الثلاثاء 28 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

«الكاتب الإله».. والتمرد السردى.. موت الكاتب فى «برتقالة وشوكة وسكّين»

حرف

هل أخبرك أحدهم يومًا أن الكاتب الإبداعى يقوم داخل النص بدور إله صغير؟ يخلق الشخصيات، ويرسم مصائرها، معتقدًا أن الحبكة قدرها وأن إرادته لا يمكن إيقافها. يبدأ الأمر بخلق دمى متحركة، ثم يبث فيها الكاتب من روح قلمه وخياله، يلوّن أعينها ويخرج صوتها من جوفها، ثم يضعها فى مكانها المناسب، حيث يرسم محيطها بكل دقة ويجعلها تتحرك وتتصرف وفقًا لحبكته التى خطّها فى مسودّته.

غير أن تمرد الشخصيات، ولا سيما الشخصية الثانوية، يكشف عن أن هذه السلطة السردية غير مطلقة، وأن الشخصيات قد تستقوى على كاتبها وتضع قلمه تحت أمرها. ففى كثير من الأحيان وفى منتصف الطريق، يكتشف الكاتب أنه لم تعد لديه السيطرة الكاملة على مخلوقاته الصغيرة، فقد تكتسب إرادة مستقلة وتتمرد على مسودته وتتصرف وفقًا لرغباتها وتأتى بأفعال غير التى رسمها على الورق. 

هذا التمرد هو ما نجده متجليًا فى قصة الكاتب المصرى مجدى نصّار «برتقالة وشوكة وسكّين» ضمن مجموعته القصصية «نظرية حسن مرعينيو». حيث يجد الكاتب، وهو شخصية الراوى، نفسه بين شخصيات حية لم تعد تلك الدمى التى يحركها بقلمه وخياله، معبّرًا عن هذا القلق طوال السردية مثل أن يقول فى مرة من المرات: «قد تُفسد منال حبكتى برغباتها هذه». وهنا تأتى فكرة الميتاسرد «Metafiction»، حيث يكون فعل الكتابة نفسه موضوعًا للحكاية، وكأن الكاتب مجدى نصار نفسه وضع نفسه ضمن شخصيات الحكاية. القصة من السطور الأولى تكشف كواليس الكتابة: رسم الكاتب شخصياته، بث الروح فى أجسادها، انتقالها من عالم الجماد إلى الحياة، وتتوالى الأحداث حتى تتمرد على صانعها. يظهر الراوى فى البداية بوصفه «مؤلفًا» برتبة «إله»، يمنح الشخصيات وجودها ويظن أن الحبكة قدرٌ لا فكاك منه، غير أن حركة الشخصيات داخل النص تكشف هشاشة هذه الألوهية السردية، إذ يتحول المؤلف الإله من مصدر للسلطة إلى أسير للبناء الذى صنعه. 

تقترب طريقة السرد فى النص من تقنية الميتالِبسيس «Metalepsis»، وهى اختراق الحدود الفاصلة بين المستويات السردية المختلفة داخل النص الأدبى. صحيح أن المؤلف هنا لم يدخل بالمعنى الحرفى المادى إلى الحكاية، ولكنه كان الراوى الذى يحكى ما حدث لقصته وحبكتها وشخصياتها . وعلى الرغم من أن الشخصيات لم تخاطب كاتبها مباشرة، إلا أننا رأينا الشخصية المهمشة تشير إلى وجوده خلف الكواليس قائلة: «ينقصكم المؤلف الفاشل.. ليراكم مسحوقين تحت جزمتى». بينما بقى الكاتب شفافًا يراقب شخصياته دون أن تراه أو تسمع صوته، تجلى التداخل والاشتباك بين الكاتب ومخلوقاته وإن ظل غير مرئى من زاويتها الفردية. وكأن اختراقًا لحدود الشخصيات قد حدث نتيجة انفلات الشخصيات من بين يدى الكاتب، وتمرد مركز السلطة فى القصة بعدما امتلكت الشخصية الثانوية زمام الأمور وصارت هى الممسكة بزوايا الحكاية.

لقد تكررت كلمة «حبكة» ومشتقاتها فى «برتقالة وشوكة وسكّين» نحو عشرين مرة، يطمئن فيها الكاتب كل مرة على مسودّته؛ تارةً من خلال توهمه بالسيطرة مثلما قال: «مخلوقان مطيعان، ينفذان حبكتى رغم غيابى، لا يرياننى لكنهما يحفظان هيبتى». وتارةً عبر استسلامه المريح: «شعرتُ بالارتياح رغم فقدانى السيطرة عليهما، يبدو أن الحبكة ستسير كما رسمتها». لكن هذا الاطمئنان كان وهمًا؛ إذ تنتهى القصة بتيه الكاتب فى مسارات حكايته بعد أن فلتت الخيوط بالكامل من بين أصابعه.

تلقى الكاتب الصفعة الأكبر حين أقفلت الحكاية بمشهد من صناعة الشخصية الأكثر تهميشًا حين قتلت كل الشخصيات الأساسية، وكتبت بنفسها السطر الأخير. وبذلك فإن الشخصية الثانوية انتقمت من فكرة التهميش، وتركت الكاتب حيًا ليرى أن الحكاية التى صنعها لم تعد تخصه؛ بل إنها خطفت النهاية من الشخصيات الأم ومن الكاتب نفسه. 

وهذا التمرد البنيوى يثير فى أذهاننا المقارنة مع بعض الأعمال السينمائية التى حطّمت الجُدُر الفاصلة بين عوالم السرد وأصواته؛ فهو يذكرنا بفيلم «روبى سباركس» Ruby Sparks، حيث يجد البطل كتابته الروائية تؤثر على حياة بطلة قصته التى تجسدت بلحم ودمٍ فى الحقيقة، وكذلك فيلم «أغرب من الخيال Stranger than Fiction»، حيث يكتشف البطل أن حياته مرهونة بمخيلة روائية تخطط لطريقة موته فى نهاية السردية. لكن فى «برتقالة وشوكة وسكّين»، تنعكس الأدوار؛ يظن الكاتب أنه يملك أقدار شخصيات حكايته، ليجد أن الحكاية أكبر منه، وأنه هو من وقع أسيرًا لاختياراتها. 

إن هذه النتيجة تدفعنا للتساؤل الفلسفى: من يملك الحكاية؟ الكاتب أم الشخصيات؟ وما هى حدود المؤلف؟ لتعيدنا القصة مباشرة إلى منطق نظرية «موت المؤلف» للمفكر الفرنسى رولان بارت، التى تؤكد أن المعنى الحقيقى للنص الأدبى لا يحدده الكاتب، بل إن العمل لم يعد يخص مؤلفه بمجرد خروج النص وتلقيه؛ فلكل قارئ نصّه الخاص وتأويله الشخصى المستقل. وبذلك تظل الكلمة الأخيرة دائمًا للنص لا لكاتبه، ويتحول العمل الأدبى من ملكية خاصة للمؤلف إلى مسرح مفتوح للفهم والتأويل.