الجمعة 10 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

SUPER HERO.. كيف أصبح حسام حسن بطل المصريين؟

حرف

- أعاد التذكير بأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»

تعد كأس العالم لكرة القدم المحفل الأكبر والتاريخى للعبة، مجسّدة طموحات وتطلعات الشعوب. وكرة القدم بالنسبة لدول العالم أجمع لم تكن مجرد لعبة رياضية، وإنما هى انتماء وصراع وجود على خريطة الأرض.

وحُرمت مصر قرابة قرن من الزمن من إثبات وجودها ضمن منافسات المونديال، وتحول الأمر إلى عقدة للشعب المصرى الذى يتنفس كرة القدم، وحقق فيها كل الإنجازات على المستوى القارى والدولى، ولكنه كان دائمًا لا يصل إلى الفوز فى أى مباراة لعبها فى كأس العالم، مع استمرار تغيير المدربين الأجانب والمصريين، وبأعلى الرواتب، ولم نستطع أن نفك هذه العقدة حتى جاء اختيار حسام حسن مديرًا فنيًا للمنتخب المصرى.

شخصية العميد تربَّت فى الملاعب المصرية وحققت إنجازات عديدة مع المنتخب المصرى ومع قطبى الكرة المصرية الأهلى والزمالك، وكان حسام- وتوأمه- شخصية مثيرة للجدل طوال مسيرته الكروية: تلقائيًا، منفعلًا، عصبيًا، ولكنه كان ساحرًا وهدَّافًا نادرًا تعشقه الجماهير المصرية.

مواقفه صادمة ولكنها تلقى دعمًا شعبيًا كبيرًا، فهو ربما لا يقيس أفعاله بالمسطرة ولكنه ينفذ دائمًا ما يمليه عليه قلبه دون حساب للعواقب، رأينا ذلك فى مواقف كثيرة خلال مسيرته لاعبًا ومدربًا.

والشىء الذى يتفق فيه كثير من جماهير الكرة المصرية أن حسام حسن رجل وطنى، عاشق لتراب مصر، ويحاول جاهدًا أن يرفع اسمها عاليًا، معتبرًا أن نصره الشخصى هو نصر لمصر، والعكس. حريص على أن يحقق طموحات وآمال البسطاء من جماهير الكرة المصرية، باعتباره نائبًا مفوضًا عنهم.. نرى ذلك فى كل تصريحاته التى لا تخلو من الحديث عن إسعاد الجمهور المصرى داخل مصر وخارجها.

حسام حسن أصبح بمثابة القصيدة الشعرية المصرية الخالصة التى تتغنى بها طبقة الكادحين من الفلاحين والعمال، كما أصبح فخرًا لأبناء الطبقات الأخرى، فقد حقق المعادلة الصعبة بالتفاف جميع شرائح الشعب المصرى حول طموح وأمل واحد، وهو صعود المنتخب إلى الأدوار الإقصائية لكأس العالم، الحلم الذى كان يحلمه هو شخصيًا وهو لاعب، واستطاع أن يحققه وهو مدرب، فى رسالة مفادها التمسك بالحلم والإصرار والعزيمة كلما جاءت الفرصة لتحقيق ذلك.. إننا أمام حدث تاريخى لم تعشه مصر من قبل.

لم يعتمد حسام حسن فى اختياراته لتشكيل المنتخب على نجوم الصف الأول مثلًا محمد صلاح ومرموش فحسب، ولكن اكتشف وأظهر وألقى الضوء على لاعبين جدد فى المنتخب الوطنى، أسهموا فى نجاح منظومته التى كان يحلم بها منذ أن كان لاعبًا.

حقق حسام حسن حلم الكابتن الجوهرى، الجنرال الذى رأى فيه الورقة الرابحة وامتداده، كما حقق حلم كابتن حسن شحاتة الذى اختتم معه مسيرته الدولية كلاعب فى بطولة أمم ٢٠٠٦ بالقاهرة.

وها هو الآن يحقق أحلام البسطاء ويصعِّب المهمة على من سيأتى بعده، ولكن لعلها تكون البداية لمرحلة استثنائية فى تاريخ كرة القدم المصرية، وجب أن نستغلها ونبنى عليها ما هو قادم.

رأينا مواقفه وهو لاعب فى دعم القضية الفلسطينية، كما رأيناها مؤخرًا بعد الفوز التاريخى على منتخب أستراليا فى كأس العالم ٢٠٢٦ فى أمريكا، وهو يهدى الفوز للشعب الفلسطينى الذى يعانى منذ ألف يوم وأكثر، وحمل العلم الفلسطينى فى أكبر حدث عالمى، ما أدى إلى غضب شديد لدى الكيان المحتل، وصل إلى المطالبة بوقفه، حتى جاء رد الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» وحسم الجدل، مؤكدًا أنه لن يتخذ أى عقوبات ضد حسام حسن، وأنه يُسمح برفع أعلام جميع الدول الأعضاء الـ٢١١ فى بطولاته.

إن الانتصار الإنسانى هو الانتصار الخالد، الذى لن يُمحى من الذاكرة أبدًا، وسيظل هذا الحدث فى هذا التوقيت، وعلى هذه الأرض تحديدًا، حدثًا أيقونيًا سيتردد صداه فى كل نسخة قادمة من كأس العالم، فقد نقش حسام حسن اسمه باعتباره أجرأ مدرّب فى العالم عبّر عن موقفه تجاه القضية الفلسطينية فى ملعب كرة على أراضى الإمبراطورية الأمريكية.

ولا يهمنا إن تصاعد غضب الشارع الإسرائيلى تجاه البطل المصرى الذى وحَّد صف العرب وقال دون أن ينطق: «هذه قضيتنا، هذه أمتنا، نحن هنا لنرسل رسائل، ونعتز بكرامتنا، ونكتب تاريخًا، نحن هنا من أجل تحقيق حلم طفل، سيأتى من بعدنا ويعرف أنه لا مستحيل، نحن هنا لنرفع هذا العلم الفلسطينى، لكى نذكّر العالم بأن (على هذه الأرض ما يستحق الحياة)».

الشعب المصرى والعربى كان فى حاجة إلى التمسك برمز يحقق طموحاتهم ويعطيهم الأمل فى الحياة، ينتزعون به الفرحة ولو فى مباراة كرة قدم.

قد ترى قلة أنها محض مباريات لا أكثر، لكن قد يتفق الغالبية على أن أثر ما نراه فى عالم الساحرة المستديرة يتجاوز العادى، وبناء عليه فإن ما يفعله العميد بالتأكيد فى مونديال أمريكا ليس عاديًا، فهل يصبح حسام حسن بطلًا شعبيًا مصريًا وعربيًا إذا حقق إنجازًا أكبر فى كأس العالم؟

للإجابة عن هذا السؤال يمكننا أن نستعرض صفات البطل الشعبى ومقوماته لنرى كم تنطبق على حسام حسن..

فالبطل الشعبى هو شخصية تتجاوز حدود الفرد لتصبح رمزًا لجماعة أو أمة، ويجسد قيمها وأحلامها.

رأينا رمزية التوأم فى حسام حسن وإبراهيم حسن فى مواقفهما طوال مسيرتهما، وآخرها فى تصريحاتهما حول تحقيق طموحات الشعب المصرى، وأن الشخصية المصرية قادرة على تحقيق الإنجاز. كذلك دفاعهما المستميت عن حقوق المواطن المصرى خارج أرضه بعد تدخل غير لائق من شرطى أمريكى، إذ اندفع إبراهيم حسن متقمصًا شخصية المصرى ابن البلد ليستعيد حق وفرحة طفل أراد التقاط صورة مع أحد لاعبى منتخب الفراعنة، وصرّح بأن كرامة المصرى فوق أى شىء ولو كان طفلًا، هذا الفعل لو كان مع حسام حسن لاتخذ نفس الموقف، فحسام وإبراهيم وجهان لشخص واحد، يتضح ذلك فى مواقفهما وتصرفاتهما بل وحركاتهما المتشابهة فى كثير من المواقف داخل الملعب وخارجه.

ومن مقومات البطل الشعبى، أيضًا، أنه يتحمل المحن والشدائد حتى يحقق هدفه، وقد رأينا ذلك فى الحملة التى انتقدت حسام حسن منذ توليه قيادة المنتخب، وإحباطه بإشاعة أنه لن يحقق شيئًا مع المنتخب، وأن قدراته التدريبية متواضعة، لكنه تحمل هذه الضغوطات واستطاع أن يجمع قائمة للمنتخب المصرى تضم أفضل اللاعبين فى مراكزهم، كما استطاع أن يقدم لاعبين جددًا للمنتخب أدهشوا جماهير الكرة المصرية والعالمية، مثل زيكو وهيثم حسن ومحمود صابر، وحمزة عبدالكريم، أصغر لاعب مصرى يشارك فى كأس العالم بسن ١٨ عامًا.

ومن مقومات البطل الشعبى، أيضًا، الارتباط بالهوية الجماعية، إذ يمثل قيم المجتمع وتقاليده، واتضح ذلك فى التمسك بالقيم المصرية والدينية؛ قراءة الفاتحة قبل بدء أى عمل عام، ورأينا ذلك قبل كل مباراة، ما لاقى قبولًا واسعًا، وكذلك سجود اللاعبين والجهاز الفنى على أرضية الملعب عقب كل مباراة، ما لفت أنظار العالم حول هذه الممارسات الخاصة للمنتخب المصرى الذى لُقّب منذ سنوات بمنتخب الساجدين، ويعد هذا تأكيدًا للفخر والانتماء.

وفى كأس العالم ٢٠٢٦، ارتفع سقف الطموحات والآمال لدى الشعب المصرى، إذ أدهش حسام حسن المصريين والعرب والعالم بأول انتصار للمنتخب فى كأس العالم وصعد به إلى الدور الـ٣٢ ومن ثم الفوز على المنتخب الأسترالى بضربات الترجيح والصعود إلى الدور الـ١٦ لأول مرة فى تاريخ مصر، ولكن ليس هذا فقط ما جعله بطلًا شعبيًا، وإنما مواقفه الإنسانية والسياسية التى جسدت رسائل قوية وجريئة، مثل حمله العلم الفلسطينى على أرض الملعب الأمريكى. 

إن أى مدير فنى غير حسام حسن كان سيتردد كثيرًا فى هذا الفعل خوفًا من وقفه أو انتقاده دوليًا، ولكنه لم يَخَف وحمل العلم ليؤكد أن القضية عربية وليست فلسطينية فقط، وهذا هو موقف الدولة المصرية الواضح، شعبًا وقيادةً.

وتفاعلت الجماهير العربية مع هذا الموقف وأصبح العميد بطلًا شعبيًا، ليس فى مصر فقط، وإنما فى فلسطين، التى تغنّت بما فعله العميد.

ليس كل الانتصارات يُُقاس بالنتائج، بعضها يُقاس بالمواقف، فقد أكد حسام حسن أن البطل الحقيقى ليس فقط من يقود فريقه إلى الانتصار بل من يدرك أن للرياضة رسالة تتجاوز حدود الملاعب، وأن الكلمة الصادقة قد تبقى فى ذاكرة الجماهير كما يبقى الإنجاز نفسه، فقد قدّم رسائل عديدة منذ توليه قيادة منتخب مصر، على الرغم من بعض الشكوك التى كانت تثار حوله بأنه سيفشل ويخرج من دور المجموعات كعادة مشاركات المنتخب فى كأس العالم، لكنه استطاع أن يغير الصورة النمطية للمنتخب فى المونديال، وصعد إلى الأدوار الإقصائية وتفوق فيها.

فهل يستطيع حسام حسن أن يحقق المعجزة ويصل بالمنتخب إلى أبعد من ذلك؟

ربما، ولِمَ لا؟ وهو الآن أصبح «سوبر هيرو» المصريين.