الإثنين 27 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

بنت مصر.. البحث عن مقبرة حتشبسوت فى رواية أمريكية جديدة

حرف

- العمل يطرح قضية سرقة الآثار المصرية وتهريبها إلى الخارج

صدرت رواية «بنت مصر» عن دار «سانت مارتن» للنشر، فى 24 مارس الماضى، من تأليف الكاتبة والمحامية الأمريكية مارى بينيديكت، مؤلفة الكتب الأكثر مبيعًا، المعروفة بمزجها الرائع بين الخيال التاريخى الملحمى والتشويق والإثارة.

تتنقل القصة فى «بنت مصر» بين فترتين زمنيتين ودولتين مختلفتين، من القرن العشرين إلى عصر «الفراعنة»، ومن بريطانيا إلى قلب مصر وأرضها الدافئة وأهراماتها الشامخة، من خلال أحداث تدور حول امرأتين، إحداهما الإنجليزية «إيفلين هربرت»، وهى عالمة مصريات حقيقية، والثانية هى الملكة المصرية حتشبسوت، اللتان عاشتا فى فاصل زمنى يبلغ 17 قرنًا.

والليدى إيفلين هربرت «1901-1980»، هى عالمة مصريات هاوية، ابنة جورج هربرت، اللورد الخامس لكارنارفون «1866-1923»، المعروف بدعمه السخى للعديد من الحفريات الأثرية التى شارك فيها عالم المصريات الشهير هوارد كارتر «1874- 1939»، بما فى ذلك رحلتهما الأخيرة عام 1922، التى أسفرت عن اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون, أما الملكة حتشبسوت «نحو 1505- 1458 قبل الميلاد» فهى إحدى النساء القلائل اللاتى حكمن مصر كفرعون مستقل، فى زمن لم يكن فيه الكثيرون يؤمنون بقدرة أى امرأة على الحكم، فضلًا عن امرأة مثل حتشبسوت، لكنها نجحت فى جعل بلادها أكثر سلامًا وازدهارًا.

إيف وحتشبسوت

ظاهريًا، يبدو عالما مصر وإنجلترا نقيضين تمامًا خلال رواية «بنت مصر»، إلا أن الحرب العالمية الأولى أثرت عليهما فى عشرينيات القرن الماضى، وأدت الفوضى الناجمة عنها إلى تصاعد النزعة القومية المصرية.

وعلى مدار السنوات التى اُبتليت فيها مصر بالاستعمار البريطانى، شعر شعبها بالاستياء من حكم بريطانيا، ومن إجباره على المشاركة فى حرب لم تكن له فيها أى مصلحة رسمية.

وفى نهاية المطاف، أسس سعد زغلول حزب «الوفد» للمطالبة بالحكم الذاتى وإنهاء الاستعمار، ومع اندلاع الثورات والاحتجاجات والمظاهرات فى كل مكان، بات مستقبل سيطرة بريطانيا على مصر موضع تساؤل، ومعه مجال الآثار والهوس البريطانى بعلم المصريات.

تتجلى هنا طريقة مارى بينيديكت، مؤلفة الرواية، فى تصوير تمويل هذه الرحلات الاستكشافية، والوضع السياسى آنذاك، وتأثيره على عمل جورج هربرت وهوارد كارتر، وعلى الشعب المصرى.

وفى خضم هذه الفوضى، تبدأ الرواية مباشرةً، تحديدًا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، فى قلعة «هايكلير» بإنجلترا، حيث تلتقى الليدى إيفلين هربرت عالم الآثار الشهير هوارد كارتر، وتسأله عن قطعة أثرية عُثر عليها كانت تخص الملكة حتشبسوت.

وعندما تُصبح «إيفلين» مهووسةً بالعثور على المقبرة السرية للمملكة حتشبسوت، تُخاطر بكل شىء لكشف حقيقة عهدها، والحفاظ على القطع الأثرية القيّمة فى مصر، موطنها الأصلى. 

واستأنف جورج هربرت، المعروف أيضًا باسم «اللورد كارنارفون»، وعالم المصريات هوارد كارتر، أعمال التنقيب فى وادى الملوك بمصر، عام ١٩١٩، والتى كانا قد بدأها عام ١٩٠٧، وتوقفا عنها خلال الحرب العالمية الأولى.

وفى تلك الأثناء، تقاوم «إيفلين» أو «إيف»، ابنة «اللورد كارنارفون» البالغة ١٨ عامًا، إصرار والدتها على أن تركز فى الزواج من رجل ذى مكانة، وتصمم على تعلم التاريخ المصرى وعلم الآثار من «كارتر»، الذى يدعم رغبتها فى اكتشاف آثار حتشبسوت، إحدى ملكات الفراعنة القلائل.

وتتنقل مؤلفة الرواية فى أجزاء وخطوط زمنية متناوبة بين «إيف» وحتشبسوت، وهما تتحركان وتتصرفان فى عوالم يهيمن عليها الرجال. «إيف» عالمة آثار هاوية متمرسة، تعلمت من أفضل الخبراء: هوارد كارتر، ووالدها الثرى، الذى تشهد مجموعته من القطع الأثرية القديمة فى قلعة «هايكلير» على ولعه الشديد بالآثار. 

تتوق «إيف» لمرافقتهما إلى مصر فى الرحلة الاستكشافية القادمة، التى يصر «اللورد كارنارفون» على أنها يجب أن تكون للعثور على مقبرة الملك توت عنخ آمون. لكن «إيف» لديها أفكار أخرى، إذ تُخطط هى و«كارتر» سرًا للبحث عن مقبرة حتشبسوت، إحدى أكثر حكام مصر إثارةً للجدل.

تعرف «إيف» جيدًا تاريخ حتشبسوت، تلك المرأة التى أصبحت فرعونًا فى فترة مضطربة من تاريخ مصر القديمة، ليُمحى اسمها وصورها وتاريخها تقريبًا على يد الفراعنة الذكور الذين خلفوها.

تنضم «إيف» إلى فريق التنقيب عام ١٩٢٠، لكن «اللورد كارنارفون» يوقف عملهم عندما يفشلون فى العثور على أى شىء ذى أهمية. بحلول عام ١٩٢٢، تقنعه «إيف» بالاستثمار فى عملية تنقيب أخرى، ورغم أنها لا تسفر عن أى أثر للملكة حتشبسوت، تكشف عن مقبرة توت عنخ آمون.

ويُعرّض طموح «إيف» للعثور على مقبرة أول حاكمة لمصر حياتها للخطر، ويضعها فى مواجهة علماء آثار يرفضون تصديق إمكانية العثور على المقبرة، وبالتأكيد ليس على يد امرأة. وبإصرارها على عدم الاستسلام، تقترب من النجاح عندما تُجبر فجأة على اتخاذ خيار مؤلم بين ولائها لوالدها الحبيب و«كارتر»، وتحقيق حلم العمر.

الليدى إيفلين وجورج هربرت وفريق بحث عن الآثار المصرية

من هنا تبدأ رواية موازية، فى عام ١٤٨٦ قبل الميلاد مع حتشبسوت كأميرة شابة. ففى عام ١٤٧٩، بعد وفاة زوج حتشبسوت، تخشى على استقرار مصر فتتحدى التقاليد بارتداء زى الفرعون الذكر وممارسة سلطاته.

ووفقًا للمؤلفة، كانت حتشبسوت نفسها امرأة قوية سبقت عصرها. وُلدت ابنةً لتحتمس الأول، وكانت زوجة الإله آمون. عندما توفى والدها، تزوجت من وريثه وأخيها غير الشقيق، تحتمس الثانى، وحكمت معه كملكة، وعندما توفى بدوره، أصبحت وصية على وريثه الرضيع، تحتمس الثالث، وفى النهاية، حكمت معه، وأصبحت فرعونًا بنفسها.

فى عصر الحكم المشترك، عندما تولى ابن تحتمس الثالث العرش، حاول أمنحتب الثانى محو حتشبسوت من التاريخ بتدمير آثارها وتماثيلها، ونسب طرق التجارة والمبانى وغيرها من الإنجازات التى حققتها فى عهدها إلى فراعنة آخرين.

وبينما تتنقل الكاتبة بين الماضى والحاضر، تنسج قصة هاتين المرأتين اللتين تناضلان من أجل الاعتراف بمواهبهما، بدلًا من أن يحدّ جنسهما من قدراتهما، لتواجهها تحديات جمة كنساء فى مجتمعيهما، لكنهما كانتا قويتين وكافحتا من أجل ما تريدان، حتى عندما اضطرتا لإخفاء قوتهما وراء مظهرٍ رقيق.

وتجمع المؤلفة بين قصتى المرأتين، وتربط بينهما صلة وثيقة، ليس فقط فى تاريخ مصر، بل فى التحديات التى واجهتها النساء عبر التاريخ فى سعيهن لإيجاد مكانتهن فى العالم رغم الصعاب الجمة.

من خلال تلك الرواية التى أصبحت الأكثر مبيعًا خلال أيام من نشرها، حسب «نيويورك تايمز»، تعيد الكاتبة مارى بينيديكت إحياء مجد أشهر فراعنة مصر وأكثرهم نسيانًا. ومرة أخرى، تُؤكد مكانتها كواحدة من أفضل الكاتبات فى مجال الأدب الذى تناول الشخصيات النسائية البارزة التى تم تجاهلها.

وحسب سردها، وُلدت حتشبسوت أميرةً، ولُقّبت بزوجة الإله آمون، وحكمت مصر بنجاح فى أواخر القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وأعادت إحياء التجارة مع آسيا، ووفرت العمل والغذاء والخدمات لشعبها، ووضعت أحد أضخم مشاريع البناء فى تاريخ مصر، وأنجزت كل ذلك دون حروب متواصلة. لكن فى السنوات التى تلت حكمها، دُمّرت صورتها واسمها، ومُحيت من الآثار وجدران المعابد والتماثيل. 

جورج هربرت

يُرجع المؤرخون نجاح حكمها لا إلى ذكاء حاد أو براعة سياسية، بل إلى دهاء امرأة متلاعبة.

فى المقابل، لسنوات، درست «إيف» القليل المعروف عن حتشبسوت، لكنها اكتشفت مؤخرًا شيئًا مهمًا، فقد عثرت بين الأنقاض التى أحضرها والدها من موقع تنقيب على تمثال صغير لخنفساء، نُقش عليه اسم حتشبسوت فى طفولتها.

ونظرًا لفقدان مقبرتها لقرون، يُعد هذا الاكتشاف بالغ الأهمية، لكن لا تقل أهميةً عن ذلك الاضطرابات المدنية فى مصر، وثورة البلاد على الإنجليز. ولعلّ أكثر ما يُقلق «إيف» هو تأكيد والدتها على أن يكون تركيزها الأول والأخير على إيجاد زوج. وهكذا تربط المؤلفة الماضى والحاضر، مصر وإنجلترا.

مع أن «اللورد كارنارفون» يُسرّ باهتمام «إيف» بمجاله فى علم الآثار، ينظر إلى فضولها على أنه نزوة طفولية، لا الطالبة الأكاديمية الجادة والمُتقنة التى أصبحت عليها. ومع ذلك، وبعد أن انتعشت روحه بانتهاء الحرب وقدرته على العودة إلى حفرياته، يُفاجئ ابنته فى عيد الميلاد بتذكرة سفر إلى مصر. 

اللورد كارنارفون

بينما يُركّز «اللورد كارنارفون» فى العثور على مقبرة توت عنخ آمون الأسطورية، فإن هوارد كارتر، المُولع بالملكة حتشبسوت بنفس القدر، يقسم لـ«إيف» إنه سيُساعدها فى إجراء بحثها سرًا، ففى النهاية، الاكتشاف الجيد يبقى اكتشافًا جيدًا، ووادى الملوك ملىء بالأسرار التى تنتظر الكشف عنها.

لكن مصر التى سافرت إليها «إيف» فاجأتها من نواحٍ عديدة: أولًا، على الرغم من رواج علم المصريات فى بريطانيا، فإن الزوار والمغتربين الإنجليز فى مصر يلتزمون بحدود صارمة مع الشعب المصرى الذى جاءوا لدراسته.

ثانيًا: على الرغم من شغفها بكل ما يتعلق بمصر القديمة، أدركت «إيف» أنها نسيت أن مصر المعاصرة هى أيضًا تاريخ يُعاد تشكيله، وأن سعيها نحو الاستقلال يُحاكى سعى الفراعنة أنفسهم الذين درستهم طويلًا. وأخيرًا: بيع الآثار فى السوق السوداء أكثر انتشارًا مما كانت تتصور، وقد يكون والدها «اللورد كارنارفون» متورطًا فيه.

تُكرس «إيف» نفسها لكشف تاريخ مصر والحفاظ عليه، خاصة تاريخ حتشبسوت، لكن مسارات المرأة فى علم الآثار قليلة، وأقل منها تلك التى لا تُخاطر بكشف أمر خطير عن عائلتها.

تعود بنا الفصول المتناوبة إلى عام ١٤٨٦ قبل الميلاد، حيث تتعلم حتشبسوت الشابة من والدها ذى النفوذ المطلق، وتستعد للزواج وتولى العرش.

وعندما تتكرر المآسى، أولًا بإجبار حتشبسوت على الزواج من أخيها الأصغر، ثم فقدانه، تجد نفسها مضطرة لمواجهة حقيقة أنها فى عائلة مليئة بالأبناء الأموات والأبناء غير الشرعيين، وأنها قد تكون أفضل رهان لبلادها على حكم ناجح ومزدهر.

وفى هذه المقاطع، تُمهد «بينيديكت» الطريق لكل ما سيأتى لاحقًا، فوصفها لألوان مصر القديمة وثرائها وحيويتها يُظهر بوضوح كمّ الكنوز المخفية تحت رمال مصر ما بعد الحرب، وكمّ الكنوز التى تنتظر «إيف» لتكتشفها لو أُتيحت لها الفرصة.

من خلال دمج قصة «إيف» الأولى مع قصة حتشبسوت نفسها، عبر عينيها وكلماتها، ترسم «بينيديكت» صورةً لمصر كبلد دائم التطور، وصورةً لامرأتين لا تُقهران تُعارضان عصرهما.

فى حتشبسوت، نرى امرأةً وُلدت فى كنف قوةٍ لا يمنحها إلا الآلهة، ومع ذلك مُنعت من استخدامها فعليًا، رغم ذكائها الحاد وفطنتها. من خلال «إيف»، نرى كيف تم تهميش النساء الذكيات والقادرات لفترةٍ طويلة، وما نخسره عندما تُمنع مساهماتهن أو تُتجاهل.

معبد حتشبسوت

من خلال قراءة الرواية سيجد القارئ أن «بينيديكت»، التى تكتب روايات تاريخية مُحكمة البحث دائمًا ما تصبح الأكثر مبيعًا، وتتخذ من شخصيات حقيقية موضوعًا لها، تنجح فى الربط بين هاتين الحقبتين والشخصيتين المتباينتين، من خلال رواية «بنت مصر».

بينما تُثير فى الوقت نفسه قضية أوسع: أصل القطع الأثرية القديمة، ومسألة من يملك التاريخ.. عندما يكتشف «كارتر» مقبرة الملك توت عنخ آمون، ما يُخيب آمال «إيف»، فهدفها هو مقبرة حتشبسوت، تُضيف حبكة فرعية فى القصة عن تجارة الآثار غير المشروعة بهدف التربح من ماضى مصر، وهو ما يضيف بُعدًا آخر مثيرًا للاهتمام إلى الأحداث.