الجمعة 01 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

دم راضية أحمد.. مختارات من أعمال الراحلة

الوناسة.. من مجموعة «فرح العوانس» 2004

حرف

- أما شحتة فيجرى جائعًا بين الغرف لا يلمحه أحد يمشى باختيال يوارى معه انتظاره لجود أهل البيت عليه بالطعام

- راية تلك الزوجة المهجورة اكتفى زوجها بإرسال النقود إليها من دولة فى الخليج ولم يفكر أبدًا بإرسال خطاب واحد

ظلتا وحيدتين سنين طويلة فى ذلك الربع الشاسع الاتساع المقسم إلى غرف صغيرة ذات طابق واحد من الطين النىء المغطى بجير ملون من أيد غير مدربة.. تضغط على قشرته من الداخل نتوءات هرمة ظلت فى مكانها منذ تاريخ بناء هذا البيت، لكن حرارة الشمس ورياح الشتاء فعلتا الكثير بها من مد وجزر حتى صارت ككتل لعجين لين، البعض منه منتفخ بانبعاجات يابسة كخبز الصعيد، والبعض الآخر مختنق بداخل الجدار بفعل السخونة، واستمرت تلك النتوءات كما هى سنين طويلة عدا ما يجود به أهل البيت بطلاء رخيص فى الأعراس أو طلعة الأعياد. 

أما هياكل الغرف فظلت قائمة بذاتها منذ سنين طويلة بقامتها القصيرة التى عندما يغطيها الغروب لا يظهر منها غير كتل مستطيلة وتتحول العتمة كجبانة مغلقة على موتاها وسكانها ولا يفصل بين غرفها المتعددة إلا بعض جدرانها الرقيقة الهشة والمهيأة للتلصص حتى كاد أهل الريع لا يستطيعون الاحتفاظ بأسرارهم، ما دفعهم عند ارتكابهم الخطايا أن يفعلوها بصمت وهمس وخطوات خفيفة حذرة كالأشباح، أما البعض الآخر منهم فيتباهون بأشيائهم السرية، فيفعلونها فى صحة وعلانية مفعمة بالفجور مختالين بشرعيتها كمضاجعة فى ليلة عرس أو طهور أو مغازلة لأحد الأزواج وهم خارج غرفهم معلنين للجميع التأهب للمضاجعة.

أما هاتان الأختان فظلتا كما هما لم تبديا قنوطًا أو سأمًا من ذلك العالم الضيق، ولم تتغير هيئتهما كثيرًا خلال السنين، عدا تلك الشعرات البيضاء التى كست رأسيهما فى عبث وفوضى وندوب ملأت الوجهين، لكنهما لا يزال بهما أثر لجمال قد ولى. وأما الجسدان فقد أصبحا منهكين بفعل الشحوم التى تراكمت من قلة الحركة.. فالمسموح لهما خلال تلك السنين الطويلة التى مرت لاهثة مع النمط الواحد لحياة بلا خصوبة.. وخطوات قليلة بين غرفتهما والغرف الأخرى أو المكوث مع قائد الربع وشيخه الذى يجلس بصحن البيت فوق كنبة متداعية صنعت له قديمًا؛ ليحل ويربط فى أمر هذا البيت وسكانه ويفض ما يقع بينهم من المشاحنات ولا يجرؤ أحد على مجادلته أو عدم طاعته، فهو رب البيت وشيخ تلك القبيلة التى فرت إلى القاهرة بحثًا عن الرزق أو الهروب من أحكام أو إيواء الشيخ أحد ذويه المعدمين، فكان هو الذى يتحكم فى سير كل الأمور حتى الزواج والطلاق والسفر والصلح والخصام، وكانوا جميعًا بعد غروب الشمس يلتفون حوله، ولكن لا تستطيع أن تراهم، فالشمس الغاربة قد أفنت معالمهم عدا تلك الأضواء الشحيحة الصفراء التى تنبثق من غرفهم الصغيرة خلسة خلال شبابيكها الصغيرة الحديدية الصدئة، أو ضوء واهن يسقط بموازاة لباب فتح بحذر للتلصص، وكان من الممكن أن تسمعهم إن كانوا يتشاجرون، أما لو كان مزاج الشيخ عكرًا لا يستطيع أحد منهم النطق بأى كلمة حتى يتكلم هو، وإن لمح الشيخ أحدًا منهم يهمس أو بدا عليه.. الغضب.. يكفى تمامًا نظرة حادة من عينى الشيخ الثاقبتين وهو يهم ببرم شاربه وقد اتكأ على عصاته، التى أحيانًا يستعملها فى الضرب إن احتاج الأمر.. أما المرأتان فقد أصبحتا تعتادان هذا النظام بالرغم من أنهما ليستا من الصعيد كباقى أهل الربع، وبرغم ذلك أصبحتا كنسيج طبيعى من ذلك العالم القبلى المنفضل عن الحارة التى تنسلخ من أحد شوارع القاهرة.

ومع رحيل الأهل والأحبة لهاتين الأختين لم يخطر أبدًا لهما فكرة الهروب من ذلك الربع أو حتى الخروج إلى الشارع الكبير فآخر خطواتهما نهاية الحارة الضيقة.. وما تحتاج الأختان من متاع.. يشتريه شحتة، الشاب الأعزب الوحيد بهذا الربع، برغم فحولته ووسامته ويلقى شحتة مقابل خدماته إحسانًا كبيرًا من شيخ الربع ويهنأ برضاه عليه، وفى الليل يحظى ببعض الطبيخ الساخن من سكان بعض الغرف، خاصة اللاتى لم تتزوجن حتى تضج باللهو والضحك والفجور.

أما خارج جدرانها كنت أرى الآن وكنت أسمع أثناء عشائهم صخبهم المتفرق فى الغرف التى البعض منهم فيها يسيرون بخفة أثيرية كالأشباح أو يجرون وراء بعضهم بلهو خافت وهم يحملون أطباقهم أو يجلس البعض منهم، والعرسان خاصة، منزوين بركن يأكلون فى صمت مفعم بغنج يعبر عنه احتكاك الأقدام والأفخاذ بدلال لا يخلو من شراسة من تحت الطبلية.

أما شحتة فيجرى جائعًا بين الغرف لا يلمحه أحد يمشى باختيال يوارى معه انتظاره لجود أهل البيت عليه بالطعام، وعندما يطول انتظاره يملؤه العبث والمرح على كل ما تقع عيناه عليه امرأة أو رجل، عدا الأختين اللتين تمتصان لهوه بمجرد أن يراهما دون فقد لسعادته الصبيانية التى تتلقاها الأختان بمشاعر صادقة من الود والعطف المفعمين بالمسئولية تجاه شحتة، ويبدأ ثلاثتهم فى الهمس وتنسحب الأختان فى صمت إلى غرفتهما يتبعهما شحنة، الذى أنهكه الجوع حتى يدخل الغرفة.. ويفتش تحت الشباك الحديدى الصدئ عن الطعام الساخن الذى يوضع دائمًا بجانب الوناسة منذ سنين طويلة فى هذا المكان، وعندما يلمح الأطباق ممتلئة بطبيخ اليوم يرجع إليه مرحه برغم عدم وضوح الرؤية لتلك الأطباق بفعل الضوء الواهن الأصفر المنبعث من الوناسة الموضوعة دائمًا فى هذا الركن برغم رائحة الجاز المحترق المنبعث منها، والذى يختلط برائحة الطبيخ الساخن.. يسيل لعاب شحتة حتى تجر إحدى الأختين الصحون ويجلس ثلاثتهم فوق الأرض حول الطبلية يأكلون ويتحدثون بصوت خافت أو يتلصصون ثم يغرقون فى نوبات من الضحك وتميل الكبرى وهى تهم بملء اللقمة بالطبيخ وتقول «عارف يا شحتة أمك باعتك ليه بقرصين جلة وأنت صغير؟ عارف ليه عشان متتحسدش.. أمال إيه أصلك كنت حلو أوى».

وترد عليها التى تصغرها بسنتين فقط: «ما هو لسه يا بت حلو»، وتضحك الأختان، ولا تستطيع فى تلك اللحظة لو نظرت إليهم أن تراهم من خلال الشباك الحديدى ولكن من الممكن أن ترى ثلاثة رءوس منكسة لامرأتين ورجل، اثنان منهما يغطيهما الشيب فى بعض من أجزاء الرأس وقد سحب ضوء الوناسة الواهن اللون الأبيض الشاهق للشعر فأصبح بين الحقيقة والخيال، وبمجرد أن تمسك هذا البياض بعينيك يكاد يتسرب منك وكأنه حلم. وأما الأجزاء الباقية من الرأس فكانت كظل لشىء حقيقى وتستطيع أن تمسكها بعينيك قليلًا، فما زالت توجد بها آثار لصبغة شعر سوداء أو حناء، أما شحتة فكان ضوء الوناسة لا يغطى لون شعره الكالح السواد ولا لمعانه وكأن الرءوس الثلاثة تحت الضوء الواهن وشحتة يتوسطها تشكل من الوسط كتلة حية متوهجة ينسحب دخانها من الطرفين شحيحًا رماديًا وكأنه دخان أخير للفافة تبع.

وفى زمرة الليل ينسحب شحتة خلسة إلى غرفة راية ويغيب هناك ثم يخرج بهدوء راجعًا إلى غرفة الأختين محملًا بالخير... حلوى أو طبق من الخضار المطبوخ باللحم لليوم الثانى وتهمس إحداهن إلى شحتة وهى تأخذ الطبق سريعًا منه: اوعى تكون يا شحتة بتعمل حاجة.. مع راية.

وترد الثانية وهى تطبطب فوق ظهره كالأم:

لا يا ختى شحتة كويس.. مش كده يا شحتة؟

تستطيع أن تسمع ضحكات الأختين المنسحبة كالعرسة والمتقطعة كصوت لجرذان تفر من وطأة الشتاء.

أما «راية» تلك الزوجة المهجورة، فقد اكتفى زوجها بإرسال النقود إليها من دولة فى الخليج ولم يفكر أبدًا بإرسال خطاب واحد لها أو النزول إليها منذ سنين طويلة، فأصبحت ثائرة دائمًا سليطة اللسان ولا يستطيع أى ساكن من الربع حتى الشيخ قهر سطوتها أو إرغامها على شىء دون رغبة منها.

وبمجرد أن تشعر أثناء حديثها مع الشيخ بأن الكلام لا يوافق هواها.. تراها قد تركت الجمع دون مبالاة للشيخ وعصاه.. بل تسب وتشتم كل من يعترض طريقها.. ويهوى كل من يحاول إيقافها وقد أسرعت بخطوات مداهمة بجسد فارع قوى كالنخلة الشامخة رغمًا عن الرياح... وهى تلعن كل الرجال وحريمهم بألفاظ خارجة لم أسمعها فى حياتى إلا من راية، وأتعجب لماذا تصر على خشونتها وهى التى تضع كل مساء البودرة وأحمر الشفايف والكحل البلدى وكأنها فى ليلة عرسها وظلت على هذه الحال سنين طويلة.

ولم يأخذ الزمن من قواها شيئًا كثيرًا... لكن العينين ازدادت حدتهما التى أحاطتها استدارة الكحل الأسود، وبرغم ذلك ازدادت العينان لمعانًا وخاصة عندما تتعارك راية وتخرج كل ما فى جسدها من طاقة مخزونة تجعلها تتحرك فى الربع كالمهرة الجامحة ولا يستطيع أحد أن يمسك بلجامها وأتعجب كثيرًا عندما أراها رءوفة ورقيقة مع النساء ويكون عراكها دائمًا مع الرجال الذين يهابون قوة جسدها ولسانها السليط الذى يجعل كل من حولها يجرى إلى غرفته ويتركونها وحيدة تتصاعد رغبتها أكثر فى العراك والسب.

عندها يهم الشيخ لمناداتها بصوته الخشن الجهورى يأمرها بأن تكف، لكنها تشيح له بيدها الضخمة التى تلف معصمها ساعة زوجها وهى تصيح فى الشيخ ثم تجلس فوق مقعده فى صحن الدار يملؤها البكاء، فتسحبها الأختان بحنو إلى غرفتهما ويتبعهم شحتة، الذى يحظى بالتدليل وتنسحب أطباق الطبيخ جميعها عن جانب الوناسة المرفوعة تحت الشباك، وأسمع بعد قليل ضحكات راية المفعمة بالخشونة والدموع وضحكات الأختين المضطربة ويرق قلبى من أجلهما ومن أجل نساء الربع الوحيدات.. أما شحتة فيعيش الليالى دائمًا كالنهر المحظى، فتراه ينفلت من غرفة راية أو بعض النساء الوحيدات المقتدرات يخرج بخير يوزعه هنا وهناك بصمت، وما جادت به الأخريات ينعم به باقى النسوة الفقيرات وتحظى الأختان أيضًا بطعام وفير بعد المكوث فى انتظاره فى ترقب غير معلن ناعمتين فى الهزيع الأخير من الليل بما تجود به الأخريات لشحتة من طعام بعد أن قضى الليل بمخدع إحداهن.

أما ليالى الأعراس فيقوم شحتة بكل الأعمال وبمعاونة راية كتعليق الزينة وشراء الشربات وكنس فناء الربع ورشه بالماء والرمل وعند بدء العرس ترقص راية وشحتة ممسكين بالقماشة البيضاء الملطخة بدم.. البكارة.. يتعاركان عليها ويتسابقان فى الاحتفاظ بها فى يد كل منهما زمنًا أطول وهو يشهرها فى وجه الآخر.. يهتز على نغمات الطبول يغنى أغنيات من صعيد مصر لا تخلو من الشهوة والإشارة إلى الفعل الجنسى.

وكان شحتة يقوم بكل واجباته بطيب خاطر حتى المشاركة فى العراك إن طلب منه ذلك، وكانت راية تضاهيه وتسبقه مفتولة الساعدين للدفاع عن رجال الربع من أهل الشارع الغرباء ويكفى قبضة واحدة من يد راية التى تقف بعد ذلك فوق رأس باب الربع تزمجر ويداها فى خصرها تنظر هنا وهناك بعينين شرستين نهمتين الى العراك وكأنها لفهد لم يشبع بعد وما زال يريد الانقضاض على فريسة جديدة وبرغم عدوانيتها تجاه رجال الربع فإنها تنهض للدفاع عنهم حتى لو كانوا المخطئين، وبعد أن ينتهى العراك تسمعها بداخل الربع تسبهم وهم يهرولون إلى غرفهم. 

مرت سنون وتوالت معها الأعراس واكتظت الغرف بسكانها من أطفال وشيوخ ورجال ونساء وكنت أسمع بالليل أصواتًا كثيرة مختلفة ومختلطة تخرج من كل غرفة- على حدة تشق عتمة الليل وصيحاتها المفعمة بالأنين والبكاء والصراخ والعراك. وتأوهات وحشية.

فى المرة الأخيرة التى رأيت فيها الأختين كان يوم عرس بالربع، وبعد الانتهاء منه رأيت شحتة بغرفة الأختين يضع بعض الحناء المتبقية من العرس فوق رأسيهما وإحداهما تغنى ويمر اسم راية بينهم، وأثناء وضع الحناء تدمدم الكبرى:

أصلك كنت حلو أوى يا شحتة.

عشان كده أمك باعتك بقرصين جلة.

ترد الصغرى وكأنها تهدهده بيدها وهو لسه حلو يا ختى.

ثم يضحك ثلاثتهم وينفلت شحتة إلى الخارج، يدلف إلى إحدى الغرف وعند منتصف الليل يأتى بوعاء ملىء بطبيخ اليوم، تضعه إحدى الأختين بيد حذرة لليوم الثانى بجانب الوناسة ذات الضوء الأصفر الواهن.