دفاع عن العلمانية الملعونة.. رسائل غالى شكرى عن المعرفة والحرية والعدالة
- لا تقل الحرب التى يشنها المتطرفون والإرهابيون ضراوة عن أى حرب خاضتها مصر مع أعدائها الخارجيين
- من الضرورى أن ينتفض المثقفون المصريون المدنى للوقوف فى وجه التطرف والإرهاب
- ليس من منقذ سوى العلمانية كجزء من مشروع حضارى أشمل جوهره الديمقراطية
- يجب تحرير المجتمع من أى سلطة تحكمه باسم الدين كمقدمة لحل كل مشاكلنا
- السلفيات الجديدة تعبر عن مشكل ولا تقدم حلًا حتى أصبحت هى نفسها جزءًا من المشكلة
- الشعراوى اتهم بالكفر كلًا من توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود ويوسف إدريس
فى 14 أكتوبر من العام 1994 عندما حاول شاب جاهل متطرف طعن نجيب محفوظ ساعيًا لاغتياله، معتقدًا أنه بذلك يتقرب إلى الله، كان الدكتور غالى شكرى يرأس تحرير مجلة «القاهرة» جاعلًا منها منبرًا حقيقيًا للتنوير وإيقاظ المجتمع من سُباته.
جلس غالى شكرى وكتب رسالة إلى نجيب محفوظ، أخبره فيها وهو لا يزال يعانى من آثار محاولة الاغتيال بأنه تعلّم منه ومن تجربة محاولة اغتياله شجاعة العقل والتعقل، وشجاعة الإصرار لدرجة الاستبسال، وأنه سيظل صامدًا ومتمسكًا بالعقلانية، وحاملًا العلم ذا الثلاث نجوم «المعرفة والحرية والعدالة».
لم يركن غالى شكرى إلى الحياة كثيرًا، مات عن 63 عامًا، فقد ولد فى العام 1935 وتوفى فى العام 1998، وخاض رحلة الكتابة بين العامين 1962 عندما أصدر أول كتبه «سلامة موسى وأزمة الضمير».. وحتى توقف عن العمل والكتابة عندما أصيب فى العام 1996 بجلطة فى المخ لازم بعدها الفراش، ومنه إلى المستشفى الأمريكى فى باريس الذى ظل به حتى وفاته.
كان غالى مقبلًا على الحياة، حاول أن ينجز أكبر قدر من الكتابات والدراسات والأعمال الصحفية والأدبية والإبداعية، وكان فى ذلك متسقًا مع فلسفته فى الحياة.
كان يعانى من مرض السكرى، رآه أحد أصدقائه فى أحد الفنادق وهو يأكل «أم على» بنهم شديد، فقال له: هل أنت مجنون؟.. «أم على» يمكن أن تقتلك.
فرد غالى بمرح: وليكن.. أنا أريد أن أحصل على حقى من الحياة مبكرًا.
لم تكن رحلة غالى شكرى سهلة فى عالم المعرفة والكتابة، بل كانت مرهقة للدرجة التى يمكن أن تتساءل معها: كيف تحمّل هذا الكاتب كل هذه المتاعب والمعارك والأزمات والحروب والتشويه؟

ولد غالى فى أسرة مسيحية بسيطة هاجرت من الصعيد إلى الإسكندرية ثم استقرت فى منوف بمحافظة المنوفية.
وفى منوف التحق بمدرسة إنجليزية تابعة لإرسالية تبشيرية، ملحق بها مستشفى وكنيسة إنجليكانية، كان والده حارسها، ولأن الأب كان أرثوذكسيًا، فقد حذّر ابنه من الانخراط فى الكنيسة الإنجليكانية، لكنه بتمرده الذى ولد به، لم يستجب لتحذير والده، وتفاعل سرًا مع الكنيسة وما كانت تقدمه من دروس ومحاضرات وما تعرضه من أفلام سينمائية وندوات أدبية وفكرية.
لم تكن الكنيسة هى الرافد الوحيد فى شخصية غالى شكرى، فقد حفظ القرآن على يد مدرسه للغة العربية، حيث كان يتردد على بيته بعد خروجه من المدرسة، وهناك قرأ القرآن وحفظ أجزاء منه وهو لا يزال فى السابعة من عمره، ومن بين ما كان يُعرف عنه عندما كان طالبًا فى مدرسة المساعى المشكورة أنه كان يلقى خطبًا إسلامية فى المناسبات الدينية لتمكنه من اللغة العربية والإلقاء بها.
ترسخت الثقافة الإسلامية فى شخصية الطفل غالى شكرى المسيحى، وهو ما ساعده بعد ذلك فى صياغة مشروعه التنويرى الكبير، ودفاعه المطلق واللا متناهى عن العلمانية فى مقالاته وكتبه التى تجاوز عددها الـ45 كتابًا، باعتبارها الصيغة الوحيدة للإنقاذ.

عندما انتقل غالى شكرى إلى القاهرة للدراسة، تعرف على عدد من الكتّاب، وتوثقت علاقته أكثر بصديقه مكرم محمد أحمد، دخل دائرة جديدة عليه، عندما أهداه مكرم كتاب «مبادئ اللينينية» لستالين، فبدأ يرحل بعقله إلى الفكر الشيوعى، وهو ما جعل الدير التابع لكنيسة فى مصر القديمة يطرده، ليجد نفسه فى الشارع بلا مأوى.
عاد غالى شكرى إلى منوف ليلتحق بمدرسة الزراعة، ويتخرج فيها ليعمل مدرسًا، لكنه لم يصبر كثيرًا على عمله بالتدريس، فعاد إلى القاهرة مرة أخرى ليعمل فى الصحافة.. ويفصح عن موهبته فى الإبداع والنقد.
كان غالى شكرى مؤمنًا بما يفعله جمال عبدالناصر، لكنه لم يكن من دراويشه، وعندما دخل السجن ضمن مجموعة الشيوعيين فى بدايات الستينيات، خرج منه شخصًا آخر، فلم يكن يتوقع أن يصبح معتقلًا، ولما جرى عليه ما جرى على غيره لم يتحمل، وظل المعتقل غصة فى حلقه لم تغادره حتى مات.
من اقتربوا منه فى أيامه الأخيرة يؤكدون أنه كان عندما يُعالج فى المستشفى الأمريكى بباريس أصيب بحالة من الهلوسة، كان طاغيًا عليه ما جرى له فى السجن، اقتحمته خيالات بأنه لا يزال معتقلًا، وكان يسأل مَن حوله: متى يبدأون معى التحقيق؟ ولماذا يتركوننى دون استجواب؟
لم يتواءم غالى شكرى مع المجال العام خلال فترة الرئيس السادات، فغادر مصر مطرودًا إلى بيروت التى ظل بها ما يقرب من 4 سنوات، ثم رحل إلى باريس التى عمل بها فى عدد من الصحف الصادرة بالعربية، وكانت مساحة مناسبة لنشر معظم مقالاته ودراساته التى صدرت بعد ذلك فى كتب.
انتهز غالى وجوده فى باريس وحصل على الدكتوراه التى أشرف عليها أستاذه جاك بيرك، وناقش فيها موضوع «النهضة والسقوط فى الفكر المصرى الحديث»، وبعدها سافر إلى تونس ليعمل فى جامعاتها.

خلال هذه الفترة تعرض غالى شكرى لأكبر عملية تشويه، بل ظهرت شائعة بأنه أعلن إسلامه على يد معمر القذافى مقابل مبلغ مالى كبير، وهو ما نفاه عدد كبير من أصدقائه، وأرجعوا الأمر إلى أنه كان من بين الحروب النفسية التى شنها خصومه عليه، فقد كان غالى مثقفًا يجمع فى قلبه دينه المسيحى وثقافته الإسلامية، وهو ما كان يتحدث عنه ولا يخفيه أبدًا.
عاد غالى شكرى إلى مصر فى منتصف الثمانينيات بعد اغتيال السادات بسنوات، بقى كاتبًا فى الأهرام، حتى تولى رئاسة تحرير مجلة «القاهرة» التى تصدرها وزارة الثقافة، وهى المحطة الفكرية الأخيرة فى مراحل عمله الفكرى والإبداعى.
يتحدد مشروع غالى شكرى فى الثلاثية التى وضعها بين يدى نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله وهى «المعرفة والحرية والعدالة»، ولأن هذه القيم مناهضة للتيارات الدينية فى جوهرها، فقد وقفت كتابات غالى شكرى فى مواجهة هذه التيارات.
عندما تولى رئاسة تحرير مجلة «القاهرة» كتب افتتاحية العدد الأول له فيها فى يوليو ١٩٩٢ محددًا خطها العام.
بدأت مهمة غالى شكرى فى مجلة «القاهرة» بعد أيام قليلة من اغتيال فرج فودة فى ٨ يونيو ١٩٩٢، ولذلك كتب: تشاء المصادفات أن تستأنف «القاهرة» صدورها فى مرحلة من أدق المراحل التى يجتازها العقل العربى المعاصر عامة، وفى مصر خاصة، فقد كانت الرصاصات التى أردت الكاتب فرج فودة علامة بارزة على دقة المرحلة باعتباره أول مفكر تُواجَه كلماته بالاغتيال فى تاريخنا الحديث.

ويضيف: معنى ذلك أن الحوار بين أحد التيارات وبقية الاتجاهات فى المجتمع قد وصل إلى طريق مسدود، وكان هذا التيار الذى رفع راية الدين وأضمر العنف المسلح قد شرع منذ أواخر الأربعينيات من هذا القرن إلى يومنا هذا يؤصل للإرهاب السياسى بالقول والفعل، ولكنه لم يفكر باغتيال أصحاب القلم إلا منذ سنوات قليلة حين طاشت الرصاصات التى استهدفت الكاتب نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد إلى أن تمكنت هذه الرصاصات من فرج فودة، أى أن الرد الوحيد الذى لم يعد هذا التيار يملك سواه هو القتل، أو رفض الرأى الآخر لحد القتل.
القتل نفسه ليس إلا الخطوة الأخيرة فى طريق طويل يبدأ بالمصادرات
ويؤكد غالى أن القتل نفسه ليس إلا الخطوة الأخيرة فى طريق طويل يبدأ بالمصادرات التى تتجدد قوائمها بين حين وآخر للأعمال الشجاعة التى تتصدى لاغتيال العقل، ولا تتصدى مطلقًا للأعمال التى تملأ الأرصفة بالتحريض على اغتيال العقل والوطن، يبدأ هذا الطريق أيضًا ببرامج التعليم التى تخترقها سموم التفرقة والتمييز بين أبناء الوطن الواحد، ويبدأ هذا الطريق كذلك ببعض برامج الإعلام المقروء والمرئى والمسموع، والتى من شأنها تقديم الحيثيات لمن ينشدون هدم الوحدة الوطنية من جذورها الراسخة فى أعماق هذه الأرض، من دون أن تكون هناك الفرصة المتكافئة لأصحاب الفكر العقلانى الوطنى القادر على مواجهة أيديولوجيا الإرهاب بروافده المتعددة.
ويرصد غالى مفارقة مأساوية، فقد خرجنا من نظام الحزب الواحد والرأى الواحد، وحصلنا بكفاح المصريين جميعًا على حيز من الديمقراطية ومساحة من التعددية، تعمل كل الاتجاهات على تعميقها وتوسيعها، ولكن تيارًا باسم الدين يرفع راية العصيان على هذه التعددية وعلى حق المواطنة وغير ذلك من حقوق الإنسان التى ناضل من أجلها عبدالرحمن الكواكبى ورفاعة الطهطاوى ومحمد عبده وأحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وخالد محمد خالد وطه حسين وعباس العقاد وسلامة موسى وواصف غالى وأمين الخولى وويصا واصف ومحمود شلتوت والقمص سرجيوس، وغيرهم من مئات الرموز المضيئة فى تاريخ العقل المصرى الحديث والمعاصر، ولم تخلُ مصر فى أى وقت من هذه السلالة العظيمة إلى اليوم.
أما المفارقة الثانية التى يرصدها فهى أن لدينا مئات الطاقات والمواهب الفكرية من أساتذة الجامعات وشباب الباحثين والمفكرين والعلماء من أجيال مختلفة واتجاهات متعددة تعتمد عليهم المنابر ومراكز البحث العلمى فى مشارق الأرض ومغاربها، ولكنهم داخل بلادهم يفتقدون المنبر الذى يتسع لأفكارهم، ويتيح لهم فرصة الحوار الحر حول القضايا الملحّة التى يطرحها عليهم وطنهم والتى يعنيهم طرحها على الوطن.
القضايا كلها والأفكار جميعًا لها حقوق متساوية فى النشر والتعقيب فى التعبير والتعليق
من أجل هذا جاء إصدار «القاهرة» فى عهدها الجديد برئاسة غالى الذى يقول: تصدر «القاهرة» وليس فى جعبتها سوى الدعوة للحوار والمعرفة، تطمح أولًا لأن تكون منبرًا للطاقات الفكرية المبدعة فى هذا الوطن على اختلاف الأجيال والاتجاهات من أصحاب الرؤى أو الباحثين عن رؤى وسط الظلام الذى يهدد باغتيال العقل فى مصر، ليس من «فيتو» على أى فكر جدير بهذه التسمية إلا التحريض المباشر أو غير المباشر على الإرهاب، أو التحريض السافر أو المضمر ضد الحرية، ولن يكون الفكر مونولوجًا لتيار أو فرد، بل حوارًا بين التيارات وبين الأفراد، لن تكون هناك قضية أو فكر معصوم من المناقشة، فالقضايا كلها والأفكار جميعًا لها حقوق متساوية فى النشر والتعقيب، فى التعبير والتعليق.

عندما تستعرض كتابات غالى شكرى النقدية ستكشف جرأة فى اقتحام الأفكار، وجسارة فى مناقشتها ومعالجتها، ولعل كتابه «أزمة الجنس فى القصة العربية» دليل على ذلك.
صدر الكتاب لأول مرة فى العام ١٩٦٢، وكان يعتز به كثيرًا لأنه، وكما يقول فى مقدمة طبعته الرابعة، فتح به أفقًا أمام النقاد والدارسين الشباب جرأوا على اقتحامه بعد طول تردد، فقد أصبحت بعده العلاقة بين الرجل والمرأة فى مقدمة العلاقات التى يبحثها النقد الأدبى فى النصوص التى تناولها من كتابات المعاصرين.
ويضيف غالى: كان هذا الموضوع من المحرمات، بالرغم من أن الأدباء يتصدون له فى رواياتهم وقصصهم، وبالرغم من أنه محور غنى بالتوجهات التى أملت على الكتّاب مادتهم وصاغت أشكالها، فنحن برفقة هؤلاء الكتّاب والكاتبات لا نزداد وعيًا فحسب بدورهم الاجتماعى أو بالقيمة الجمالية لأعمالهم، وإنما نتعرف تعرفًا حميمًا على دور الفنون الأدبية فى تجسيم القيم خلال مرحلة تاريخية من تطور أحد المجتمعات، وهو دور يفصح لنا عن المكبوت من حركة هذه القيم، ويفضح المسكوت عنه من التناقضات الخافية تحت السطح.
بهذه الروح الشجاعة اقتحم غالى شكرى مساحات الكتابة فى السياسة والدين، فتوالت كتاباته عن «المنتمى.. دراسة فى أدب نجيب محفوظ»، و«ثورة المعتزل.. دراسة فى أدب توفيق الحكيم»، و«ماذا أضافوا إلى ضمير العصر؟»، و«أدب المقاومة»، و«مذكرات ثقافة تحتضر»، و«ثقافتنا بين نعم ولا»، و«التراث والثورة»، و«شعرنا الحديث إلى أين»، و«عروبة مصر وامتحان التاريخ»، و«الثورة المضادة فى مصر».
فى مساحة التجديد وما يخص التراث يمكننا أن نتوقف قليلًا عند ما قاله فى مقدمة كتابه «التراث والثورة» الذى صدر لأول مرة فى العام ١٩٧٢.
شغلت قضية التراث غالى شكرى منذ بداية حياته الفكرية تقريبًا.
شغلته مرتين.. الأولى على مستوى الفن، والأخرى على الصعيدين الاجتماعى والحضارى.

فقد كانت علاقة الفن بالتراث من القضايا القديمة التى واجهت الأدب العربى الحديث، منذ أواخر القرن الماضى وبدايات القرن الحالى، ولكن هذه المواجهة اتخذت صورة حادة مع أوائل الخمسينيات، حين ظهرت حركة الشعر الحديث، واتهمها السلفيون بمعاداة التراث القديم، لمجرد أنها خرجت على العمود الخليلى خروجًا نسبيًا، واقترنت هذه الفترة فى حياة جيله بالنشاط السياسى الموفور لدعاة الفكرة الإسلامية المتطرفة، والقائلة بأنه لا مستقبل للأمة العربية إلا إذا عادت إلى النبع الأول فى الإسلام وهو القرآن.
يقول غالى: قبل هذا التاريخ بعشرين عامًا أو يزيد، كانت هناك معارك ضارية بين المجدّدين والمحافظين فى الفكر العربى، وكان التراث هو المحور الأساسى لهذه المعارك، وقد فتننى من تلك الفترة، والتى لم أشهدها، بضع شخصيات فذة كان لها أثرها العميق فى تكوينى.
كان طه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم وحسين فوزى هم أولئك الذين أخصبوا حياة غالى بالحوار الخلّاق بين التراث والعصر، وهم رغم كل ما بينهم من فروق، جمعوا فى خياله بين الإيمان الحار المتوهج بمصر، حضارتها وشعبها، وبين التطلع الواعى المستنير إلى الحضارة الغربية المعاصرة.
يقول: لم تكن الفكرة العربية آنذاك من الأفكار المحورية القادرة على الجذب أو الاستقطاب، لهذا لم أستيقظ على أن الفكرة المصرية عندهم تعنى مواجهة الفكرة العربية، وإنما رأيتها رمزًا للواقع المحلى، للجذور، واستكملت تصورى بأن قضيتهم الحقيقية تمثلت فى تركيب المعادلة المصرية الصعبة من الواقع المتخلف والحضارة المتقدمة، ولا يزال رأيى- أيًا كانت النتائج التى توصلوا إليها مخفقة أو ناجحة- أن هذا هو التفسير الوحيد لجمعهم فى آنٍ واحد بين حبهم الغامر لمصر وتراثها وشوقهم الملهوف لحضارة الغرب المعاصر، ولا يزال رأيى أنهم لم يتوصلوا إلى التركيب الصحيح للمعادلة المطلوبة لإنقاذ الوطن من وهاد التخلف، ولكن محاولتهم على أى حال كانت أكثر التجارب تقدمًا، كانت فى جملتها- على الأقل- مؤشرًا صحيح الاتجاه.

ويضيف غالى: حدث ذلك قبل بداية الخمسينيات بأكثر من عشرين عامًا، وبعد هذا التاريخ بعشرين عامًا أخرى، أى فى وقتنا الحاضر، تتغير الصورة تغيرًا سلبيًا مريرًا، فقد كان الظن أن التطور سيضيف إلى تجربة الرواد ومحاولتهم أبعادًا جديدة، تسرع بنا فى الطريق إلى مرحلة حضارية أكثر تقدمًا، ولكن بعض الظن إثم، إذ إننا نعايش هجمةً رجعيةً خطيرة محورها من جديد قضية التراث، ولم يعد الشعر أو الفن عمومًا هو المدار الذى تتحرك داخله المعركة الجديدة، وإنما أصبح المجتمع نفسه هو هذا المدار.
وفى انتقاد واضح لأسباب هذه الردة يقول غالى: أصبحت السلطة السياسية فى بعض الأقطار العربية هى قائدة المد الرجعى الجديد، وليست مجموعة من التنظيمات الدينية المتطرفة فقط، لقد كانت دائرة الفكر والأدب المشغولة بالتراث ضيقةً من خاصة المثقفين، أما الآن فبرامج التعليم من الطفولة حتى الجامعة، وبرامج الإذاعة والتليفزيون التى تخاطب ملايين الأميين، والصحافة ودور النشر التى يسيل لعابها أمام الربح السريع، وتشريعات المجالس النيابية، هذه كلها تنقل القضية من الدائرة الضيقة إلى أوسع الدوائر إطلاقًا، دائرة الشعب بمختلف طبقاته وطوائفه ومذاهبه واتجاهاته السياسية والاجتماعية والدينية، وهو الشعب الذى يجد نفسه الآن مطوقًا بقواعد وقيم منحدرة منذ آلاف السنين من ناحية، وتحديات الحياة فى الثلث الأخير من القرن العشرين من ناحيةٍ أخرى، ولقد كان شعبنا يعانى مشقة هذا التناقض معاناة مرة إن جاز التعبير، ولكنه وهو يرى القيم القديمة تأخذ طريقها إلى الدساتير والقوانين، فإن التناقض سيكون- حقًا لا مجازًا- بين الحياة والموت، لا بين القديم والجديد

ويضع غالى يده على مشكلة أكبر، فعنده أنه لا شك أن الفكر الثورى قد تخلّف زمنًا طويلًا.
ففى مواجهة هذه القضية فى زمن المراهقة الفكرية، ظل يرفض التراث جملةً وتفصيلًا، شكلًا ومضمونًا.
وفى مرحلة تالية أُصيب بحساسية مرضية خجل معها من مجرد الاقتراب من أسوار القضية، وكأن أسلاكها الشائكة مادة ناسفة، لا تلبث أن تتفجر بمجرد اللمس.
وفى مرحلةٍ أخرى اتخذ موقفه رد الفعل، فانكب يُسقط على التراث أفكاره الخاصة، فلم يستطع رؤية «واقع التراث»، وإنما اتخذ من بعض أعلامه وحوادثه شواهد على صحة فروضه المعاصرة.
لا تشكل هذه المواقف كلها- عند غالى شكرى- الرؤية الصحية والصحيحة للتراث.
المطلوب من الثوريين العرب أكثر من أى وقت مضى الدخول الشجاع فى معركة التراث
يقول: إن الرفض للتراث على إطلاقه عمل طفولى، لا علاقة له بالثورة أو الفكر الثورى، بل هو من أحد الجوانب انحراف حقيقى عن معنى الثورة والعمل والثورى، وكذلك الموقف الخجول أو المذعور من مناقشة التراث، إنه يترك الميدان خاليًا للرجعية، وينشد الاستسلام بتجاهل المعركة، والموقف الحماسى المفرط فى المبالغة يقع بأصحابه فى فخاخ يصعب الخروج منها.
ويحدد غالى المطلوب من الثوريين العرب، يقول: مطلوب منهم، أكثر من أى وقت مضى، الدخول الشجاع فى معركة التراث، لا لأنها مفروضةٌ عليهم فحسب، بل لأن الثورة العربية لا تستكمل مقومات وجودها بغير تراث يحميها ويغذى بقاءها، فالمصريون الذين كانوا يحلمون مثلًا بمصر «فرعونية»، والسوريون واللبنانيون الذين كانوا يحلمون بالحضارة الفينيقية، والعراقيون الذين كانوا يحلمون ببابل الجديدة، لم تكن لديهم جميعًا إجابةٌ واضحة عن هذا السؤال: ما هى الملامح «الواقعية» لمصر الفرعونية أو فينيقيا أو سومر التى يريدون بعثها؟ كانت أحلامهم جميعًا رؤيةً رومانسية للواقع، سواء بهدف الفرار منه أو تحديًا للوجه الاستعمارى للحضارة الوافدة من وراء البحار، أو وهمًا أسطوريًا بتفوق العرق ونقاء العنصر.

ويتوقف غالى عند دعاة الفكرة الإسلامية المتطرفة.
يقول عنهم: يعتقدون أنهم وحدهم الذين امتلكوا وتصوروا تصورًا واضح المعالم لدولة الإسلام التى يريدونها، لأن القرآن فى ذاته «تشريع» متكامل السمات للوجود الاجتماعى والسياسى، وأصحاب هذه الدولة الآن هم الكتيبة المتقدمة للرجعية العربية على جبهة التراث، ولم يعد كافيًا الرد عليهم بأن الإسلام فى دعواهم مجرد ستار يخفى أهدافًا سياسية، فقد أصبح هذا الرد مع الزمن لفًا ودورانًا حول المشكلة، وجُبنًا عن محاولة الولوج داخلها.
ويؤكد غالى: إن لهم أهدافًا سياسية بغير شك، ولكنها لا تتناقض مع الإسلام، ولا مع وجهة نظرهم للتراث، غير أن الإسلام فى جانبه التشريعى المتسق مع طبيعة المرحلة التاريخية والاجتماعية التى عبّر عنها لم يطلب إليهم أن يطبقوه فى ظروف مغايرة، إن «العودة إلى الإسلام» وليس الإسلام نفسه هو «وجهة النظر» الجديرة بالمواجهة فى معركة التراث بين الثورة والثورة المضادة.
لم يكن غالى شكرى أبدًا معاديًا للتراث، كانت لديه وجهة نظر محددة فيه.
يقول: إن التراث فى جوهره ليس مجموعةً من المسلّمات أو البديهيات، بل هو مجموعة من الإجابات عن أسئلة طرحها الوجود على السلف، ومجتمعنا المعاصر يعيش فى بحر من الأسئلة الجديدة والقديمة، إنساننا المعاصر- الجدير بإنسانيته حقًا- هو الذى يستطيع أن يقدم جوابًا عن الأسئلة المطروحة أمامه، سواء جاءت الأجوبة القديمة هامشًا ضروريًا أو لم تجئ على الإطلاق.
بهذه الرؤية الواضحة للتراث الذى نحتاجه بشرط ألا يكون متنًا، بل يمكن أن يكون هامشًا ضروريًا، قدّم غالى كتابه الذى لم يكن بحثًا فى التراث، وإنما هو محاولة قد تخطئ وقد تصيب فى رؤية العلاقة بين واقعنا والتراث، أى أنه فى عبارة أخرى تجربةٌ لتأسيس منهج يصل بين التراث والثورة، وهذا المنهج مجرد محاولة وتجربة تفتح باب الحوار لإنضاجها وتطويرها وتعميقها، ومن ناحية أخرى فإن المنهج وحده لا يكفى، وإنما لا بد من عشرات التطبيقات الحية الخلّاقة على كل جوانب التراث وعلاقته بالثورة، إن هذه التطبيقات وحدها هى التى ستضيف وتحذف وتعدل بما يفصح عنه واقعنا من احتياجات التقدم، وما تكشف عنه ثورتنا من التزامات النضال.

فى العام ١٩٩٣ صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة «المواجهة»، وهى السلسلة التى نشرت من خلالها عددًا من كتابات رواد التنوير، وأتاحتها بأسعار زهيدة تشجيعًا على الاقتناء.
قدمت الهيئة للسلسلة بقولها: بلغت مؤامرات التطرف والإرهاب فى مصر معدلات غير مسبوقة خلال السنة الأخيرة «١٩٩٢»، ولم تعد هذه الظاهرة مجرد تهديد للدولة ونظام الحكم، بل أصبحت تهدد المجتمع المصرى كله، سواء فى بنيته الداخلية أو فى اقتصاده أو أمنه الاجتماعى والسياسى ومكتسباته الثقافية والفكرية.
وتضيف الهيئة: لا تقل الحرب التى يشنها المتطرفون والإرهابيون ضراوة عن أى حرب خاضتها مصر مع أعدائها الخارجيين فى هذا القرن، بل ربما كانت هذه الحرب أشد ضراوة، لأن أحد أطرافها هم أبناء لنا أعماهم التطرف فاختاروا العنف سبيلًا لفرض إرادتهم وزعزعة استقرار الوطن، واستهدف عنفهم أبناء لنا فى أجهزة الأمن وإخوة لنا من المدنيين المسالمين العزّل مسلمين وأقباطًا، إن ما تمر به مصر هو مأساة حقيقية إنسانية وثقافية وحضارية، وكارثة اقتصادية وسياسية، ولذلك أصبح من الضرورى أن ينتفض المثقفون المصريون ومؤسسات المجتمع المدنى للوقوف فى وجه التطرف والإرهاب لمحاصرتهما واحتوائهما، تمهيدًا لاقتلاعهما تمامًا.
من بين الكتب التى صدرت عن هذه السلسلة «العلمانية الملعونة» لغالى شكرى.
لم يكن كتابًا جديدًا، ولكنه كان جزءًا من كتاب مهم لغالى شكرى هو «أقنعة الإرهاب.. البحث عن علمانية جديدة» إضافة إلى مقالات حديثة أخرى كتبها بعد عملية اغتيال فرج فودة.
من بين أهم ما جاء فى «العلمانية الملعونة» رسالتان متخيلتان كتبهما غالى، الأولى على لسان فرج فودة، والثانية على لسان قاتله، ومنها نعرف حقيقة المعركة القائمة بين رجال التنوير ورجال التكفير.

على لسان فرج فودة يقول غالى شكرى موجهًا كلامه إلى القاتل:
من الخلف أغمدت رصاصتك ولكنى رأيتك، رأيت عينيك المفتوحتين على آخرهما، ورأيت فمك مزموم الشفتين، أنت لا تعرفنى، وربما لم تقرأ لى حرفًا ولكنى أعرفك.
كان أبوك هو الذى يرسلك إلى العم جرجس لتأتيه بما لذ وطاب من الجبن والزيتون، وأمك تحملك كعك العيد إلى الست جميانة، وكنت وإخوتك تلعبون فى الحارة مع إبراهيم وسعدية وبطرس وعبدالله وعبدالسيد.
كانت الحارة تبدأ بالمسجد العتيق وتنتهى بالكنيسة التى تصطف بجوارها مقاعد عم على صاحب المقهى.
وذات يوم وأنت عائد من المدرسة قابلت بطرس فلم تصافحه كعادتك، وقلت لوالدتك لن ألعب معه بعد الآن، هو وأهله أجمعون سيذهبون إلى النار، هكذا قال الأستاذ وهكذا قرأت فى كتاب المحفوظات.
واستطال هذا الكلام عامًا بعد عام، كان زملاؤك الأقباط يحفظون آيات من القرآن مثلك ويذهبون كل أسبوع إلى مدارس الأحد، وذات يوم أنت لا تنساه قال الأب إنه سمع وشاهد فى التليفزيون كلامًا قريبًا مما سبق أن سمعته فى المدرسة عن الكفرة والمشركين وأعداء الله.
وطلب الأب من أمك أن تزور الست جميانة فى السر وليس العلن، وطلب من أختيك أن ترتديا الحجاب.
وذات يوم آخر رأيت الكنيسة فى آخر الحارة وهى تحترق، وقد ازدحم الأهالى وهم يطفئون النيران، عم جابر والحاج محمود والشيخ صابر والعم جورج والمقدس عبدالسيد يطفئون النيران، وأنت قابلت فى السر الشاب الأسمر الطويل، وقال لك: إياك أن تحزن مما رأيت فهذا ما هو إلا بداية النهاية للكفر، وإياك أن تظن أن الكفر مقصور على غير المسلمين، فالكفر يملأ الدنيا، والمسلمون مثل الآخرين يعيشون الجاهلية وإن تلبسوا مسوح الإسلام.

وقال لك: أنت الآن فقط تولد مسلمًا، دعك هذه اللحظة من الكفار حتى لو كانوا من أهل بيتك، إنهم أعداؤك، أعداؤنا، أعداء الله ورسوله، لا تنظر وراءك، اترك كل ما لك فى الدنيا واتبعنى.
أصغيت إلى الصوت فى خشوع المتبتلين، وفقد الجميع عنوانك منذ ذلك الحين.
قيل لك إن لا ولادة بغير دم، نحن أبوك وأمك وإخوتك لا عائلة لك سوانا، كنت ترتعد فى داخلك لكنك كسوت وجهك بقناع من خيوط الطاعة والصراحة وأنت تقسم على تنفيذ المهمة المقدسة، هذا كل ما وعيته وأنت تتلمس المدفع الرشاش وحين وقفت تنتظرنى لم تفكر، تعطلت كل الحواس ماعدا العين والساعد الممسك بالمدفع، أنت مثل المدفع مجرد قطعة الحديد، ضغطت عليك الأعصاب بأسئلة، لماذا؟ ماذا سيحدث لأبى وأمى ومصر كلها عندما يفترشها الدم؟، كدت تشعر أنك فى مصيدة، أنت لا ترى، لا تدرك أن غسيلًا مدمرًا للدماغ يزهق روحك، ولكن الرصاصة الأولى انطلقت ولم يتوقف الرشاش ورأيت وجهك فى بحيرة دمى يحملق مذهولًا، أم رحت أنا فى غيبوبتى وأنت فى غيبوبتك والآخرون فى غيبوبتهم.
وعلى لسان القاتل يرد غالى شكرى على رسالة فرج فودة، يقول:
حين قرأت كلماتك أيقنت أنك تستحق القتل لسبب آخر غير الكفر، وهو الغرور، فأنت تتوهم أن الفقر هو الذى قادنى إلى أشرف الأعمال وهو أن أقتلك، فملايين من الشباب أمثالى أكثر فقرًا، ولم يحظَ أحدهم بهذا الشرف، وتتوهم أن أستاذ المدرسة هو الذى غرس فى قلبى نور الإيمان، لكن ملايين التلاميذ من زملائى لم يقطعوا المسافة بين الإيمان والفعل الذى يقتضيه، تتوهم أن التليفزيون هو الذى أوحى لأبى بأن يلبس أخواتى الحجاب، وهناك عشرات الملايين يشاهدون آلة الكفر فيزدادون كفرًا، البشر ليسوا سوى وسائط للخير أو للشر وصوت الله يختار من يشاء.
إننى أخيب آمالك وأقول لك إنك واحد فقط من أصوات الشيطان، لم تكن أهمها لكنك الأكثر تطاولًا، لم أقرأ حرفًا بالفعل مما كتبت أنت، لست أعرفك بالفعل ولكن ما أعرفه عن أميرى، أمير الأمراء، يكفى لمعرفتى، فأنت من الدعاة للجاهلية، ترى الإسلام دينًا وليس دنيا، تؤمن بشريعة الإنسان وليس بشرع الله، تطلب أن يكون الدين لله والوطن للجميع، تدافع عن حقوق غير المسلمين، وفى مقدمتها حقهم فى بناء الكنائس، وتطلب لهم الحق فى تولى الوظائف والرئاسات والقيادات، وأنت تستخرج من الكتاب الكريم وسنة الرسول ما يؤيد دعوتك، وتسلط الأضواء المنكرة على تاريخ المسلمين فى عصور تصفها بالتخلف والضعف والانحطاط وتهاجم بلادًا أكرمها الله بطريق الحق وشريعته كإيران والسودان، وتبارك بلادًا حرمها الله من نعمته فراحت فى غمار المعصية إلى حد إرسال الإنسان إلى القمر.

أنت أيها الكافر تريدنا على صورتهم، وتريد الشورى التى نادى بها الكتاب العزيز لمن يختاره الناس لا لمن يختاره الإمام من أهل الحل والعقد، وتريد الشورى ملزمة للإمام الذى لا يلزمه سوى شرع الله، أما الذين يسكنون ديارنا من غير المسلمين، فهم لا يحتاجون إلى شفاعتك لأنهم فى ذمتنا طالما لا يخرجون إلى حربنا، ولا بأس عليهم طالما يدفعون الجزية صاغرين لا ينضمون إلى جيوشنا، ولا يولى أحدهم على مسلم.
تتهمنى وإخوانى بأننا نقيم دولة داخل الدولة، خسئت، فإنما نحن نقيم الدولة على أنقاض الكفر، وليست الأموال التى تدّعون أنها من الخارج إلا أموال دار الإسلام، مهما وفدت من هذا البلد أو ذاك، فالمسلمون إخوة لا قوميات تفرقهم، وليست الأموال التى تأخذها من غير المسلمين بالرضا أو عنوة إلا الجزية، وليس التدخل بالقوة لحل المنازعات بيننا وبين الدولة إلا نهيًا عن المنكر باليد، وليس اضطرارنا للقتل إلا فريضة نؤديها جهادًا.
ولم يكن مقتلك بيدى إلا أداء لهذه الفريضة، ولكنك لن تفهم، أمثالك لا يفهمون اللذائذ الثلاث التى نستمتع بها فى أداء هذه الفريضة، فما تسمونه بالألفاظ الكبيرة اغتيالًا وإرهابًا وخروجًا دمويًا على قانونكم أنتم، أما حين نوضع بين الاختبار والاختيار، فإننا لا نتردد فى أداء الفريضة التى نتلذذ بها ثلاثًا.
إننى أشعر كأننى جزء من كل، أنا عنصر فى كيان يتحرك بمشيئة واحدة، أنا حاضر وحى وكائن فى هذا الكيان وحركته ولا حياة لى خارجه، أنا جزء ولكننى أشعر بأننى الكل، أنا عنصر ولكننى أشعر بأننى الكيان بأكمله، إنها لذة لا تضاهى أن أكون داخل هذه الجماعة كل شىء وخارجها لا شىء.
لذة اللذات عند الإرهابيين هى القتل إنه ذروة الامتنان بالسمع والطاعة
وأما اللذة الثانية، فهى ما تصفونه متأففين السمع والطاعة.
نعم أنا أسمع فأطيع، لأننى أسمع دقات القلب وأطيع الهاتف الذى لا يرد.

ليس الأخوة مجموعة أوامر ولا الأمير بوق تعليمات، وإنما هم وسائط اختارها الله، فمعصيتهم معصية لله، وهل تملك العين أو اليد أو القدم أن تستعصى على إرادة الجسد إذا تحرك من أجل الحياة؟ وهل يتحرك الجسد إلا إذا تلبسته الروح؟ هكذا نحن أعضاء مطيعون فى الجسد الذى تحركه الروح، لذلك نلتذ بالسمع والطاعة التذاذنا بالحياة ذاتها، إننا نطيع صوت الروح فى الجسد، فنحيا.
وأما لذة اللذات فهى القتل.. إنه ذروة الامتنان بالسمع والطاعة التذاذنا بالحياة ذاتها.
وأما لذة اللذات فهى القتل، إنه ذروة الامتنان بالسمع والطاعة للعشق الذى لا يبارى. وهذا هو الفعل الجامع المانع فلست وحدى الذى يقتل، وإنما أستجمع فى قواى الكيان الشامل للجميع الذين صاروا واحدًا الذى هو أنا.
أنا الكل فى الكل أحقق ذاتى وذوات الآخرين، أنا أحقق وجودى فى إعدام الآخر، إنه الفرح المجنون باللون القانى الجميل، قد تمسكوا بى حيًا أو ميتًا، هناك سأعود إلى الرحم البكر حيث أولد من جديد وتتوهمون بغروركم أننى فى السجن أو فى القبر.. أعرفت لماذا قتلتك؟
تنتهى هنا الرسالتان، وأرى- كما ترى أنت- أن غالى شكرى لم يلجأ إلى تنظير فارغ فيما ربط بين فرج فودة وقاتله، اكتفى بأن يكتب الرسالتين، متمثلًا فيهما الصراع الذى يدور بين من يحمل فكرة التنوير والتفكير والاجتهاد، ومن يحمل فكرة التكفير والتفجير والقتل، ويمكننا أن نعرف الفجوة الكبيرة التى تفصل بينهما بمجرد أن نعيد قراءة نص الرسالتين المتخيلتين مرة أخرى.
من بين أهم كتب غالى شكرى على الإطلاق كتابه «أقنعة الإرهاب.. البحث عن علمانية جديدة» وهو الكتاب الذى تأتينا منه رسائل مهمة جدًا يمكننا أن نستعين بها على حالنا وما نعانيه من أزمات فكرية وسياسية أيضًا.

يرصد غالى شكرى أسباب اللبس الكبير وسوء الفهم فيما يتعلق بالعلمانية، ويخرج بنتيجة مهمة هى أنه ليس من منقذ سوى العلمانية لا كمشروع مستقل مكتف بذاته، وإنما كجزء من مشروع حضارى أشمل جوهره الديمقراطية، فليس هناك من مجال لإعادة التاريخ أو نسخه، فلن نكتشف أو نخترع ما تم اكتشافه أو اختراعه، ولم يعد أمام العرب المعاصرين ومصر فى مقدمتهم سوى اللحاق بركب البشرية المعاصرة أو الانقراض، واللحاق ليس ممكنًا بغير ثورة ثقافية شاملة مقدمتها الديمقراطية وخاتمتها الديمقراطية، حينئذ تصبح العلمانية مجرد مظهر لجوهر أعمق، يحرر الدين من الدولة ويحرر المجتمع من أى سلطة تحكمه فى العلن أو الخفاء باسم الدين.
ينادى غالى شكرى بنوع جديد من العلمانية.
يقول: نعلم تمام العلم أن مصر القديمة مثلًا لم تعرف هذه العلمانية، ولكن موقفنا منها كموقف المسيحية من الأديان والفلسفات السابقة عليها، وكموقف الإسلام من المسيحية وغيرها، وكموقف النهضة الأوروبية من اليونان والإسلام، وكموقف الثورات الصناعية والتكنولوجية الحديثة والمعاصرة من النهضة الأوروبية، تمثل القديم واستيعابه فى حركته، قديمنا يمنح الحركة بصمتنا الوطنية أو القومية المميزة، وقديم العالم يمنح هذه الحركة مشروعية الانتماء للعصرالجديد، فيصبح العصر الجديد للجميع بالتكافؤ فى صياغة السياق وصناعة الجذور وليس بالتبعية أو ما يسمى بالغزو الثقافى.
ويحدد غالى ما يريده، يقول: لسنا نتجه إلى تراثنا الحضارى أو تراث الإنسانية بقصد أن نبنى أهرامات جديدة أو كى نحنط موتانا انتظارًا للبعث أو كى نحاكى الخلفاء الراشدين أو الأوروبيين المحدثين والمعاصرين فى معيشتهم، فهذه كلها مستحيلات حتى إن تمناها بعضنا بالوهم أو الحنين، وإنما نحن نبنى ذاتنا الثقافية- هويتنا القومية فى إطار الاتصال والتواصل والتفاعل والجدل بين الماضى والحاضر ولا مستقبل وبين هذه الأزمنة والمكان الذى نعيش فيه، وبينها وبين المصير البشرى فى كل الأمكنة، يقينًا منا أننا نعيش فى عالم واحد.
وفى محاولة أعتقد أنها عبقرية يمكن أن تقصر علينا الطريق، ينسج غالى شكرى المنهج الذى يمكننا أن نتعامل به مع التراث من واقع العلمانية التى يريدها، وليست العلمانية التى تم تشويهها.
فالمهمة الصعبة هى التركيب أو الإبداع الحضارى، أو المشاركة الفعلية فى بناء الحضارة الحديثة.
فالرياضيات التى اكتشفها أجدادنا لهندسة الأهرامات، والكيمياء التى عرفوها فى عمليات التحنيط والجماليات التى نبضت بها الرسوم والمنحوتات، والاختراعات والفتوحات التى أنارت أبصار العالم من إنجازات ابن سينا والكندى والخوارزمى والفارابى وابن رشد وابن خلدون، حالت بينها وبين اتصال الإبداع موانع كثيرة فى مقدمتها حرية الفكر وتغييب الإرادة الإنسانية فى ثنايا التخلف الاجتماعى والسياسى والثقافى الذى توارثناه منذ انهيار الدولة العباسية وفى ظل السلطنة العثمانية وخلال الحملات الصليبية، حتى تحالفت الديكتاتورية باسم الدين فى ضرب القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة فى العدل والديمقراطية، وفى ضرب التواصل بين أزهى عصور الحضارة الإسلامية من جهة وبين الحضارات غير الإسلامية السابقة واللاحقة من جهة أخرى، وقد أدى هذا الانقطاع إلى تخلفنا البنيوى عن الحضارة الحديثة، بالرغم مما أخذته من تراثنا الحضارى، فلأن هذا التراث يتضمن ما تحتاج إليه الإنسانية فإنه لم يتجمد ولم يتحنط ولم ينتظر أن يرثه أهله الشرعيون، وإنما ورثه القادرون على إبقائه فى دائرة الحياة والتجدد والاستمرار، ورث الأوروبيون الكثير وأقاموا الاتصال والتواصل والتفاعل والجدل مع حضارات الصين وفارس والهند، وبين هذه المنجزات كلها ومجتمعاتهم الثائرة على عصور الظلام والكنيسة ومحاكم التفتيش والنبلاء ونظام القنانة، وفى خضم التمثل والاستيعاب لحضارات الآخرين والثورة على الإقطاع والبابوية أبدع الأوروبيون من العلوم والفلسفات والرؤى ما استطاعوا به الحصول على بصمة قومية لإضافتهم الحضارية جنبًا إلى جنب مع الفتح العالمى المستمر لعصور جديدة فى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، كلها تفريعات عن الاقتناع الوطنى بالإرداة الإنسانية وإعمال العقل.

فى إطار ترسيخه للعلمانية المنشودة يطالب غالى شكرى بتحرير الدين من الدولة وتحرير المجتمع من أى سلطة تحكمه باسم الدين كمقدمة لحل كل مشاكلنا.
وفى بحثه عن علمانية جديدة، يقول غالى: ليس صحيحًا ما يتذرع به البعض من أن هذه المنطقة وحدها هى الجزء المتدين من العالم، ليس فى هذا القول أى علم ولا أى حقيقة، فقد عرفت شعوب العالم كلها الدين ولا تزال، سواء فى العصور القديمة أو الوسيطة أو الحديثة، وسواء فى ظل العلمانية الليبرالية أو العلمانية الاشتراكية، ومن ثم فليست هناك خصوصية تميزنا عن غيرنا بسبب التدين، ولكن التدين شىء والحكم باسم الدين شىء آخر، هذه نقطة، والنقطة الثانية هى أن الدين شىء والفكر الدينى شىء آخر، فهذا الفكر هو مجهود ومواقف الناس من الأديان والمذاهب، أى إنه فكر بشرى يخضع للمناقشة كأى فكر آخر.
ويضرب غالى شكرى مثلًا على ضرورة تحرير الدين من الدولة.
ففى الستينيات أفتى الشيخ الجليل محمود شلتوت الإمام الأكبر للجامع الأزهر بأن الصلح مع إسرائيل حرام، وفى السبعينيات أفتى الشيخان عبدالحليم محمود ومحمد متولى الشعراوى، وكان أولهما شيخ الأزهر والثانى وزير الأوقاف، فتوى عملية بأن الصلح مع إسرائيل حلال، إذ بارك كلاهما اتفاقيات كامب ديفيد.
ويسأل غالى: أين يقع الدليل هنا؟
ويجيب: لنقل أن إقحام الدين فى شئون الدولة يوقع الناس فى حيرة شديدة بين المواقف المتضاربة للناطقين الرسميين باسم الدولة، وقد أفتى شيخ الأزهر بأن فائدة البنوك هى الربا بعينه، والربا محرم نصًا، بينما أفتى مفتى الديار المصرية بأن الفائدة حلال، ووقف بعض المشايخ إلى جانب شركات توظيف الأموال، ووقف غيرهم ضدها، أين الدين من كل ذلك؟ ألا يقوده التحرر من شئون الدولة إلى موقع حصين لا يمس هو الضمير والقيم الأخلاقية، وإلى مسئولية الإنسان الخالصة عن نتائج ما يمليه عليه الضمير وما يحركه من قيم؟
يذهب غالى شكرى إلى أن التوظيف الرسمى للدين فى شئون العقل العربى الحديث توظيف مُعادٍ لجوهر أى إبداع، لأن هذا الجوهر هو العقل، لذلك كان لا بد من بناء المشروع الديمقراطى للثورة الثقافية الشاملة على أساس العلمانية الجديدة التى تأخذ بتحرير الدين من قيود الدولة، على أن تأخذ أيضًا بتحرير المجتمع من أى سلطة أخرى تحكم باسم الدين سواء كانت سلطة ظاهرة كالجماعات والتيارات السلفية أو سلطة اقتصادية من البنوك التى ترفع رايات الإسلام أو سلطة خفية من جانب مؤسسات الشعوذة والخرافات.

الدراسة المهمة فى كتاب غالى شكرى «أقنعة الإرهاب» هى دراسته عن السلطة بين السلفية والعلمانية، وهى دراسة يهمنا منها تشريحه العلمى للأفكار المؤسسة لجماعة الإخوان الإرهابية، وكذلك استعراضه لتاريخ الجماعات المتطرفة.
رشيد رضا هو الذى ألهم حسن البنا مبادئ السلفية الراديكالية
يدخل غالى إلى هذا التشريح من أن سلفية الإخوان الرسمية حتى عام ١٩٥٢ كانت تجعل النص الإسلامى الأول «القرآن والسنة» نصًا مكتفيًا بذاته، ولا تترك السلطة لأولى الأمر، لأن الدولة شأن دينى، بكل ما تعينه من سياسة واقتصاد واجتماع وغير ذلك، فهى كما يقول حسن البنا امتداد لأفكار الشيخ رشيد رضا، ولكنه الامتداد الأكثر تماسكًا وتجانسًا وتبلورًا، غير أن الوثيقة «المذكرة والقانون» التى اعتمدتها الجماعة علنًا لا تعتمد العنف طريقًا لتحقيق الدولة الصالحة لتنفيذ أحكام الإسلام، وإنما هى تعتمد الأساليب المشروعة التى تستهدف الإقناع بالدعوة والتربية والتوجيه وتأسيس المنشأت الخيرية، وهى أساليب شرعية أبعد ما تكون عن الإرهاب، كما أنها فى صلب أهدافها تدعو إلى نواة برنامج سياسى واجتماعى لا يختلف عليه أحد كالعدل الاجتماعى والتنمية والتحرر والوحدة اللعربية، بل إن الوثيقة تدعو فى وقت واحد إلى الفطرة التى كانت عليها الدعوة الإسلامية فى زمن الرسول والخلافة الراشدة، وروح العصر، وتدعو إلى التقريب بين الفرق «المذاهب» الإسلامية، ومناصرة التعاون العالمى والمشاركة فى بناء الحضارة الإنسانية على أساس تآزر الإيمان والمادة.
ما كان يجرى فى السر كان شيئًا مختلفًا.
يقول غالى: هذه الوثيقة التى لم تُنشر على الناس حينها، تناقضت فى فترة صياغتها وإقرارها «١٩٤٥- ١٩٤٨» مع الوقائع المأساوية المعروفة، فقد تأسس فى ظروف ما زالت غامضة إلى الآن ما كان يعرف باسم «النظام الخاص»، واشتهر باسم «التنظيم السرى»، وهو الجناح المسلح للجماعة، والذى كان تنظيمًا داخل التنظيم، مغلقًا على نفسه للدرجة التى يقال إن حسن البنا نفسه لم يكن يعرف ما يدور بداخله، أو أنه خرج على طاعة المرشد العام، ويقال إنه تطوير لنظام الكشافة الذى نشأ مع قيام الجماعة، ويقال إنه هو التنظيم الذى درب وأرسل المتطوعين إلى فلسطين، ولكنه أيضًا التنظيم الذى اتهم باغتيال محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء، وقد حلت الجماعة فى ديسمبر ١٩٤٨، أى بعد ستة أشهر فقط من إقرار قانونها فى صيغته الجديدة، وفى ١٢ فبراير ١٩٤٩ اغتيل حسن البنا ورسم مصرعه علامة استفهام بارزة فى مسيرة الجماعة.
ويقترب غالى شكرى من تحول رموز الإسلام السياسى إلى رموز معارضة.

يقول: من اغتيال حسن البنا «١٩٤٩» إلى إعدام سيد قطب «١٩٦٥»، ومن إعدام شكرى مصطفى «١٩٧٧» إلى إعدام خالد الإسلامبولى «١٩٨٢»، تمتد خيوط السلفية الراديكالية وتتعدد صور المثقف السلفى وتتشابك خطوطه على نحو بالغ التعقيد، ولكنه فى جميع الأحوال يتخذ صورة «المعارض الشامل» الذى يكتسب شرعيته فى المخيلة الشعبية من انتسابه إلى الإسلام، ومن مصيره الدموى المستمر.
ويبدأ غالى فى رسم ما أسماه الخريطة المعقدة للجماعات المتطرفة.
أول ملامح هذه الخريطة هو مناخ الهزيمة الذى صاحب نشأة السلفية الراديكالية «إجهاض ثورة ١٩١٩» والهزيمة التى صاحبت تطورها «نكبة ١٩٤٨» والهزيمة التى أنهت مرحلة تاريخية كاملة «١٩٦٧» ثم زيارة القدس المحتلة «١٩٧٧»، فهذه كلها كانت ولا تزال مناخات «الهزيمة» التى تنفست فيها كل السلفيات الجديدة.
أما ثانى الملامح فهو تناقض المقدمات مع النتائج.
فقد تحالف الإخوان فى العهد الملكى مع الأقليات الدستورية ضد الوفد، ولكن التحالف انتهى إلى التقاتل حتى النهاية، حتى التصفية الجسدية، ثم كان التحالف مع عبدالناصر الذى انتهى بمحاولة اغتياله.
كان عبدالناصر هو الذى أمر بإعادة فتح الملف القضائى لقتلة حسن البنا، لكن فى ساحة المنشية فى الإسكندرية، وفى تمام السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء ذلك اليوم الثلاثاء ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤ انطلقت فى اتجاهه ثمانى رصاصات متتالية أطلقها محمود عبداللطيف عضو التنظيم السرى للإخوان، فأدخلهم السجون، وهو ما عاد وفعله فى ١٩٦٥ بعد القبض على تنظيم سيد قطب.
ثم كان أنور السادات هو الذى أخرج من تبقى فى السجون عام ١٩٧١ وسمح لهم بإصدار مجلة «الدعوة» وأسهم فى تدريب مجموعات جديدة من الشباب لمواجهة الناصريين والماركسيين فى الجامعات، وغض النظر- فى أقل تقدير- عن الاحتكاكات الطائفية التى بدأت منذ عام ١٩٧٢ وغض النظر أيضًا عن مسلسل الحرائق التى بدأت بدار الأوبرا لتشمل العديد من مواقع التراث المصرى القديم والقبطى والإسلامى.
ثم انتهت به الأمور فى سبتمبر ١٩٨١ باعتقال رموز مصر السياسية كلها، ومن بينها عمر التلمسانى، وبعد شهر واحد كان ضابط فى الجيش المصرى ينتمى فكريًا إلى إحدى السلفيات الجديدة، هو الذى سدد إلى السادات حليف الأمس الرصاصة القاتلة.

ثالثة العلامات فى الخريطة المعقدة هو أن العنف قد صاحب «الإخوان» وقاعدتها العريضة من الفقراء ومتوسطى الحال، وقد اغتنى الكثيرون فى أثناء وجودهم خارج مصر وعادوا بأموالهم ليؤسسوا الشركات والمصارف والعمارات الكبرى، وفى موازاة ذلك ابتعدوا عن العنف وتركوه للأجيال والجماعات الجديدة.
رابعة العلامات فى الخريطة المعقدة أنهم فى ظل الليبرالية الوفدية عام ١٩٥٠ لم يحظَ واحد منهم بدخول البرلمان، ولكنهم فى عام ١٩٨٤ ربحوا تسعة مقاعد، وفى عام ١٩٨٧ ربحوا خمسة وثلاثين مقعدًا، بالرغم من أن جماهيريتهم فى العصر الملكى كانت أقوى بكثير من الوقت الحاضر، حيث تستحوذ السلفيات الجديدة على المساحة الشعبية الأوسع.
ينتقل غالى شكرى من تشريح حسن البنا إلى تشريح سيد قطب.
يقول: كما أن رشيد رضا هو الذى ألهم حسن البنا مبادئ السلفية الراديكالية، فإن المفكر الباكستانى أبوالأعلى المودودى هو الذى ألهم سيد قطب الخطوة التالية فى ضوء ما جاء بكتابه «المصطلحات الأربعة فى القرآن» عن الحاكمية والسلطة العليا، والطاعة والإذعان لتلك الحاكمية والسلطة، والنظام الفكرى المتكون تحت سلطان تلك الحاكمية، والمكافأة التى تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له.
ومن بينه ما أخذه سيد قطب عن المودودى قوله: إن الشعب ليس حرًا فى اختيار نظام الحكم الذى يريد، فهم معرضون للخطيئة ما لم يلزموا أنفسهم بحكومة تقوم على أسس دينية.
وكما أن حسن البنا لم يتوقف عند حدود رشيد رضا، كذلك لم يتوقف سيد قطب عند حدود المودودى، بل أضاف فكرة محورية ستصبح من بعده أقوى الأسس الفكرية للسلفيات الجديدة، وهى فكرة «الجاهلية»، فهذا المجتمع، بل هذا العالم الذى نعيش فيه هو مجتمع وعالم جاهلى يحتاج للإسلام من جديد.
ومن المفارقات أن كتاب سيد قطب الذى بشر بهذه التعاليم وهو «معالم على الطريق» نشر ثلاث مرات فى مصر الناصرية، وفى كل مرة كانت الرقابة تحول الكتاب إلى رئاسة الجمهورية فيؤشر جمال عبدالناصر «يطبع»، وفى المرة الرابعة فقط «ربما هى المرة التى قرأه فيها فعلًا» كتب يقول: هذا الكتاب وراء تنظيم.

بعد إعدام سيد قطب فى العام ١٩٦٦، ظهر شاب داخل السجن الحربى بلغ من العمر حينذاك عشرين عامًا، التقط الخيط الفكرى من سيد قطب واندفع إلى آخر الشوط بتأسيس «جماعة المسلمين» التى عرفت إعلاميًا باسم «التكفير والهجرة»، وهى أول انشقاق- إن جاز القول- عن الإخوان المسلمين، ولكن المنظر الأول للانشقاق يبقى سيد قطب لأن «معالم على الطريق» كان نقلة نوعية قياسًا على قانون الجماعة وفكرها الرسمى الذى لم يحدث أن أعيد النظر فيه ولم يقع له أى تعديل.
وعندما أقبلت هزيمة يونيو ١٩٦٧ منحت السلفية الجديدة أقوى مبررات راديكاليتها وانتشارها السرى ثم العلنى.
وما إن خرج شكرى مصطفى مؤسس «جماعة المسلمين» من السجن عام ١٩٧١ حتى بدأ انطلاقته من مسقط رأسه «أسيوط» فى جنوب مصر، وبدأ مع زملائه فى التخفى عن العيون وشراء السلاح وتكديسه فى إحدى مغارات الجبل الشرقى بأبى قرقاص حيث أعيد اعتقال بعض أفراد الجماعة فى سبتمبر ١٩٧٢.
كانت السلفية الجديدة قد تعرفت على كتاب جديد بعد كتابى المودودى وقطب، هو « ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» لأبى الحسن الندوى من الهند، وبدأت جماعة شكرى مصطفى تدعو إلى هجران المجتمع الكافر إلى الكهوف والجبال حتى يتحدد الوقت اللازم لتحطيم المجتمع الجاهلى وبناء دولة الإسلام.
ولكن المفاجأة أن منظمة أخرى منافسة هى «منظمة التحرير الإسلامية» بادرت فى أبريل ١٩٧٤ إلى اقتحام الكلية الفنية العسكرية بهدف الاستيلاء الدموى عليها وقيادة ضباطها وجنودها إلى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى فى حضور رئيس الجمهورية وكبار رجال الدولة لاغتيال الجميع دفعة واحدة والسيطرة على الحكم.
وكانت المفاجأة الثانية هى أن قائد المجموعة أردنى وليس مصريًا هو صالح سرية.. وقد أعدم.
لم تكن «جماعة المسلمين» بقيادة شكرى مصطفى تفكر آنذاك فى مثل هذا العمل، وكان يطلق عليها طيلة النصف الأول من السبعينيات «الاتجاه الانسحابى»، ولكنها فى الوقت نفسه كان الاتجاه الأول بين الجماعات الجديدة التالية لجماعة الإخوان.
ويقترب غالى شكرى ويقربنا من الصورة أكثر.

فلم تكن هناك نصوص معتمدة من جماعة «الشكريين» كما أطلقوا عليها أيضًا، سوى كتاب «التوسعات» الذى لم يطبع قط، وإنما كان ينسخ بخط اليد.
فى مقدمة المخطوط يقول أمير المؤمنين شكرى مصطفى أمير آخر الزمان ووارث الأرض ومن عليها: إن إقامة دولة الإسلام تبنى وتقوم على أمرين: تدمير الكافرين، وتوريث المؤمنين الأرض ومن عليها، فإذا محق الكافرون وتمحص المؤمنون يظهر دين الله.
ثم يقول شكرى: لا بد من الهجرة.. لا إسلام ودولة تقام له إلا بعد الهجرة.. فإن هلاك الكفار وتدمير دولتهم لا يأتى وهناك مؤمنون فى وسطهم، والسنة أن يخرج المسلمون من أرض الكفر ولا يبقى إلا الكافرون.. حينذاك ينزل الله العذاب عليهم.
ويسأل شكرى: هل معنى ذلك أن يترك الأبناء مدارسهم وجامعاتهم؟
ويجيب: العلم وسيلة لعبادة الله، وكل علم يتعلمه الإنسان لغير العبادة فقد علمه لنفسه وتعلمه لغير الله وهذا شرك.
ويضيف: أين المكان الذى يصدر الكفر إلى العالم العربى؟ أين القرية التى حاربت كل من نادى بالجهاد فى سبيل الله؟ هى الآن مصر.
ثم يتنبأ بوقوع الحرب العالمية الثالثة بين القوتين الأعظم تمهيدًا لقيام دولة الإسلام التى تكونت من الجماعة.
وفى الثالث من يوليو ١٩٧٧ تفاجأ مصر والعالم العربى والإسلامى باختطاف الدكتور محمد حسين الذهبى وزير الأوقاف وشئون الأزهر السابق.
وبعد أقل من يوم واحد يعثر عليه مقتولًا فى شقة استأجرتها «جماعة المسلمين»، ولم يكن هناك أى ضغينة شخصية بين القتيل والقتلة، وإنما كانت الرسالة موجهة بوضوح إلى المؤسسة الرسمية، وهى الأزهر.
ومن محضر أقوال شكرى أحمد مصطفى المتهم الأول فى القضية رقم ٦ لسنة ١٩٧٧ أمن دولة عسكرية عليا بمحضر جلسات المحاكمة بتاريخ ١٧ نوفمبر ١٩٧٧، يدور الحوار على النحو التالى:
المحقق: هل ترى أن كل المساجد القائمة الآن على غير مسميات بحيث لا يحل للمسلم أن يصلى فيها؟
شكرى: لا.. بل أعتقد بوجود مساجد أُسسَت على التقوى من أول يوم هى فى نظرى أربعة مساجد بيت الله الحرام فى مكة، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء فى المدينة، وبقيت مساجد تبين لى فيها أنها من الناحية الظاهرة لا تتوافر فيها صفات مساجد الله بالمدلول الشرعى الذى بيناه، بل تستخدم كوسيلة من وسائل الإعلام ومؤسسة من مؤسسات الدولة لترويج ما يراه الحاكم- أى حاكم- وهى بالتالى تابعة من الناحية السياسية والتوجيهية إلى غير مراد الله بل هى حرب عليه.

المحقق: أليس فى مصر مسجد أسس على التقوى؟
شكرى: أنا قلت إن مسألة التقوى لا تعرف إلا بدليل من الشرع لأن موضعها القلب.
المحقق : ألا تعرف فى مصر مسجدًا واحًدا تصح فيه الصلاة شرعًا؟
شكرى: أقول إن هناك مساجد أهلية ليست خاضعة للتوجيهات السياسية ولا داعية من مذاهب الجاهلية فهى ليست مما أحرم الصلاة فيه ما بقيت على ذلك ولا أعتبرها مساجد ضرار، غير أنى أرى بيتى وبيوت المسلمين أحسن وأولى بالصلاة فيها.
المحقق: ترك أحد الطلاب المعهد الدينى وقال إن التعليم الأزهرى ضلال، كما سب الأزهر، فهل ترى رأيه؟
شكرى: إن ما يقرر فى المعاهد الأزهرية فيما يتصل بالجوانب الفقهية بالذات أكثرها من حيث العموم والقاعدة منحرف كل الانحراف، ومؤسسة كهذه لا تخرج بطبيعة الحال إلا على غرار ما أعطت.
المحقق: ما رأيك فى التعليم فى الكليات والمدارس بصفة عامة؟
شكرى: خطتنا أصلًا تقوم على الانسحاب من هذه المجتمعات ثم العودة إليها- ولا أقصد مصر بالذات- لتغيير هذه المجتمعات من أسسها وفك ما فيها وقلبها رأسًا على عقب إذا صح هذا التعبير، حيث إننا لا نؤمن بسياسة الترقيع ولا نؤمن بتزيين الجاهلية بالإسلام.
صدرت الأحكام فى ٣٠ نوفمبر ١٩٧٧ بإعدام خمسة من قيادات الجماعة على رأسهم شكرى مصطفى، ونفذ الحكم صباح ١٩ مارس ١٩٧٨ ووجهت المحكمة لومًا عنيفًا لعلماء الدين الرسميين بقولها: إن الحل الأمثل لهذه المغالاة فى التدين أن يتعهد المسئولون عن الدعوة الدينية تلك الأفكار بالبحث والتدبر، وأن يقوموا بمناظرة زعمائها ومقارعتهم الحجة بالحجة، أما أن يترك هذا الفكر طوال المدة من ١٩٧١ إلى ١٩٧٧ لينتشر هذا الانتشار فهذه هى السلبية بعينها.
أثار هذا اللوم الشيخ عبدالحليم محمود الإمام الأكبر للجامع الأزهر، ولكن الدولة أخذت بهذه التوصية وأدت مناظرات علماء الدين فى السجون إلى تراجع بعض المنتمين إلى هذه الجماعة وغيرها، ومن بينهم خليفة شكرى مصطفى فى القيادة، ولم تنتهِ الجماعة تمامًا، ولكن بعض أعضائها اختفوا والبعض الآخر غادر البلاد، والجزء الأكبر انضم إلى تنظيم فتى جديد اشتهر باسم «الجهاد».

وقد برز هذا الاسم منذ يناير ١٩٨٠، ولكن المساحة الزمنية بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات حفلت بتعدد هائل تراوحت التقديرات حوله بين قائل إن هناك خمسة عشر تنظيمًا، وقائل بل إن هناك تسعين، وكان أهمها: الإخوان المسلمون، جماعة المسلمين أو التكفير والهجرة، التوقف والتبين، البيعة، جند الرحمن، الإمارة، الفرماوية، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، منظمة التحرير الإسلامية، حزب التحرير الإسلامى، المنعزلة شعوريًا، القطبيون، السماويون، الجهاد، حزب الله.
يدخل غالى إلى ساحة هذه الجماعات، ويعتبر أنها تختلف مع بعضها بعضًا إلى حد التكفير، وبينما تمتلئ الجامعات بالكثيرين من شباب الجماعات، فإن «الفرماويين» مثلًا يكفرون من يعمل ومن يتعلم على السواء، لأن المؤمنين يفرغون للعبادة، ويقولون: إننا ملزمون بتعلم الكتاب والحكمة فقط، ولا يوجد علماء فى الأمة ولا علم فى الكتب، وإنما أناس قاموا بتأليف كتبهم لتحجب كتاب الله.
جماعة «التوقف والتبين» بدأت نشاطها أيضًا عام ١٩٨٠ تشارك الجماعات الأخرى فى تكفير المجتمع حكامًا ومحكومين، تستبعد صفة «أهل الكتاب» عن المسيحيين، وتدعو علنًا إلى استخدام العنف معهم.
ويبقى أن تنظيم الجهاد الذى استقطب السلفية الجديدة منذ نجاح أحد «عناقيده» فى اغتيال الرئيس السادات، حتى ولو لم يكن التخطيط والتنفيذ قد خضع لسلطة التنظيم العليا، فقد أصبح «حادث المنصة» منذ ذلك الوقت رصيدًا، كما أصبح خالد الإسلامبولى رمزًا يضفى على تنظيم الجهاز جاذبية استثنائية.
ويعتبر كتاب «الفريضة الغائبة» الذى كتبه المهندس محمد عبدالسلام فرج هو الوثيقة الرئيسية لتنظيم الجهاد وفيها يؤكد:
أولًا: إن إقامة حكم الله على هذه الأرض فرض على المسلمين، وتكون أحكام الله فرضًا على المسلمين، فبالتالى قيام الدولة الإسلامية فرض على المسلمين، وإذا كانت الدولة لن تقوم إلا بقتال فوجب علينا القتال.
ثانيًا: لقد أجمع المسلمون على إقامة الخلافة الإسلامية.، وإعلان الخلافة يعتمد على وجود النواة وهى الدولة الإسلامية، ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية، فعلى كل مسلم السعى لإعادة الخلافة بجد لكيلا يقع تحت طائلة الحديث.
ثالثًا: الأحكام التى تعلو المسلمين اليوم هى أحكام الكفر بل هى قوانين وضعها كفار وسيَّروا عليها المسلمين.
رابعًا: إذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه، وكل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها.
خامسًا: يجدر بنا فى هذا الصدد الرد على من قال إن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وهذا قول باطل، فالإسلام انتشر بالسيف فى وجه الكفر فواجب المسلمين أن يرفعوا السيوف.
بعد هذا العرض التاريخى للجماعات المتطرفة، يقول غالى: تختلف السلفيات الراديكالية إذن مع بعضها بعضًا فى التفسير والتأويل، ولكنها تتفق على مبادئ عامة يوجزها فى شعار «تطبيق الشريعة الإسلامية».
الجماعة الأم- الإخوان المسلمين- تسلك أسلوبًا يتميز بطول النفس فتقبل الإطار السياسى القائم لتعارض من داخل البرلمان، وتركز عملها خارجه فى الميدان الاقتصادى حيث تتحول عمليًا إلى جزء عضوى من التحالف الرأسمالى السائد.
جماعة الجهاد لا تقبل هذا الأسلوب وتفضل عليه اختصار الطريق كلما واتتها الفرصة سواء بالضغط على جهاز الحكم من داخله ومن خارجه «بحشود الصلاة فى الميادين العامة أو التهديد بمظاهر تحمل المصاحف» أو بالمواجهات المسلحة السريعة والمحددة فى بيئات الاحتكاك الطائفى أو باحتلال النقابات والاتحادات المهنية أو باصطياد أفراد من النخبة الحاكمة.
ولأن غالى شكرى يكتب بروح الباحث، فإنه لا يترك الدين الرسمى دون أن يرصد تجلياته فى مواجهة التنوير.
يقول: لم يستطع الشيخ حافظ سلامة رغم تاريخه فى المقاومة الشعبية لمدينة السويس بمواجهة القوات الصهيونية، ولم يستطع الشيخ كشك رغم هجومه على السادات، ولم يستطع الشيخ عمر عبدالرحمن أحد كبار المتهمين فى مقتل السادات وأحداث أسيوط، أن يحقق أحدهم جزءًا يسيرًا من الشعبية الساحقة التى يتمتع بها الشيخ متولى الشعراوى، وهى شعبية تجاوزت حدود مصر، ولكنها فى مصر تتمتع بوزن خاص.
ورغم أن الشيخ الشعراوى ابن المؤسسة الدينية الرسمية فإن غالى يقول عنه بصراحة: طارد الفكر الليبرالى مطاردة عنيفة، فقد اتهم بالكفر كلًا من توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود ويوسف إدريس، والغريب أنه فى أحاديثه الأسبوعية المتلفزة لا يختلف مضمون خطابه عن المضمون السلفى العام، ولكن ارتباطه بالمؤسسة يعزله عن الجماعات السلفية، ولا يحول هذا الارتباط دونه والهجوم المستمر على الجناح الفكرى الليبرالى لنظام الحكم الذى ينتمى إليه.
ويرصد غالى تغول المؤسسة الدينية على الفكر الليبرالى، فقد تعرض عبدالرحمن الشرقاوى وأحمد بهاء الدين لاتهامات مباشرة بالكفر من جانب بعض الأوساط التى تظاهر أو تساير الجماعات السلفية، وقد اضطر توفيق الحكيم إلى تغييرات عديدة فى نصه المعروف «أحاديث إلى الله»، واضطر يوسف إدريس أن يعتذر علنًا عما كتبه فى «فقر الفكر وفكر الفقر».
ويلاحظ غالى أن فكر الإصلاح الدينى تراجع عن الخط الذى بلغ أوجه فى كتابات خالد محمد خالد وأمين الخولى ومحمد أحمد خلف الله.
كان خالد محمد خالد قد استأنف مسيرة الشيخ على عبدالرازق فى كتابه «من هنا نبدأ» و«مواطنون لا رعايا»، ولم يتخل عن شجاعته حين جاءت الثورة فكتب «الديموقراطية.. أبدًا» و«حتى لا تحرثوا فى البحر» و«فى البدء كانت الكلمة»، ولكنه سكت منذ بداية الستينيات وشرع يكتب عن رموز التاريخ الإسلامى حتى أعلن فى منتصف السبعينيات تراجعه عن أفكاره الأولى.
ثم استقبلت الحركة الإسلامية المعاصرة بعض المثقفين من الشاطئ الآخر.
فأعلن كاتبان ماركسيان عن انضمامهما إلى الفكر السلفى وهما محمد عمارة وعادل حسين، وكذلك فعل أحد أبرز المؤرخين التقدميين المصريين، وهو طارق البشرى، ولم يبق حزب واحد بما فى ذلك حزب اليسار «التجمع» إلا ونادى بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولقد تراجع عن هذا الموقف فيما بعد.
يمسك غالى شكرى بدلالة مهمة وهى أن الفكر السلفى المعاصر فى مصر قد تمكن من التأثير السياسى على خصومه، غير أن هذا التأثير انطلق من الحركة أكثر من الثقافة، فما زال ابن تيمية وابن كثير وابن القيم القادة الحقيقيين للسلفية الراديكالية.
ويخلص غالى شكرى من ذلك كله إلى أن ثمة أزمة تاريخية فى بلادنا، ليست السلفية الجديدة من أسبابها فهى تيار قائم منذ ستين عامًا، ولعلها من نتائج مناخ الهزيمة المستمرة وسقوط المشروع القومى وتبدد أحلام التنمية والاستقلال والتحرر، ولكن أحد وجوه الأزمة هى أن السلفيات الجديدة تعبر عن مشكل ولا تقدم حلًا حتى أصبحت هى نفسها جزءًا من المشكلة.





