روايات بلا نقاد.. أين اختفى النقد الأدبى؟
- لماذا يندر أن نجد نقدًا يرصد عثرات الروايات ويضع يده على مواطن الخلل فيها؟
- مهنة المحرر الأدبى لا تلقى الاهتمام الكافى عربيًا وهو ما يجعل الكثير من الروايات تخرج بعلاتها
ثمة فجوة يصعب إنكارها بين إبداع روائى يتنامى عامًا بعد عام، مولِّدًا ظواهر جديدة ومكرِّسًا أسماءً راسخة وأخرى صاعدة على الساحة العربية، وبين متابعة نقدية تجتهد فى مواكبة التدفق المتواصل من الأعمال. هذه الفجوة ليست وليدة اليوم؛ فما تغيّر هو أن ازدياد الإنتاج الروائى عامًا بعد عام وسّع نطاقها، وكشف عن جوانب جديدة من القصور تستحق التأمل والمناقشة.
إن تغاضينا عن التعرض لأزمات النقد الأكاديمى وتعاليه عن التعاطى مع الظواهر الأدبية المستجدة والأعمال الروائية لأجيال جديدة بما تحمله من لغة جديدة وأفكار مغايرة لما قدّمه رواد الأدب وما فاضت به الروايات الكلاسيكية. ذلك المنحى الذى جعل النقد، فى أحايين كثيرة يسلك واديًا لا يمس التغيّرات الحادثة على أرض الواقع فى الرواية. يمكننا أن نُسائل هذا النقد الأكاديمى نفسه، وغير الأكاديمى بطبيعة الحال، بخصوص تقاعسه عن أحد أدواره الأساسية وهى تمييز الجيد من الردىء، وتوضيح أوجه الرداءة والركاكة فى النصوص، بما يتطلبه ذلك من اشتباك يستهدف فى المقام الأول الإعلاء من قيمة العمل الروائى بوصفه نصًا جماليًا، لا يمكن النظر إليه بتحييد لغته المتعثرة أو أسلوبه الركيك.

قد يكون تفسير النصوص الروائية وتأويلها، بشرح ما تقوله وتفكيك دلالاتها ووضعها فى سياقاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية، من أهم وظائف النقد الأدبى؛ إذ يفتح أمام القارئ نوافذ على أبعاد قد لا ينتبه إليها فى القراءة الأولى. وقد تكون عناية النقد غير الأكاديمى برصد ما يستجد من أعمال روائية، ومتابعة الظواهر التى تثيرها، مثل قوائم الأكثر مبيعًا، جهدًا محمودًا لا سبيل إلى إنكاره. لكن يبقى سؤال آخر أكثر إلحاحًا: لماذا يندر أن نجد نقدًا يرصد عثرات النص، ويشير بوضوح إلى تعثرات اللغة واضطراب الأسلوب، ويضع يده على مواطن الخلل فى روايات استحسنها كثير من القراء، وحصد بعضها جوائز أدبية مرموقة، وكُتبت عنها عشرات المقالات النقدية؟.


راودنى هذا السؤال فى أثناء قراءتى لكتاب «كيف نحرر الروايات؟ دليل الكاتب لتحرير الرواية» للكاتب والروائى علاء فرغلى. فالكتاب، على الرغم من أنه معنىٌّ أساسًا بمهنة المحرر الأدبى، وهى مهنة لا تزال صورتها فى العالم العربى ملتبسة وتحيط بها كثير من المغالطات، يقدّم جهدًا نقديًا لافتًا، ويمارس فعلًا نقديًا جريئًا. وهو جهد حرىّ بنقاد الأدب الإفادة منه، ليكتسبوا قدرًا أكبر من الجرأة فى مواجهة النصوص والكشف عن عيوبها، بدلًا من الاكتفاء بتفسيرها والإشادة بها.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه محاولة جسورة، فإذا كان النقد الأدبى عليه أن يوضح ماذا يقول النص، وكيف يقوله، ومدى الانسجام بين الحدين، فإنه بصورة ما مطالب بتوضيح لماذا تتعثر الفكرة أو تتشوش بسبب سوءات الكتابة حتى إن لم يُلاحظها القارئ العادى فى قراءته الأولى المفتونة بمتابعة ما ستئول إليه القصص الروائية، وحتى إن كانت هذه الأعمال قد نالت احتفاءً أفضى إلى وصولها لأرفع الجوائز الأدبية.
أغلب الظن أن كثيرًا من النقاد العرب يدركون، فى قراءاتهم الخاصة، مواطن الضعف فى الأعمال الروائية، سواء على مستوى اللغة والأسلوب، أو على مستوى البنية الروائية وعناصرها. لكنهم يحجمون عن التصريح بها فى كتاباتهم، وهو ما يمكن فهمه فى سياق ثقافى لم ينجح النقد فيه، فى كثير من الأحيان، فى التحرر من الاعتبارات الشخصية وشبكات العلاقات. كما يمكن ردّ ذلك إلى الحساسية التى يبديها بعض الكتّاب تجاه أى نقد يمس أعمالهم، بما قد يجعل الناقد أكثر ميلًا إلى المجاملة أو التحفظ من خوض مواجهة نقدية مباشرة.

من الجيد أن هذا الكتاب: «كيف نحرر الروايات؟» يتحلى بقدر كبير من الوضوح والمباشرة فى رصد هنات أعمال روائية حظيت برواج واسع واستحسان نقدى وجماهيرى، من دون أن يتحول هذا الرصد إلى نقض لقيمتها الأدبية أو إنكار لما حققته من أثر. فالكاتب يحرص، قبل أن يبدأ ملاحظاته، على الإقرار بأن كثيرًا من هذه الأعمال كانت لافتة ومؤثرة بالنسبة إليه، وأن ما يقدمه محاولة للإشارة إلى مواضع كان من شأن تجاوزها أن يجعل النصوص أكثر إحكامًا ونضجًا.
ولعل ما يمنح هذا النهج قدرًا أكبر من المصداقية أن الكاتب لا يستثنى نفسه من النقد؛ إذ يفحص أعماله الروائية، كاشفًا عن بعض ما يراه اليوم من مواطن ضعف أو اختيارات كان يمكن أن تكون أفضل. وهذه الشجاعة فى نقد الذات تمنح الكتاب قيمة أخلاقية ونقدية.
لا يغفل الكاتب عن عنصر الإمتاع فى كتابته لهذا العمل، فاللغة حيوية وسلسة، بعيدة عن الجفاف، كما أنه يعتمد فى بناء كثير من الفصول على عنوان يلفت الانتباه إلى خطأ أو مشكلة كتابية، ثم ينطلق منه لتفكيكها وشرح أثرها فى النص، قبل أن يوسع النقاش إلى مبدأ عام فى الكتابة، فيبدأ على سبيل المثال أحد فصول الكتاب بعبارة: ما المقدمة الملائمة كى ندلف سريعًا فى كتاب مثل ذلك الكتاب الذى نتناول فيه التحرير الأدبى للروايات؟ ثم يشرع من خلال الفصل فى رصد الأخطاء بها، مثل: الحاجة إلى استبدال كلمة ندخل بـ«ندلف»، وهذا بـ«ذلك»، لأن دلف تعنى الدخول شيئًا فشيئًا، وهو ما يناقض معنى سريعًا، كما أن ذلك اسم إشارة للبعيد ولا حاجة لاستخدامه هنا بدلًا من «هذا». هذا البناء يمنح القارئ إحساسًا بأن المؤلف يستمتع فعلًا بعملية التحرير، وأنه ينقل هذا الاستمتاع إلى قارئه.


قبل أن ينتقل علاء فرغلى إلى مناقشة أخطاء الروايات وهناتها، يتوقف عند مفهوم يكاد يكون مشوشًا وأحيانًا غائبًا عن صناعة النشر العربية، وهو «المحرر الأدبى»، إذ يتعرض الكاتب إلى كثير من التصورات الخاطئة المرتبطة به، موضحًا أنه ليس مجرد مراجعة لغوية أو تدقيق إملائى، وإنما هو شراكة إبداعية تهدف إلى الارتقاء بالنص قبل وصوله إلى القارئ. من هذا المنطلق، يعرّف التحرير الأدبى بأنه عملية تستهدف تحرير النص من الركاكة وضعف الأسلوب، وأخطاء الصياغة، واضطراب البناء، وتناقض الأفكار، ورتابة الإيقاع، وتفكك الروابط، وغياب الوحدة الفنية، بحيث يصبح العمل أكثر تماسكًا وقدرة على التعبير عن رؤيته.
يوضح فرغلى أن دور المحرر الأدبى راسخ فى الثقافة الغربية، حتى إن دور نشر كثيرة تستعين بأكثر من محرر للعمل على الكتاب الواحد؛ فهناك من يتولى تطوير النص على المستوى الأسلوبى والفنى، وهناك من يراجع دقة المعلومات التاريخية والعلمية والواقعية، ومن يتحقق من اتساق الشخصيات والأحداث والتفاصيل، بما يضمن للنص أكبر قدر من الإحكام. فى مقابل هذا، لا تحظى المهنة باهتمام كاف أو برؤية واضحة فى السياق العربى، وهو ما يجعل الكثير من الروايات تخرج بعلاتها، التى قد تتعاظم فى أوقات كثيرة، لتجعل العمل مشوشًا وضبابيًا فى مقصده وهدفه.
ويرى أن الحاجة إلى هذا الدور أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى، فى ظل التحول الذى شهدته صناعة النشر. فمع تضخم سوق الكتاب، وازدياد أعداد دور النشر، واتساع فرص النشر الورقى والإلكترونى، صار من الممكن أن تصل إلى القارئ أعمال كثيرة لم تمر بالمراجعة الكافية، وهو ما يجعل وجود المحرر الأدبى ضرورة.
ويفسر فرغلى محدودية الحاجة إلى المحرر الأدبى فى المراحل السابقة من تاريخ الأدب العربى بعدة عوامل؛ فمن جهة، كانت الأجيال المؤسسة تخوض تجارب إبداعية غير مسبوقة، وكان كل إنجاز أدبى يفتح أفقًا جديدًا للكتابة، ومن جهة أخرى، كانت منافذ النشر محدودة، وتخضع لعمليات اختيار ومراجعة صارمة، الأمر الذى جعل النص يمر بمراحل متعددة من الغربلة قبل أن يرى النور.
ما لم يذكره علاء فرغلى فى تبريره للحاجة الراهنة الملحة للمحرر الأدبى مقارنة بالماضى هو أن البيئة الثقافية التى نشأ فيها كتّاب الأمس لم تعد هى نفسها بيئة اليوم. فقد كانت الروافد الفكرية والمعرفية التى نهل منها كتاب مثل طه حسين ونجيب محفوظ واسعة ومتنوعة، تجمع بين رسوخ المعرفة بالتراث العربى والانفتاح على الآداب والفكر الغربى، كما كانت اللغة بالنسبة إليهم أداة راسخة تقوم على معرفة عميقة بأصولها وقوانينها. أما اليوم، فكثيرًا ما يصدر بعض الكتّاب عن تكوين ثقافى غير مكتمل؛ ثقافة لا يجمعها أساس متين، تنعكس على رؤيتهم للعالم كما تنعكس على كتابتهم، فتأتى اللغة مرتبكة، والأفكار مشوشة، والبناء السردى مفتقرًا إلى الصقل.


يتوقف الكتاب، عبر فصوله العشرة، عند عدد كبير من الروايات العربية، غير أن أعمال أحمد مراد تكاد تكون الأكثر حضورًا بين أمثلته؛ إذ يعود إليها مرارًا بوصفها مادة مناسبة لرصد أنواع مختلفة من العثرات السردية. فهو يناقش ما يراه اختلالات فى اختيار المفردات، وضعفًا فى بعض الصياغات والأساليب، كما يقف على قضايا تتعلق بالبناء الروائى، مثل الحشو، والركاكة فى الوصف والتشبيه، والمبالغة فى رسم الشخصيات، والانتقالات المتكلفة بين الأفكار والمشاهد.
يرصد فرغلى نماذج عديدة يرى أنها تكشف خللًا فى تصور أحمد مراد للغة، قوامه الاعتقاد بأن تعقيد العبارة مرادف لعمقها، وأن استبدال الألفاظ الأقل شيوعًا بأخرى مألوفة يمنح النص قيمة أدبية. ويقوده هذا، فى رأيه، إلى اصطناع البلاغة وإقحام تعبيرات لا يقتضيها السياق، فتختلط الدلالة ويضطرب المعنى. ويستشهد بتعبيرات فى رواية «الفيل الأزرق» من قبيل «إفراغ نداء الطبيعة» للحديث عن التبول، رغم أن النداء «لا يُفرّغ». و«أنفث نيكوتينى فى الشوارع» بدلًا من تدخين السجائر، و«يهرس إلحاح الجرس المتواصل»، وهى صورة لا معنى لها. هذه الأمثلة وغيرها من روايات أخرى لمراد يرى الكاتب أنها توظف ألفاظًا قوية فى غير موضعها، لأن دلالاتها المعجمية لا تنسجم مع المقصود. كما يلفت إلى أن الإفراط فى استخدام مفردات فصيحة مثل «دلف» و«رمق» و«مسح» بدلًا من «دخل» و«نظر» و«بحث»، يُعبر عن مشكلة فى فهم الروائى للفروقات بين المترادفات، وهو ما يجعل المعنى غير متسق.
يمتد النقد إلى البنية الأسلوبية، إذ يرى فرغلى أن مراد يقع أسير تراكيب تتكرر بصورة آلية حتى تتحول إلى لازمة أسلوبية، مثل الجمل المنتهية بالحال أو المفاعيل المطلقة: «يحمل اسمى تخليدًا»، و«يهز رأسه تنفيضًا»، و«ضرب كفيه استغرابًا». كما ينتقد تشبيهات وصورًا بلاغية يصفها بالمتكلفة أو الخالية من الإيحاء، مثل تكرار التشبيه بـ«المكواة» فى أكثر من رواية، أو تشبيه القط الذى يتلوى ويتقيأ الدماء بـ«جريح حرب ابتلع لغمًا»، أو وصف رائحة بأنها «نافست إبط إبليس»، وهو ما يعطل فى رأيه تدفق السرد، ويضعف التكثيف، ويفقد اللغة قدرتها على الإدهاش.
كتبتُ ذات يوم، فى معرض حديثى عن إحدى روايات أحمد مراد، أنها تشبه كرة من خيوط التريكو زاهية الألوان؛ جذابة المنظر للوهلة الأولى، لكنها ما إن تُفكَّك حتى يتبين أن خيوطها قصيرة ومتشابكة إلى الحد الذى يجعل من الصعب نسج ثوب متماسك منها، فتغدو وظيفتها أقرب إلى الإمتاع الآنى منها إلى البقاء فى الذاكرة بوصفها عملًا روائيًا مهمًا. لهذا بدا لى الكتاب فى جانب كبير منه وبصورة غير مباشرة أقرب إلى تفكيك ظاهرة أحمد مراد نفسها. فالملاحظات التى يراكمها علاء فرغلى ترسم صورة متكاملة لتجربة روائية نجحت فى تحقيق جماهيرية واسعة، مع أنها تعانى من اختلالات متكررة على مستوى اللغة والبناء والرؤية.


من المسائل المهمة التى يؤكدها فرغلى فى الكتاب، والتى قد تصلح ملاحظة عامة لكثير من الأعمال الروائية، أهمية الابتعاد عن الموعظة المباشرة، فمثل هذه الحِكم والمواعظ التى قد تحضر فى الروايات، وتثير إعجاب بعض القراء، ربما هى تعبيرًا عن فشل الروائى فى تصوير ما يقوله بطريقة مشهدية من خلال تطور الأحداث وسلوك الشخصيات والرسائل الرمزية والإيحاءات، فيلجأ بدلًا من ذلك إلى تلقين القارئ ما يود قوله مباشرة، وهذا الفعل كفيل بإفساد فنية الرواية.
ومن العلل التى يرصدها بكثرة فى أعمال روائية مختلفة بوصفها ظواهر تتكرر فى عدد من الروايات العربية المعاصرة، عدم الدقة فى اختيار المفردة بما يُلائم أبعادها المعجمية والإيحائية والصوتية. هنا ينتقد استعمال أفعال فى غير مواضعها، مثل الحديث عن «احتساء» السجائر أو الشيشة، مع أن الاحتساء يقتضى الشرب على مهل، بينما تُدخَّن السجائر وتُتجرَّع الأدوية والخمر. ويورد فى هذا السياق نماذج من رواية «القداس الأخير» لولاء كمال، كما يتوقف عند عبارات من رواية «أولاد الناس» لريم بسيونى، مثل: «نظر إلى قرة عينيها»، موضحًا أن «قرة العين» ليست جزءًا ماديًا من العين، وإنما كناية عن موضع السرور والبهجة، وهو ما يجعل هذا الاستخدام مضطربًا من الناحية الدلالية.
ويمتد النقد إلى الحشو اللفظى والبلاغى، سواء فى تراكم المترادفات أو فى التشبيهات التى لا تضيف إلى المعنى. ففى رواية «أوراق شمعون المصرى» لأسامة الشاذلى يرصد المؤلف ما يسميه «متلازمة الثنائيات»، إذ تتكرر تراكيب مثل: «فزعًا وهلعًا»، و«خوفًا ورعبًا»، و«الحبور والفرح»، و«الخضوع والمذلة»، وهى تعبيرات يرى أنها تطيل الجملة من دون أن تضيف دلالة جديدة.
يكشف المؤلف، من خلال هذه الأمثلة وغيرها، كيف يمكن للكلمة غير الدقيقة، والتشبيه المتكلف، والحشو الذى يكرر المعنى، والاستعارة الزائفة، أن تضعف إيقاع النص، وتشتت دلالته، وتنتقص من قدرته على الإقناع والإيحاء. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الملاحظات لا تقتصر على ما تقدمه من فائدة للكاتب والقارئ معًا، وإنما تمتد إلى تذكير النقد الأدبى بوظيفة طالما تراجع عنها؛ وهى الكشف عن مواطن الضعف، مثلما يحتفى بمواطن القوة. ومن ثم، فبقدر ما يقدم الكتاب دفاعًا مشروعًا عن مهنة المحرر الأدبى، فإنه يلفت الانتباه أيضًا إلى مساحة مُهملة تستحق الاهتمام فى الممارسة النقدية العربية.







