الشاعر العراقى نامق عبد ذيب يكتب: مَجْمرةُ الياقوت

ما كان لكَ أنْ تجىءَ بالدُّفِّ للسَّيدةِ فيروز
ولكنَّكَ وقد حدثَ الذى حدث
كنتَ كمن يأتى بالشَّمس لغيمةٍ بيضاء
كانت السَّيدة تهطُل
بينما أنت تحاول أن تلُمَّ لُؤْلؤَها المتناثرَ هناك
تحت العريشةِ التى اتَّكأتْ عليها عَبَثًا

هل تدرى؟
فيروز وهى تتركُكَ وحيدًا تقول آهاتِكَ
كانت تريدُ أن تتأكَّدَ أكثرَ من وجودِها هى
الملكاتُ يُوجَدْنَ فى الآهات
كذلك فهى تنتبه لأشياءَ نادرةٍ أحدها أنّكَ حين تقول
كان الجبلُ يهتزُّ من الشَّوق

واللهِ لن تستطيع أنْ تَلْحقَها إلى آخر الخرائط
واللهِ السَّيدةُ فيروز كما قِيلَ عنها
هى التى ترسم الموجَ للبحر
وما عليه حينها إلا أنْ يموجَ
أو ينتحرَ على ساحلٍ بعيد

ألفُ آهٍ لن تعيدَهم إليكَ
أولئكَ الذين عبروا الحدود وأَصبحوا هناك
لا الأغانى بقادرةٍ على المجىء بهم ولا النِّسيان

حاكيها يا سيدى وخَلِّيكَ بعِيدًا
هذه السَّيدة عندما تغنِّى تقترب منها الفصول
كلُّ فصلٍ يقول أنا أعرفها أكثر
حتى إنَّنا بدونها لا صيفَ يَمُرُّ بنا
ولا شتاءَ يمطرنا ولا ربيعَ يعرفنا
حتى إنَّها فى الخريف تتحوَّلُ إلى شجرة
هناكَ على مَفْرق الطَّريق
حاكيها يا سيدى وخَلِّيكَ بَعِيدًا لكى لا تحترق

أنت تُغنِّى وحيدًا
وهى تتعمَّدُ تركَكَ مخذولًا لكى تحترقَ أكثر
أنتَ والكماناتُ والعشَّاقُ المحزونون
حتى إنَّنا كُنَّا نهمس لبعضنا فى القاعة
هى تتركُهُ وحيدًا فى كلِّ مرَّة
فالصَّعاليكُ يزدهرون فى الوَحْدة
الصَّعاليكُ تشعلُهم الجميلاتُ
فتتحوَّلُ قلوبُهم إلى مَجْمَرَةٍ للياقوت

كذلك فلا تَلُمْها يا سَيّدى
كيف تجرّأتَ أنْ تطلبَ منها أنْ تميل
وهى تريد منكَ دومًا أنْ تختفىَ كروح العاشق
هناكَ فى غيمةٍ عابرة
شَعرُها شلّال وقَدُّها ممشوق
فما عليك أن تلومَها
عليكَ أنْ تمدَّ الأُوف إلى آخر الدُّنيا ولن تصل

هل تحلمُ أنْ تكتبَ لكَ ورقة؟!
لا واللهِ لن تكتبَ لكَ سِتُّ الذَّوق أيَّةَ كلمة
هى لا تكتبُ يا سَيِّدى
تأمرُ فقط فتتساقطُ الأوراق
وتتحرَّكُ الأقـلام
هل رأيتَ ملكةً تكتبُ رسائلَها يا نصرى
أنت مكتوبٌ عليكَ أنْ تظلَّ تنتظرُ ساعىَ البريد إلى الأبد

ولكنَّ السَّيدةَ أَخطأتْ كذلك يا نصرى
تريدُ أن تسهرَ فى الشَّام
هل الأغنيةُ عتيقةٌ؟
فالشَّام لم يَعُدْ شامًا
الشَّامُ يا نصرى شمس الدين خرابات
ومقابرُ وفتاوى تأمرُ بذبحِ البشرِ والحجر والشَّجر
الشَّامُ محرقةٌ وبكاءٌ وأغانٍ ضائعة

«دَخْلِكْ وَين دْموعْ العَين»
فالبلادُ العربيَّةُ لا حدودَ للدَّمِ فيها
والصَّبايا سَبيَّات:
عربيّاتٌ من رَبيعة
وإَيزيديَّات من الجبل
ومسيحيَّات من نينوى
لم يَعُدْ أحدٌ يدبك فى أَعراسِهن
ضاعَ الميدان والملـعب لان والسَّاعد يقطع السَّاعد
فكيفَ ستكملُ أُغنيتكَ وأنتَ بلا يدينِ تلمُّ بهما حدودَ الأوف
كيف يا نصرى شمس الدِّين؟!
نصرى شمس الدين «١٩٣٧- ١٩٨٣» مطرب لبنانى مشهور شارك السيدة فيروز كثيرًا من أغانيها، والقصيدة تستلهم أغنية حوارية بينهما أدّياها بعدة حفلات متفرقة كانت إحداها بحديقة الأندلس فى القاهرة عام ١٩٧٦.







