أنشودة الأرض.. 40 سنة «نازلى مدكور» فى «قاعة الزمالك للفن»
تتمثل أهمية المعارض التشكيلية الاستعادية فى كونها تفتح أمام المتلقى أفقًا واسعًا لتأمل تجربة كاملة فى امتدادها الزمنى والفكرى. فهى تمنح الزائر فرصة لأن يرى ما لا يُرى عادة فى المعارض الأخرى من مسارات متدرجة، وتحولات بطيئة، وانتقالات دقيقة بين مرحلة وأخرى.
ومن خلال ذلك يصبح أكثر قدرة على التقاط الفروق الخفية فى الأسلوب، وعلى إدراك كيف تتبدل اللغة التشكيلية للفنان، ما يجعل الأعمال المعروضة بمثابة علامات على طريق طويل من البحث والتجريب.
من هذا المنظور، تبرز أهمية المعرض الاستعادى «أنشودة الأرض» للفنانة نازلى مدكور، والمقام حاليًا فى قاعة الزمالك للفن، إذ لا يقدم مجرد مختارات من أعمال تمتد لأكثر من أربعة عقود، بل يمثل إعادة صياغة لهذه التجربة، فتتجاور البدايات مع الأعمال الأحدث، وتتداخل المراحل، بما يكشف عن حالة من التحول المستمر.

مسيرة من التجريب
تُعد نازلى مدكور أحد أبرز الأسماء فى الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، إذ جمعت بين دراسة أكاديمية فى الاقتصاد والعلوم السياسية وتكوينٍ فنى حر، ما أتاح لها صياغة تجربة إبداعية خاصة ومتفردة. وقد حازت جائزة الدولة للتفوق فى الفنون لعام ٢٠٢٥، كما كرّمتها السيدة انتصار السيسى خلال احتفالية «المرأة المصرية أيقونة النجاح»، التى نظمها المجلس القومى للمرأة بمناسبة اليوم العالمى للمرأة عام ٢٠٢٦.

وفى تقديمه للمعرض يقول الفنان مصطفى الرزاز إن «شخصية نازلى مدكور الإبداعية تواصلت عبر تجاربها المتعددة، حيث تصدر فى كل من معارضها متغيرًا بنائيًا وفكريًا مختلفًا ليتعايش مع مجمل معالم أسلوبها ومنهجها فى التكوين والتلوين، ومن ثم فإن كل معارضها تترك بصمة مرافقة لنمو تجربتها.. أشواق تشخيصية من البورتريه إلى الفلاحات، إلى النخيل والأشجار وعمائر النوبة ذات القباب، ترتقى كتلًا صخرية، وروح الأمواج والأعاصير، ومشهد الضباب والأفق، وهى الرؤية الوسطية المؤدية إلى مستويات أكثر غموضًا وتجريدية».
ويعد هذا التنوع فى الأسلوب والمنهج سمة مميزة لولع «مدكور» بالتجريب، إذ لا توجد صيغة موحدة تستقر عندها طويلًا، ولا أسلوب يتحول إلى قيد، ففى كل تجربة تفتح الأبواب لتجارب أخرى وآفاق جديدة، ومع ذلك فثمة عناصر تظل متكررة فى مختلف اللوحات وعلى امتداد العقود الأربعة التى شكّلت مسيرة نازلى مدكور التشكيلية، هى بمثابة خيط خفى يربط بين الأعمال عبر مفردات تعود فى صور متعددة، وعلاقة مستمرة بالطبيعة، وهو ما يمنح التجربة قدرتها على الاستمرار دون الوقوع فى التكرار.

بين المعاينة والاستدعاء
تبدو الطبيعة من العناصر الحاضرة على نحو متكرر فى تجربة نازلى مدكور التشكيلية بأساليب مختلفة، فبينما كانت أعمالها الأولى فى فترة الثمانينيات تعاين الطبيعة على نحو يكشف نتاج تأملاتها للمكان، سواء كانت طبيعة زراعية أو صحراوية، جاءت فى أعمال لاحقة بشكل أقرب إلى صور الذاكرة عن المكان، فصارت اللغة التشكيلية أكثر حرية وانطلاقًا. تظهر الطبيعة المصرية فى الأعمال المبكرة لنازلى مدكور فى تصويرها ملامح من الواحات، الصحراء، الريف، تكشف من خلالها عن روح المكان، ليتحول ذلك فى الأعمال التالية من الميل نحو التشخيص إلى التجريد، بما يمثله من إعادة صياغة لرؤية الفنان للعالم وفق إيقاع شعورى خاص، لتظل إشارات الطبيعة من كثبان وصخور ونباتات كامنة تحت السطح اللونى، ولتتراجع التفاصيل المباشرة لصالح الإحساس العام بالطبيعة.

معانقة الخيال
تمثل المرأة عنصرًا حيويًا فى اللوحة التشكيلية عند «مدكور»، فبالنظر إلى المرحلة الثانية من أعمالها الفنية، التى غلب عليها الميل نحو التشخيص، والتى استمرت حتى عام ٢٠١٣، تحتل وجوه النساء موقع البطولة فى اللوحة، وإن كان ذلك بأسلوب فنى خاص يميزها، ففى كثير من اللوحات تندمج المرأة مع الأرض فى درجات لونية متقاربة، وفى لوحات أخرى تبرز بخطوط أساسية تجعلها أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
وفى شكل آخر من أشكال معانقة الخيال، ثمة ركنٍ خاص من المعرض، تتجلى فيه لوحات «ليالى ألف ليلة» المستوحاة من رواية الأديب المصرى نجيب محفوظ، والتى صدرت ترجمتها الإنجليزية عن دار «ليمتد أديشن كلوب» الأمريكية للإصدارات المحدودة. وقد زُيّن هذا العمل، الذى صدر عام ٢٠٠٥ بعدد من اللوحات التى أبدعتها الفنانة نازلى مدكور. فى هذا الجانب، تتجلى شخصيات أسطورية شهيرة مثل شهرزاد وشهريار والسياف وسندباد وغيرهم، مستلهمة روح المنمنمات العربية وأجواء الأساطير والتراث.
أما المرحلة الأحدث فى تجربة نازلى مدكور الفنية فتأخذ مسارًا مختلفًا، فمنذ عام ٢٠٠٩ بدأت فى التوجه نحو رسم الورود والورقيات، معتمدة على ضربات لونية جريئة تمنح العناصر النباتية حضورًا قويًا، وتبرز تفاصيل الأزهار وأحجامها داخل لوحات تتسم باتساع أكبر وحس بصرى أكثر تحررًا.

الإحساس بالمادة
ومن أبرز ملامح المعرض أيضًا تطور العلاقة بالخامة. ففى البدايات كان ثمة حضور كثيف للمواد المستخدمة فى اللوحة مثل رمال، وبردى، وعجائن، بما يجعل العمل أشبه بامتداد مادى للأرض نفسها. لكن بمرور الزمن يحدث تحول تدريجى، فتختفى الخامات الثقيلة، ويُستعاض عنها بملمس يُبنى من داخل اللون لإنتاج إحساس بالمادة. كما أن لوحات المعرض تتسم بالقدرة على احتواء التناقضات، لتجمع بين تكوين هندسى وتدفق لونى حر. وقد تكون العودة إلى ما قاله الناقد العراقى، فاروق يوسف، عن الفنانة نازلى مدكور معبّرًا إلى حد كبير عن تجربتها الفنية، إذ يرى أنها تحررت من الوصفات الجمالية الجاهزة، وأنها تكمل الطريق الذى بدأه أسلافها الانطباعيون، غير أنها تنحرف بالانطباع إلى هدف مختلف وهو ما يؤهلها أن تكون الفنانة العربية الوحيدة التى تنتمى إلى تيار الانطباعية الجديدة، وهو تيار حداثى يكسر الحدود بين التشخيص والتجريد، ذاهبًا إلى ما هو أبعد من المشهد الطبيعى من غير أن يجرده تمامًا، واصفًا الفنانة بأنها تستلهم حريتها من علاقة يقيمها الرسم بالطبيعة هى مزيج من الشغف المجنون بالجمال الطبيعى والرغبة فى أن يتحرر ذلك الجمال من صورته الجاهزة، ليخلص إلى جوهره.







