التجديد بالصدمة..
طبلية من السماء.. من مجموعة «حادثة شرف» 1958
-ثمة قوانين مَرْعيَّة تنظِّم حياة الكل ويسمُّونها الأصول فلا يتعدَّى اللص على لص ولا أحدٌ يُعيِّ أحدًا بصنعته
أن ترى إنسانًا يجرى فى شارع من شوارع منية النصر، فذلك حادث، فالناس هناك نادرًا ما يجرون، ولماذا يجرون وليس فى القرية ما يستحق الجرى؟! المواعيد لا تُحسَب بالدقائق والثوانى، والقطارات تتحرَّك فى بطء الشمس، قطارٌ إذا طَلَعَتْ، وآخَر حين تتوسَّط السماء، ومع مغيبها يفوت واحد، ولا ضجيج هناك يُثِير الأعصاب ويدفع إلى التهوُّر والسرعة، كل شىء بطىء، هادئ عاقل، وكل شىء قانع مستمتع ببطئه وهدوئه ذاك، والسرعة غير مطلوبة أبدًا، والعجلة من الشيطان.
أن ترى واحدًا يجرى فى منية النصر، فذلك حادث، وكأنه صوت السيرينة فى عربة بوليس النجدة، فلا بد أن وراء جرْيِه أمرًا مُثيرًا، وما أجمل أن يحدث فى البلدة الهادئة البطيئة أمر مثير!
كان يفضِّل أن يبقَى أيامًا بلا دخان على أن يطلب من أحدهم أن يلف له سيجارة
وفى يوم الجمعة ذاك، لم يكن واحد فقط هو الذى يجرى فى منية النصر، الواقع أنه كانت هناك حركة جرى واسعة النطاق، ولم يكن أحد يعرف السبب، فالشوارع والأزِقَّة تسبح فى هدوئها الأبدى، وينتابها ذلك الركود الذى يستتب فى العادة بعد صلاة الجمعة حيث تُرَشُّ أرضُها بماء الغسيل المختلط بالرغوة والزهرة ورائحة الصابون الرخيص، وحيث النسوة فى الداخل مشغولات بإعداد الغداء والرجال فى الخارج يتسكَّعون ويتصعلكون إلى أن ينتهى إعداد الغداء، وإذا بهذا الهدوء كله يتعكَّر بسيقان ضخمة غليظة تجرى وتهزُّ البيوت، ويمرُّ الجارى بجماعة جالسة أمام بيت فلا ينسى وهو يجرى أن يُلقِى السلام، ويردُّ الجالسون سلامَه ويحاولون سؤاله عن سبب الجرى، ولكنه يكون قد نفذ، حينئذٍ يقفون ويحاولون معرفة السبب، وطبعًا لا يستطيعون، وحينئذٍ يدفعهم حبُّ الاستطلاع إلى المشى، ثم يقترح أحدهم الإسراع فيُسرِعون ويجدون أنفسَهم آخِر الأمر يجرون، ولا ينسون أن يُلقوا السلام على جماعات الجالسين، فتَقِف الجماعات ولا تلبث أن تجد نفسَها تجرى هى الأخرى.
غير أنه مهما غمُضَ السبب، فلا بد فى النهاية أن يُعرَف، ولا بد أن يتجمَّع الناس فى مكان الحادث بعد قليل؛ فالبلدة صغيرة، وألف مَن يدلُّك، وقبل أن تلهث تكون قد قطعْتَها طولًا وعرضًا.
وهكذا لم يمضِ وقت طويل حتى كان قد تجمَّع عند الجرن عدد كبير من الناس، كلُّ مَن فى استطاعته الجرى كان قد وصل، ولم يَبْقَ مبعثرًا فى الطريق غير كبار السن والعواجيز الذين آثَروا التمشِّى حتى يَبْدُوا كبارًا فى السن، وحتى يَبْدو ثمةَ فرقٌ بينهم وبين الشبَّان الصغار والعيال، ولكنهم كانوا أيضًا يُسرِعون وفى نيَّتهم أن يصلوا قبل فوات الأوان، وقبل أن يصبح الحادث خبرًا.
ومنية النصر كغيرها من بلاد الله الواسعة تتشاءم من يوم الجمعة، وأى حادث يقع فيه لا بد أنه كارثة أكيدة، ليس هذا فقط، بل إنهم، مبالغة فى التشاؤم، لا يجرأون على القيام بأى عمل فى هذا اليوم بالذات، مخافة أن يُصِيبه الفشل، وعلى هذا تؤجَّل الأعمال كلها إلى يوم السبت، وإذا سألتَ: لماذا هذا التشاؤم؟ قالوا لك: لأن فى يوم الجمعة ساعة نحْس. ولكنَّ الظاهر أن السبب الحقيقى ليس هذا، والظاهر أن ساعة النحس هذه حجةٌ ليس إلَّا، ووسيلة يستطيع بها الفلاحون أن يؤجِّلوا عمل الجمعة إلى السبت، وبهذا يصبح يوم الجمعة راحةً، ولكن الراحة كلمة بشعة عند الفلاحين، الراحة إهانة لخشونتهم وقدرتهم الخارقة على العمل التى لا تكل، الراحة لا يحتاجها إلا أبناء المدن فقط ذوو اللحوم الطرية الذين يعملون فى الظل، ومع هذا يلهثون، الراحة الأسبوعية بدعة إذن، إلَّا أن يكون يوم الجمعة شؤمًا وفيه ساعة نحس، وحينئذٍ فقط من الجائز أن تؤجَّل الأعمال لتتم فى يوم السبت.
ولهذا كان الناس يتوقَّعون أن يكون سبب حركة الجرى هذه مصيبة كبرى حلَّتْ بأحد، ولكنَّهم حين يصلون إلى الجرن لا يجدون بهيمة فطسَى ولا حريقًا قائمًا، ولا رجلًا يذبح رجلًا.
كانوا يجدون الشيخ عليًّا واقفًا فى وسط الجرن، وهو فى حالة غضب شديد وقد خلع جلبابه وعمامته وأمسك بعصاه وراح يهزُّها بعنف، وحين يسألون عن الحكاية، يقول لهم السابقون: «الشيخ ح يكفر»، وكان الناس حينئذٍ يضحكون، فلا ريب أن تلك نادرة أخرى من نوادر الشيخ على الذى كان هو نفسه نادرة، فرأسه كبير كرأس الحمار، وعيناه واسعتان مستديرتان كعيون أم قويق، وله فى ركن كل عين جلطة دم، وصوته إذا تكلَّم يخرج مبحوحًا مكتومًا كصوت الوابور إذا انكتم نفسه وشحر، ولم تكن له ابتسامة، فقد كان لا يبتسم أبدًا، إذا انبسط — ونادرًا ما ينبسط — قهقه، وإذا لم ينبسط كشر، وكلمة واحدة لا تُعجبه يتعكَّر دمُه حتى يستحيل إلى مازوت وينقضُّ على قائلِها، قد ينقض عليه بيده ذات الأصابع الغليظة كالصوامع، أو قد ينقضُّ عليه بعصاه، وعصاه كان لها عقفة، وكانت من خيزران غليظ، وكان لها كعب من حديد، وكان يحبُّها ويعزُّها ويسمِّيها الحكمدار.
أرسله أبوه ليتعلَّم فى الأزهر، وهناك أخطأ شيخُه مرة وقال له: «إنت بغل!» فما كان من الشيخ إلَّا أن ردَّ عليه وقال: «إنت ستين بغل!» ولَمَّا رفدوه وعاد إلى منية النصر عمل خطيبًا للمسجد وإمامًا، ونسى ذات يوم وصلَّى الجمعة ثلاث ركعات، ولَمَّا حاوَل المصلُّون وراءَه تنبيهَه لعن آباءهم جميعًا وطلَّق من يومها الإمامةَ والجامعَ، ولأجل خاطِرهم طلَّق الصلاةَ، وتعلَّم الكوتشينة وظلَّ يلعبها حتى باع كلَّ ما يَمْلِكه، وحينئذٍ حلف بالطلاق أن يبطلها، وكان محمد أفندى المدرِّس بالمدرسة الابتدائية فى البندر فاتحًا دكان بقالة فى البلدة، عرض على الشيخ على أن يقف فى الدكان ساعات الصباح فقَبِل، ولكنه لم يعمل إلَّا ثلاثة أيام، وفى اليوم الرابع كان محمد أفندى واقفًا أمام الدكان يتصبَّب حلاوة طحينية، فقد اكتشف الشيخ على أن محمد أفندى يضع قطعة حديد فى الميزان ليطب، وقال له الشيخ علي: «إنت حرامي!» وما كاد محمد أفندى يقول: «لايِمْها يا شيخ على، واسكت، وخليك تاكل عيش»، حتى قذَفَه الشيخ على بكتلة الحلاوة الطحينية، ومن يومها لم يجرؤ أحدٌ على أن يعهد للشيخ على بعمل، وحتى لو كان قد جرؤ، فالشيخ على نفسُه لم يكن متحمِّسًا لأى عمل.
وكان هذا الشيخ على قبيحًا، ضيِّقَ الصدْر، لا عمل له، ومع هذا لم يكن فى البلدة مَن يكرهه، كان الجميع يحبونه ويعشقونه ويتداولون نوادِرَه، وألذُّ ساعة هى تلك التى يجلسون فيها حوله يستفزُّونه ليَغضَب، وغضَبُه كان يُضحِكهم، كان إذا غضب، واربدَّتْ ملامحه، وانكتم صوته، كان الواحد منهم لا يتمالَك نفسه ويموت من الضحك؟ ويظلون يستفزُّونه ويظل هو يغضب، ويضحكون حتى ينفضَّ المجلس، وعلى كل لسان كلمة: «الله يجازيك، يا شيخ على!» ويتركونه وحيدًا ليصبَّ جامَ غضبِه على «أبوأحمد»، فقد كان يُسمِّى الفقر «أبوأحمد»، وكان يعتبره عدوَّه الوحيد اللدود، ويتحدَّث عنه كما لو كان آدميًّا موجودًا له اسم ولحم ودم، وكانتْ مجالِسُه تبدأ حين يسأله أحدهم: «أبوأحمد عمل فيك إيه يا شيخ على النهارده؟».
وكان الشيخ على يغضب حينئذٍ غضبًا حقيقيًّا؛ ذلك لأنَّه لم يكن يحبُّ أن يحدِّثه أحد عن فقره، إذا تحدث هو كان به، أمَّا أن يتحدَّث الناس عن فقره فذلك شيء يدفع إلى الغضب! فالشيخ على كان خجولًا جدًّا رغم قسوة ملامِحِه وكلامِه، وكان يفضِّل أن يبقَى أيامًا بلا دخان على أن يطلب من أحدهم أن يلف له سيجارة، وكان يحمل معه على الدوام إبرة وفتلة لرَتْق جلبابه إذا تمزَّق، وإذا اتَّسَخ ذهب بعيدًا عن البلدة وغسل ثيابَه وظلَّ عاريًا حتى تجفَّ؛ ولذلك كانت عمامته الوحيدة أنظف عمامة فى البلدة.
كان حَرِيًّا إذن بأهل منية النصر أن يضحكوا من هذه النادرة الجديدة، ولكن الضحكات كانتْ تموت فى الحال! والألسن تتراجع خائفة إلى الحلوق، وكأنما لدغتْها عقارب! فكلمة الكفر كلمة بشعة، والبلدة مثل غيرها من البلاد تحيا فى أمان الله، فيها كل ما تحفل به سائر البلاد، الناس الطيبون الذين لا يعرفون إلَّا أعمالهم وبيوتهم، واللصوص الصغار الذين يسرقون كيزان الذرة، والكبار الذين ينقبون الزرائب ويسحبون البهائم من أنوفها بالخطاطيف، والتُّجَّار الذين يتاجرون بالمئات، وتُجَّار القروش، والنساء الْمُلْعَبات غير المعروفات، وأولئك المعروفات على نطاق البلدة كلِّها، والصادقون والكاذبون والخُفَراء، والمرضى والعوانس والصالحون، فيها كل ما تحفل به سائر البلاد، ولكن الجميع تجدهم فى الجامع إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة، ولا تجد واحدًا منهم فاطرًا فى رمضان، وثمة قوانين مَرْعيَّة تنظِّم حياة الكل ويسمُّونها الأصول، فلا يتعدَّى اللص على لص، ولا أحدٌ يُعيِّر أحدًا بصنعته، ولا يجسُر واحدٌ على تحدِّى الشعور العام، وإذا بالشيخ على يقِف ويُخاطِب اللهَ هكذا بلا إحم ولا دستور!
كانوا يضحكون قليلًا، ولكنهم ما يكادون يسمعون ما يقوله حتى يتولَّاهم وجوم.
كان رأسُه عاريًا، وشعره القصير يلمع بالعرق وبالشيب، والعصا الحكمدار فى يمينه وعيناه تنفُثان حُمَمًا، وفى وجهه غضبٌ أحمق شديدٌ، وكان يقول موجِّهًا كلامَه إلى السماء: «إنت عايز منى إيه؟! تقدر تقول لى، إنت عايز منى إيه؟! الأزهر، وسبتُه عشان خاطر شوية المشايخ اللى عاملين أوصيا ع الدِّين، ومراتى، وطلقتها، والدار، وبعتها، وأبوأحمد، وسلطته علىَّ دونًا عن بقية الناس! هو ما فيش فى الدنيا دى كلها إلا انى؟! ما تنزِّل غضبك يا رب على تشرشل ولا زنهاور! مش قادر إلَّا علىَّ انى؟! عايز منى إيه دلوقت؟! المرات اللى فاتت كنت بتجوَّعْنى يوم وباستحمل، وأقول يا واد، كأننا فى رمضان! وأهو يوم وينفض، المرة دى بقالى ماكلتش من أول امبارح العصر، وسجاير ممعييش سجاير بقالى أسبوع، ومزاج حد الله ما دقته بقالى عشرة ايام، وأنت بتقول فيه فى الجنة عسل نحل وفواكه وأنهار لبن، ما بتدنيش منهم ليه؟! مستنِّى امَّا اموت م الجوع علشان أروح الجنة وآكل من خيرك؟! لا، يا سيدى، يفتح الله! احيينى النهارده، وأبقى بعد كده ودِّينى مطرح ما تودِّيني! يا أخى، ما تبعد عنى أبوأحمد ده، ما تبعته أمريكا، هو كان انكتب علىَّ؟! أنت بتعذِّبنى ليه؟! آنِى ما حِلْتِيش إلَّا الجلابية دى، والحكمدار، عايز منى إيه؟! يا تغدِّينى دلوقتى حالًا، يا تاخُدْنى حداك على طول، ح اتغدِّينى ولَّا لأ؟!».
كان الشيخ على يقول هذا بانفعال رهيب، حتى لقد تكوَّم الزَّبَد فوق فمه، وطماه العرق، وامتلأ صوته بحقدٍ فاض عن حدِّه، وأهل منية النصر واقفون وقلوبهم تكاد تسقط من الرعب، كانوا خائفين أن يسوق الشيخ على فيها ويكفر، ولم يكن هذا فقط مبعث خوفهم، فالكلمات التى يقولها الشيخ على خطيرة، قد تُغضِب الله- سبحانه وتعالى- وقد تحلُّ ببلدهم من جرَّاء ذلك نقمة تأتى على الأخضر واليابس، كان كلام الشيخ على يهدِّد البلدة الآمِنة كلَّها، وكان لا بد من إسكاته، وعلى هذا بدأ العُقَلاء يُطْلِقون من بعيد كلمات طيِّبات يرجون فيها من الشيخ على أن يعود إليه رشده ويسكت، وترك الشيخ على السماء قليلًا، والْتَفَتَ إليهم: «أسكت ليه؟! يا بلد دون، أسكت لَمَّا اموت م الجوع؟! أسكت ليه؟! خايفين على بيوتكم ونسوانكم وزرعكم، اللى حداه حاجة يخاف عليها، إنما انا مش خايف على حاجة، إن كان زعلان منى ياخدنى، إنما ودِينى وما أعبد، إن جه حد ياخدنى إن شالله يكون عزرائين لمدشدش على رأسه الحكمدار، ودينى، مانى ساكت إلَّا امَّا يبعت لى مائدة من السما حالًا! أنا مش أقل من مريم! هى مهما كانت حُرْمة، إنما انا راجل، وهى ماكنتشى فقيرة، إنما انا أبوأحمد طلَّع دِيني! ودينى وما أعبد، مانى ساكت إلَّا أما يبعت لى حالًا مائدة!».
والْتَفَت الشيخ على إلى السماء وقال: «هه! ح تبعتها حالًا دلوقتى، وإلا ما أخلى ولا أبقى حدًا إلا ما أقوله؟! مائدة حالًا! جوز فراخ، وطبق عسل نحل، ورصِّة عيش ساخن، على شرط عيش ساخن! واوع تنسى السلطة! ودينى، لعادِد لغاية عشرة، وان ما نزلت المائدة مانى مخلى ولا مبقى».
ومضى الشيخ على يعد، وقلوب منية النصر تعد معه مقدَّمًا، والأعصاب قد بدأت تتوتر، وأصبح لا بد من عمل شيء لإيقاف الشيخ على عند حده، واقترح أحدُهم أن يلْتَفَّ جماعة من شباب البلدة الأقوياء حوله ويوقعوه أرضًا، ويكمِّموا فاه، ويُعطوه علقةً لا ينساها، غير أن نظرة واحدة ألْقاها الشيخ على مِن عينيه المشتعلتين بالغضب المجنون أذابت الاقتراح، فمن المستحيل أن ينالوا الشيخ على قبل أن يخبط هو خبطة أو خبطتين برأس الحكمدار، وكل شاب قد قدَّر أن الخبطة ستكون من نصيبه، والذى يهدِّد بدشدشة رأس عزرائين كفيل بدشدشة رأس الواحد منهم؛ وعلى هذا ذاب الاقتراح.
وقال له أحدهم فى فروغ بال: «ما انت طول عمرك جعان يا راجل! اشمعنى النهارده؟!».
وأصابتْه نظرة نارية من الشيخ على، وأجابه: «المرة دى، يا عبدالجواد يا معصفر، الحكاية طالت!».
وزعق فيه آخَر: «طب يا أخى، لمَّا انت جعان مش تقول لنا واحنا نوكِّلك بدل الكلام الفارغ اللى انت قاعد تقوله ده؟!».
وهبَّ فيه الشيخ على: «أنى أطلب منكم؟! أنى أشحت منكم يا بلد جعانة؟! دا انتو جعانين أكتر منى! أقوم أشحت منكم؟! أنى جاى اطلب منه هو، واذا ما أدانيش ح اقدر اعرف شغلى».
وقال له عبدالجواد: «ما كنت تشتغل يا أخى وتاكل، يخفى وجهك!»
وهنا بلغ الغضب بالشيخ على منتهاه، وتزربن وراح يهتز ويصرخ، ووزَّع كلامه بين الجمع المحتشد عن بُعْد وبين السماء: «وأنت مالك يا عبدالجواد يابن ست ابوها؟! مانيش مشتغل! مش عايز اشتغل! ما بعرفش اشتغل! مش لاقى شغل! هو شغلكو ده شغل؟! يا عالم بقر! دا شغلكو ده شغل حمير! وانى مش حمار، أنى ما أقدرش يتقطم وسطى طول النهار، ما اقدرشى اتعلَّق فى الغيط زى البهيمة يا بهايم، يلعن أبوكو كلكو! مانيش مشتغل! والنبى لو حكمت اموت م الجوع ما اشتغل شغلكوا أبدًا».
وكان غضبه شديدًا إلى الدرجة التى جعلت الناس تضحك بالرغم منها، وبرغم الموقف الرهيب الذى كانوا فيه.
وانتفض الشيخ على انتفاضة عظيمة وقال: «هه! ح أعد لغاية عشرة والنبى إن ما بعت لى مائدة لكافر وعامل ما لا يُعمل».
وكان واضحًا أن الشيخ على حقيقة لن يتراجع، وأنه ينوى أن يلبخ، ويحدُث حينئذٍ ما لا تُحمَد عقباه.
وبدأ الشيخ على يعد، وبدأت نقاط العرق تنبت على الجباه، وأصبح حَرُّ الظهر لا يُطاق، حتى إن بعضهم تهامَس أن النقمة لا بد قد بدأت تحل، وأنَّ ذلك الحرَّ الفظيع إنْ هو إلَّا مقدمة للحريق الهائل الذى سوف ينشب، ويأتى على كل القمح الواقف والمحصود.
وأخطأ أحدهم مرة وقال: «ما تشوفولوا لقمة يا ولاد، يمكن يهبط».
ويبدو أن الكلمة وصلتْ إلى أذن الشيخ على مع أنه كان يعد بصوت عال مرتفع، فقد استدار إلى الجمع قائلًا: «لقمة إيه يا بلد غجر؟! لقمة مِن عيشكو المعفِّن وجبنتكم القديمة اللى كلها دود؟! وده أكل؟! ودِينى، مانى ساكت إلَّا اما تنزل لى المائدة لغاية هنا هه، وعليها جوز فراخ».
وسرَتْ همهمةٌ كثيرة فى الجمع، وقالت ولية من الواقفات: «أنى طابخة شوية بامية حلوين، يا خويا، أجيب لك صحن؟».
وصرخ فيها الشيخ على: «اخرسى يا مرة! بامية إيه يا بلد كلها قرون؟! دا عقولكو بقت كلها بامية! وريحة بلدكو زى ريحة البامية الحامضة!».
وقال أبوسرحان: «حدانا سمك صابح يا شيخ على، شاريينه لسه من أحمد الصياد».
وزأر فيه الشيخ على: «سمك إيه بتاعكو ده؟! اللى قد العقلة يا بلد «صير»! هو ده سمك؟! ودِينى، إن ما بعت جوز فراخ والطلبات اللى قلت لك عليها لشاتم وزى ما يحصل يحصل!».
وأصبح الوضْع لا يُحتمَل، إمَّا السكوت وضياع البلدة ومَن فيها، وإمَّا إسكات الشيخ على بأى طريقة، وانطلقتْ مائة حنجرة تعزم عليه بالغداء، وانطلق صوته مائة مرة يرفض، ويصر على الرفض ويقول: «مانى قاعد على اللَّضَى يا بلد! بقى لى تلات ايام ما حدِّش عزم عليَّ بلقمة! حِلْيِت العزومة دلوقتى؟! ودِينى، مانى ساكت إلَّا امَّا تيجى المائدة من عند ربنا!».
واستدارت الرءوس تسأل عمَّن طبخ فى هذا اليوم؛ إذ إنَّ كلَّ الناس لا يطبخون كل يوم، وأن يكون لدى أحدهم «زَفَر» أو فراخ يعدُّ حادِثًا جلَلًا، وأخيرًا وجدوا عند عبدالرحمن رطل لحمة «بتلو» مسلوقًا بحاله، فأحضروه على طبلية، وأحضروا معَه فجلًا، وجوزين عيش مرحرح، ومخ بصل، وقالوا للشيخ على: «يقضِّيك ده؟».
وتردَّد بصر الشيخ على بين السماء والطبلية، وكلَّما نظر إلى السماء قدحتْ عيناه شررًا، وكلَّما نظر إلى الطبلية احتقن وجهُه غضبًا، والجمع يغمره السكون، وأخيرًا نطق الشيخ على وقال: «بقى أنى عايز مائدة يا بلد غجر، تجبولى طبلية؟! وفين علبة السجاير؟».
وأعطاه أحدهم صندوق دخانه.
ومدَّ يده وتناوَلَ قطعةً كبيرةً من اللحم، وقبل أن يتاويها فى فمه قال: «وحتة المُرَّة فين؟!».
فقالوا له: «حقةْ! إلَّا دى!».
وهاج الشيخ على وقال: «طب هه!» وترك الطعام، وخلع جلبابه وعمامته وراح يهز عصاه ويهدِّد بالكفر من جديد، ولم يسكت إلَّا بعد أن أحضَروا مندور تاجر المر، وبلبع له فصًّا، وقال له: «خد! خد يا شيخ، مش خسارة فيك! أصلنا ما حدناش نظر! وماكنَّاش عارفين إنك بتنكسف تطلب، الناس تقعد وياك وتنبسط، وبعدين تدلدل ودانها وتمشى وتسيبك! وإحنا لازم نشوف راحتك يا شيخ، هى بلدنا من غيرك أنت وابو احمد تسوى بصلة؟! أنت تضحكنا وإحنا نأكلك! إيه رأيك فى كده؟!».
وغضب الشيخ على غضبًا شديدًا، وطار وراء مندور وهو فى قمة الغيظ ومضى يهز الحكمدار وهو يكاد يهوى بها على رأسه ويقول: «أنا أضحكوا؟! هو أنى مضحكة يا مندور يا ابن البلغة؟! امش، داهية تلعنك وتلعن أبوك!».
وكان مندور يجرى أمامَه وهو يضحك، وكان الناس يتفرَّجون على المطاردة وهم يضحكون، وحتى حين طار الشيخ على وراءهم جميعًا وهو يسبُّهم ويلعنهم كانوا لا يزالون يضحكون.
ولا يزال الشيخ على يحيا فى منية النصر، ولا تزال له فى كل يوم نادرة، ولا يزال سريع الغضب، ولا يزال الناس يضحكون من غضبه، غير أنهم من يومها عرفوا له، فما يكادون يَرَوْنه واقفًا وسط الجرن وقد خلع جلبابه وعمامته وأمسك بالحكمدار فى يده وراح يهزها فى وجه السماء، حتى يدركوا أنهم نسُوا أمرَه وتركوا «أبوأحمد» ينفرد به أكثر من اللازم، وحينئذٍ، وقبل أن تتسرَّب من فمه كلمة كفر واحدة، تكون الطبلية قد جاءتْه، وعليها ما يطلبه، وأحيانًا يرضى بما قسم الله، وأمره إلى الله.