رأس ترامب.. عقلية المافيا التى تحكم أمريكا
- «الإصلاح».. كتاب جديد يتساءل: كيف يمكن إنقاذ أمريكا من خطر الرئيس؟
- المؤلفة: أعتقد أن سيادة القانون تمر بمرحلة مقلقة وتواجه تهديدًا حقيقيًا
- الكتاب يبرهن على أن «ترامب» يحكم بعقلية زعيم مافيا.. ويرصد التحديات والتهديدات التى تواجه أمريكا بسببه
فى وقت تشهد فيه الولاية الثانية للرئيس الأمريكى دونالد ترامب تباينًا كبيرًا فى المواقف والتقييمات، تكشف الكاتبة والمدعية العامة الأمريكية السابقة باربرا ماكويد فى كتابها «الإصلاح: إنقاذ أمريكا من فساد حكومة تدار بعقلية المافيا» كيف تستغل شبكات الجريمة المنظمة والانتهازية السياسية أدوات السلطة وآلياتها لتحقيق مصالحها، محاولة رصد أنماط متواصلة من التهديدات التى تواجه الديمقراطية الأمريكية.

تعرض ماكويد فى كتابها، الذى بدأت فى تأليفه بعد وقت قصير من إعادة انتخاب ترامب، عددًا من الممارسات التى رصدتها فى أداء الإدارة الحالية، راصدة أوجه شبهها بالأساليب التى يستخدمها المجرمون، والمسئولون الفاسدون، والمحتالون، والتى اعتادت ملاحقتها قضائيًا خلال عملها مدعيةً عامة.
واستنادًا إلى خبرة واسعة فى قضايا الفساد من عملها مدعيةً عامة للولايات المتحدة، تكشف كيف يجرى توظيف الفساد المستشرى بصورة ممنهجة للتلاعب بكل جوانب الحياة الأمريكية، وذلك بالمزج بين قصص من قاعات المحاكم، ودروس من التاريخ، وتحليلات قانونية للواقع الراهن، لتصل إلى أن كل جريمة فساد تمثل خطوة إضافية على طريق الاستبداد المطلق.
تقدم ماكويد استراتيجيات عملية وواضحة يمكن للأمريكيين اتباعها، بدءًا من تنظيم الندوات التثقيفية والاحتجاجات، وصولًا إلى الترشح للمناصب المحلية، بهدف استعادة سيادة القانون وضمان أن يعمل المسئولون المنتخبون لخدمة المصلحة العام، مرتكزة على إيمان راسخ بأن الدستور الأمريكى قادر على إعادة السلطة إلى الشعب.


وفقًا للمراجعة التى قدمتها صحيفة «الجارديان»، يقدم كتاب «الإصلاح» نقدًا لاذعًا للطريقة التى ترى المؤلفة أن الرئيس الأمريكى يقوض بها الديمقراطية عبر تحويل الولايات المتحدة إلى ما يشبه دولة مافيا، مع طرح عدد من المقترحات التى تمكن المواطنين العاديين من مقاومة هذا المسار.

تبلغ ماكويد الحادية والستين من عمرها، وتشغل منصب أستاذة فى كلية الحقوق بجامعة ميشيجان، كما تعمل محللة قانونية، وبين عامى ٢٠١٠ و٢٠١٧ شغلت منصب المدعية العامة للولايات المتحدة للمنطقة الشرقية من ولاية ميشيجان. وخلال مسيرتها قادت ملاحقات قضائية فى عدد من أبرز قضايا الفساد. واليوم توجه نظرها إلى ساكن البيت الأبيض، محاولةً البرهنة على أنه يحكم بعقلية زعيم مافيا.
تقول المؤلفة إن ترامب يستخدم سلطته للسيطرة على الآخرين، ولا سيما أولئك الذين قد ينتقدونه، وإنه يستخدم كل وسيلة ضغط يستطيع الوصول إليها، فيضغط على من حوله لإجبارهم على الجلوس إلى الطاولة والتفاوض على العقوبة التى سيفرضها عليهم، وقد فعل هذا مع مكاتب المحاماة، ووسائل الإعلام، والجامعات، وحتى مع الحلفاء الأجانب من خلال الرسوم الجمركية.

ترى ماكويد أن جزءًا كبيرًا من أسلوب ترامب السياسى والقانونى يعود إلى التأثير الذى تركه فيه محاميه روى كوهن، فقد تولى كوهن الدفاع عن ترامب ووالده فى سبعينيات القرن الماضى، بعدما رفعت وزارة العدل دعوى ضدهما بتهمة التمييز العنصرى فى الإسكان.
ولم يكن كوهن محاميًا عاديًا؛ فقد عمل مساعدًا للمدعى العام الأمريكى، ثم أصبح مستشارًا للسيناتور جوزيف مكارثى خلال حملاته الشهيرة ضد من اتُّهموا بالشيوعية فى خمسينيات القرن الماضى، وتقول ماكويد إن كوهن لقّن ترامب الأساليب العدوانية والالتفافية فى التعاطى مع الأزمات القانونية والسياسية.
وتوضح ذلك بقولها: «علّم كوهن ترامب ألا يتخذ موقف الدفاع أبدًا، فإذا وُجهت إليه اتهامات، يرد بهجوم مضاد، وينكر ارتكاب أى خطأ، ثم يحوّل الأنظار إلى خصومه باتهامهم هم بدلًا من تبرير أفعاله. وهذا الأسلوب ما زلنا نراه فى ممارساته حتى اليوم».
وتضيف أن الولاية الأولى لترامب كانت مقيدة، إلى حد ما، بوجود مسئولين تقليديين داخل مؤسسات الدولة كانوا يحدون من اندفاعاته الأكثر تطرفًا. أما فى ولايته الثانية، فالأمر مختلف، بعد أن تعلم هذه المرة أن ما ينبغى أن يقدره ليس الخبرة والكفاءة، بل الولاء؛ أى الأشخاص المستعدين لتنفيذ أوامره والإشادة به بالطريقة التى يريدها.
وتلفت ماكويد إلى أن الأنظمة الديمقراطية يمكن أن تُفرَّغ من مضمونها. ففى ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن العشرين، تحولت المؤسسات الديمقراطية إلى أدوات فى خدمة النظام، بينما شهدت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتى إحلال أصحاب النفوذ الاقتصادى والموالين للسلطة محل مؤسسات الدولة. وترى أن المجر وتركيا تمثلان نموذجين معاصرين لهذا المسار. أما فى الولايات المتحدة، فتعتقد أن الظاهرة نفسها تتجلى عبر ثلاثية واضحة: الفساد، والقسوة، والفوضى.
وترى المؤلفة أن الفساد فى هذه المرحلة لم يعد مستترًا، بل أصبح يُمارس على نحو استعراضى. وتستشهد فى ذلك بقرارات ترامب بالعفو عن عدد من المشاركين فى اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكى فى السادس من يناير، وعن بعض ممولى حملاته الانتخابية، وبقبوله طائرة تبلغ قيمتها ٤٠٠ مليون دولار من قطر، فضلًا عن تقاربه مع كبار مليارديرات التكنولوجيا الذين يسعون إلى الحصول على تسهيلات تنظيمية، وهو ما ترى أنه يتعارض مع بند المكافآت الوارد فى الدستور الأمريكى، والذى يفرض قيودًا على تلقى المسئولين الفيدراليين منافع أو هدايا من حكومات أجنبية دون موافقة الكونجرس.


فى حوار للكاتبة مع موقع Michigan law تحدثت عن فكرة كتابها قائلة: كانت بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب مختلفة بشكل صارخ، عن ولايته الأولى. فقد بدأ باتخاذ إجراءات مثل وقف تمويل المنح، وابتزاز مكاتب المحاماة، وتهديد الجامعات. عندها قلت لنفسى: هذا هو السلوك الذى كنت أرى الجريمة المنظمة تتبعه عندما كنت مدعيةً عامة، ومن هنا جاءت فكرة كتابة هذا الكتاب.
وتابعت: أحاول أن أستعين ببعض القصص من عملى كمدعية عامة لتوضيح أوجه الشبه، واستخلاص الدروس التى يمكن تعلمها منها. فعلى سبيل المثال، عندما يستجيب الناس للمبتز، يعتقدون أنهم سيحلون المشكلة إذا دفعوا له ما يريد مرة واحدة. لكن ما رأيته يتكرر مرارًا هو أن المبتز لا يكتفى أبدًا، بل يعود دائمًا ليطالب بالمزيد. وهذه ليست الطريقة لهزيمته. فالسبيل الحقيقى هو أن يتكاتف الناس ويتحركوا جماعيًا، وأن يقفوا معًا لمواجهة هذا السلوك والتصدى له. وآمل أن أكون قد قدمت فى هذا الكتاب بعض الدروس حول الأساليب التى تنجح، وتلك التى لا تنجح، عندما نحاول مقاومة هذا النوع من إساءة استخدام السلطة.
وردًا على سؤال لها حول مدى سيادة القانون فى الولايات المتحدة فى العام الجارى قالت: أعتقد أن سيادة القانون تمر بمرحلة مقلقة. لا أستطيع القول إنها انهارت، لكنها بلا شك تواجه تهديدًا حقيقيًا. فلا تزال المحاكم تطبق القانون وتصدر أحكامها، وبعض الأحيان تأتى هذه الأحكام فى صالح الإدارة، وفى كثير من الأحيان تصدر ضدها.
وتابعت: أحد أكثر الأمور التى تثير قلقى هو حجم الهجمات التى يشنها الرئيس على القضاة الذين يصدرون أحكامًا لا توافق رغباته، إذ يصفهم بأنهم «مجانين» أو «قضاة مارقون». وهذه المهاجمة للقضاة تقوض ثقة المواطنين فى سيادة القانون، وتجعل الناس أقل استعدادًا للامتثال للقانون، كما تقلل من رغبتهم فى الإبلاغ عن الجرائم إلى سلطات إنفاذ القانون، لأنهم يفقدون الثقة فى النظام.
واستطردت: أعتقد أن هذا النهج ينطوى أيضًا على خطر آخر، وهو أن يلجأ بعض الأشخاص إلى ممارسة العدالة بأنفسهم، وأن يأخذوا القانون بأيديهم من خلال أعمال عنف خارج إطار الدولة. فإذا رأينا مسئولين فى أعلى مستويات السلطة، لا يلتزمون بالقواعد، فكيف يمكننا أن نفرض احترامها على الآخرين؟ إن العقد الاجتماعى يقوم على مبدأ واضح؛ حتى عندما نختلف مع حكم قضائى، فإننا نلتزم بتنفيذه. قد تكون لدينا وسائل قانونية لتغييره، سواء من خلال التماس إلى الكونجرس أو بالطعن عليه أمام محكمة أعلى، لكن لا يجوز لنا ببساطة أن نتجاهل قرارًا قضائيًا لمجرد أنه لا يعجبنا.
تركز ماكويد فى أحد فصول الكتاب على أهمية إنشاء «ضمانات مؤسسية» لحماية الديمقراطية مثل إصلاح قواعد النزاهة والقوانين الانتخابية، وتتحدث عن هذا الأمر فى حوارها موضحة: «يمكننا أن نحمى أنفسنا من خلال وضع بعض الضمانات المؤسسية التى تجعل من الأصعب على أى رئيس، أيًا كان من سيأتى بعد ذلك، إساءة استخدام سلطاته. لقد كشف لنا الرئيس ترامب عن بعض الثغرات الموجودة فى النظام. وهناك تغييرات يمكن إجراؤها، ولوائح يمكن اعتمادها، سواء داخل وزارة العدل أو فى مؤسسات أخرى. لكن الأهم من ذلك كله نصيحة تلقيتها عندما كنت أشغل منصب المدعية العامة للولايات المتحدة، وهى: (إذا أردت أن تتجنب مشكلات الإدارة، فابدأ بتعيين أشخاص أكفاء)». وهذا المبدأ ينطبق أيضًا على انتخاب الرؤساء وغيرهم من القادة. علينا ألا ينحصر اهتمامنا فى حساباتنا التقاعدية أو أوضاعنا الاقتصادية فحسب، بل ينبغى أن نهتم أيضًا بمن سيحمى ديمقراطيتنا، ومن سيلتزم بسيادة القانون، ومن سيصون حرية الصحافة.







