الأربعاء 17 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ملوك الاستعباط السياسى... من نعى خالد فهمى الغامض.. إلى مهزلة تكريم صلاح عبدالمقصود

حرف

- صلاح عبدالمقصود يخوض أكبر حرب ضد مصر من خلال نشاط مشبوه وممول

ما الذى جرى لنفقد ذاكرتنا الوطنية بكل هذه السرعة؟ 

عندما وصلنا إلى يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣ كان المصريون بمختلف تياراتهم السياسية والفكرية على قلب رجل واحد فى مواجهة جماعة الإخوان الإرهابية. 

كان عام واحد فى السلطة كافيًا للحكم عليهم ممن لم يكونوا يعرفونهم جيدًا، للتأكد من أننا أمام جماعة ليست وطنية بأى معيار من معايير القياس السياسية والفكرية والدينية. 

نزل المصريون إلى الميادين بحشود هائلة، لم تشهدها الثورات المصرية من قبل يهتفون بصوت واحد متناسق النغمات لا نشاز فيه: «يسقط.. يسقط حكم المرشد»، وضعوا خلافاتهم جانبًا، لم يلتفتوا إلى ما يفرقهم، انتبهوا إلى أن اللحظة فارقة، فأعلنوا موقفهم الواضح ضد أن تسيطر جماعة دينية على كل شىء، فتحكم الناس ظلمًا وباطلًا وزورًا باسم الله، فمن يطيعهم يدخل الجنة، ومن يخرج عليهم يكون مصيره النار وبئس المصير. 

اعتقد المصريون أنهم يمكن أن يتفاعلوا مع الجماعة، أن يقولوا لها: لا.. عندما يجب أن تكون لا واجبة، يعارضونهم، فهم فى النهاية نظام سياسى، وليسوا رسلًا من السماء معصومين من الخطأ ولا محصنين ضد الاحتجاج، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام جماعة ترفض كلمة لا، وتعلن شعار: إما أن نحكمكم.. وإما أن نقتلكم. 

عندما تعيد المشهد أمامك الآن، وتراجع الفيديوهات على اليوتيوب التى سجلت لحظة إعلان خارطة الطريق يوم ٣ يوليو ٢٠١٣، ستجد فرحة غامرة، يهتف المصريون فيها جميعًا باسم مصر، فمصر الحقيقية التى هى ملك لكل أبنائها انتصرت على جماعة ضالة ومضللة، كانت قد بدأت بالفعل فى تصنيف المواطنين بحسب الانتماء السياسى، فمن ينتظم فى صفوفها مواطن من الدرجة الأولى، ومن يخرج عليها مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة وربما الرابعة أيضًا. 

الآن وبعد ما يقرب من ١٣ عامًا تبددت هذه الصورة، أصبحت الكتلة الوطنية التى كانت صلبة عنيدة عصية على التفتت أو الاقتحام، مجرد كتلة رخوة بلا ذاكرة، هناك من اقترب من الصورة وثقب الذاكرة، فأصبحت تتسرب منها ثوابت مهمة، ما كان لنا أن نفرط فيها أو نختلف عليها. 

لقد جعل الإخوان أنفسهم عدوًا للوطن. 

هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو ينكرها أو يجهلها أو يتجاهلها.. ومن يفعل ذلك فإننى لا أشكك فى وطنيته- فليس من حقى أن أفعل ذلك كما أنه ليس من حق أى أحد- ولكنه لا يمنعنى من أن أتشكك فى ضميره الوطنى، وذاكرته التى ينبغى أن تكون حية ويقظة، فإذا بها تتحول إلى ذاكرة ميتة تعانى من كل أعراض الفناء. 

فى ٣ يوليو ٢٠١٣ تمت دعوة حزب الحرية والعدالة ليكون ممثلًا لجماعة الإخوان فى اجتماع القوى الوطنية الذى يقرر الخطوة التالية بعد نزول المصريين إلى الميادين مطالبين بإسقاط حكم المرشد، تم التواصل مع سعد الكتاتنى رئيس الحزب، والذى كان رئيسًا لمجلس الشعب المنحل والقيادى بالجماعة، وكان له مقعد ضمن مقاعد القوى الوطنية، وهو ما يشير إلى أن هذه القوى لم تكن عازمة على إخراج الإخوان من المعادلة السياسية. 

راجع سعد الكتاتنى الموقف مع قيادات جماعته، عرض عليهم الدعوة التى وصلته ليحضر اجتماع القوى الوطنية ممثلًا لجماعة الإخوان، لكن مكتب الإرشاد رفض، وأصر على أن يواصل صدامه مع المجتمع المصرى كله، معتقدًا أنه بذلك يمكن أن يحقق مكاسب أكبر وأهم. 

أخرجت الجماعة نفسها من الصف الوطنى، وبدأت فى معاندة المجتمع مستخدمة فى ذلك كل الأسلحة المتاحة لديها، اعتصامات فى ميدانى النهضة ورابعة العدوية، مظاهرات فى مختلف المدن، قطع الطريق وتعطيل عمل المنشآت، ثم الدخول فى أكبر عملية تحريض علنى على الدولة المصرية من فوق منصة رابعة العدوية. 

ولأن الجماعة كانت تعرف أن معركتها طويلة، فقد لجأت إلى سلاح الإعلام من خلال أعضائها الهاربين إلى الخارج، فانطلقت من خلال منصات إعلامية عديدة لتهدم كل ما يتعلق بالدولة المصرية، وهى المعركة التى ظلت تواصلها خلال السنوات الماضية، مدعومة من خصوم واضحين ومعلنين للدولة المصرية. 

بادرت الدولة المصرية فى التصدى لجماعة الإخوان، أعلنتها جماعة إرهابية، وشنت حربًا على فلولها فى كل مكان، ولم تتسامح معهم، وإن كانت تعاملت برحمة ورأفة ورفق، أعلنت عن أنها ستفعل ذلك بالقانون، ولن تستهدف أحدًا لم يمارس العنف أو يحرض عليه، وكان يمكنها أن تفعل بدافع الشرعية الثورية ما هو أكثر من ذلك، والتجارب فى دول عديدة تخبرنا بأنه كان يمكن نسف الإخوان نسفًا بالقوة المفرطة، لكن مصر لم تلجأ إلى ذلك. 

أخرج المصريون جماعة الإخوان من السياسة ومن الضمير الوطنى، لم يكن هناك أى تعاطف معهم كما كان يحدث قبل ذلك. 

فى صدامات الإخوان المتتالية مع السلطة منذ العهد الملكى وحتى عصر حسنى مبارك، كانت الجماعة تجد تعاطفًا شعبيًا، فهى تواجه السلطة، ولأن المعادلة التى تحكم العلاقة بين المصريين والسلطة- أى سلطة- معقدة ومتشابكة ومتشعبة، فقد حظى الإخوان بدعم من فئات عديدة من الشعب، كانت هذه الفئات تعتبر الجماعة فصيلًا وطنيًا، رغم أنها لم تكن كذلك أبدًا، لكن هذا ما حدث. 

فى الصدام الأخير الذى بدأ بعد شهور من ثورة ٢٥ يناير، لم يكن صدام الإخوان مع السلطة، ولكنه كان صدامًا واضحًا مع الشعب بكل فئاته، ولذلك فقدت الجماعة أى وكل تعاطف شعبى، وأصبحت وحدها، وبدلًا من الاعتذار والاعتراف بالخطأ، راحت تعمق هوة الخلاف مع الشعب الذى أعتقد أنه فى قرارة نفسه رغم كل ما يمر به يرفض الإخوان رفضًا قاطعًا وكاملًا ومطلقًا لا تراجع فيه ولا مراجعة له. 

كنت أعتقد أننا سنظل إلى الأبد قابضين على جمر رفض الإخوان، وقطع الطريق عليهم حتى لا يعودوا إلى مدينتنا مرة أخرى، لكن يحدث الآن ما يشير إلى أن هناك خيانة ما تحدث فى الصف الوطنى. 

أعرف أن عناصر جماعة الإخوان الذين تساهلت معهم الدولة المصرية لا يزالون موجودين حتى الآن بيننا، يعملون فى مؤسسات الدولة، يعقدون اجتماعاتهم الأسبوعية إن لم يكن بشكل مباشر، فمن خلال أدوات التكنولوجيا الحديثة، لا يزالون يستقطبون عناصر جديدة إلى صفوفهم، يحاولون تنظيم صفوفهم، وليس أدل على ذلك من التصريح الفج والفاضح للقيادى الإرهابى الهارب حلمى الجزار الذى قال إن هناك عشرات الآلاف ممن ينتمون إلى الإخوان موجودون فى مصر وينتظرون اللحظة المناسبة.. وهو كلام لم ننقله عنه، أو يقوله لنا أحد، ولكن كان هذا ما قاله بلسانه عبر فيديو مسجل بالصوت والصورة، ويمكن لكم أن ترجعوا إليه وتراجعوه. 

من بين العناصر الإخوانية التى كانت موجودة بيننا المدعو خالد فهمى الذى كان يعمل أستاذًا لعلوم اللغة فى كلية الآداب بجامعة المنوفية، حيث عاش حرًا طليقًا يعمل فى مدرجات الجامعة ومجمع اللغة العربية واتحاد الكتاب لمدة تقترب من ١٣ عامًا، بعد أن خرج من منصبه كرئيس لدار الوثائق، وهى سنوات كان يخفى فيها إخوانيته، ويتخفى خلف ما يدعيه من نشاط علمى، ليمارس تنفيذ خطة جماعته فى استقطاب الشباب وأخونتهم، وهذا يقين لدى لا يرقى إليه أى شك، فقد عرفنا الجماعة جيدًا، ونعرف جيدًا أيضًا ما تقوم به فى الخفاء قبل العلن. 

بعد موته سارع عدد كبير من المثقفين والكتاب والصحفيين أيضًا فى نعى خالد فهمى والثناء عليه، والغريب أنهم فعلوا ذلك حتى بعد أن أثبتنا إخوانيته التى لا تقبل تشكيكًا، وهو ما استفادت منه الجماعة الإرهابية، التى أسهمت فى تعظيم شأن خالد فهمى، وكأنها كانت ترسل برسالة واضحة إلى من لا يزالون يسيرون على خطها، أنهم يعيشون بشكل طبيعى وهناك من يتقبلهم ويثنى عليهم، والدليل هو ما حدث مع خالد فهمى.. وكأنهم بذلك يشجعون من أخفى نفسه على مواصلة العمل، فلن يحول بينه وبين ما يريده شىء. 

ما كان بالنسبة لى أغرب وأعجب مما حدث مع خالد فهمى، كان ما حدث مع صلاح عبدالمقصود. 

وأقول أعجب وأغرب لأن ما حدث مع صلاح عبدالمقصود قادته نقابة الصحفيين، وهى مفروض مؤسسة وطنية تلعب الدور الأكبر فى الحفاظ على ذاكرة المصريين، تدعمها وتقويها وتقف حجر عثرة أمام أى محاولة للعبث بها أو ثقبها، فتصبح ذاكرة هشة ومهترئة يدخل إلينا الإخوان من خلالها من جديد. 

قررت نقابة الصحفيين أن تحتفل بيوم الصحفى، ولأن هذا العام يتوافق مع الذكرى الثلاثين لما نسميه معركة الحرية، وهى المعركة التى وقفت فيها الجمعية العمومية للصحفيين فى مواجهة السلطة لإسقاط القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥، الذى كنا نعرفه بقانون حبس الصحفيين، ولم تنته المعركة إلا بتراجع السلطة واستبدال القانون بقانون ٩٦ لسنة ١٩٩٦، فقد قرر مجلس النقابة تكريم أعضاء مجلس العام ٩٥، وهو المجلس الذى كان يضم فى عضويته صلاح عبدالمقصود القيادى بجماعة الإخوان ووزير إعلام محمد مرسى والهارب حتى الآن. 

انتفضت الجمعية العمومية للصحفيين، ورفضت هذا التكريم الذى يدخل فى باب الهزل أكثر منه فى باب الجد، فليس معقولًا أن يحضر الصحفيون تكريمًا لإرهاربى، هذا هو الوصف الدقيق والصحيح لصلاح عبدالمقصود. 

لن أحدثكم عما فعله عندما كان وزيرًا للإعلام، فأنتم جميعًا تعرفون ذلك. 

ولن أحدثكم عن مساهمته فى تسهيل الاستيلاء على سيارات البث المباشر للتليفزيون المصرى، وهى السيارات التى استخدمتها قنوات فضائية معادية لنقل وقائع اعتصام رابعة الإرهابى، فقد شهدتم ذلك جميعًا وعلى الهواء، وهى جريمة مكتملة، فقد سهل عبدالمقصود بما فعله فى الترويج لعمل إرهابى مكتمل الأركان. 

ولن أحدثكم عن سقوطه الأخلاقى أثناء عمله الوزارى، فقد فضحته ألفاظه وتعليقاته، ولا نزال نذكرها جميعًا. 

ولن أحدثكم عن دخوله طرفًا فى معركة الإخوان ضد الصحفيين والإعلام المصرى كله، ومحاولتهم اختطاف جثة الحسينى أبوضيف، واعتباره صحفيًا إخوانيًا، رغم أنه ما ذهب إلى اعتصام الاتحادية إلا لتوثيق جرائم الجماعة ضد المعتصمين وإرهابهم للمحتجين. 

ولكننى يمكن أن أشير فقط إلى ما يفعله صلاح عبدالمقصود الآن ومنذ هروبه من مصر كالجرذان، صلاح الآن- إذا كان السادة المحترمون فى نقابة الصحفيين لا يعرفون- يخوض أكبر حرب ضد مصر من خلال نشاط مشبوه وممول، وهو ما يعنى أنه خصم واضح وعدو غير خفى لما تمثله الدولة المصرية، فهل لمثل هذا العدو أن يتم تكريمه.. لمجرد أن صدفة تاريخية وضعته ضمن مجلس حارب من أجل حرية الصحافة، رغم أن مبلغ علمى أن صلاح فى هذه المعركة لم يكن له أى شأن يذكر، ويمكن أن تراجعوا الوقائع التى يبدو أنكم لا تعرفونها جيدًا. 

كان يمكن لمجلس نقابة الصحفيين أن يتراجع عن تكريم المجرم صلاح عبدالمقصود، أن يعتذر عن هذه السقطة التى واجههم بها عدد كبير من أعضاء الجمعية العمومية، أن يقولوا أخطأنا وينتهى الأمر، لكنهم واصلوا العناد والسفسطة والإصرار على أنهم لم يتركبوا أى خطأ.. رغم أن ما فعلوه خطيئة تصل إلى حد الكبيرة الوطنية. 

لقد توقفت عند اسم من أسماء المكرمين وهو الزميل محمد عبدالقدوس، وهو إخوانى، لكن لم يعترض أحد عليه، لسبب بسيط أن عبدالقدوس ورغم إخوانيته التى يعترف بها، إلا أنه ومنذ ٣٠ يونيو يجلس فى بيته كافيًا خيره شره، وهو ما يشير إلى أن الاعتراض على جرائم صلاح عبدالمقصود فى المقام الأول، فهل يفهم أعضاء مجلس النقابة هذا المعنى؟ 

إننا نقف جميعًا أمام لحظة مهمة، أعتقد أن مجلس نقابة الصحفيين لا يعيها جيدًا، ولا يفهم ما وراءها، هناك محاولات كثيرة تبذلها الجماعة للعودة إلى المشهد من جديد، فهل يرتضى المجلس الموقر أن يكون حصان طروادة الذى تدخل منه الجماعة باستحضاره قياديًا إخوانيًا إرهابيًا وفرضه على احتفالية تقيمها النقابة. 

لو كان هذا هو اختيار مجلس النقابة فهو حر تمامًا، لكنه بذلك ينسلخ دون أن يدرى من النسيج الوطنى، ويصبح نسيجًا وحده، نسيجًا مرفوضًا وممقوتًا ومشوهًا، وهو ما يصيبنى بالحسرة، لأننى كنت أراهن على وطنيتهم، فإذا بهم يقذفون فى وجوهنا بهذا الاهتراء الكامل الذى يدعمونه ببذاءات لا يمكن أن نقبلها أو نتقبلها، حتى لو كانوا يعتقدون أنهم من خلال هذه السفالات المعادة والمكررة يمكن أن يُسكتوا من يعترضون عليهم. 

يمكننى أن أتعامل مع ما فعله مجلس النقابة فى مسألة تكريم عبدالمقصود بحسن نية، وأقول إن الغفلة تلفهم، لكن إصرارهم عليه بعد أن عارضه عدد غير قليل من أعضاء الجمعية العمومية يؤكد أنهم يفعلون جريمتهم وهم فى كامل وعيهم، وهى الجريمة التى يبررونها بطريقة ملوك الاستعباط السياسى، وهى طريقة مكشوفة، خاصة أنهم يدفعون بكل ما هو «سكسكة» للدفاع عما يفعلون. 

أيها الزملاء المحترمون لا تزال أمامكم فرصة للاعتذار.. لكننى أعرف أنكم لن تفعلوا ذلك.. لأنكم اخترتم طريقكم.. الذى هو طريق يخاصم كل ما هو معقول ومنطقى.. ووطنى أيضًا، فلا تلوموا إلا أنفسكم بعد ذلك عندما تجدوننا نسلك طريقًا آخر يخالفكم.. فلن نسير فى طريق واحد مع من يمهدون الطريق لجماعة إرهابية للعودة إلى مدينتنا مرة أخرى.