الثلاثاء 07 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

بقيع مصر.. كيف تحوّل الدولة قرية «البهنسا» إلى أكبر مقصد سياحى وثقافى عالمى؟

حرف

- أشهر معالمها سيدى على الجمام وقبة البدريين والسبع بنات

- عاش بها سيدنا يوسف وإخوته.. واستظل بشجرتها المسيح والسيدة مريم

«لم أكن لأطأ بنعلى على أرض سالت عليها دماء الصحابة الشهداء.. اخلعوا نعالكم أنتم فى أرض مباركة»، بهذه الكلمات الخالدة وصف شيخ الأزهر الراحل، الشيخ عبدالحليم محمود، مكانة قرية «البهنسا» التابعة لمركز بنى مزار بمحافظة المنيا، التى ظلت لعقود تحتفظ بقيمتها الروحية والتاريخية، بينما كانت تنتظر أن تنال ما تستحقه من اهتمام.

اليوم، تدخل «البهنسا» مرحلة جديدة من التطوير، بعدما أعلن وزير الأوقاف، الدكتور أسامة الأزهرى، ومحافظ المنيا، اللواء عماد كدوانى، عن إطلاق رؤية متكاملة لإحياء القرية المسماة «بقيع مصر». تشمل هذه الرؤية الحفاظ على المواقع الأثرية، وإعداد موسوعة علمية توثق تاريخ القرية، إلى جانب إطلاق تطبيق إلكترونى وخريطة تفاعلية للتعريف بمعالمها، فى إطار خطة تستهدف تحويلها إلى مقصد عالمى للسياحة الدينية والثقافية.

وفيما يبدو أن «البهنسا» تسير أخيرًا فى الطريق الذى يليق بتاريخها ومكانتها، يبقى التحدى الحقيقى هو استمرار التنفيذ، حتى تتحول الوعود إلى واقع، وتستعيد «بقيع مصر» مكانتها التى تستحقها بين أهم المقاصد الدينية والتاريخية فى مصر.

 

بدأت رحلة تطوير «البهنسا» فى عام ٢٠٢٢، حين تقدم المرحوم أحمد حتة، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة لتطوير منطقة «البهنسا» الإسلامية، مطالبًا بوضعها على خريطة السياحة العالمية، وإنشاء متحف يضم مكتشفاتها الأثرية، وترميم الأضرحة والقباب، وتطوير الطرق، وإنشاء بوابات بطراز إسلامى، وشاشات تعريفية تحكى تاريخ المكان، إلى جانب تحسين الإضاءة والهوية البصرية للمنطقة.

وفى يونيو ٢٠٢٦، واصل النائب محسن أبوحتة، عضو مجلس النواب، نجل النائب أحمد حتة، متابعة الملف، متقدمًا بطلب إحاطة جديد أمام مجلس النواب بشأن استكمال تطوير منطقة «البهنسا»، فى تأكيد لاستمرارية الاهتمام البرلمانى بالمشروع، ودعم جهود الحفاظ على المواقع التراثية والأثرية وتعظيم الاستفادة منها.

ومثّل طلب الإحاطة، الذى تقدم به النائب؛ بشأن تطوير «البهنسا» خطوة جديدة فى مسار الاهتمام البرلمانى بالمنطقة، فلم تمضِ سوى فترة وجيزة حتى جاءت زيارة الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، واللواء عماد كدوانى، محافظ المنيا، إلى المنطقة، لتترجم هذه المطالب إلى رؤية تنفيذية متكاملة.

وأعلن الوزير والمحافظ عن إطلاق خطة شاملة لتطوير «بقيع مصر»، تتضمن الحفاظ على المواقع الأثرية، ورفع كفاءة البنية التحتية، وإعداد موسوعة علمية توثق تاريخ «البهنسا»، إلى جانب إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكى يقدمان خريطة تفاعلية للمقامات والمعالم التاريخية.

بدوره، كشف وزير الأوقاف عن أن المشروع يحظى باهتمام القيادة السياسية، ويستهدف تحويل «البهنسا» إلى مقصد عالمى للسياحة الدينية والثقافية، لافتًا إلى أن منطقة «البهنسا» ومشروع «القاهرة التاريخية» يحظيان باهتمام مباشر من الرئيس عبدالفتاح السيسى.

وأشار الوزير إلى أن الدولة عازمة على تنفيذ مشروع متكامل لتطوير المنطقة، بما يحافظ على طابعيها الإسلامى والأثرى ويبرز قيمتها الحضارية، سواء فى عهدها الفرعونى أو المسيحى أو الإسلامى، مستشهدًا بما تحقق فى مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، ومحيط مسجد السلطان حسن، والإمام الشافعى، وغيرها من المواقع التراثية.

فى السياق ذاته، أكد محسن حتة، عضو مجلس النواب، أن تطوير منطقة «البهنسا» يأتى فى إطار الحفاظ على واحدة من أهم المناطق التاريخية والدينية فى مصر، مشيرًا إلى أن المنطقة تمثل إرثًا حضاريًا يجمع بين الحضارات الفرعونية واليونانية الرومانية والقبطية والإسلامية، إلى جانب مكانتها الروحية باعتبارها «بقيع مصر».

وأضاف «حتة» أن مشروع إنشاء متحف يضم آثار «البهنسا» ليس فكرة جديدة، بل امتداد للمشروع الذى تقدم به والده، النائب الراحل أحمد حتة، خلال عضويته بمجلس النواب، إلا أن وفاته حالت دون استكماله، مضيفًا: «واجبنا أن أستكمل ما بدأه والدى وفاءً لجهوده وإيمانًا بأهمية هذا المشروع».

وأوضح أن إنشاء متحف لـ«البهنسا»، إلى جانب تطوير المنطقة الأثرية، يسهمان فى الحفاظ على مكتشفاتها التاريخية، وتعزيز الحركة السياحية، ودعم التنمية فى مركز بنى مزار ومحافظة المنيا.

وأشار إلى أن طلب الإحاطة الذى تقدم به تضمن رؤية متكاملة لتطوير المنطقة، تشمل إنشاء المتحف، وترميم الأضرحة والقباب والمقامات التاريخية، ورصف الطرق المؤدية إلى المزارات، وإنشاء بوابات بطراز إسلامى، وشاشات تعريفية تروى تاريخ البهنسا، وإنشاء بوابة كبيرة تجمع بين الشكل الفرعونى والإسلامى، فضلًا عن تطوير منظومة الإضاءة والهوية البصرية، بما يليق بمكانة المنطقة كأحد أهم المقاصد الدينية والأثرية فى مصر.

وأكد أن هناك خطة للتنسيق مع شركات السياحة، لإدراج مزارات «البهنسا» ضمن المسارات السياحية المعتمدة، ما يضمن زيادة معدلات الزيارة، والاستفادة من المقومات التاريخية والدينية التى تتمتع بها المنطقة، تمهيدًا لتحويلها إلى مقصد سياحى عالمى.

ترتبط كلمة «البقيع» فى أذهان المسلمين بمقبرة «البقيع» فى المدينة المنورة، التى تضم رفات عدد من صحابة رسول الله وآل بيته، إلا أن مصر تحتضن «بقيعًا» آخر، يقع فى قرية «البهنسا» التابعة لمركز بنى مزار بمحافظة المنيا.

اشتهرت «البهنسا» بين المصريين بلقب «بقيع مصر» أو «مدينة الصحابة»، لما تضمه من مقامات وأضرحة تُنسب إلى عدد كبير من الصحابة والتابعين الذين ارتبطت أسماؤهم بالفتح الإسلامى لمصر.

وتحمل «البهنسا» تاريخًا ممتدًا عبر العصور؛ فقد كانت مدينة حصينة ذات أسوار وأبراج، وازدهرت فى العصور الفرعونية واليونانية الرومانية والقبطية، قبل أن تكتسب مكانتها الإسلامية بعد معركة فتحها، التى شهدت مقاومة عنيفة واستشهاد عدد كبير من المسلمين، ما منحها مكانة روحية خاصة فى الوجدان الشعبى.

وتضم القرية قبور ما يقرب من ٥٠٠٠ من الصحابة والتابعين والمجاهدين، من بينهم نحو ٧٠ من المشاركين فى غزوة بدر، من خلال «قبة البدريين»، التى تعد من أهم معالم المنطقة، ويوجد بداخلها شاهد رخامى نُقشت عليه أسماء الصحابة المدفونين بها، ما جعلها مقصدًا لآلاف الزائرين من مختلف محافظات الجمهورية، فضلًا عن زائرين من بعض الدول العربية والإسلامية.

وتنتشر داخل جبانات «البهنسا»، التى تمتد على مساحة تقارب ٩٠ فدانًا، أكثر من ١٥ قبة أثرية مسجلة، إلى جانب عشرات المقامات والأضرحة التاريخية، لتبدو المنطقة وكأنها متحف مفتوح يروى صفحات من التاريخ الإسلامى فى مصر.

ومن أبرز معالم القرية مسجد ومقام «سيدى على الجمام»، الذى ينسب إلى قاضى قضاة البهنسا، و«قبة البدريين» التى تضم عددًا من شهداء غزوة بدر، ومقام «السبع بنات»، أحد أشهر المزارات الشعبية فى المنطقة، بالإضافة إلى مقامات السيدة رقية والحسن بن صالح ومحمد بن أبى ذر الغفارى وعقبة بن نافع، وغيرها من المقامات التى يقصدها الزائرون على مدار العام.

وتتحول «البهنسا»، خاصة يوم الجمعة، إلى مقصد دينى وشعبى كبير، إذ يتوافد آلاف الزائرين منذ الصباح الباكر لزيارة المقامات وأداء الصلاة. بينما تشهد المنطقة حلقات ذكر وابتهالات وإنشاد دينى، فى مشهد يعكس ارتباط المجتمع المحلى بهذا التراث الممتد عبر القرون.

كما ارتبطت «البهنسا» بقصة مرور العائلة المقدسة، وتشرفت بقدوم السيد المسيح عليه السلام والسيدة مريم، ووجود شجرة يعتقد أنها استظلت بها السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام. كما عاش بها سيدنا يوسف عليه السلام وإخوته، إضافة إلى حكايات شعبية يتناقلها الأهالى حول بعض الأولياء والمقامات، وهى روايات تمثل جزءًا من الذاكرة الشعبية للمكان.

ولا تقتصر أهمية «البهنسا» على قيمتها الدينية، بل تشمل تاريخ للحضارة المصرية، وجمعت على أرضها آثارًا تنتمى إلى عصور مختلفة، الأمر الذى يجعلها واحدة من أكثر المناطق التراثية تميزًا فى صعيد مصر، ويعزز من أهميتها كمشروع واعد للسياحة الدينية والثقافية، خاصة مع خطط الدولة الحالية لتطوير المنطقة والحفاظ على هويتها التاريخية.

ومن أبرز المعالم الدينية والأثرية التى تحتضنها «البهنسا» مقام ومسجد «سيدى على الجمام»، الذى يُعد من أشهر المزارات بالمنطقة، ويُنسب إلى قاضى قضاة «البهنسا»، ويقصده آلاف الزائرين على مدار العام، خاصة فى يوم الجمعة.

كما تضم المنطقة مقام السيدة رقية، ومقام عقبة بن نافع وأبنائه، بالإضافة إلى مقام الحسن البصرى، وجميعها تمثل محطات رئيسية فى مسار الزائرين لما تحمله من مكانة دينية وتاريخية.

وعلى مسافة تقترب من ٥٠٠ متر من مسجد «سيدى على الجمام»، يقع مقام «سيدى الدكرورى»، وهو من المزارات التى تحظى بشهرة واسعة بين رواد «البهنسا»، وترتبط بهذا المقام العديد من الروايات والمعتقدات الشعبية المتوارثة بين الأهالى والزائرين، إذ يعتقد بعضهم أن صاحب المقام كان أحد فرسان الفتح الإسلامى لمصر، وأنه يظهر ممتطيًا حصانه الأبيض فى بعض المناسبات.

خلال جولة «حرف» بالمنطقة، قال أحد مفتشى الآثار فى قرية «البهنسا» إن هناك مدنًا كثيرة اندثرت، ولم تترك لنا ما يخلد ذكراها، أما «أكسير نخوس» أو «البهنسا» فلا يستطيع أى إنسان فى العالم تجاهلها، نظرًا لما خلفته لنا حضارتها من آثار ثابتة ومنقولة، بداية من العصر الفرعونى، وصولًا إلى تاج العصور ودرتها العصر الإسلامى.

وأضاف المفتش الأثرى أن أهم هذه الآثار على الإطلاق هو مسجد الحسن الصالح بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب، والعملات الذهبية التى ترجع لعصر الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله.

وجلال الجولة مررنا على أضرحة «السبع بنات»، وقال المفتش الأثرى إن قصص «السبع بنات» مشهورة ومتداولة ولكن لم يتم توثيقها، مضيفًا: «المنطقة شهدت عدة معارك، و(السبع بنات) تشير إلى النساء اللاتى انضممن لجيش عمرو بن العاص، وارتدين ملابس الرجال، وأبلين بلاءً حسنًا فى تلك الفتوحات بصعيد مصر، وبينما هن فرحات بما حققنه من إنجاز، ويزغردن، تم كشف حقيقتهن أمام جنود الروم، فتسلل هؤلاء الجنود إلى خيامهن وذبحوهن ليلًا».

ويضيف أن عدد الفتيات لم يكن معروفًا على وجه التحديد، فهناك من يقول إنهن ٧ أو ٧٠ أو ٧٠٠ أو ٧٠٠٠، مبينًا أنه توجد بالمنطقة ٧ مقامات، وبجوارها بئر للمياه يزوره الناس تبركًا واعتقادًا بأن زيارة المكان تشفى العليل وتمنح الإنجاب والزواج.

وتقول هنادى محمد، إحدى راغبات الإنجاب، من قرية «صندفة» بمركز «بنى مزار»، إن إيمانها بكون المكان سببًا للزواج لا يخالطه شك، بل على العكس تجاربها خلال الـ٥٥ عامًا من عمرها شاهدة على حالات تزوجت ورُزقت بأطفال بعد زيارتها إلى مقابر «السبع بنات».

«هنادى» ليست وحدها، فقد اصطحبت حفيدتها فاطمة، التى أكدت أن جدتها تؤكد دومًا أنها ستصطحبها إلى مقابر «السبع بنات» عند بلوغها، حتى تُرزق بعريس وتبدأ حياتها، وبعد زواجها ستأخذها أيضًا إلى نفس البقعة الطاهرة حتى تُرزق بأطفال، وستكرر الزيارة عند تعثرها فى حياتها سواء فى الرزق أو الأمور الحياتية.

وأضافت «فاطمة» أن جدتها توصيها دومًا بإبلاغ أبنائها وأحفادها بأن هذه الطقوس سبب متوارث لاستكمال الحياة بمسيرة هادئة وهانئة. 

وعلى بعد أمتار تجلس سيدة أخرى تمارس طقس «الدحرجة» فى المكان والذى يزعم البعض أنه يحل مشكلة عدم الإنجاب، لكنها تضع شروطًا لذلك، وهى التزام الفتاة بارتداء «بنطال» تحت عباءتها، وألا يكون بجوارها أحد من الرجال حرصًا على خصوصيتها، وأن تعقد النية طالبةً غرضها من الله سبحانه وتعالى.

وتجلس أيضًا سيدة مسنة أطلق عليها الزوار لقب «البركة» لمساعدة السيدات الراغبات فى الإنجاب، والإشراف على الطقوس المتمثلة فى نوم السيدات على جانبهن الأيمن على كثبان رملية فيها حصى صغيرة، واضعين أيديهن خلف رءوسهن، وعقد أرجلهن، لتدفعهن السيدة للتدحرج من أعلى إلى أسفل ٧ مرات، أو ثلاثًا، أو مرة حسب المبلغ المدفوع.

فى السياق، يقول مصطفى زايد، الباحث الصوفى، إن قرية «البهنسا» تُعد بمثابة «البقيع الأصغر» لما تحمله من مكانة روحية وقدسية خاصة لدى أتباع الطرق الصوفية فى مصر والعالم الإسلامى.

وأضاف «زايد» أن العديد من الطرق الصوفية وجّهت خلال الفترات الماضية مناشدات متكررة إلى الجهات المعنية بضرورة الاهتمام بالقرية وإبراز قيمتها التاريخية والدينية ضمن مسار تنشيط السياحة الدينية فى مصر، لافتًا إلى أن هذه الدعوات لم تكن فردية، بل جاءت من أكثر من جهة صوفية.

وأشار إلى أن هذه المناشدات قد أثمرت، عن تحرك واهتمام من وزارة الأوقاف، إلى جانب نواب البرلمان ومحافظ المنيا بتعاون مع وزارة الآثار، بما يعكس بداية استجابة رسمية لأهمية تطوير المنطقة وإعادة إحيائها بما يتناسب مع مكانتها التاريخية والروحية.