الأربعاء 27 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

زمن «مو» المتجدد.. لماذا يكره أبناء الجماعات المتطرفة صلاح؟

حرف

- لعب محمد صلاح 441 مباراة أحرز فيها 257 هدفًا وصنع من التمريرات الحاسمة 119 أسيست

فى مشهد درامى مؤثر، تهيمن عليه المشاعر والانفعالات، واللحظات المفعمة بالصخب، والشجن والتأمل. يودع لاعبنا المصرى العالمى محمد صلاح جماهير فريقه الأثير ليفربول، وفى ملعب الأنفيلد المعقل التاريخى للريدز، إذ لعب صلاح وتألق. سجل الأهداف، وصنع الفرص، وحمل أحلام مشجعى الليفر إلى آخر المدى، ومن هنا أيضًا كان الوداع مؤثرًا، والمشهد مهيبًا، ولائقًا بتاريخ صنعه «مو صلاح» مع ناديه. 

تشى كرة القدم بالكثير من المعطيات، إنها تتخطى كونها اللعبة الشعبية الأولى فى العالم، لتصبح تعبيرًا عن لحظات مركبة فى حياة المشجعين، واللاعبين، والأطقم الفنية، وإدارات الأندية، وربما كان التوصيف الدال للكاتب الأوروجوايانى الشهير إدواردو جاليانو فى كتابه المهم «كرة القدم بين الشمس والظل»، قريبًا من الحقيقة، حيث يعلن جاليانو بوضوح عن أن كرة القدم مرآة للعالم. وهى تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة.

وستبقى حكاية محمد صلاح لاعبنا المصرى العالمى، ووداعه جماهير ليفربول إحدى أكثر الحكايات أهمية، وجمالًا، فى عالم كرة القدم.

ووفقًا لما سبقها فى نهايات العام الماضى، من محاولات استبعاد وتهميش للاعب الفذ على يد المدرب، أرنى سلوت، محدود الخيال، فلن تقل سخونتها أيضًا عن اللحظات الدرامية المؤثرة التى صنعتها أهداف صلاح، وإسهاماته التهديفية مع فريقه، ومع منتخبنا المصرى الوطنى لكرة القدم.

وربما يأتى الاحتفاء التاريخى من الجماهير، والتشجيع غير المسبوق، فضلًا عن الدعم الذى تلقاه اللاعب فى مواجهة من يحاولون الخصم من رصيده، دليلًا جديدًا على جدارة صلاح، وقوة تأثيره فى جماهير فريقه، الذى أصبح يمثل حضورًا موازيًا فى العالم العربى، وفى إفريقيا يماثل فرقًا نالت تشجيعًا كلاسيكيًا مستقرًا من قبيل: ريال مدريد، وبرشلونة، وبايرن ميونخ، ويوفنتوس، وغيرها. 

وفى المباراة الختامية لمسيرة صلاح مع ليفربول، ضد فريق برينتفورد، التى انتهت بالتعادل الإيجابى بهدف لكل فريق، لم يكتف محمد صلاح بمجرد المشاركة، بل صنع هدفًا لزميله فى الفريق جونز، وبذلك ينفرد بصدارة اللاعبين الذين صنعوا تمريرات حاسمة، متخطيًا اللاعب الإنجليزى السابق ستيفن جيرارد.

إن ثمة تاريخًا حافلًا بالإنجاز للاعب مع فريقه ليفربول، إذ لعب محمد صلاح ٤٤١ مباراة، أحرز فيها ٢٥٧ هدفًا، وصنع من التمريرات الحاسمة ١١٩ أسيست؛ ليصبح إجمالى الإسهامات التهديفية ٣٧٦، بمعدل إسهام تهديفى كل ١٫٧ مباراة. 

صلاح هو صاحب أعلى إسهامات تهديفية للاعب واحد مع نادٍ واحد فى تاريخ الدورى الإنجليزى، كما أنه أسرع لاعب يصل إلى ١٠٠ هدف مع ليفربول، وقد حقق ذلك فى ١٥١ مباراة، وهو أكثر لاعب صناعة للفرص فى الدورى منذ ٢٠١٧ «٥٣٤ فرصة»، وأول لاعب إفريقى يصل إلى ٥٠ هدفًا فى دورى أبطال أوروبا.

وقد حصل على جائزة الحذاء الذهبى للدورى الإنجليزى ٤ مرات، وحقق مع ليفربول لقب الدورى الإنجليزى مرتين، ولقب دورى أبطال أوروبا مرة واحدة، وحصل أيضًا على كأس العالم للأندية، وبطولة السوبر الأوروبى، وكأس الاتحاد الإنجليزى مرة واحدة، وكأس الرابطة مرتين. 

كانت الأجواء حماسية للغاية أثناء خروج محمد صلاح فى الدقيقة ٧٢ من مباراته الأخيرة مع ليفربول، وما بعد المباراة كانت الأجواء أكثر جمالًا، وشجنًا، وإنسانية، حيث الاحتفال التاريخى باللاعب الأكثر تأثيرًا فى مسيرة الفريق فى الألفية الجديدة. 

وعقب المباراة الختامية مع ليفربول، قال صلاح فى حديثه لشبكة «سكاى سبورتس»: «أعتقد أننى بكيت أكثر من أى وقت مضى فى حياتى. أنا لست شخصًا عاطفيًا بطبيعتى. لقد عشنا شبابنا هنا، وتقاسمنا كل شىء من البداية إلى النهاية».

يبدو الجانب العاطفى مهيمنًا على علاقة صلاح بالنادى وجماهيره، ولذا فقد أضاف قائلًا: «لقد أعدنا هذا النادى إلى مكانته الطبيعية».

وفى لفتة طيبة، لم ينس صلاح زميله النجم الأسكتلندى أندى روبرتسون، الذى ودّع الفريق الأحمر أيضًا هذا الموسم، ووصفه بقوله: «من الصعب مغادرة ليفربول. إنه لاعب مهم جدًا للفريق وللفترة التى قضيناها معًا».

وتابع: «يشرفنى حقًا أن أكون قد لعبت معه.. فلقد كان دائمًا سندًا للفريق. أنا محظوظ جدًا لأننى لعبت معه..

إن قرار رحيل صلاح لم يكن مفاجئًا، لو تأملنا ما حدث بينه وبين مدربه، وطريقة اللعب العقيمة التى يتبناها المدير الفنى. ومن جهة أخرى، يبدو أن صلاح كان مؤرقًا، لكنه يدرك فى النهاية ما يجب فعله، فذهنية لاعب وصل إلى العالمية بدأب، وصبر، تفكر دومًا وفق هذا النسق: «هذه هى الحياة. عندما أنظر إلى الوراء، أتساءل عما إذا كنت أتمنى أكثر مما حققته. ليس حقًا. لقد فزنا بكل شىء. نرى حب الجماهير، وهذا هو الأهم بالنسبة لى».

واختتم صلاح تصريحاته قائلًا: «سأكون بعيدًا عن هنا. سأشعر بالعاطفة فى كل مرة. أتمنى أن يبقى الفريق فى مكانه، وأن ينافس على كل شىء». 

وقد رفعت جماهير ليفربول فى ملعب الأنفيلد لافتة تلخص كل شىء: 

«لقد انتقلنا من العظمة إلى المجد.. صلاح هو ملكنا»، وبدت الرسائل الأخرى ملهمة، وحميمة، وكاشفة عن التماهى بين الجمهور ولاعبه المفضل، ومن هنا تتواتر تلك الرسائل المحبة، والداعمة، والمقدرة لقيمة اللاعب ومكانته، وجهده الذى وظفه لصالح الفريق، فنرى مثلًا رسائل من قبيل: «لقد أتيت وكرست أفضل السنوات فى مسيرتك ومنحتنا لحظات لن ننساها/ نريد أن نشكرك على كل ما قدمته لليفربول/ شكرًا على مساهماتك فى ليفربول طوال ٩ سنوات/ لم تغير الفريق فقط، بل قمت بتغيير المدينة وشعور الجميع تجاه الأشخاص الذين يشبهونك/ أريد أن أشكرك.. والدى رحل العام الماضى وهو السبب فى كوننا جميعًا نشجع ليفربول، وآخر مرة رأيته يبتسم عندما شاهدنى أغنى أغنيتك.. شكرًا لك من أعماق قلبى». 

من بعيد، بدأ محمد صلاح، من قرية مصرية حيث البساطة كل شىء ولا شىء فى آن، قد تصير مروية من مروياتنا الأدبية التى قد تجد بعض ملامحها فى كتابة عن الريف المصرى تخص يوسف إدريس، أو محمد البساطى، أو خيرى شلبى، أو يوسف أبورية، أو أى كاتب بدت القرية لديه مركزًا للسرد، وجوهرًا للحكاية الفنية، هذه القرية التى بدا اللاعب الموهوب على وفاق نفسى مع ناسها، وفى تماس معهم، فلم ينفصل عن محيطه الاجتماعى انفصالًا كليًا، بل ظل داعمًا لمكانه وناسه بمحبة ونبل شديدين.

وفى العالم المسكون بتعقيدات المتن والهامش، وجدلهما الخلاق، لم يلتحق اللاعب الموهوب بأحد الناديين الكبيرين، فكان فى الهامش متسع للوجود، لملامسة عالم أكثر رحابة بعد سنوات قليلة، ينتقل فيها صلاح من ناديه المحلى إلى نادٍ أوروبى، يبدو مثل محطة لرعاية المواهب الكروية، وله تاريخ متواتر مع عدد من اللاعبين المصريين، وأعنى به نادى «بازل» السويسرى، الذى انطلق منه صلاح صانعًا نجوميته الحقيقية، هنا ستبدو الانتقالات المستمرة لصلاح بين صفوف أندية شهيرة مثل تشيلسى، وروما، وليفربول، تعبيرًا جليًا عن قدرة عارمة على التكيف، وحراسة الأمل بلا حس دعائى، والحفاظ على الذات من هواجس التوتر الزائد، والامتثال لقانون الصخب الذى يحكم الميديا فى العالم، وقد صار صلاح واحدًا من فرسان هذه الميديا وموادها الخبرية المستمرة. 

وإذا كانت الجماهير قد بكت مع بطلها الشعبى، تارة حين أصيب أكثر من مرة، وتارة حين أخفق فى أكثر من مرة، فإن لحظات الانتصار المذهلة، تظل دومًا حاملة للحلم لآخر مدى، لا يمكن لى مثلًا أن أنسى المباراة الدراماتيكية لمنتخبنا الوطنى ضد الكونغو فى التصفيات المؤهلة لكأس العالم ٢٠١٨، حيث بدا كل شىء قابلًا للرحيل يومها، وعلى الرغم من أن المباراة كانت تتجه لنهاية محزنة لنا جميعًا، كان ثمة شخص له رأى آخر، أمكن له تحقيقه عبر تسديده ضربة جزاء فى شباك المنافس، وفى توقيت قاتل من عمر أى مباراة. يحب المصريون أبطالهم الشعبيين، ويفخر العرب بأبنائهم، وترى الجماهير المنصفة حول العالم أن آليات التخطيط العلمى، والدأب، والإنجاز، وإنكار الذات، والارتفاع عن المهاترات، والعبور اليومى على المعارك المجانية، والتركيز فى أن ننجز بين أيدينا من أعمال، سمات أصيلة لأى موهبة تتخطى عالمها الضيق صوب سياق أكثر براحًا، وفاعلية. من هنا كان للمصرى العالمى محمد صلاح أنصار فى بلدان عديدة، وفى مدن لعب لأنديتها الشهيرة، لذا ستجده حاضرًا فى روما، وفى ليفربول، وفى غيرهما، حضورًا محببًا إلى الكثيرين، ولكن لن يكون غريبًا أن يهاجمه البعض، فالإجماع ظاهرة عبثية وغير موجودة، وستجد فى مقدمة هؤلاء الموتورين تلك الكتائب الإلكترونية لتيارات الإسلام السياسى، التى سعت إلى النيل منه فى أكثر من موقف، والحملات المسمومة من جماعة الإخوان، ومشايعيها ضده، التى تتخذ طريقها عبر مقالات مدفوعة الأجر، أو بنى ذهنية منغلقة، تحمل انحيازات عاطفية لأفكار وتوجهات الجماعة الإرهابية، معبرة عن موقف رجعى ومتخلف من العالم. 

تكبر ظاهرة محمد صلاح فى الفضاء العام، محاطة بمحبة حقيقية تراها فى البيوت، والمقاهى، والأزقة، فى شوارع من ذهب، وأخرى من تراب، تكبر الظاهرة ويكبر معها الأمل، وتكبر معها الأمنيات، حيث كل شىء يخضع للعمل، للوجود الأصيل وليس الزائف، ويتحول صلاح إلى علامة على جملة من القيم النبيلة، والدافعة لعالم خصب ومتجدد، مسكون بالإنجاز، الذى نتمناه حقًا ونحن ننتظر نجمنا الكبير فى كأس العالم ٢٠٢٦ بين رفاقه ليسعد ملايين المصريين والعرب من جماهير شعبنا العظيم.