الجيش والثورة.. 30 يونيو.. لحظة اختبار وجودى وقرار إنقاذ مصيرى
- الجيش منذ الدولة القديمة لم يكن مجرد قوة لحماية الحدود بل كان صمام الأمان الذى تتكئ عليه الدولة
- اختيار الشعب للقائد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يكن فقط اختيارًا لقيادة فى مرحلة معقدة، بل كان اعترافًا بزعامة تاريخية
- تدخل الجيش المصرى فى دعم الموقف الشعبى فى 30 يونيو أمر ثابت ومتكرر عبر القرون
- لم يكن المشير السيسى هو من اختار طريق الرئاسة بل كانت قطاعات واسعة من الشعب هى التى دفعته إليه
- التاريخ لا يقيس القادة بما يقولون بل يقيسهم أكثر بما يتركونه من أثر
مأساة بعض الشعوب ليست فى قلة ما تملك من تاريخ، وإنما فى قلة ما تقرأه منه.
التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد قوانينه، ويكرر دروسه، ويمنح كل جيل امتحانه الخاص، لذلك من الأهمية بمكان، ونحن نفتح صفحات التحليل أمام ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013م، ألا نكتفى بالنظر إليها باعتبارها حدثًا سياسيًا معاصرًا معزولًا عن سياقه، بل أن نعود خطوة إلى الوراء، وربما خطوات عديدة إلى عمق التاريخ المصرى نفسه؛ وهل كانت هذه هى المرة الأولى التى يجد فيها المصريون جيشهم فى قلب معركة إنقاذ الدولة عندما تتعرض لاختبار وجودى؟ وهل كان تدخل الجيش المصرى فى لحظات الحسم استثناءً عابرًا فى تاريخ البلاد، أم أنه امتداد لدور تكرر بأشكال مختلفة عبر القرون؟

وإذا استبعدنا من هذه المقارنة ثورتى الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢م والخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١م، باعتبارهما جزءًا من التاريخ السياسى المباشر للدولة المصرية الحديثة، فإن صفحات التاريخ الأقدم تضع أمامنا وقائع لا تقل إثارة للانتباه.
فالتاريخ المصرى، منذ فجر الدولة القديمة وحتى العصر الحديث، يُسجل فى أكثر من موضع أن الجيش لم يكن مجرد قوة لحماية الحدود ورد العدوان الخارجى، بل كان فى كثير من اللحظات الحرجة صمام الأمان الذى تتكئ عليه الدولة حين تضطرب أمورها من الداخل، وتتسع دوائر الفوضى، ويصبح بقاء الكيان الوطنى ذاته موضع اختبار، وحين كان يتدخل جيش مصر... لم يكن يصنع تاريخًا جديدًا.. بل يستدعيه!
ومن يقرأ تاريخ مصر بإنصاف يدرك أن ظهور القائد العسكرى فى لحظات الخطر ليس استثناءً فى تاريخ هذا الوطن، بل يكاد يكون أحد قوانينه المتكررة، فعندما تضطرب الأحوال، وتضعف السلطة المدنية، وتتسع الفجوة بين الدولة ومؤسساتها، ويصبح كيان البلاد نفسه موضع تهديد، كثيرًا ما يخرج من صفوف الجيش رجال لم تطلبهم السُلطة بقدر ما استدعتهم الضرورة، وهذه الحقيقة ظلت، عبر القرون، راسخة فى صفحات التاريخ المصرى، وحاضرة فى وجدان قطاعات واسعة من المصريين؛ إذ ارتبط الجيش فى الوعى الوطنى بفكرة بقاء الدولة قبل ارتباطه بفكرة السُلطة. ولذلك، كلما مرت مصر بمنعطفات حادة، يحاول أن يدخل أعداء مصر والمتآمرون عليها فى تلك المساحة بين الجيش وشعبه، وكأنهم ليسوا من لُحمَة واحدة أو أن الجيش نفسه ليس من نسيج الشعب، فينشرون أن تدخلًا للمؤسسة العسكرية فى لحظات الخطر يمثل افتئاتًا على الإرادة الشعبية، فى محاولة لإفقاد الثقة بين الشعب وجيشه ليسهل إضعاف ركائز الدولة وإسقاطها فى لحظات تكون فيها فى أمسّ الحاجة إلى التماسك.
ولهذا فإن من ينظر إلى أحداث ٣٠ يونيو من هذه الزاوية لا يراها واقعة منفصلة عن سياق التاريخ المصرى، بل يراها امتدادًا لنمط متكرر عرفته مصر عبر آلاف السنين؛ حين يشتد الخطر، وتتسع الفوضى، ويخشى الناس على دولتهم، يتقدم الجيش إلى واجهة الأحداث، لا ليصنع تاريخًا جديدًا، بل ليستدعى تاريخًا قديمًا يعرفه المصريون جيدًا، حتى وإن نسوه لبعض الوقت.
ومن هذه البوابة يجب أن نقرأ لحظات التحول الكبرى فى مصر فى فترة حكم جماعة الإخوان، ومن هنا تبدأ حكاية مصر مع الثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣م، لنحلل ماذا كانت ٣٠ يونيو؟ هل كانت مجرد احتجاجات انتهت بتغيير رئيس؟ أم كانت لحظة تاريخية شعر فيها قطاع واسع من المصريين بأن الدولة نفسها تقف أمام اختبار وجود، فخرجوا ليغيروا مسارها؟
الذين عاشوا تلك الأيام يعرفون أن الإجابة لا تُختصر فى بيان سياسى، ولا فى توصيف قانونى واحد، فالثورات فى التاريخ كانت دائمًا موضع جدل، وكثير منها لم يحصل على تعريفه النهائى إلا بعد سنوات طويلة من حدوثه، لكن من وجهة نظر ملايين المصريين الذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو، لم تكن المعركة مع شخص الرئيس الأسبق محمد مرسى وحده، ولم تكن خلافًا على قرارات حكومية أو سياسات اقتصادية، بل كانت معركة حول طبيعة الدولة المصرية، وهوية مؤسساتها، وحدود العلاقة بين تنظيم سياسى وبين وطن عمره آلاف السنين، فمصر لم تكن أمام خلاف سياسى، بل كانت أمام صراع على طبيعة الدولة.
ولكى نفهم لماذا خرج ملايين المصريين فى ٣٠ يونيو، لا يكفى أن نعود إلى أيام التظاهر الأخيرة، ولا إلى خطابات اللحظة، وإنما يجب أن نعود إلى ما كان يتردد فى الشارع المصرى بعد عام واحد من حكم جماعة الإخوان التى تعتبر رحم الإسلام السياسى المتطرف فى تاريخ العالم العربى والإسلامى، وهو أن الأزمة كانت أزمة أداء يمكن إصلاحها فى انتخابات قادمة، وأن هناك مسارًا يتشكل قد يغير طبيعة الدولة المصرية نفسها؟
هنا انقسم المصريون، بين فئة قليلة تريد أن تُخضِع الوطن لأيديولوجية الجماعة ومخططها، وهم أنصار تنظيم الإخوان وأتباعه، وفئة غالبة من جموع الشعب بكافة أطيافه شعرت بالخطر الحقيقى للتطرف واستغلال الدين فى السياسة، فأنصار تنظيم جماعة الإخوان رأوا أن الرئيس الأسبق محمد مرسى جاء عبر انتخابات ديمقراطية بعد عقود من الحكم السلطوى، وأنه لم يحصل على الوقت الكافى لتنفيذ مشروعه وسط دولة تعانى أزمات اقتصادية وإدارية عميقة، كما رأوا أن معارضيه لم يمنحوا التجربة فرصة حقيقية للاستمرار.

أما الغالبية من الشعب المصرى، فقد رأوا الصورة من زاوية مختلفة تمامًا، فقد اعتبروا أن المشكلة لم تكن فقط فى نجاح أو فشل حكومة، وإنما فى وجود مشروع سياسى ذى مرجعية تنظيمية وأيديولوجية يسعى إلى نقل ولاء الدولة من فكرة «الدولة الوطنية» إلى فكرة «الجماعة»، ومن هنا ظهر مصطلح «التمكين» الذى استخدمه المصريون لوصف مخاوفهم من توسع نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة، وظهر مصطلح «أخونة الدولة» فى النقاش العام، مع الجدل حول تعيينات فى بعض المواقع التنفيذية، وطريقة إدارة مؤسسات الحكم، والإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر ٢٠١٢م، الذى اعتبره جموع المصريين تركيزًا واسعًا للسلطات فى يد الرئيس.
وكانت الأزمة تتجاوز السياسة اليومية إلى ما هو أعمق، فما هو الحد الفاصل بين شرعية من جاء عبر صندوق الانتخابات، ومن فشل فى إدارة الحكم لأنه فَرق بين المنتمى لأيديولوجيته وغير المنتمى إليها، وبين ضرورة تحتم تصحيح المواجهة أمام هذه التفرقة؟
هذا السؤال لم يكن مصريًا فقط، فقد اعتادت السياسة الدولية الحديثة أن تجعل من الصندوق نهاية القول، غير أن التجارب التاريخية علمتنا أن الصندوق - وحده - لا يكفى دائمًا لتفسير لحظات الانكسار الكبرى فى الدول، ففى بعض اللحظات، لا يكون الخلاف على قرار، بل على معنى الدولة نفسها، وهنا يتجاوز الجدل حدود السياسة إلى منطقة أشبه بالفلسفة السياسية، حيث تتصارع شرعية النص مع شرعية الواقع، وشرعية الانتخاب مع شرعية الاستمرار.
وفى الحالة المصرية، كما سجلت أحداث ثورة ٣٠ يونيو، لم يكن الأمر مجرد إدارة حكم، بل كان تحولًا فى بنية الدولة، أثار مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع حول فكرة «التمكين» و«أخونة الدولة»، أى إعادة تشكيل الجهاز الإدارى والسياسى وفق ولاءات تنظيمية لا وطنية جامعة، وهكذا التف الوعى الجماهيرى، لا ضد رجل، بل حول الدولة ذاتها، وبدأت قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بأن مصر تتجه إلى مواجهة مفتوحة بين مشروع كشف عن نواياه وأيديولوجيته مبكرًا يتمثل فى نظام الحكم الجديد، وبين القلق والغضب الشعبى العارم من هذا النظام الذى يعيد استباحة الاستبداد تحت غطاء الشرعية.
فى تلك اللحظة ظهرت حركة «تمرد»، التى قدمت نفسها باعتبارها تعبيرًا مدنيًا عن رفض استمرار الرئيس الأسبق محمد مرسى فى منصبه، بعد أن فضحت إدارته أنه لم يكن صاحب القرار أو المتحكم فيه، بل مكتب الإرشاد الذى يدير جماعة الإخوان، ودعت إلى جمع توقيعات لسحب الثقة منه والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، وسواء اتفق الرأى أو اختلف مع تقييم حجم تأثير حركة تمرد، فإنها نجحت فى تحويل حالة الغضب المتفرقة إلى موعد سياسى محدد: الثلاثون من يونيو ٢٠١٣م.

وقتها دخلت مصر واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيدًا، ففى ذلك اليوم، لم تخرج مظاهرات فى مدينة أو محافظات محدودة، بل شهدت مناطق عديدة من البلاد احتجاجات حاشدة، وخرجت الجماهير فى مشهد كثيف غير مسبوق فى التاريخ الحديث، كان إعلانًا عن سحب الثقة الشعبية من الحكم القائم، ورأت فيه أنها لا تمارس احتجاجًا سياسيًا عابرًا، بل تستدعى فكرة الدولة ذاتها من بين شقوق الخلاف والانقسام، معلنين عن رفضهم لمسار سياسى قادته جماعة بعد عام واحد من وصول محمد مرسى إلى الحكم، وعندما تصل الشعوب إلى مثل هذه اللحظات، والتى لا تطيق فيها الصبر، يبدأ التفكير الجمعى فى إسقاط الشرعية الانتخابية أمام شرعية الشارع، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات كلها، وكان الرفض الشعبى الثائر ضد النظام لفكرة بقاء الصندوق وحده هو الحَكم حتى موعد الانتخابات التالية هو المشهد الرئيسى، وأنه لا بد لحركة شعبية واسعة أن تفرض مسارًا سياسيًا جديدًا.
كان من المؤكد أن ٣٠ يونيو، وضعت مصر أمام هذا الموقف الكبير، وكان المشهد واضحًا ومحددًا، وأن ثمة حربًا أهلية قد تندلع فى مصر، طرفها من جهة الشعب المصرى الغاضب، ومن الجهة الأخرى أنصار جماعة الإخوان التى لم تثبت ولاءها للشعب والوطن.
ومن هنا بدأ الفصل الأكثر جدلًا فى القصة، بحتمية دخول القوات المسلحة إلى المشهد، بقيادة الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع فى ذلك الوقت، وما إذا كان هذا التدخل استيلاءً على السلطة أم استجابةً لواقع سياسى واجتماعى استثنائى، ومشهد شعبى غير مسبوق؟
إن تدخل الجيش المصرى فى دعم الموقف الشعبى فى ٣٠ يونيو، هو أمر ثابت ومتكرر عبر القرون المتفرقة وفى الأزمان المختلفة من فصول تاريخ مصر القديم والحديث، والذين يصفون ما حدث بالانقلاب، ويستندون إلى أن رئيسًا منتخبًا أُزيح من السلطة بعد تدخل القوات المسلحة، لم يقرأوا التاريخ جيدًا، ولم يستفيدوا من دروسه المتكررة.
والشعب الثائر فى ٣٠ يونيو، أدرك أن الجيش الذى حمى ثورته ضد نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وهو الرئيس المنتمى للمؤسسة العسكرية وأحد رموز حرب أكتوبر المجيدة عام ١٩٧٣م، لن يتردد فى تكرار المشهد إذا ما أراد الشعب ذلك ضد رئيس قسَّم الوطن إلى طوائف، وهدد استقراره، فالأولى أن يحمى الجيش قائده العسكرى إذا كان منحازًا، لكنه لم يفعل، ووقف بجانب إرادة الشعب، لذلك تيقن الشعب أنه لم تكن هناك الشواهد التقليدية التى عرفها التاريخ عن الانقلابات العسكرية؟
فالانقلابات العسكرية التى شهدها العالم عبر التاريخ غالبًا ما كانت تبدأ بقرار صادر من داخل المؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة، حيث يتحرك الضباط لإسقاط النظام القائم، ثم يظهر قائد الانقلاب بوصفه الحاكم الجديد أو الحاكم الفعلى للدولة، وتكون خطة انتقال السلطة جزءًا من المشروع منذ البداية.

أما فى قراءة ٣٠ يونيو، فإن المسار الذى جرى فى مصر كان مختلفًا، فقد تحرك الشعب أولًا، وباتت المواجهة واضحة بينه وبين رئيس تدعمه جماعة متطرفة، مما جعل البلاد على شفا حرب أهلية، كما كان يدور الأمر فى معظم دول المنطقة فى ذلك الوقت، لذلك كان تدخل الجيش هو استدعاء لدوره التاريخى المعروف ولعقيدته الراسخة فى الحفاظ على أمن واستقرار وسلامة الوطن والمواطنين، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن الجيش يتحرك للاستيلاء على السلطة، فالشعب اليوم أصبح أكثر وعيًا بعد تجربة ثورة ٢٥ يناير، وهو الذى أنهى حكم مبارك الذى استمر ثلاثين عامًا، رغم تاريخه العسكرى المشهود، فلا يمكن -منطقيًا- أن يفكر الجيش فى الاستحواذ على السلطة فى نفس تلك الحقبة المشتعلة بثورة الشعب ضد رئيس ينتمى إلى المؤسسة العسكرية.
والفريق أول عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع وقتها، لم يعلن فى الأيام التالية للثلاثين من يونيو، أنه المرشح القادم للرئاسة، ولم يخرج باعتباره صاحب مشروع شخصى للوصول إلى الحكم، بل إن خارطة الطريق التى أُعلنت بعد الثالث من يوليو تضمنت تولى رئيس مؤقت للبلاد، ووضع ترتيبات انتقالية شملت تعديل الدستور وإجراء استحقاقات سياسية جديدة.
بل إن من النقاط التى يستند إليها فى هذا التفسير أن موقع وزير الدفاع فى الترتيبات الدستورية التى أعقبت ذلك مُنح وضعًا خاصًا خلال مرحلة انتقالية، باعتبار أن المؤسسة العسكرية رأت نفسها ضامنًا لاستقرار الدولة وحاميًا لما اعتبرته إرادة ٣٠ يونيو، ولم يكن ذلك أبدًا مؤشرًا منطقيًا على انتقال مباشر لرئيس الجيش إلى منصب رئيس الجمهورية، بل مؤشر لبقاء وزير الدفاع - الذى تمت ترقيته إلى رتبة المشير- فى منصبه ممثلًا للجيش فى حماية الدولة وفتح الطريق أمام أى رئيس مدنى جديد ينتخبه الشعب.
ثم جاء السؤال الذى لم يكن مطروحًا فى الأيام الأولى: هل يترشح وزير الدفاع عبدالفتاح السيسى للرئاسة؟
لكن ما حدث فى الواقع، أن الضغط الشعبى والإعلامى والسياسى تصاعد مطالبًا المشير عبدالفتاح السيسى بالانتقال من حماية الدولة إلى قيادتها، باعتباره الشخصية التى ارتبطت فى الوعى العام بقيادة القوات المسلحة إلى تكرار نفس المواقف التاريخية للجيش المصرى بالوقوف فى صف الشعب.
لم يكن وصول المشير عبدالفتاح السيسى إلى رئاسة الجمهورية قرارًا أُعلن فى اليوم التالى للثلاثين من يونيو، ولا خطوة بدت فى ظاهر الأحداث جزءًا من خطة سياسية معلنة منذ البداية، فبعد عزل الرئيس محمد مرسى، تولى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلى منصور الرئاسة المؤقتة، وخلال الأشهر التالية، تصاعدت دعوات من قوى سياسية وشخصيات عامة وقطاعات من المواطنين تطالب المشير السيسى بخوض الانتخابات الرئاسية، انطلاقًا من إيمانهم أنه الشخصية الأقدر على قيادة البلاد فى تلك المرحلة المضطربة، وفى المقابل، ظل المشير السيسى لفترة لا يعلن موقفًا نهائيًا، وكانت تصريحاته العلنية تدور حول مسئولياته كوزير للدفاع، وضرورة استكمال المرحلة الانتقالية، وكان هذا التردد يعكس إدراكًا لحجم المسئولية أكثر من كونه ترتيبًا سياسيًا محسومًا، وأن الانتقال من قيادة المؤسسة العسكرية إلى قيادة الدولة لم يكن خيارًا يسيرًا فى ظل أوضاع أمنية واقتصادية وإقليمية معقدة.

لكن الإرادة الشعبية كانت هائلة، ولم يكن المشير عبدالفتاح السيسى هو من اختار طريق الرئاسة، بل كانت قطاعات واسعة من الشعب هى التى دفعته إليه، بعدما رأت فيه القائد الذى ارتبط اسمه بحماية إرادة الملايين فى تلك اللحظة الفاصلة، وطالبته بتحمل مسئولية استكمال المرحلة الانتقالية من خلال الترشح للانتخابات الرئاسية، باعتبار أن وصوله إلى رئاسة الجمهورية كان الضمانة السياسية لاستمرار المسار الذى بدأته ٣٠ يونيو، ولحماية ما عدّوه مكتسبات الثورة ومنع عودة جماعة الإخوان إلى الحكم عبر إعادة إنتاج الظروف التى سبقت تلك الأحداث، فَقَبِل فكرة أن ينتقل من موقع القائد العسكرى الذى واجه أزمة وطنية إلى موقع المسئول المدنى الذى طُلب منه تحمل مسئولية قيادة الدولة.... وهذه الحالة تكررت فى التاريخ عشرات المرات.
وفى السادس والعشرين من مارس عام ٢٠١٤م، أعلن المشير عبدالفتاح السيسى استقالته من منصبه وزيرًا للدفاع، وخلع الزى العسكرى، وأعلن ترشحه رسميًا لرئاسة الجمهورية، قائلًا فى خطابه الشهير: «لا أستطيع أن أدير ظهرى لنداء جماهير غفيرة تطالبنى بالترشح». ومنذ تلك اللحظة، انتقل من موقع القائد العسكرى إلى موقع المرشح المدنى، ليخوض أول انتخابات رئاسية فى حياته.
وهناك دلائل أكيدة يقبلها أى منطق عاقل تؤكد أن الرئيس عبدالفتاح السيسى لم يكن يخطط للترشح لمنصب الرئاسة، فحملته الانتخابية الأولى لم تحمل ملامح السياسى الذى أمضى سنوات يعد نفسه للحكم، بل حملت طابع رجل انتقل إلى المجال السياسى فى ظروف استثنائية، وكانت لقاءاته الإعلامية تتسم بطابع حوارى أكثر من كونها عرضًا لبرنامج انتخابى تفصيلى، وتصريحاته تتسم بالتحفظ، ولم يكن هناك إعلان مبكر عن برنامج مفصل أو فريق سياسى جاهز أو حملة انتخابية طويلة تم إعدادها مسبقًا، وهو ما يُرى دليلًا على أن الرجل لم يكن قد دخل المشهد وهو يحمل خطة معدة سلفًا للاستيلاء على الحكم، ولو كان الهدف منذ البداية هو الوصول إلى الرئاسة لكان من المتوقع أن تظهر منذ اللحظة الأولى ملامح مشروع سياسى متكامل، وبرامج اقتصادية واجتماعية مُعدة مُسبقًا، وخطاب انتخابى تفصيلى، كما يحدث عادة فى التجارب التى يسعى فيها أشخاص أو جماعات إلى انتزاع السلطة كهدف مخطط له.
ثم جاءت المرحلة التالية، وهى المرحلة التى تعكس الاختبار الحقيقى، فالانتقال من قرار سياسى فى لحظة أزمة إلى إدارة دولة بحجم وتعقيد مصر ليس أمرًا يمكن حسمه بالشعارات، فعندما جلس الرئيس عبدالفتاح السيسى على مقعد الرئاسة، لم يكن الأمر أمامه مجرد إدارة يومية لشئون الدولة، بل تعامل مع ملفات متراكمة منها التحديات الأمنية، والأزمات الاقتصادية، ومشكلات فى البنية الأساسية، وتغيرات إقليمية عاصفة، فالثورات لا تُحكم فقط بنقطة بدايتها، وإنما بما يليها، فالثورة التى تُغيّر رئيسًا ثم تعود الدولة بعدها إلى النقطة نفسها تبقى مجرد حركة احتجاج، أما إذا أعادت صياغة السياسات والاقتصاد والعلاقات الإقليمية وبنية الدولة، فهى بلا شك ثورة شعبية تاريخية جديدة.

لكن يبقى سؤال أكثر عمقًا من الآراء جميعها: كيف يمكن تصنيف ثورة ٣٠ يونيو؟ وهل يمكن مقارنتها بثورات أخرى غيرت مصير دولها؟
فحين نحاول وضع ثورة ٣٠ يونيو داخل خريطة الثورات فى التاريخ، فيجب أن نعود إلى القاعدة التى تُقرها علوم السياسة، وهى أنه ليست كل التحولات الكبرى فى الدول تشبه بعضها، ولا كل لحظات التغيير السياسى يمكن تصنيفها بالقالب نفسه، فالتاريخ لا يعرف «نسخة واحدة» من الثورات، بل يعرف أنماطًا متعددة، مثل الثورات الاجتماعية، والثورات السياسية التى أطاحت بأنظمة ملكية، وثورات التحرر الوطنى، وأخرى شهدت تدخل المؤسسة العسكرية فى لحظات التحول السياسى دون أن تنتمى بالكامل لنمط واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن ثورة ٣٠ يونيو لا تشبه نموذجًا واحدًا من هذه النماذج، بل هى حالة مركبة تجمع بين أكثر من عنصر.. حركة احتجاج شعبى واسعة، وتدخل مؤسسة الدولة الأساسية ممثلة فى الجيش، ثم إعادة بناء للنظام السياسى عبر دستور وانتخابات واستحقاقات لاحقة، ولهذا يُستخدم فى وصفها مصطلحات مثل «ثورة استعادة الدولة» أو «ثورة تصحيح المسار»، لا باعتبارها مصطلحات قانونية دقيقة، بل باعتبارها توصيفًا سياسيًا يُعبر عن فكرة أن الدولة لم تُهدم ثم تُبنى من جديد، بل أعيد ضبط اتجاهها داخل نفس الكيان المؤسسى، لذلك فهى ثورة تصحيح جديدة للمسار الذى طالب به الشعب فى ثورة ٢٥ يناير عام ٢٠١١م.
لكن ما يميز ثورة ٣٠ يونيو فى الذاكرة السياسية المصرية، هو أنها لم تكن مجرد لحظة إسقاط أو تغيير حكم، بل كانت لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين ثلاثة عناصر: الشعب، والدولة، والمؤسسة العسكرية، ففى اللحظات الثورية الكلاسيكية، غالبًا ما يكون الجيش جزءًا من النظام القديم أو طرفًا محايدًا أو أداة لإسقاط النظام، لكن فى الحالة المصرية، كان الجيش ممثلًا فى قيادته طرفًا يتعامل مع ضغط شعبى واسع، ومع مؤسسات دولة قائمة، ومع حالة استقطاب سياسى غير مسبوقة، وهنا يظهر الفارق الأساسى، أن ٣٠ يونيو لم تُقدم نفسها كثورة ضد الدولة، بل كثورة داخل الدولة تهدف إلى تعديل مسارها.
ولهذا السبب، لم يكن ما حدث «تفكيكًا للنظام السياسى»، بل إعادة ترتيب له، وهو ما انعكس لاحقًا فى استمرار مؤسسات الدولة، مع تغييرات فى الدستور، وإعادة تنظيم للسلطة التنفيذية، وإعادة صياغة الأولويات الاقتصادية والتنموية، لكن مهما اختلفت التسميات، فإن الحقيقة التى لا يمكن تجاهلها هو أن البلاد كانت تتحرك بسرعة نحو لحظة انفجار سياسى شامل، وأن ثورة ٣٠ يونيو كانت نقطة فاصلة أدت إلى تغيرات عميقة فى بنية الدولة، سواء فى شكل النظام السياسى، أو فى إدارة الاقتصاد، أو فى طبيعة دور الدولة الإقليمى.
تظل هناك حقيقة لا يمكن إغفالها، فالرئيس عبدالفتاح السيسى لم يتخذ قرارًا سياسيًا عاديًا فى صيف عام ٢٠١٣م، بل اتخذ قرارًا كان يدرك أنه قد يكلفه مستقبله، وربما حياته، فهو لم يكن يواجه خصمًا سياسيًا تقليديًا، وإنما تنظيمًا عابرًا للحدود له امتداداته الفكرية والتنظيمية، وكانت مواقف قوى دولية مؤثرة آنذاك تُظهر اختلافًا واضحًا مع المسار الذى انتهت إليه الأحداث فى مصر، فلا يمكن تجاهل موقف الولايات المتحدة الأمريكية وقتها، ولا الاتحاد الأوروبى، وكلها مواقف كانت تدعم حكم الإخوان وترفض فى البداية عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى، لكن الرئيس السيسى بحكم خبرته الطويلة فى المؤسسة العسكرية وعمله السابق فى أجهزة الاستخبارات، كان أكثر إدراكًا من غيره لحجم المخاطر التى كانت تحيط بالدولة المصرية.

ومن هذا المنطلق، توصف هذه اللحظة باعتبارها لحظة رجل آثر تحمّل المسئولية رغم ما أحاط بها من مخاطر، مستندًا إلى التفويض والقبول الشعبى الواسع، ومقتنعًا بأن الحفاظ على الدولة يستوجب قبول أثمان باهظة قد يدفعها القائد قبل غيره، ثم لم تنتهِ هذه المواجهة بانتهاء المرحلة الانتقالية؛ فخلال السنوات التالية تعرض الرئيس السيسى، ومعه عدد من معاونيه وأفراد أسرته، لحملات إعلامية وسياسية حادة قادتها جهات معارضة، كان من بينها منصات إعلامية مرتبطة أو متعاطفة مع جماعة الإخوان، وبدا أن الهدف من تلك الحملات كان تقويض الثقة الشعبية فى قيادته وإضعاف الالتفاف حول مؤسسات الدولة.
ثم يأتى السؤال الذى يتجاوز الوصف السياسى إلى المجال الأخلاقى والتاريخى: ماذا قدم الرئيس عبدالفتاح السيسى لمصر بعد توليه السلطة عقب ثورة التصحيح الجديدة فى ٣٠ يونيو؟
إن التاريخ لا يقيس القادة بما يقولون، بل يقيسهم أكثر بما يتركونه من أثر، ولم تكن السنوات التى أعقبت توليه الرئاسة مجرد سنوات حكم، بل كانت مرحلة لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس جديدة، بعد فترة اتسمت باضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية، فقد اتجهت الدولة فى عهده إلى تنفيذ مشروعات واسعة فى البنية التحتية، شملت إنشاء شبكة جديدة من الطرق والكبارى، ومدن عمرانية، وتوسيع الموانئ، وتطوير قطاع الطاقة، وإطلاق مشروعات قومية مثل تنمية منطقة قناة السويس، إلى جانب برامج لإصلاح الاقتصاد واستعادة الاستقرار المالى، رغم ما صاحب بعضها من أعباء اجتماعية وتحديات معيشية.
كما شهدت تلك المرحلة إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وتطوير قدرات القوات المسلحة والشرطة، وتكثيف جهود مكافحة الجماعات المسلحة والقضاء على الإرهاب، مع تبنى سياسة خارجية سعت إلى تنويع الشراكات الإقليمية والدولية وتعزيز دور مصر فى محيطها العربى والإفريقى والمتوسطى، بالإضافة إلى استعادة وضع مصر على الساحة الدولية، وهذا واضح وضوح الشمس من تقدير زعماء ورؤساء وملوك دول العالم لشخصية الرئيس وإنجازاته ودور مصر وقرارها الحاسم فى الأوضاع الدولية الساخنة.
ويهمنى فى النهاية وبمناسبة احتفالنا بذكرى ثورة ٣٠ يونيو هذه الأيام، أن أكرر مسئولية الشعب المصرى فى حقبة ما بعد الثورات، فأخطر ما تواجهه الأمم بعد لحظات التحول الكبرى هو الاعتقاد بأن المهمة قد انتهت، بينما الحقيقة أن البداية الحقيقية لأى تغيير هى ما بعد لحظة التغيير نفسها، فلقد سقطت دول وثورات فى التاريخ ليس لأنها لم تنتصر، بل لأنها لم تعرف ماذا تفعل بعد الانتصار.
فالثورة ليست لحظة غضب، بل مشروع طويل لإعادة بناء الدولة، وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من التجارب التاريخية الكبرى، فهو أن إسقاط نظام سياسى أسهل كثيرًا من بناء نظام جديد مستقر وعادل وقادر على الاستمرار.
وهنا يأتى دور الشعب بعد ٣٠ يونيو، فواجب الشعب لا ينتهى عند تأييد لحظة التغيير، بل واجبه أن يفهم أن بناء الدول ليس فعلًا لحظيًا، بل تراكم طويل من التعليم والإنتاج والعدالة والاستقرار، وأن يحافظ على الدولة من التآكل الداخلى، لأن أخطر ما يهدد الأمم ليس عدوًا خارجيًا، بل انقسامها على نفسها، ولأن انهيار المؤسسات يعنى انهيار فكرة الدولة نفسها، وأن يشارك فى البناء الاقتصادى، لأن الدولة لا تُحمى فقط بالأمن، بل بالإنتاج والعمل والمعرفة، وأن يرفض الاستقطاب الحاد الذى يقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، لأن الانقسام هو المدخل التاريخى لتآكل الدول من الداخل، والأمم لا تموت حين تسقط فى الشوارع، بل تموت حين تفقد قدرتها على البناء بعد أن تهدأ الشوارع.
إن اختيار الشعب للقائد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يكن فقط اختيارًا لقيادة فى مرحلة معقدة، بل كان اعترافًا بزعامة تاريخية، وقيادة تحويلية فى مسار أمة عمرها بدأ منذ فجر التاريخ، وإعادة لكتابة حكاية ملحمية جديدة من حكايات الشعب المصرى فى لحظات المصير، فهناك لحظات فى عمر الدول لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدرتها على إعادة تشكيل معنى الدولة نفسها، وهذا المعنى هو ما ناضل القائد من أجله وهو يحمل كفنه على يديه!

لم يكن الرئيس عبدالفتاح السيسى يومها يغامر بمنصب، بل كان يغامر بحياته. ولولا التضحية الكبيرة التى قدمها الرئيس السيسى فى ٣٠ يونيو، لوجد اليوم أكثر من مائة وعشرين مليون مصرى أنفسهم فى مسار تاريخى مختلف، تحت حكم جماعة لم تكن مشروع حكم عابر، بل مشروعًا لتغيير هوية الدولة المصرية نفسها. ولهذا فإن الثلاثين من يونيو ثورة لا يُنظر إليها باعتبارها يومًا تغير فيه رئيس، بل يومًا أُنقذت فيه دولة، ولم يكن نهاية قصة، بل كان بداية فصل طويل من إعادة تعريف الدولة المصرية لنفسها.
أما أنا، فلا أكتب بصفتى مؤرخًا ولا سياسيًا، بل بصفتى مواطنًا مصريًا، سيبقى فى وجدانه أن رجلًا قَبِل أن يكون فى مرمى الخطر حتى يقف الشعب بعيدًا عنه، وحمل كفنه على يديه ليحيا وطن كامل ونعيش نحن أبناءه فى أمن وسلام.
وإن كان لى أن أقول كلمة أخيرة فى ذكرى ثورة ٣٠ يونيو، فهى شكرًا للرئيس عبدالفتاح السيسى الذى خاطر بحياته لتبقى مصر ونبقى نحن.
