. 


بدأه رجاء النقاش بقوله: كان ذلك فيما أذكر سنة ١٩٨٤، وكنت قد ذهبت مع عدد من الكتاب والصحفيين المصريين لأداء العمرة، بعد أن شاركنا فى مهرجان «الجنادرية» الثقافى الذى تقيمه السعودية كل عام، وقد بدأنا رحلتنا إلى العمرة بزيارة المسجد النبوى فى المدينة المنورة، استعدادًا للذهاب إلى مكة والطواف بالكعبة، وفى المسجد النبوى، وفى الجزء المعروف بالروضة الشريفة الذى يقع بين المنبر النبوى وقبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، رأيت الكاتب الكبير يوسف إدريس يقف وحده أمام قبر الرسول وهو يبكى، وقد أدى يوسف معنا مناسك العمرة بعد ذلك، فطاف بالكعبة، وقبّل الحجر الأسود، وسعى بين الصفا والمروة، وفى اللحظة التى كان فيها يوسف يبكى بدموع حقيقية غزيرة، وجدت أحدهم يقترب منى ويهمس فى أذنى: انظر إلى هذه الدموع الكاذبة فى عيون يوسف إدريس، إن يوسف يسارى معروف، وأهل اليسار لا يؤمنون بالدين، ولا شك أن له هدفًا آخر من وراء هذه الدموع، فهو إنسان ذكى وقادر على التمثيل الجيد من أجل تحقيق أهدافه الخاصة. 
رد النقاش بعنف على من قال هذا الكلام، حاول فقط أن يلتزم بكل ما يمكنه من ضبط النفس، احترامًا للمكان المقدس الذى كان فيه، وهو المسجد النبوى الشريف. 


قال لمحدثه: إننى على العكس أثق بدموع يوسف إدريس، وأثق بأنه صادق كل الصدق، فانظر إليه، وهو يقف وحيدًا لا يكاد يشعر بالزحام الذى يحيط به، ولا يلتفت إلى غيره، ولا أظنه الآن يعبأ بشىء آخر فى الدنيا كلها سوى مشاعره الأمينة التى يعبر عنها بدموعه، ثم يا أخى هل دخلت قلب يوسف إدريس لتعرف حقيقة إيمانه، وتحكم عليه بأنه إيمان مفقود وغير موجود؟ ثم ماذا يعنى قولك إن اليساريين لا يؤمنون؟ إن أدب يوسف إدريس هو دفاع عن الفقراء والمستضعفين فى الأرض، وأدبه عظيم وصادق، فكيف يكون هذا المدافع النبيل عن الفقراء والضعفاء صاحب قلب يخلو من الإيمان؟ 
وبغضب متواصل أضاف رجاء: إن مثل هذا الموقف دليل على الإيمان الثابت القوى، الذى يعرف يوسف إدريس ويعرف أدبه لا يمكن أن يقول إن دموعه كاذبة، فهو رجل صلب وعنيد، ولا يخاف من إعلان ما يؤمن به، وقد دفع ثمن ذلك بالمتاعب والمنغصات التى صاحبته طيلة حياته كلها، ولذلك فأنا أقول لك على عكس ما تقوله تمامًا: هذه دموع صادقة، صادرة عن قلب صادق، وعين لا تعرف الكذب أو المراوغة. 
أدرك من حدّث رجاء أنه غاضب ومنفعل ضده بشدة، فانصرف عنه، وبقى طوال رحلة العمرة حريصًا على عدم الاقتراب منه أو تبادل الكلام معه بأى صورة من الصور. 
لم يتحدث رجاء مطلقًا عن هذه الواقعة مع يوسف إدريس أو غيره، وكانت هذه هى المرة الأولى التى يفصح عنها. 
بعد العودة من العمرة كتب يوسف إدريس مقالًا فى الأهرام عن تجربته الروحية، وأعاد نشر هذا المقال فى كتاب له عنوانه «إسلام بلا ضفاف» فى عام ١٩٨٩، وعنوان هذا المقال هو «عمرة كاتب». 
عرض النقاش أهم ما جاء فى المقال، ثم علق عليه بقوله: هذا ما كتبه يوسف إدريس بعد أدائه العمرة، فهل هذا الكلام الصادق يمكن أن يصدر عن إنسان دموعه كاذبة؟ إننى لا أكاد الآن أتذكر اسم الشخص الذى همس فى أذنى بهذا الاتهام، ولا أكاد أتذكر وجهه، ولا أظن أننى التقيت به مرة أخرى بعد أن سمعت منه هذا الهمس الذى يشبه وسوسة الشيطان، ولكننى تذكرت الحكاية كلها منذ أيام عندما ردد البعض اتهامًا ليوسف إدريس بأنه ضد الدين، وذلك بعد أن قام المخرج السينمائى الشاب مروان حامد بإخراج فيلم قصير عن قصة ليوسف إدريس عنوانها «أكان لا بد يا لى لى أن تضيئى النور؟». 


يرصد النقاش ما جرى عندما كتب قصته، يقول: القصة التى كتبها يوسف إدريس من ثلاثين عامًا متهمة بأنها خارجة على الدين، وقد كتبها ونشرها على الناس فى مجموعته «بيت من لحم»، وعند نشرها لأول مرة لم يقل عنها أحد إنها ضد الدين، فهل كان الناس فى الستينيات أقل تدينًا مما هم عليه الآن؟ وهل كان رجال الدين فى ذلك العصر وهو عصر الباقورى وبيصار وخالد محمد خالد وغيرهم من أئمة الإسلام وعلمائه البارزين غافلين عن دينهم، فسكتوا عن قصة يوسف إدريس حتى جاء من ينبه الجميع اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين سنة إلى أن القصة ضد الدين؟ 
ويجيب رجاء: طبعًا هذا كلام غير معقول ولا مقبول، فلو كان فى القصة شىء من ذلك لأثارت الرفض والاعتراض عند نشرها لأول مرة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لا أحد اتهم القصة بمثل هذا الاتهام أو غيره، خلال هذه الفترة، حتى جاء إلينا هذه الأيام من يقول لنا إن الناس فى بلادنا كانوا بلهاء لا يفهمون ما قصد إليه يوسف جيدًا من وراء قصته، والناس لم يكونوا بلهاء، وقراء الأدب الجميل الرفيع لا يمكن أن يكونوا بلهاء، فالبلهاء لا يقرأون مثل هذا الأدب ولا يهتمون به، وإنما يقرأون- إن قرأوا- أشياء فيها بلاهة أيضًا. 
ويفند رجاء اتهام عداء اليسار للإسلام، يقول: الكلام الشائع الذى يقول إن اليسار بطبيعته ضد الدين وإن الهدف من أى فكر يسارى هو هدم الدين، إنما هو كلام غير دقيق، ومصدر مثل هذا الكلام هو أننا فى بعض الأحيان نستخدم المصطلحات الغريبة كما هى، ودون مراجعة ذلك لأن الأفكار اليسارية ذات القيمة قد دخلت عالمنا العربى من باب واحد كبير هو باب المقاومة للاستعمار، والمقاومة للظلم الاقتصادى وانعدام العدالة والمساواة بين الناس فى ظروف الحياة، والفرص المتكافئة بين الجميع. 
ويضيف: أما موضوع الدين فلم يقترب منه أحد من أهل اليسار ذوى الذهن المتفتح والعقل الراجح، إذ إن هؤلاء المخلصين كانوا يدركون فى نفوسهم وفيما حولهم أن الدين ثابت وقوى فى الضمير العربى، وأن من العبث وعدم الأمانة الاقتراب من الدين بطريقة سلبية، ولا شك أن يوسف إدريس كان يساريًا، ولكنه كان يمثل ذلك اليسار الحر الذى يقرأ كتاب الواقع قبل أن يقرأ كتب اليسار المدرسية التى تمس الدين من قريب أو بعيد، وأى قراءة صحيحة لأدب يوسف إدريس سوف تصل بسهولة إلى نقطة الالتقاء بين هذا الأدب العظيم وبين المشاعر الدينية الأصيلة. 


ينتقل النقاش إلى أدب يوسف إدريس، فيقول عنه: قصص يوسف ورواياته ومسرحياته ومقالاته، هى دفاع حار عن الإنسان المظلوم، والدعوة إلى تحريره من كل القيود التى تؤذيه فى لقمة عيشه أو فى كرامته أو تسلب منه ثمار جهده إن كان من الذين يبذلون ويتعبون من أجل حياة شريفة لا عبث فيها ولا استهتار، وليس فيها كسل أو خمول أو رغبة غير سليمة فى الاعتماد على الآخرين، وهذه كلها فى جوهرها معانٍ يدعو إليها الدين فى وضوح وقوة، فالدين الحق لا يقبل ظلم إنسان لإنسان، ولا يقبل الإساءة بالقول أو بالعمل إلى كرامة أى إنسان مهما يكن هذا الإنسان متواضعًا لا يملك ما يرفع شأنه من ثروة أو منصب أو عائلة. 
ويشير رجاء إلى نقطة الالتقاء الوثيقة بين الفن والدين، وهى الفكرة التى تؤكد أنه لا انفصال بين الدين والحياة، وأن الدين قد جاء إلى الناس عن طريق الرسل والأنبياء والكتب المقدسة لكى يجعل الحياة أكثر سعادة وكرامة، ولكى يخلق بين الناس علاقات قائمة على الرحمة والتعاطف، وليس على الصراع والتنافس وإهلاك بعضنا بعضًا. 
ويعود رجاء إلى قصة يوسف «أكان لا بد يا لى لى أن تضيئى النور»، ويقول: هذه القصة فيها الموضوع المفضل عند يوسف إدريس، كلما اقترب من القضية الدينية، وأقصد به موضوع العلاقة الوثيقة بين الدين والحياة، وقد عالج يوسف هذا الموضوع فى قصته البديعة من زاوية معروفة فى الأدب العالمى كله، وهى زاوية «إغراء الشيطان للإنسان»، وتلك قصة معروفة حتى فى الكتب المقدسة، وعلى رأسها القرآن الكريم عن خروج سيدنا آدم، عليه السلام، من الجنة، وهذا كله وقع لآدم وهو نبى من أنبياء الله، فالصراع مع الشيطان وما يقدمه للإنسان من إغراء، وما يحرضه عليه ويدفعه إليه من الخطايا هو أمر يحدث فى حياة الناس، وكل إنسان مُعرض له، وغير معصوم منه، والحكمة من تصوير مثل هذا الصراع فى الفن هو الكشف عن الظروف التى تؤدى إلى ضعف الإنسان وسهولة استجابته للأغواء، وعندما يكشف لنا الفن الجميل عن هذه الظروف التى تؤدى إلى الضعف، فإنه بذلك يدعونا- حتى دون أى إشارة مباشرة- إلى تغيير هذه الظروف وتعديلها حتى يتخلص الإنسان من ضعفه ويتغلب على وسوسة كل الشياطين فى نفسه أو خارجها. 
وبعين الناقد الأدبى المرموق، يذهب النقاش إلى أن يوسف إدريس عالج هذا الموضوع فى دقة وعمق وسحر فنى فاتن، والمعنى الكبير الذى نخرج به من هذه القصة هو أن ظروف الحرمان والفقر وضيق الحياة تؤثر على صلابة الإنسان وتؤدى به إلى الضعف، بل وتؤدى به إلى السقوط فى بعض الأحيان، والمعنى الإيجابى هنا هو نقد الظروف السيئة التى تحيط بالناس والدعوة إلى تغييرها، وهو معنى محسوس فى قصة يوسف إدريس الجميلة، وباستطاعتنا أن نصل إليه دون أى صعوبة أو تعقيد. 
وفى 1 أبريل 2001 يكتب رجاء النقاش مقاله الثانى بعنوان «تكفير يوسف إدريس». 

يبدأ رجاء المقال بقوله: التطرف دائمًا يؤدى إلى شىء واحد هو ضيق العقل، بحيث يتحول هذا العقل المتطرف إلى أداة للقهر والتخويف وليس أداة للوعى والتفكير السليم، والتطرف فى حقيقته هو موقف غير أخلاقى، لأن المتطرف يتعامل مع الناس جميعًا حسب مقاييسه التى يؤمن بها وحده، فإذا خرج الناس عن هذه المقاييس لسبب أو لآخر فهم فى نظر المتطرف مخطئون يستحقون العقاب، والمتطرفون دائمًا مستبدون طغاة، وما من مرة فرضت ظروفى أن أجلس إلى متطرف أو أستمع إليه، إلا وذهب خيالى إلى موقف أسأل نفسى فيه: ماذا يمكن أن يفعل هذا المتطرف لو أنه كان حاكمًا أو صاحب سلطان؟ 
ويجيب النقاش عن سؤاله: الإجابة واضحة تمامًا، وهى أن هذا المتطرف لو كان فى يده الأمر لقام بنصب المشانق لكل من يختلف معه فى الرأى، حتى لو كان الاختلاف بسيطًا ومتواضعًا، فالمتطرف لا يرى فى الدنيا سوى نفسه، ولا يعترف بتفكير آخر إلا تفكيره الخاص، والمتطرف لا يعرف السماحة واتساع الصدر، وليست لديه أى قدرة على المراجعة، ولا يتحمل أن يقول لنفسه: ربما أكون مخطئًا وغيرى على صواب، فربما هذه ليست فى قاموس المتطرفين، ومن يقول «ربما» هو عند المتطرفين من المترددين الذين لا يعرفون اليقين. 
ويضع النقاش قاعدة أدبية مهمة، يقول عنها: فن الأدب لا يحتمل القارئ المتطرف ولا الكاتب المتطرف، لأن فن الأدب ليس قرارات أو أحكامًا نهائية، ولكنه فن يقوم على التحليل والتصوير لحالات إنسانية فيها صراعات بين أفكار مختلفة ومشاعر متعددة، والأديب أو الفنان لا يتخذ موقفًا ظاهرًا من هذه الصراعات، لأنه لو فعل ذلك لفقد قدرته على التأثير فى نفوس الناس، ولكن الأديب أو الفنان الحقيقى يوحى من بعيد ويغمز بعينيه، ويشير إشارة ذكية تكاد تكون خفيفة إلى ما يريد، وبذلك يصل الكاتب إلى هدفه بنفس الطريقة التى يصل بها الأكسجين إلى الرئتين، أى إنه يصل بسهولة ويسر دون أى معاناة، ودون أن يحس بشىء من العسر أو الصعوبة. 
يرى النقاش أن هذه القاعدة تنطبق تمامًا على يوسف إدريس، فأدبه من هذا النوع الرفيع، إنه أدب يقوم على التحليل العميق والتصوير البليغ، فرأى الأديب يصلنا عن طريق اللمحات والإشارات وليس عن طريق الوعظ والإرشاد. 


جعل النقاش حديثه عن هذه القاعدة الأدبية وتوفرها فى أدب يوسف إدريس مدخلًا لحديثه عن الذين أثاروا الادعاء الكاذب بتكفير يوسف إدريس، وهم بالنسبة له متطرفون من هذا النوع الذى يثير الأعصاب ويظلم الناس، ويدعى لنفسه حق الحكم على الأدباء والمفكرين، رغم أن هؤلاء المتطرفين لا يملكون ما يؤهلهم للحكم على الناس، وليس لديهم أى حق فى الحكم على الأدب بوسائل الحكم الأدبى الصحيح، أو بوسائل الذوق الفنى القادر على أن يدرك القيمة الحقيقية لأى فن وما فيه من أفكار عميقة. 
ويقيّم الرجاء هؤلاء بقوله: الذين يحكمون على يوسف إدريس بالكفر متطرفون جاهلون بكل ما فى الآداب الإنسانية الرائعة، ومنها أدب يوسف إدريس، من أصالة وقوة روحية مؤثرة، والذين يكفرون يوسف إدريس هم الذين كفروا أديبًا عظيمًا وإنسانًا نقيًا تقيًا مثل نجيب محفوظ من قبل وحاولوا اغتياله، وهم الذين أرغموا عالمًا مصريًا نابهًا هو الدكتور نصر حامد أبوزيد على الهجرة من مصر مع زوجته ليعيش غريبًا فى هولندا، حيث يلقى التكريم فى غربته ولكنه محروم من الوطن. 
يدخل النقاش بعد ذلك إلى ساحة يوسف إدريس، يقول: أنا أدافع اليوم باقتناع وإيمان عن دين يوسف إدريس، وأقول للذين أعلنوا تكفيره: راجعوا أنفسكم فأنتم مخطئون وغير منصفين، فيوسف عبقرية أدبية وفنية من واجبنا أن نحرص عليها ونضمها إلى صدورنا فى حب وحنان واعتزاز، وألا ننظر إليها بعقلية «طالبان» التى ارتكبت جريمة كبرى ضد فن إنسانى عظيم بحجة الدفاع عن الدين، والدين برىء من هذه الجريمة براءة «طالبان» من العقل والحكمة والذوق السليم والإحساس بالمسئولية الصحيحة تجاه التاريخ والإنسانية كلها. 
يجمل النقاش الفكرة التى يقدمها يوسف إدريس فى أدبه، فلديه فكرة أساسية كانت تشغله دائمًا، وقد عبر عنها خير تعبير فى قصصه الرائعة، وهذه الفكرة هى أن الدين وثيق الصلة بالحياة، وأن الدين دون الحياة لا يختلف مطلقًا عن الحياة دون دين. 
يظهر لنا ذلك- كما يقول النقاش- فى قصته المتهمة «أكان لا بد يا لى لى أن تضيئى النور»، ففيها يقدم يوسف بطريقته الفنية الممتعة العميقة الفاتنة ما يؤكد فى نفوسنا هذا المعنى الكبير، وهو أن الدين لا يؤدى رسالته العظيمة إلا فى مجتمع سليم خالٍ من عناصر الفوضى والاضطراب التى تسحق الإنسان وتملأ حياته بالشقاء، فلا بد من العمل على إزالة عوامل القهر فى حياة الإنسان بجميع أشكال القهر الاقتصادى والاجتماعى والفكرى حتى يكون الدين صحيحًا سليمًا من أى نقص أو تقصير. 
قصة يوسف إدريس- كما يرى النقاش- تؤكد هذا المعنى الذى آمن به يوسف إدريس فى أدبه العظيم أشد الإيمان، فعندما يكون الناس مقهورين تحت وطأة الفقر الساحق، وتحت تأثير المخدرات المنتشرة بينهم بحجة خاطئة وهى أن الحشيش لا يوجد له أى تحريم فى القرآن، عندما تكون هناك بيئة مثل هذه البيئة، فيها فقر لا يرحم ومخدرات تذهب بالعقل وقسوة للحياة على الناس غير محدودة، فكيف ننتظر ألا يتعرض دين الناس لشرخ من الشروخ؟ 
الواجب طبقًا ليوسف إدريس، كما يشرح النقاش، هو تخليص حياة الناس من القهر الذى يتعرضون له، وبذلك تنصلح أحوال الدين والدنيا، ولا يمكن إصلاح أحوال الناس إلا بإصلاح أحوال الدنيا فى الوقت نفسه. 
ويسأل رجاء: هل هذه فكرة يمكن أن يعترض عليها أحد؟ وهل فى الدين ما يتناقض مع هذه الفكرة من قريب أو بعيد؟ وهل عندما يحرص يوسف إدريس فى فنه على الالتفات لهذه الفكرة والتنبه لها والعناية بها، يكون كافرًا كما يقول الذين يتهمونه الآن؟ 
ويجيب رجاء: على العكس تمامًا، فإن ما يقوله يوسف إدريس ويدعو إليه من الربط بخيط قوى متين بين الدين والحياة هو من صميم الإيمان الصادق الصحيح، ولا أذكر مَن هو صاحب تلك الحكمة المأثورة التى تقول «إذا دخل الفقر بلدًا قال له الكفر خذنى معك»، ولعله الإمام على، رضى الله عنه، وهو نفسه القائل «لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، فالفقر هو تلخيص كامل لبؤس الإنسان فى كل شىء، ومع الفقر الشديد الساحق لا بد أن ينشأ من الأسباب ما يؤدى إلى الكفر والمعصية وضعف العقيدة، ولا بد لمن يريد «إحياء الدين» أن يحارب الأسباب القوية التى تؤدى إلى إضعاف الدين، وفى مقدمة هذه الأسباب الفقر وما ينتج عنه من ألوان البؤس المختلفة. 
ويستشهد النقاش بقصة أخرى من قصص إدريس، وهى قصة «طبلية من السماء»، وهى إحدى قصص مجموعته «حادثة شرف». 


فى هذه القصة نجد البطل واسمه «الشيخ على» يقف فى الجرن أو ميدان القرية فى منتصف يوم من أيام الجمعة فى بلدته «منية النصر»، ويهدد بأنه سوف يكفر إذا لم تنزل إليه مائدة من السماء فيها جوز فراخ وطبق عسل نحل ورصة عيش ساخن: ودينى لأعد لغاية عشرة وإن ما نزلت المائدة مانى مخلى ولا مبقى. 
يعلق النقاش على هذه القصة ويقول: الدين يتعرض للمخاطر إذا كانت الحياة نفسها فريسة للفوضى والاضطراب، ومن الصعب انتظار الإيمان الثابت عند إنسان جائع وعريان، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان ليس مسئولية الفرد وحده، بل هو مسئولية تتحملها الجماعة، فإذا تهاونت الجماعة فى التعاون الصادق على خير أفرادها فردًا فردًا، سقط هؤلاء الأفراد فريسة سهلة لجميع الأمراض، ومنها مريض الإيمان الضعيف أو المهتز أو القابل للشك وإلانكار، أما إذا نهضت الجماعة بواجبها العام، وأحست أن كل من ساء حظه فيها وأتعبته الحياة وحرمته من حاجاته الضرورية هو مسئولية على الجميع أن يتحملوها ويعالجوها ويضعوا حدًا لها، فإن كل شىء يزدهر، وتصبح الحياة حديثة مليئة بالورود الناضرة فى عز الربيع، وفى هذه الحالة من التضامن الصحيح يصبح الدين فى أمان من كل المخاطر والشكوك، لأن النفوس تطمئن والاطمئنان هو الأرض الصالحة للإيمان. 
ويخلص النقاش من ذلك إلى توصيف حالة يوسف إدريس الإيمانية، يقول: الذين يقولون بتكفير يوسف إدريس غير منصفين، ورؤيتهم لأدبه هى رؤية خارجية ينقصها التذوق لهذا الأدب الفريد فى أسلوبه وصوره وقدرته على إيجاد لحظات مدهشة تنبه العقل والقلب والضمير، وموقف يوسف من الدين هو موقف راسخ الإيمان، ولكنه إيمان مُضىء بكثير من النور، وهو إيمان فيه دعوة وتحريض للبحث عن قوة الدين فى قوة الحياة، وعدم النظر للدين على أنه قوة معزولة ومنفصلة عن الدنيا والناس. 
المقال الثالث كتبه رجاء النقاش فى 22 أبريل 2001 وكان عنوانه «ضد الدروشة والفهلوة»
 

بدأه باعتراف واضح، قال فيه: أنا أحب يوسف إدريس وأؤمن بعبقريته، ورغم أننى شاغبته كثيرًا فى حياته فإننى لم أفقد حبى له أبدًا، ولم أفقد أبدًا اقتناعى الكامل بأنه واحد من أعظم الأدباء الذين أنجبهم الأدب العربى فى كل العصور، وأنا أحب الكتابة عن يوسف إدريس من باب الوفاء له، وأحب أن أفعل ذلك من باب الدفاع عنه ضد أعداء له سكتوا عنه فى حياته خوفًا من جرأته التى كانت تبلغ حد الشراسة فى بعض الأحيان، ثم ظهروا فى الأيام الأخيرة يحاولون تجريحه واتهامه بتلك التهمة القاسية التى يفر منها لأناس ويهربون عندما يستمعون إليها وهى تهمة الكفر والعداء للدين، والحق أنها تهمة باطلة وظالمة وسخيفة. 
فى المقال الأخير من مقالاته الثلاثة كتب النقاش ما يمكننا اعتباره وصية. 
بعد مقارنة طويلة بين محبته لنجيب محفوظ وتقديره الشديد ليوسف إدريس، قال: يوسف شخصية أدبية إنسانية بالغة الأهمية، وينبغى أن ننفض الغبار الذى يحاول البعض أن يثيره حول هذه الشخصية، وأن نبتعد عن كل ألوان الإهمال للأدب الذى تركه قبل رحيله، فهذا الأدب يعطى لكاتبه المبدع حياة ممتدة ومستمرة، وعندما بدأت فى الكتابة عنه كنت أحس أنه حى يمشى بيننا بفنه وآرائه العميقة وحيويته الهائلة، ومشاغباته العنيفة التى تحرك العقول والنفوس، وكنت أشعر وما زلت بأن حاجتنا إلى يوسف إدريس تزداد ولا تقل مع الأيام، فما يطرحه أدبه من أفكار يفيدنا الآن فى كثير مما نعانيه ونشكو منه، وعلى رأس هذه القضايا المهمة العلاقة بين الدين والحياة، فقد أراد البعض أن يلغى يوسف إدريس بدعوى أنه ضد الدين، وقد تعرض لنفس الاتهام فى حياته، ولكنه دافع عن نفسه بقوة وكشف زيفه وزيف الذين رددوه، والآن فإن الذى يدافع عن يوسف إدريس هو أدبه، وأدبه قادر على أن يقوم بهذا الدفاع بقوة وبسالة، فهو ملىء بالأفكار والتصوير العميق للعلاقة بين الدين والحياة، وما ينبغى أن يتركه الدين الصحيح من آثار إيجابية كبرى لتصحيح السلوك الإنسانى والإنحرافات التى تجرف المجتمعات وتهددها بالإنهيار. 
ويختم النقاش مقاله بقوله: كان يوسف إدريس ضد الدروشة فى الدين وما يتبعها من فهلوة فى الحياة، وكان من أكبر الدعاة إلى التنبه واليقظة والابتعاد عن الجمود والالتفات إلى ما يساعد الإنسان ويواسيه ويسانده فى معارك الحياة الصعبة.