المهلكة.. تاريخ ثورة يناير فى إقرار رياض المنزلاوى
- جماعة الإخوان المسلمين أُس البلاء والفاعل الرئيسى فيما أتى على البلاد والعباد من فوضى وانهيار ودمار لصالح مشروع تاريخى دموى
- فى عالم السياسة حيث كل شىء يمكن أن يكون ممنوعًا فإن كل شىء يمكن أن يكون ممكنًا ومتاحًا ومباحًا ومستباحًا أيضًا
- الرواية تكشف كيف أن 18 يومًا فى ميدان التحرير أنضجت هؤلاء الشباب العشرينى قبل الأوان واختصرت من أعمارهم سنوات
- كثيرة هى الأحداث التى تمت بالصدفة البحتة فى هذه الثورة
بعيدًا عن أصحاب المصالح الانتهازيين باختلاف فئاتهم فى الداخل والخارج، عاش الشعب المصرى- على اختلاف أجياله- وقائع وأحداث وتوابع ثورة 25 يناير 2011 بنية وطنية خالصة من القلب، الشباب كانوا وقودها وتفاعلوا معها بكل براءة وعنفوان سنهم، فلا يقوم بأى وكل ثورة فى أى وكل زمان ومكان إلا شباب، هكذا علّمنا التاريخ، وجيل الوسط شارك فيها وتفاعل معها بنضج وإيقاع منتصف العمر، أما الكبار والكهول فقد استقبلوها وتفاعلوا معها بحكمة وخلاصة خبرات العمر كله، داعين الله، عز وجل، أن تكون خيرًا لحياة أولادهم ومستقبل أحفادهم، علّها تعوض الأبناء والأحفاد بعضًا مما فات الآباء.
كنت وقتها على مشارف الـ40 ومستقرًا أسريًا ومهنيًا واجتماعيًا إلى حدٍ كبير، أعمل فى وظيفة قيادية بواحد من أكبر مستشفيات البلد الاستثمارية، متزوج ولدىَّ طفلان عمرهما لا يتجاوز 10 سنوات، وبحكم تخصصى فى إدارة وتنمية الموارد البشرية واهتمامى بالشأن العام كنت محاطًا بعدد كبير من الشباب العشرينى فى دائرة عملى وأيضًا خارجها، وعلى الرغم من تحفظى مع غالبية عظمى غيرى من المصريين على منهج توريث السلطة المتصاعد بقوة منذ عام 2005، واستفزاز مشاهده المتواصل والمستمر الواصل لذروته فى انتخابات مجلس الشعب عام 2010، وانتظام فعاليات وتظاهرات مختلف الحركات السياسية فى مواجهته طوال الخمس سنوات فيما بين العامين- فإننى لم أتوقع أبدًا أن تصل بنا الأمور إلى حافة إسقاط النظام بقيام ثورة، ولكن حدث أن قامت بالفعل وفى لمح البصر!.


استعادت ذاكرتى مشهد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ بمجرد أن قرأت إقرار محمود رياض المنزلاوى، أستاذ علم الاجتماع السياسى بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والموقّع منه مساء ١١ فبراير ٢٠١١، أى مساء يوم تنحى الرئيس محمد حسنى مبارك عن السلطة بعد ١٨ يومًا ثورة فاضت من ميدان التحرير وامتدت على طول البلاد وعرضها.
الإقرار جاء بمثابة تمهيد يخطف به محمد الباز قارئ روايته «المهلكة»، الصادرة عن «منشورات بتانة»، من أول صفحة، بل ويأسره بشغف معرفة مصير ١٠ من شباب ثورة يناير التقى بهم «المنزلاوى» بميدان التحرير مساء اليوم التالى لجمعة الغضب، نقطة التحول نحو إسقاط نظام مبارك.. اقرأ معى إقرار محمود رياض المنزلاوى:
«أقر وأعترف أن هذه الشهادات التى جمعتها من عشرة شباب ممن شاركوا فى ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ صحيحة تمامًا، وقد بادروا إلى كتابتها من تلقاء أنفسهم دون ضغط أو توجيه، اللهم إلا اتفاقًا شفهيًا بينى وبينهم دون إلزام منى أو إذعان منهم، ولم يطرأ عليها أى حذف أو إضافة، أو تدخل لإعادة صياغات، أو ترتيب فقرات، أو تقديم أو تأخير فى الأفكار، فقد حرصت على أن تكون بحالتها التى وصلتنى بها، ولولا خشية العيب وحرج المؤاخذة لتركت الأخطاء الإملائية والنحوية كما وردت فيها، فهى وثائق هذا الزمان الحقيقية.
وأقر وأعترف أن حرصى الشديد على نشر هذه الشهادات فى كتاب يأتى نزولًا على اتفاق تم بينى وبينهم فى بيتى، بعد أن تعرفت عليهم بداية من يوم السبت ٢٩ يناير ٢٠١١ فى ميدان التحرير وفى الأيام التى تلته، وتوقف دورى فقط على تقديم ما كتبوه للقراء، على أن يكون لى الحق بعد ذلك فى استخدامه كمادة خام لدراساتى وأبحاثى ومقالاتى وأحاديثى الصحفية والتليفزيونية.
وأقر وأعترف أن أسماء أصحاب بعض هذه الشهادات حقيقية، وبعضها مستعار بناءً على طلب من دوّنوها، أنا أحتفظ بالأسماء الحقيقية بالطبع، لكنى لن أفصح عنها، فمعرفة أصحاب هذه التجارب الحقيقية لن يفيد بشىء، ولن يغير ما جرى لهم أو عليهم، فقد فات أوان اللحاق بهم على طريقٍ كلٌ منهم اختار أن يسلكه على حِدَة.
وأقر وأعترف أننى لم أستغل هؤلاء الشباب لكسب رهانى مع نفسى، صحيح أننى خططت لشىء من ذلك، لكنه لم يكن هدفى الوحيد أو الأساسى، كنت أعرف إلى أين ستقودهم مصائرهم، ليس لأننى- لا سمح الله- كنت أعرف الغيب أو اطلعت عليه، ولكن لأن الصورة كانت واضحة، إلا أنهم اعتقدوا أنهم يمكن أن ينجوا بأنفسهم من المهلكة التى كنت أعرف أنها ستبتلع الجميع.. وهو ما حدث».


يرسم لك الإقرار إذن خريطة الرواية أيضًا، الأشخاص بالأساس هم محور أحداثها، محمود المنزلاوى والشباب العشرة، والحدوتة ملخصها شهادات هؤلاء الشباب حول ثورة يناير ٢٠١١، كيف تفاعلوا معها من القلب تشخيصًا لآمالهم، وكيف خرجوا منها بشىء من العقل احتواءً لآلامهم، أو بمعنى أدق كيف أنضجهم غليان الحدث على وجه السرعة دون الحاجة لانتظار إيقاع نار الحياة الهادئة. ولم يكن «المنزلاوى» بينهم إلا نقطة ارتكاز جيل الوسط المتفاعل مع ثورة يناير بنضج وإيقاع منتصف العمر، والرابط بين الشباب العشرة فى شهاداتهم على اختلاف خلفياتهم السياسية والاجتماعية وأيضًا دوافعهم وأحلامهم وطموحاتهم، لتكتشف على امتداد فصول الرواية الـ١٢، تبدأ وتنتهى بشهادتىّ محمود المنزلاوى قبل وبعد، وفيما بينهما تنصت لشهادة كل شاب من الشباب العشرة، أو قُل خلاصة سيرته مع ثورة يناير، وتعيش معهم بإحساسك وخيالك، لتكتشف كيف أن ١٨ يومًا فى ميدان التحرير أنضجت هؤلاء الشباب العشرينى قبل الأوان، واختصرت من أعمارهم سنوات.
فى شهادته الأولى، وعلى طريقة لعبة «البازل» الشهيرة، يشكل الروائى محمد الباز، على لسان بطله الرئيسى محمود المنزلاوى، لوحة بانورامية لمشهد مقدمات الثورة، تلامس موقعها فى وجدانك وتراها شاخصة أمامك، فلا تزيدك إلا تطلعًا لمعرفة مصير الشباب العشرة، فمصير الثورة كلنا يعرفه منذ سنوات، بينما مصير تعافى أو استسلام أو إحباط أو انهيار العديد من شبابها لا يزال مجهولًا ونكتشفه مع الوقت.
يقول محمود المنزلاوى:
«تعرفت على هؤلاء الشباب بالصدفة البحتة. كثيرة هى الأحداث التى تمت بالصدفة البحتة فى هذه الثورة، فالثورة كما الحياة ندخلها دون أن نعرف شيئًا عما ينتظرنا فيها.
مقدمات الأحداث كانت تنذر بثورة كبيرة، قدرت ذلك بما رصدته عبر شبكات التواصل الاجتماعى، قرأت منشورات عديدة لشباب تحرّض على النزول والتظاهر ضد النظام، واستمعت لفيديوهات يتبنى فيها شباب وفتيات الدعوة إلى حشد الجميع، واعتبروا ذلك الفرصة الأخيرة- كما قالوا- للخلاص من الظلم والاستبداد.
بخبرتى العلمية استشعرت أن استهانة النظام بما ينتويه الشباب نذير شؤم كبير وخطر قادم، خاصة بعد ما جرى فى تونس من هروب الرئيس زين العابدين بن على بعد المظاهرات التى اندلعت ضده، ظل يقاوم لكنه فى لحظة واحدة تبخر كأنه لم يكن هناك أبدًا، تاركًا خلفه شعبًا يواجه مصيرًا غائمًا ومستقبلًا غامضًا، وواقعًا تحكمه الفوضى ويسيطر عليه الخراب.
وقف مواطن تونسى يصرخ فى الشارع: بن على هرب.. بن على هرب!
اعتبرت أن ما قاله ليس كلمة وداع يقولها مواطن تونسى يشيع بها نظام زين العابدين، ولكنها مثل الحجر الذى ألقته الشعوب على سد السلطة المنيع، وسرعان ما سينهار فى دول أخرى، لكن الصحف المصرية القومية والخاصة وبعض الحزبية أيضًا هوّنت مما جرى معلنة شعارها الذى رأيت أنه هزيل وهزلى: مصر ليست تونس!.. فلا شىء عصيًا على الشعوب إذا قررت، ولا شىء يمكن أن يعوقها عن قرارها إذا أرادت، لكن لا أحد يتعلم.
تساءلت بينى وبين نفسى: ما الذى يجعل مصر ليست تونس؟.. وهل كان أحد يصدق أن ما جرى هناك يمكن أن يحدث من الأساس؟.
فى عالم السياسة حيث كل شىء يمكن أن يكون ممنوعًا، فإن كل شىء يمكن أن يكون ممكنًا ومتاحًا ومباحًا ومستباحًا أيضًا».
ثم يواصل «المنزلاوى»، أو «الباز»، استكمال تفاصيل المشهد التمهيدى لثورة يناير، ليس فقط ماذا حدث ليلتها، وإنما أيضًا تتابع الأحداث وتأثيراتها لسنوات طويلة قبلها، وفى الذروة مشهد «خليهم يتسلوا» الشهير عقب انتخابات مجلس الشعب ٢٠١٠.


هم ١٠ نماذج ينتمون لشرائح مختلفة من المجتمع المصرى، ويمثلون أيضًا- مفعولًا بهم- مختلف التيارات صانعة الألعاب فى وقائع وأحداث ثورة يناير، فقط يجمعهم براءة الحلم وصدمة الواقع ونضج التجربة وخلاصة خبرة أيام جمعتهم معًا فى ميدان التحرير.
ماجدة عزالعرب، بنت أسرة متوسطة بالصعيد الجوانى، هاربة من أب خضع لأفكار جماعة «التبليغ والدعوة» وما تفرضه عليها من قيود الروح والجسد، وقشة التمرد كانت توابع ليلة زفافها: «لم يكن فى حياتى أى ملامح لقدرة على التمرد، لكننى قررت فى هذه اللحظة أن أحصل على كل حقى فى الدنيا من الغضب لنفسى، والعبور فوق ترددى وضعفى».
اختارت القاهرة حيث يقيم أحد أخوالها، ولأنها لا تعلم عنه سوى أنه يعمل فى جامعة القاهرة قررت أن تذهب إليه هناك، ولكن اليوم جمعة، فمن الجامعة على قدميها إلى منطقة وسط البلد: «لم تكن لدى خبرة أو معرفة بها، ولا بما يحدث فيها، لكن وسط المدينة فى كل بلد هو قلبها، وحتى تعيش لا بد أن تبقى بجوار القلب».
عبدالرحمن الرشيدى، ابن الإسكندرية، والده بائع صحف ومجلات وكتب، لم يسلم من أذى الجماعة السلفية بالإسكندرية، ضيقوا عليه فى أكل عيشه، عليه أن يبيع فقط الكتب الدينية وإلا سيحرقون المكتبة، استسلم الأب وسلّم الشيخ سامى إدريس كل محتويات المكتبة من غير الكتب الدينية، وفى رسالة واضحة للجميع، أشعل شباب الجماعة السلفية النيران فيها: «رأيت دموع أبى وهو يتابع الشرر المتطاير من حريق الكتب، كان يتحسر وكأن الحريق نشب فى قلبه».
اهتزت صورة الأب فى عين ولده، فقرر «عبدالرحمن» أن يكون تابعًا للشيخ سامى إدريس، قضى عشر سنوات كاملة فى حضانة الجماعة السلفية بالإسكندرية، فلما شاهد المجتمع المصرى يفور فى مواجهة توريث السلطة ندهته نداهة التمرد، وكانت شرارته موت زميله فى الجماعة سيد هلال كمدًا على أيدى شيوخ السلفية بعد انضمامه لحركة «شباب العدل والمساواة» الداعية إلى الخروج فى مظاهرات حاشدة ضد «الداخلية» فى ذكرى عيد الشرطة، بينما الجماعة السلفية تهادن وتحظر الخروج على الحاكم!
رضا خليل، شاب ملحد، سلطة أبيه المطلقة عليه دفعته إلى الخروج على أى وكل سلطة، حتى سلطة الله، سبحانه وتعالى: «كنت أبحث عن تمرد أكبر عليه، عن اختلاف حقيقى يصبح علامة على أننى كائن مستقل عن هذا المستبد الكبير، فملت إلى أن أكون ملحدًا».
قد يقبل المجتمع المصرى أى وكل تمرد، بل ويتفاعل معه ويحتويه على طريقته، إلا بالقطع الإلحاد، تَقبّله يتطلب تغييرًا جذريًا فى المجتمع، عاصفة تقتلعه من جذوره، أو ثورة تقيم الأرض ولا تقعدها إلا وجميع فئاته على اختلاف أشكال تمردها تعيش حريتها واقعًا ملموسًا دون أى قلق أو خوف، ولم تكن كلمات الكاتب الصحفى يوسف منصور حينما قصده «رضا» يوم طرده أبوه من بيته دون رجعة إلا دافعًا نحو الميدان: «لست أول ملحد بالمناسبة أقابله، خلال الشهور الأخيرة جاءنى ملحدون آخرون، فى الغالب أنتم لا تعرفون بعضكم البعض، المجتمع لن يمنحكم شرعية رغم أنه يعرف أنكم أصبحتم أكثر مما يتوقع، لكن اطمئنوا، الحراك الذى يحدث فى مصر الآن سيعطيكم فرصة ذهبية، لو نجحت الثورة التى يدعون إليها الآن ستتمكنون من الإعلان عن أنفسكم، لكن المشكلة فيما ستقابلونه بعد ذلك، هل سيتسامح معكم الناس أم ينقضون عليكم؟.. هل يمنحونكم المساحة التى تبحثون عنها أم يطبقون على ضلوعكم فيكسرونها ويحطمونها تحطيمًا؟.. علم ذلك عند ربى».
كان «رضا» يتابع مقالات الكاتب الصحفى يوسف منصور نحو خمس سنوات قبل أن يلتقيه، شده خطه الواضح فى نقد التراث الدينى الإسلامى، بينما أعلنها «منصور» صراحةً بعدما استقبله واستمع إليه: «على فكرة يا أستاذ رضا.. أنا لست ملحدًا ولن أكون».
خديجة عبدالحميد، هكذا قدمت نفسها فى الرواية:
«لم أتخيل أبدًا أن أكون واحدة ممن ينزلون إلى ميدان التحرير للهتاف ضد مبارك ونظامه، فأنا ابنة هذا النظام، وُلِدت فيه، وتربيت فى بيت واحد من رموزه، وحصلت على كل المزايا التى عشت بها لأننى بالأساس نبت من غرسه، فكيف بعد كل ذلك أتظاهر ضده وأطالب برحيله الآن وليس غدًا؟!
عمرى لحظة نزولى الميدان كان ٢٤ عامًا، وُلِدت بعد ست سنوات فقط من حلف مبارك اليمين، وكان أبى وقتها واحدًا من رجالات الحزب الوطنى، واصل صعوده حتى أصبح وزيرًا من الوزراء الذين تمسكوا بالكرسى لم يغادروه حتى اليوم الذى قامت فيه الثورة، وأطاح مبارك بوزارة أحمد نظيف كأول كبش فداء ذبحه تحت أقدام المتظاهرين، علّه ينجو بنفسه، لكنه لم يفطن إلى أن الوقت فات، فقد خرج السهم من القوس إلى مرماه.
ولأننى كنت وجهًا معروفًا بعد أن أصبحت بطلة للصحف الخاصة تخوض فى عرضى وتتلصص على حكاية طلاقى السريع، فقد اخترت أن أنزل الميدان منتقبة، فقد خشيت أن أتعرض لرفض من المتظاهرين بعد أن أعلنت تمردى على أبى وغضبى عليه، وهو ما جعله يطردنى من رحمته بغير رجعة».
سيد محمود قاسم، ابن المنصورة، الطامح لأن يكون سفيرًا أو وزيرًا عبر بوابة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رغم أن والده عاش الحياة بهدوء وبساطة، وعلّمه أن يفعل ذلك، بعدما آمن بالسير داخل الحائط وليس بجانبه، وهو الحاصل بالكاد على دبلوم الزراعة فى مطلع السبعينيات: «سفير أو وزير؟!.. وهل تركوا شيئًا من هذا لأبناء الله الفقراء؟!.. هذا البلد بلدهم ونحن فيه مجرد ضيوف».
التحق «سيد» بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية خريف عام ٢٠٠٦، وفيها اختار القرب من أصحاب النفوذ داخل الكلية وخارجها أملًا فى الوصول إلى أعلى المراتب، فالتقطه الدكتور تحسين كمال، المستشار السياسى لأمين لجنة السياسات بالحزب الوطنى، ومنظّر مشروع جمال مبارك فى كتابه «النيوليبرالية المصرية» حيث بشّر به رئيسًا محتملًا فى اليوم التالى لصدوره مباشرة، ألحقه «تحسين» بأمانة الشباب فى الحزب الوطنى، حيث التقى وتعارف على كبار رموزه ومنهم أحمد عز، أمين عام الحزب فيما بعد.
لكن تمضى الرياح بما لا تشتهى السفن، أو على حد قول سيد محمود قاسم: «عندما اقتربت احترقت».


أسمعك تسأل عنه، الإخوانى، ٥ شباب على اختلاف توجهاتهم حتى الآن ولم تأتِ سيرته، رغم أنهم- جماعة الإخوان المسلمين- أُس البلاء، والفاعل الرئيسى فيما أتى على البلاد والعباد من فوضى وانهيار ودمار لصالح مشروع تاريخى دموى لا يزول حتى يلبث أن يعود- كالشيطان- فى طورٍ جديد!
إنه هو، عمر أبوالعلا، المولود فى دمياط لأب إخوانى حتى النخاع، أورث «عمر» حب الجماعة حتى صار أسيرًا لها. عن مكانة الجماعة فى وجدانه وعقله يقول: «كانت بالنسبة إلى القِبلة التى لا أحوّل وجهى عنها أينما توليت، كانت دينى ومعتقدى وعرضى وشرفى وأهلى دون أهلى.. حتى دون أبى نفسه، كنت أعرف فى نفسى أنهم لو خيّرونى بين أبى وبينها، لاخترتها راضيًا قانعًا مقتنعًا راغبًا بذلك فى الجزاء الأوفى».
خرج «عمر» أول ما خرج على منهج الجماعة حينما التحق بكلية الإعلام، يفضلون دائمًا لشبابهم الالتحاق بكليات التربية، ضمانًا لاختراق منظومة التربية والتعليم، والعمل من خلالها على استقطاب طلابها فى مختلف المراحل السنية وهم بعد فى سنوات التكوين.
ثم التحق متدربًا بموقع «إسلام أونلاين» ليكتشف تباعًا تناقضات جماعة الإخوان المسلمين، وانتهازيتها السياسية، وصفقاتها مع نظام مبارك، حتى بعدما أصبح آيلًا للسقوط، وكانت ذروة صدمته والنقطة الفاصلة فيما بينه وبين الجماعة بيانها صباح ٢٩ يناير: «أصدر مكتب الإرشاد بيانًا طالب فيه بتشكيل حكومة ائتلافية لا يشارك فيها الحزب الوطنى، وإلغاء قانون الطوارئ، وحل مجلسى الشعب والشورى، ولم يتطرق من قريب أو بعيد إلى ما يطالب به المتظاهرون من رحيل الرئيس وإسقاط النظام، لم يشيروا إلى المتظاهرين، لم يلتفتوا لهم، لم يتبنوا مطالبهم برحيل النظام، فيبدو أنهم كانوا يقدسون مبارك حتى هذه اللحظة كما يقدسون المرشد. اعتبرت البيان خيانة للثورة، ويجب ألا أستمر ولو بالتعاطف مع من يخون».
يستطرد: «شعرت بأننى حر طليق عندما قررت أن ألقى بنفسى وسط الآلاف من المعتصمين فى الميدان، بعيدًا عن أرض الجماعة التى خذلتنى أكثر من مرة، قررت أن أكون مواطنًا مستقلًا، لا أنتظر شيئًا من تنظيم، أو أتوقع دعمًا من قيادات.. فقد بدت الجماعة أمامى انتهازية تمسك العصا من المنتصف فى لحظة يجب ألا يكون فيها إلا الحسم لغةً وقرارًا».
مينا نجيب غبريال، مسيحى حاول أن يكون متدينًا وفشل، لكنه إنسان طوال الوقت، يسعى إلى ما يسعى إليه الإنسان من حياة تليق به، لا يُهان ولا يُذل ولا تتبعثر كرامته بلا داعٍ.. وحتى لو كان هناك داعٍ فلا بد أن يظل مُحترمًا ومُصانًا.
شاب مصرى بسيط ومكافح، يجتهد من أجل الحياة وفقط، التحق بكلية الهندسة عام ٢٠٠٤، وفى العام نفسه دخل الدوامة، وخرج منها إلى دوامة أكبر على حد تعبيره، ولم تكن الدوامة إلا المظاهرات التى انفجرت بقيادة الشباب المسيحى احتجاجًا على إسلام السيدة وفاء قسطنطين، زوجة كاهن أبوالمطامير بالبحيرة، واختفائها:
«كان غضب الشباب مستفزًا بالنسبة لى، قالوا إن صديقها المسلم أجبرها على دخول الإسلام وتزوجها، تحدثوا عن خطة يقودها المسلمون لأسلمة المسيحيات، اعتبروا أن وفاء قسطنطين رمز وليست سيدة مسيحية عابرة، فهى زوجة كاهن، وإذا كان هذا يحدث معها، فما الذى يمكن أن يحدث مع بنات المسيحيات العاديات.
تركت المظاهرات ورائى وعدت إلى البيت لأجد أمى تبكى، وقفت أمام صورة العدرا التى كانت تعلقها فوق سريرها تشكو ما جرى للست وفاء، وترجوها أن تتدخل ببركتها لتفك أسرها. وقفت إلى جانبها صامتًا، حتى انتهت، فقلت لها: لماذا تورطين العدرا فى أمر من صنع أيدينا؟!.. نظرت لى بغضب: كيف تتحدث عن العدرا بهذه الطريقة؟!.. بركتها قادرة على أن تنقذ العالم كله.. ولو مدت يدها إلينا لعادت السيدة وفاء إلى بيتها فى لمح البصر.
قلت لها: العدرا لن تتدخل.. والسيدة وفاء لن تعود».
عاش مينا نجيب غبريال لا مباليًا، وهو يرى أوضاع الكنيسة قلقة ومتوترة، والأحداث الطائفية لا تتوقف، والمشاحنات بين الكنيسة والدولة لا تنتهى حتى تعود من جديد، بعدما تعامل البابا شنودة وكأنه رئيس جمهورية الأقباط، رأه «مينا» دائمًا صراع كبار على حساب الفقراء الضعفاء أمثاله، حتى نفض عن نفسه غبار اللا مبالاة ليلة رأس سنة ٢٠١١، وقتها كان فى الإسكندرية، قريبًا من كنيسة القديسين عندما وقع فيها الانفجار.
يحكى «مينا» من جديد: «شاركت فى كل المظاهرات التى خرج فيها المسيحيون، والحقيقة أن مسلمين كثيرين شاركوا فيها أيضًا لنطالب بحق شهداء القديسين، وجدت نفسى أهتف مع من هتفوا: حسنى مبارك يا طيار.. قلب القبطى مولع نار، رغم أننى كنت أعرف أن المشكلة ليست فى مبارك وحده، ولكنها فى المجتمع كله الذى يقف وراء حالة اضطهاد لا تنتهى لكل ما هو مسيحى.
لم يكن صعبًا علىّ أن أشارك فى مظاهرات ٢٥ يناير، بل وأصبحت واحدًا من أبناء الثورة الذين اقتحموا الميدان مع الثائرين فى ٢٨ يناير، ليعلنوا السيطرة على ميدان التحرير، لم أفعل ذلك من أجل الوطن، فعلته من أجل الأشلاء التى رأيتها أمامى ولا تفارق صورتها خيالى أو تتركنى أهنأ فى منامى».
ولم تكن ثورة يناير إلا الدوامة الكبرى فى حياة «مينا».
مجدى داود، شاب فضّل الصحافة على المحاماة، والتحق عبر صديق له بصحيفة القرار الأسبوعية، والتى كانت رأس الحربة فى معارضة نظام مبارك. بادر «مجدى» فى بداية شهادته باعتراف: «سرت خلفه على أمل أن ينقذنى.. فإذا بى أمام وهمٍ كبير. هذه خلاصة تجربتى، وخلاصتى التى لم أصل إليها إلا بعد أن أصبحت أشلاءً متناثرة على قارعة روحى يا دكتور منزلاوى».
ولكن ما الدافع؟.. يجيب «مجدى» فى شهادته للدكتور المنزلاوى: «استلم مبارك مصر دولة، وتحولت على يديه إلى غابة، القوى فيها يسحق الضعيف، صنع منى ما رأيت، كائنًا ناقمًا وغاضبًا، بحثت عمن يحتوى غضبى، حاولت الانضمام إلى حركات الاحتجاج التى أصبحت بلا عدد، لكننى فشلت، فقد كان ما يفعلونه مجرد صراخ فى الهواء، اخترت الصحافة لأنها كانت الطريق الوحيد للتعبير عن غضبى».
وكان مجدى داود قد تعرف على الوجه المظلم للمجتمع طوال عامين عمل فيهما متدربًا بالمحاماة، تورط خلالهما فى المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة، ورأه مجتمعًا مظلومًا، الناس فيه يعيشون لأنه لم تكن لديهم فرصة للموت: «تشعر وأنت تتحرك فى المحاكم أن البلد بلا حاكم، الكل يأكل فى الكل، والكل يجور على الكل».
أما الوهم الكبير فى تجربته فليس إلا الدكتور محمد البرادعى، والحقيقة أنه كان وهمًا كبيرًا فى تفاعل شرائح كبرى من المصريين مع مقدمات ثورة يناير وأيامها الـ١٨ فى ميدان التحرير، ولكن الوهم الكبير سرعان ما تكشف مع هروب «البرادعى» خارج البلاد بالتزامن مع تنحى مبارك صباح ١١ فبراير ٢٠١١، فلم يكن محمد البرادعى بديلًا بأى حال من الأحوال وفى أى وقت!
سارة أبوالمجد، كانت أكثر المتحمسين لفكرة الدكتور محمود رياض المنزلاوى، بنت أسرة متوسطة، خريجة معهد السينما قسم إخراج، التحقت بإحدى شركات الإنتاج السينمائى بعدما تحمس لها صاحب الشركة، أمها هى كل حياتها بعدما عاشت يتيمة أب لم تره، علّمتها كل شىء إلا التمرد، تعلّمته سارة من واقع أزمتها مع مباحث أمن الدولة:
«كان مشروع تخرجى فى المعهد فيلمًا روائيًا قصيرًا عنوانه (أمى رئيسة جمهورية). كانت أمى هى بطلته، تمنعت فى البداية، لكنها قبلت أن تشاركنى، كتبت سيناريو قصيرًا عن موظفة يضطهدها مديرها، تطرق كل الأبواب بحثًا عمن ينصفها، لكنها تجد كل النوافذ مغلقة فى وجهها، فتقرر أن ترشح نفسها لرئاسة الجمهورية حتى تأخذ حقها، وعندما تعلن عن رغبتها يلاحقها الجميع، ويتحالفون ضدها، حتى يدخلوها مستشفى الأمراض العقلية، فليس معقولًا أن تفكر امرأة فى أن تكون رئيسة.. ثم إنها مجرد موظفة لم تعمل فى السياسة ولم تنضم لحزب، وأهم من ذلك أنه لا يعرفها أحد.
رغم إعجاب الجميع بالفيلم، إلا أننى وجدت من يستدعينى إلى مباحث أمن الدولة للتحقيق معى، كدت أن أذهب وراء الشمس، فقد اعتبر المحقق فيلمى رسالة تحريضية ضد قيم المجتمع ومبادئه.. سألنى عمّن يمولنى؟.. ومن يقف ورائى؟.. ومن أوحى لى بفكرة الفيلم؟.. استدعى أمى ليعرف منها ميولى، وبمن أتصل، وهل لى نشاط خفى لا يعرفه أحد.
كادت أمى أن تموت حرفيًا وهى تجلس إلى جوارى فى غرفة التحقيق، ولولا تدخل صاحب شركة الإنتاج ولجوءه إلى مسئولين كبار يعرفهم، لم نكن لنرى النور مرة أخرى».
الشاب العاشر والأخير هو طارق أبواليزيد، عاشق الحرية، والخائف منها فى نفس الوقت، يدفع فى مقدمة شهادته بأزمته الكبرى مع مجتمعه، بعيدًا عن خلفياته الشخصية والاجتماعية والسياسية المعتادة كما الآخرين من الشباب العشرة أو حتى الشباب بشكل عام.
هو باختصار «مثلى».. الكلمة المهذبة لـ«شاذ جنسيًا».. والأكثر تهذيبًا لكلمة شعبية أنت تعرفها جيدًا.. على حد تعبيره مخاطبًا الدكتور المنزلاوى.. «طارق» عمره ٢٨ عامًا وكان متهمًا قبل اندلاع الثورة بعشر سنوات ضمن ٥٥ متهمًا فى القضية المشهورة باسم «تنظيم قوم لوط».. وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.
لم يكن «طارق» فى الأصل مثليًا، ولكنه وقع ضحية المهندس شريف عزت، غواه «شريف»- الأكبر منه بنحو ١٥ عامًا- برواية أنه رأى الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى المنام، وبشّره بظهور الغلام الكردى المرتقب فى ٢٠١١ بجنوب لبنان، وأن هذا الغلام سيقوم بالانتقام من أرباب الشرائع السماوية لأنهم انحرفوا عنها، وجعلوا منها سببًا للحروب وسفك الدماء بين البشر، وبعد أن ينتهى منهم سيأتى إلى مصر ليؤسس «وكالة الله رب الجنود»، وقد كلف «شريف» بجمع هؤلاء الجنود من الآن انتظارًا لمجيئه.
يحكى «طارق»: «أطعته دون تفكير، كنت مسحورًا به، وقد أكون أردت الهروب من حياتى المملة الكئيبة إلى مغامرة من نوع مختلف، وجدت فيه مقصدى الذى ساقته لى أقدارى التى كنت أشعر أنها لن تكون رحيمةً بى أبدًا».
تعافى «طارق» فى سنوات سجنه من مثليته، وبعد خروجه اجتهد فى استعادة زمام حياته، بعدما فشل فى العثور على أهله، تبرأوا منه وهجروا بيتهم فى شارع البحر الأعظم، رحب به صاحب دار نشر فى وسط البلد، ألحقه بالعمل وشجعه على استكمال دراسته الجامعية، أحرز تقدمًا ملموسًا فى حياته الجامعية والعملية، ودفعه حنينه إلى شريف عزت وفشله فى العثور عليه إلى دراسة المثلية وأسبابها وتاريخها، بالتزامن مع تردده على الدكتور سعيد كامل، الطبيب النفسى المشهور بدفاعه عن الشواذ: «رسخ فى يقينى أننى لن أكون مثليًا بعد ذلك، لكننى قررت أن أدافع عن المثليين، كنت أرى أنه من حقهم أن يمارسوا الحياة كما خلقهم الله».

يعود الدكتور محمود رياض المنزلاوى مجددًا فى ختام أحداث الرواية، أو فى نهاية شهادات الشباب العشرة، ليشهد عليهم هذه المرة بعدما قرأ بإمعان تفاصيل شهاداتهم، بل وأعاد صياغتها باعترافه:
«كانوا كتلة من الحماس والتفاؤل والرغبة فى التغيير، فثورتهم بالنسبة لهم كانت حقيقية، خرجوا من بيوتهم جميعًا لتغيير ما اعتقدوا أنه مصادرة لمستقبلهم، واعتقدوا أنهم يمكن أن يصنعوا أيامهم كما يريدون. خطؤهم فيما أعتقد أنهم تخيلوا أنهم يعيشون وحدهم فى هذه الحياة.. تجاهلوا أن هناك من يريد أن يعود بهم إلى نقطة الصفر.. فشركاء الحياة ليسوا على وفاق أبدًا ولن يكونوا».
فى حفل توقيع رواية «المهلكة» ثارت جدلية الوصف والتأطير فيما بين ضيفى الحفل المتحدثين، الناقد الدكتور هيثم الحاج على، والناقد الدكتور يسرى عبدالله، وبين ضيوف الحفل الحاضرين، الانشغال المعتاد فى القراءات النقدية بتصنيف الرواية وإطارها.. واقعية أم تاريخية؟.. وإلى أى حد صادفت معايير الرواية الفنية؟.. وكان مؤلف الرواية محمد الباز فى تعقيبه كعادته متسقًا مع نفسه إلى حدٍ كبير، مؤكدًا أن الكتابة عنده هى الأساس بصرف النظر عن القالب، هو لا ينفى أهمية المقومات الفنية، ولكنه يمنح المضمون الأولوية دائمًا، خاصةً أنه عاش كواليس ما يكتب عنه فى هذه الرواية.
من جانبى قرأت الرواية بحماسى المعهود لمشروع محمد الباز فى مجمله، ولم أجده فيها إلا كما أعرفه، كتابة عذبة سلسة تسحبك بهدوء فى القراءة حد الغرق فلا تشعر بالوقت، أفكار صادمة يستهدف بها تنشيط عقل القارئ دائمًا، اشتباك لا يحيد عنه طالما أصبح اختيارًا، إيقاع سريع لاهث لا تشعر معه بأى ملل رغم مقاربة الرواية حد ٤٠٠ صفحة، ونجاح ملحوظ فى رصد آلام المجتمع المصرى من خلال اختيار نماذج الشباب العشرة ورسم ملامح شخصياتهم واستعراض خلفياتهم الاجتماعية ودوافعهم نحو المشاركة فى أحداث ثورة يناير ٢٠١١، وأيضًا تحليل إخفاقهم الجمعى فى الحياة والثورة معًا.
وأخيرًا لا تزال الصورة الذهنية السائدة عن محمد الباز، صحفيًا وسياسيًا، تظلم موهبته الثرية وثقافته الموسوعية واجتهاده المتواصل وإبداعه المتنوع المختلف وإنتاجه الكبير.