الإثنين 29 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

حيوية القصة المصرية.. ولسه الكلمات ممكنة

حرف

فى هذه المساحة ننشر نصوصًا قصصية لأربعة من المبدعين المصريين:

«محمد الفخرانى، سهى زكى، حسين منصور، رباب كساب»، ونقدم نقدًا منهجيًا، تطبيقيًا، يسعى إلى تفكيك القصص، والإشارة إلى أبرز ملامحها الفكرية والجمالية، وتقنياتها الفنية. 

وبداية، لا تعد القصص الأربع المنشورة فى «حرف»، كتلة واحدة، إذ تمتلك كل منها خصوصيتها الجمالية وعالمها القصصى، وتقنياتها التى تتكئ عليها، وهى تعبر على نحو دال عن جوانب حيوية من تنويعات المشهد القصصى المصرى، والعربى الراهن، ذلك المشهد الذى يتسم بالتنوع الخلاق من جهة، والانفتاح على صيغ إبداعية متجددة باستمرار من جهة ثانية. 

-

فى قصة «هى والبنى» للكاتب محمد الفخرانى، تبدو سردية الألوان حاضرة بامتياز، والفخرانى مولع بالألوان، ولها صدى فى أكثر من عمل فنى له، من بينها، على سبيل المثال، روايته «حدث فى شارعى المفضل»، وفى «هى والبنى»، يبدو اللون البنى يقظًا وغافلًا فى الوقت نفسه، يقظ فى حب فتاته، وغافل عن حب صديقتها له، وكأنها حالة من التغافل الممتع، والمكر الفنى الممتع، الذى يلجأ له الكاتب، وهو يعاين سردية الألوان، ويتكئ عليها فى بناء نصه السردى، الذى يبدو مثل حلقة دائرية من الأفكار والمشاعر المترابطة، التى تنهض على أنسنة البنى، ذلك اللون الذى يغوص عميقًا فى مشاعر فتاته التى تحتفى بالأحمر أكثر، بينما تتجاهل البنى الذى تتجلى تنويعاته فى قهوتها التى تحبها، وقطعة الشيكولاتة التى تأكلها، وبينما الأحمر تائه عنها لأجل كل شىء، ولا شىء: «هى مشغولهٌ بحبها للأحمر، تحبه، والأحمر مشغولٌ عنها بأشياء غير الحب، يبتسم البُنِّى مع نفسه بثقةٍ وهدوء عندما يراها تنظر إلى الأحمر بتلك اللهفة، ويكاد قلبها يطير إليه، لم ينزعج البُنِّى كَونه جاهزًا لأجلها فى كل وقت، ولا تَصحبه إلّا نادرًا، يفكر مع نفسه بأنَّ الأمر ليس أنها لا تحبه، هى فقط تحب الأحمر، كما أنَّ حال الأحمر معها ليس أنه لا يحبها، إنما مشغولٌ طوال الوقت بكل شىء ولا شىء». 

إنها مدونة من التداعى الحر، يؤنسن فيه الكاتب ألوانه الذين يصيرون شخوصًا يحبون ويهجرون، ويقبلون، ويأفلون، فى ثنائية الأحمر، والبنى بظلالهما الدلالية الوسيعة. 

ويؤخر الفخرانى صديقة البطلة إلى النهاية، لتحمل معها مفاجأة فنية فى النهاية، إذ تحب البنى، وهو غافل عنها، فى لعبة الحب التائه التى لا تتوقف عن الدوران، حيث يمثل الحب التيمة المركزية فى القصة، والتى تتواتر عبر جملة يتكرر حضورها فى النص «إنه الحب». 

-

ثمة أسئلة مختلفة تنفتح عليها قصة «صور مفقودة» للكاتبة سهى زكى، منذ عنوانها الدال، فماذا لو فقدت صورة لك، وماذا لو غابت صورنا فجأة، قد تسعى الصورة إلى تثبيت الزمن عند لحظة بعينها، وحال تأملنا للمعنى على نحو أعمق، فقد تبدو الصور بمثابة إيقاف للزمن، تثبيت للكادر عند زاوية بعينها، إنها محاولة للتوثيق، ومن ثمّ تصبح استعادتها، استعادة للحظة ما. وهذا ما يتجلى فى «صور مفقودة»، بدءًا من المفتتح الذى تبدو فيه رغبة الذات الساردة فى الرقص/ التحليق، وهى لحظة تغادر التفاصيل الجاهزة، وتفصح عنها الذات الساردة بأنها كلفتها تمرينات عنيفة، ليتسق الجسد مع الإيقاع، وحين يصورها المصور القديم بجهازه الكلاسيكى، يغادر بلا رجعة، وتخبرها مصففة شعرها بأنها ستبحث عنه، لكن هل يمكن أن يعود الزمن من جديد، إنها صور مفقودة، أو بالأحرى حيوات أو لحظات مفقودة من عمر الزمن، البشر، والأشياء.

وتلعب مصففة الشعر هنا دور الشخصية الحافزة «Catalyst character»، أو المحركة التى تدفع بالموقف الدرامى إلى الأمام، إذ أنبأت البطلة إمكانية استعادة الصورة من المصور، والمصففة شاهدة على التطور، لكنها لا تزال ابنة عالم قديم، فى مفارقة دالة، حيث تخشى من استعمال جهاز تصفيف الشعر الجديد: «لم أر الصورة أصلًا.. لكن أخبرتنى بها بعد سنوات أثناء زيارتها لى وأنا على فراش المرض مصففة شعرى التى أخبرتنى وهى مذهولة عن ظهور جهاز يفرد الشعر بالكهرباء ولكنها تخاف استخدامه.. وأنه تم اختراع كاميرا يمكن حملها دون علبة الكربون.. وأنها قابلت المصور وأخبرها أن تذهب إليه ذات يوم حتى يعطيها صورة لتلك الراقصة الشابة الجميلة قبل أن يترك مكانه للمصور الجديد». 

ثمة مسحة من النوستالجيا الناعمة فى القصة، والرهانات التى تتفلت من بين أيدينا مثل لحظة تعدو بلا هوادة: «لكن يومًا ما سيعرف أحدهم أن فتاة لم تعش حياة عادية قط.. جاءت واختفت دون أى فائدة إلا أن تحصل على صورة تمتع ناظرها بالجمال ذات يوم.. وربما أتحول لدرس فى صفحة كتاب يعلم أحدهم فن التصوير والنحت والرقص والموسيقى والحزن». 

وهو مختتم سردى مسكون بقدر عارم من الشجى، والشجن، والأسى الرهيف.

ثمة لعبة من التيه تسيطر على سيكولوجية السارد البطل فى قصة «مفتاح واحد وأبواب عدة»، للكاتب حسين منصور، بما يحمله العنوان من دلالة مفارقة، وتهيمن حالة التيه المشار إليها على علاقة السارد البطل بالعالم الذى بدا له مغايرًا عما ألفه، وما حسبه خروجًا أو غيابًا عن المتزل ليوم واحد، إذا هو يعود بعدها ليجد بشرًا آخرين، وبيتًا آخر غير الذى سكنه، ويصبح الحوار جزءًا مركزيًا من بنية القص، وكاشفًا عن لعبة المراوحة بين الحاضر والماضى: «ماذا تفعل هنا أيها الصغير؟». 

فرد الولد بنظرة بدا منها أنه استغرب وجوده، ورطن بنفس اللغة التى لم يفهمها، فاقترب منه مداعبًا شعره 

_ ابن من أنت؟ قل لى من أبوك؟ حدثنى بالعربية، أو بالإنجليزية وسأحاول أن أفهمك.

كان يمازح الولد كى يبعد عن نفسه حالة الغربة التى استولت عليه، فنظر إليه الولد بريبة وصمت، وانطلق يهرول فى ردهات الشقة، دار مرة أخرى حول نفسه باحثًا عن بيته، هى نفس البناية، فى نفس الشارع، ونفس الباب، ولكن كيف؟ كيف دخل هذا الولد؟ أين اختفى الأثاث؟ أين الكتب؟ أين زوجته التى كانت تنتظر عودته بصحبة ابنهما الصغير ممسكة بكتاب فى يدها اليمنى، وعصا فى يدها اليسرى، طالبة منه أن ينجز واجبه المنزلى». 

وما بين لعبة الإثبات والنفى، والإقرار والإنكار، تتحرك مفاصل القصة، ذات المنحى الغرائبى، لتعاين ذاتًا على شفا التداعى، حيث ثمة ذاكرة مثقوبة، وواقع رامز لقدوم آخرين، فى بنية من المتاهة السردية، والنزوع الإيروتيكى الحسى، الذى لم يفقد فيه السارد شغفه، بجسد الفتاة التى رآها، وإن فقد بيته، كما يزعم، وبدا مفتاحه لا يفتح فى يد الآخرين، ويقينه لا يحسم أى شىء أمام ثقة الغرباء، لتنتهى القصة نهاية مفتوحة، حيث تحمل مزيدًا من الأسئلة، والتأويلات. 

-

يبدو العنوان فى قصة «طبلة سعدية» للكاتبة رباب كساب، دالًا للغاية، إذ إنه يبلور الدلالة الكلية للنص، حيث يضع الدالين المركزيين فى القصة فى الصدارة «طبلة/ سعدية»، فلا وجود لسعدية دون الطبلة، إنه حال من التماهى بين الشخصية القصصية وسردية الأشياء.

تتحرك القصة بنعومة، وتدفق محكم، وتعاين عالمًا ريفيًا بامتياز، سردية لا تنضب من الحكايات «وأعنى سردية الريف»، فى افتتاحية تضع متلقيها فى قلب العالم القصصى مباشرة: «فى منور الدار جلست على كرسى خشبى صغير له أرجل قصيرة، ووضعت أسفل فخذها ذكر بط اقترب أوان ذبحه وبدأت تلقمه حبات الفول، انتهت منه سريعًا وهى تدندن بموال قديم ويدها تنقر على جانبى الكرسى الخشبى، تجمع الدجاج والبط حولها فألقت لهم بالخبز المبلل وبقايا طعامها أمس».

وتستحضر القصة الغناء بوصفه مصاحبًا ومضيفًا للمعنى السردى، حيث الموال الشعبى: «طلعت فوق السطوح أنده على طيرى..»، للمطربة بدرية السيد، والأغنية الشعبية «ادلع يا رشيدى، على وش المية...». 

ولا طبلة تنازع طبلة سعدية، حتى الطبال المتمرس فى فرقة الراقصة المحترفة، لا يستطيع مجاراتها، هو محترف، وهى هاوية، لكنها عاشقة للطبلة، محبة لها، وهو فاصل دقيق تصوغه الذات الساردة بلا مقدمات ولا تنظيرات للتفرقة بينهما. 

وبين جدل الذاكرة والاستدعاء يتشكل المعنى السردى فى القصة، حيث الإشارة إلى فرح ابن العمدة، وما جرى فيه، وهى الحكاية الفرعية التى تتجادل مع المتن الحكائى الرئيسى، ويشكلان معًا جوهر القصة. وهى حكاية تقدم على دفعات فى مساحة قصصية مكتنزة، بلا زوائد لفظية، رغم اتساع الزمن القصصى، إذ يتجادل خطان سرديان، أحدهما راهن «فرح أمنية»، التى تقرر سعدية الذهاب إليه بعد دعوة الجميع لها، وهى لم تزل قلقة، مترددة، تتذكر تفاصيل ماضٍ قاسٍ قريب، والثانى خط سردى ينتمى إلى الماضى القريب، حيث العودة عبر تقنية Flash back إلى ليلة فرح ابن العمدة، وهى لحظة للتحول الدرامى، وتمثل حكاية فرعية على المستوى الظاهرى، مركزية فى تأثيرها العميق فى حركة الشخصية القصصية «سعدية»، وعلاقتها بالعالم، ولذا تختتم القصة بها عبر تلك النهاية السردية الدالة: «جرها فى يده حتى دارهما، قالت: ما خرجتش برة الدوار.

- بس جبتى اللى برة جوة يا سعدية».

هــى والبُنِّى

صور مفقودة

مفتاح واحد وأبواب عدة

طبلة سعدية