الخميس 18 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الغاوون لا يتبعهم أحد.. الكتابة فى «فراغ الوجود» لا «ضجيج الجماعة»

فاطمة وهيدى
فاطمة وهيدى

ديوان «الغاوون لا يتبعهم أحد» يبدو منذ عتبته الأولى كأنه إعلان تمرّد على الصورة التقليدية للشاعرة؛ فالعنوان يقلب العبارة القرآنية المعروفة: «والشعراء يتبعهم الغاوون»، ليجعل الشاعرة هنا غاويًا وحيدًا، معزولًا، تكتب فى فراغ الوجود لا فى ضجيج الجماعة. ومن هذه المفارقة تبدأ الديوان فى بناء عالمها القائم على الحزن، والاغتراب، والبوح المتشظّى.

ما يلفت الانتباه فى الديوان أولًا هو هيمنة الحسّ الوجدانى، لكنّه ليس وجدانًا رومانسيًا صافيًا، بل وجدان ممزوج بالخيبة والوعى والانكسار.

العناوين نفسها تكشف البنية الشعورية للنصوص:

«حديث الحزن»، «أشواك الأشواق»، «الصمت كمؤشر للوجع»، «جروح طازجة»، «إفلاس»، «صقيع»، «موتان».. وهى عناوين تجعل القارئ يدخل إلى القصائد كما يدخل إلى ممرّات نفسية معتمة، حيث يتحول الألم إلى لغة.

الغاوون لا يتبعهم أحد

أسلوبيًا، يعتمد الديوان على قصيدة النثر ذات النفس التأملى، حيث لا تراهن الشاعرة على الموسيقى الخارجية بقدر ما تراهن على الإيقاع الداخلى والصورة الشعرية المكثفة. هناك ميل واضح إلى بناء الصورة عبر المفارقة والانزياح، فالمعنى لا يأتى مباشرًا بل متخفيًا داخل استعارات متوالدة. 

الحزن لا يُقال بوصفه حزنًا، بل يتحول إلى شجرة، أو صقيع، أو صناديق سوداء، أو فراشات، أو مرايا. وهذا ما يمنح النصوص بعدًا رمزيًا يجعل القراءة مفتوحة على أكثر من تأويل.

ومن أجمل ما فى الديوان أنّها تكتب العاطفة بلغة حديثة لا تقع كثيرًا فى الغنائية التقليدية. فقصائد مثل «عيناها»، «أبجديات الحب»، و«حديث الصمت» تنقل الحب من كونه حالة وجدانية إلى كونه أزمة وجود. الحبيبة ليست امرأة فقط؛ إنها غالبًا استعارة للخلاص المستحيل، أو للمعنى الضائع. 

كما أنّ الديوان يشتغل كثيرًا على ثنائية:

الصمت / البوح.

فنجد أن الشاعرة تكرر مفردات الصمت، التأتأة، الانحناء، الندم، الذكرى، وكأن اللغة نفسها عاجزة عن حمل الداخل الإنسانى. ولذلك تتحول القصيدة إلى محاولة إنقاذ لما لا يمكن قوله. وهذا ملمح حداثى واضح، يذكّر أحيانًا بحساسية شعراء مثل أنسى الحاج، ومحمد الماغوط، حيث تصبح الكتابة نوعًا من النجاة الفردية لا احتفالًا بلاغيًا باللغة.

وفى المستوى الدلالى، يشتغل الديوان على عزلة الذات المعاصرة؛ فحتى حين يحضر الحب، يحضر بوصفه فقدًا مؤجلًا. لا توجد نهاية مطمئنة داخل النصوص، بل هناك شعور دائم بأن العالم هشّ، وأن الإنسان يعيش على حافة الانطفاء. وهذا ما يجعل قصائد مثل «الشوق فى زمن الكورونا» أو «نتائج لا منطقية» تنفتح على الواقع المعاصر دون أن تفقد بُعدها الشعرى. 

لكن، من الناحية النقدية، يمكن الإشارة أيضًا إلى أن الديوان يقع أحيانًا فى فائض العاطفة، بحيث تتقارب بعض النصوص فى نبرتها الحزينة وصورها القائمة على الانكسار، ما قد يجعل القارئ يشعر بتشابه المناخ النفسى بين عدد من القصائد. كما أنّ بعض النصوص تعتمد الفكرة أكثر من اعتمادها البناء الشعرى المُركّب، فتبدو أقرب إلى الخاطرة الشعرية منها إلى القصيدة المكتملة فنيًا.

ومع ذلك، فإنّ قوة الديوان الأساسية تكمن فى صدقه الداخلى. فالنصوص لا تبدو مصنوعة ببرود تقنى، بل مكتوبة بحرارة ذاتية واضحة. هناك شاعرة تكتب من جرحها مباشرة، وتحوّل هشاشتها إلى مادة شعرية. ولهذا يشعر القارئ بأن الديوان لا يسعى إلى إبهاره بقدر ما يسعى إلى إشراكه فى قلقه الوجودى.

إنّ «الغاوون لا يتبعهم أحد» ليس ديوانًا يبحث عن اليقين، بل عن أثر الإنسان وسط الخراب. وهو ديوان يراهن على الصورة، والوجدان، واللغة الشفافة المشبعة بالرمز، ليقول إن الشعر ربما لم يعد قادرًا على تغيير العالم، لكنه لا يزال قادرًا على إنقاذ الروح من الصمت.