أبى آدم.. لماذا نُصدّق الطبرى ومصطفى محمود ونُكذّب داروين؟
الاكتشاف المصرى الأخير بوادى المغارة مفترض أنه سيقلب العالم، لأنه بالضرورة سيغير النظريات فى أصل الإنسان وتطوره.
كان المتوقع احتفاء أكبر من صحافتنا بحدث علمى ضخم، لكن الخبر لم يخرج عن عدة سطور فى الصفحات الأخيرة.
لماذا؟ لأننا فى كل ما يتعلق بمسألة نشأة الإنسان وتطوره، ما زلنا نعتمد كلام الطبرى ونصدّق آراء الدكتور مصطفى محمود.
والدكتور مصطفى محمود رغم إصراره، سنوات عمره الأخيرة، على تاكيد إمكانية الربط بين العلم والدين، إلا إنه ظل على وفاق تام بضمير مستريح وقريرة هانئة مع ما جاء فى كتب التراث عن أصل الإنسان.. وبداية نشأته على الأرض.

المشايخ هم الآخرون «سمّهم وموتهم» مسألة آدم وخلق آدم، وهم ضد على طول الخط لأى ما يعارض ما اعتمده التراث عن خلق آدم.
أشهر القصص المعتمدة لدى المشايخ ما رواه الطبرى، رغم أنه لا يصلح ولا يصح بمنطق اليوم، ورغم أنه لا يمكن أن يكون مصدقًا بعقلية العصر ولا يمكن اعتماده برؤية الزمن.

نجح الباحثون بجامعة المنصورة فى العثور على بقايا عظمية لأسلاف القردة الأولى.
ما معنى القردة الأولى؟
القردة الأولى هى أولى السلالات التى تطورت عبر ملايين السنين، لتصل بالزمن إلى شكل مختلف يرتقى فى النوع وفى الشكل.
هل لهذا علاقة بظهور الإنسان.. ونشأته.. وتطوره؟
أغلب الدراسات ترى هذا، لأن القردة الأوائل ظهرت قبل الإنسان الذى يبدو أن رحلته على الأرض بدأت قبل ١٢ مليون سنة من الآن.
وقبل الاكتشاف الأخير، كان الشائع أن أسلاف القردة الأوائل وُجدوا قبل ٢٥ مليون سنة فى شرق إفريقا، ومنها هاجروا إلى آسيا وأوروبا حيث استمر تطورها هناك. لكن الكشف الجديد أكد تواجد القردة الأوائل فى مصر قبل ١٨ مليون سنة.
والبقايا المكتشفة فى وادى المغرة هى الأقدم على ظهر كوكب الأرض حتى الآن.
ولو قرأت كتاب «أبى آدم»، للراحل عبدالصبور شاهين، لاستغربت كيف أن من كتب هذا الكلام كان هو نفسه من تشدد فى مواجهة اجتهاد الراحل نصر أبوزيد.
فى كتابه قال «شاهين» إن الإنسان تطور من المرحلة البشرية إلى المرحلة الإنسانية فى رحلة استغرقت ملايين السنين.
واستشهد «شاهين» بالآية الكريمة: «الذى خلقك فسواك فعدلك»، واعتبرها دليلًا سماويًا على المراحل التى فصلت بين بداية الخلق وبين مرحلة التسوية ثم الاعتدال فى الهيئة والخلقة.
على كل الأحوال، يظل تفسير العلم بالدين إثمًا كبيرًا، ومقتًا، وفاحشة، لأن الدين إيمان ومسلّمات، بينما العلم تجريب وخطأ وصواب.. لكن هذا ما حدث من عبدالصبور شاهين.

فالرجل، بحكم أزهريته، لم يستطع أن يسمح بشىء من الحرية فى مناقشة المسألة بعيدًا عن المعتقد والتراث.
لكن هل ممكن أن تنجح دائمًا كل محاولات التوفيق بين العلم وبين التراث؟
ماذا إذا تنافر الاثنان.. الأمر الذى كثيرًا ما يحدث؟
ثم ما هو موقفنا من المضحكات فى كتب التراث عن خلق آدم وحواء وعن كواليس حياة أبنائهما وأحفادهما؟ هل يمكن أن يأتى الوقت ونعيد فيه الفكر، بعد أن كادت تصبح مسلّمات دينية لكل المجتمات الإسلامية؟
كل ما قيل عن تفاصيل قصة الخلق تراث.. لا القرآن تكلم عن تفاصيل، ولا الصحيح من الحديث النبوى قال ما تناقله المشايخ فيما بعد.
من أين أتت كتب التراث بحكايتها؟ ومَن الذى حتّم أن تصبح تفاصيل أشبه بحكايات الكرتون مسلّمات، تدخل فى صلب الدين، فنضطر اليوم إلى تجاهل وإنكار وتكفير ما يثبته العلم، تمسكًا بما تناقله آحاد العرب قبل أكثر من ١٤٠٠ سنة؟
أهم ما أشار إليه عبدالصبور شاهين، فى كتابه، الفروق الكبيرة بين البشر وبين الإنسان.. فالبشر كائن شبيه بالإنسان.. لكنه مختلف فى الطبيعة وفى الجوهر.

الإنسان مدرك عاقل قادر على التفكير المجرد، لذلك استحق الحساب على آثامه وأخطائه، واستحق الإثابة على صلاحه، لكن البشر كائن على صورة الإنسان بلا تطابق بيولوجى.. ولا قدرات عقلية.
وفى القرآن الكريم دلالات على هذا الكلام، إذ إن الملاك لما تجسّد للسيدة مريم العذراء وصفه تعالى بقوله: «فتمثّل لها بشرًا سويًا»، والمعنى أن الملاك ظهر فى صورة إنسان، دون أن يكون إنسانًا بالمعنى الإصطلاحى للفظ.
ووجد البشر على الأرض قبل الإنسان، فكان أقرب إلى العدوانية والفساد، وفى القرآن الكريم: «وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك».
فى رأى شاهين أن الآية دليل على وجود البشر فى حالة ما قبل الأنسنة على الأرض، وأن ظهور آدم كان أولى مراحل الأنسنة.
وآدم هو أول من عرف اللغة من جنس الإنسان، حيث استطاع نقل تجارب الأجداد للأحفاد، لتبدأ لأول مرة فى التاريخ الإنسانى الذكريات.. ويبدأ التاريخ.
محاولات الإنسان اللغوية بدأت بتقليد أصوات الأشياء.. قبل أن يكتب بالرسم.
أول طريقة معروفة للكتابة، رسمًا للعاصفة، سجلها الإنسان على جدران الكهوف القديمة، رسم فيها خطوطًا متموجة تحت بعضها فى محاكاة لصورة الهواء المحمل بالأتربة.

ويقال إن الصينية أقدم اللغات على كوكب الأرض، لأن الصينى القديم رسم ما يريد قوله بخطوط شديدة التبسيط.
لكن كيف تحول البشر إلى إنسان؟
ولماذا حدث هذا؟ ومتى بالتحديد؟
هذه هى النقطة التى توقف عندها تشارلز داروين، وقال فى كتابه «أصل الأنواع» إنه لم يجد الإجابة عن هذا السؤال.
برر «داروين» توقفه بحدوث «طفرة» من نوع ما لا يعرف أسبابها.
لكن الطفرة التى أوقفت «داروين» هى التى سماها الدكتور عبدالصبور شاهين: «روح الله» وإرادته.. حيث قال تعالى: «فنفخنا فيه من روحنا».
وبعد نفخة الروح، اكتسب الإنسان القدرة والإرادة مع أول تكليف إلهى بألا يأكل آدم من الشجرة.
يعرف العلماء نوعين من الإنسان فى أولى مراحله على الآرض؛ النوع الأول سموه «الهوموناليندى».. والثانى «النايندرتالى».
«الهوموناليندى» كان يمشى منحنى القامة، يسند بيديه توازن جسمه، بينما لما تطور «النايندرتالى» كانت قد انتصبت قامته، وقصرت يداه، وبدأ فى السير معتدلًا.
وجد العلماء آثار للنايندرتالى فى شرق وجنوب إفريقيا.. لذلك فإن بداية نشأة البشر من القارة السمراء هى تراث منقول.. لدى أغلب شعوب القارة.

المأثور لدى قبائل التوتسى، وسط إفريقيا مثلًا، أن أول أب للبشر نزل من السماء على أحد جبال فى الكونغو.
وفى ذلك البلد يعرفون آثارًا لقدم بشرية كبيرة الحجم على أحد الجبال، حيث يعتقدون أنه المكان الذى نزل إليه أبو البشر من السماء.
فى تاريخ «الطبرى» نزل آدم من السماء على أراضى تركيا الآن، واثار أقدامه لا تزال هناك.
قال «الطبرى» إن آدم جاء من تركيا لمكة وعرف حواء عند جبل عرفة، فاكتسب الجبل اسمه، وزلف إليها فى المزدلفة، فاكتسبت المنطقة اسمها.
يقول إنه لما نزل آدم من السماء وقف على الأرض بينما بقيت رأسه قادرة على اختراق السماء.
كان آدم عملاقًا طويلًا، لدرجة أنه كان يسمع كلام الملائكة، ويطّلع على ما يفعلون، فدعت الملائكة ربها بأن يخفض من خِلقته، فقصرت قامة آدم.. وصار طوله كما نعرف الإنسان اليوم!
هل هذا كلام يمكن أن يُصدقه أحد؟!







