الأحد 02 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

قانون تضحية على قطب.. أجساد الخارقين والمنسيين التى تحمل جرائم لا تغتفر

حرف

- يمتلك الكاتب قدرة كبيرة على الوصف امتدت لحوالى ثلاثمائة صفحة

أى ذنب أقسى من التهميش؟ وأى وجع يسببه، التجاهل والإهمال، أن تمضى فى هذا العالم وجودًا غير معترف به، كيانًا لا يُرى وإن تعثَّر بك البعض، وتحقَّق من وجودك آخرون يُدخلونك إحدى الموسوعتين، إما موسوعة التنمر أو موسوعة الظلم وأكل الحقوق. 

انتهيتُ من قراءة رواية «البند السادس من قانون التضحية» للكاتب على قطب، الصادرة عام ٢٠٢٥ عن «بيت الحكمة للثقافة»، وبما أنه العمل الأول الذى أقرأه لعلى، فبالتأكيد لن أتمكن من مقارنته بسابق أعماله، أو الحديث عن مجمل الأعمال، أو الإشارة إلى سمات مشتركة، أو رحلة تطور، فلن يسعنى اليوم سوى الحديث عن تلك الرواية الماثلة بين يدىَّ، كعمل منفرد قائم بذاته، يتحدث بوضوح عن اتجاهات الكاتب الفكرية، ذائقته فى التعبير، وتفاعله مع شخوص النص. 

دعونا نبدأ بآخر جملة «تفاعل الكاتب مع شخوصه»: إن الكاتب لا يتماهى مع شخوصه بالمعنى الدارج، كأن تقدِّم الشخصية كأنك تعرفها عن ظهر قلب؛ تتحدث لغتها وتعايش يومها، تعرف الكثير عن ماضيها، آلامها، وما ترجوه من المستقبل. لكن الكاتب قرر أن يشارك الأبطال فى صناعة العمل، لا أقصد أن يكون الكاتب راويًا مشاركًا، لكنه شارك بشخصه واسمه فى فصل أو باب كامل من ثلاثة أبواب فى الرواية. 

فالرواية تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: 

١. زمنى، وبطله على قطب أو الظل أو بائع فى المكتبة أو الخارق رقم صفر.

٢. ملحق زمنى، حيث:

ـ زمن المعجزة، وبطله بيكا. 

ـ زمن اللعبة، وبطله القزم عزيز. 

٣. اللا زمن، حيث يتقابل جميع أبطال الفصول وتترابط الحكايات. 

ونجد أن التيمة الأساسية للنص تتمحور حول التميز الخارج من رحم المعاناة، أن تتحول طاقة التهميش التى تترك ندوبًا لا تُمحى بالروح إلى ما يُعرف بالقدرات الخارقة، بعدما يتجاهل الأهل والأحباب والأصدقاء وكل من يحمل توصيف «خط الدفاع الأول» قدراتك الحقيقية، مهاراتك، ذكاءك، الطيبة ومخزون الخير اللانهائى الذى تحويه داخلك، ويهاجمونك باختلافاتك عنهم، يصرخون أن هذا الاختلاف جريمة يجب أن تعاقب عليها كلما وقعت أبصارهم على سوءاتك، يؤكدون لك كل يوم أنك غير كافٍ ولا تصلح وغير جدير بأن تلعب دور البطولة فى حياتك. 

يقدِّم على قطب الوجه الآخر من الهيمنة، فلو كانت هيمنة المقربين ترتكز على الازدراء والتحطيم، فهيمنة النظام أو أى منظومة خارجية تقوم على تحويل تلك الندوب والتشوُّهات إلى طاقات تدميرية. يستقطب الآخرون الأرواح الهشة ويستخدمونهم لصالح أطماعهم، لصالح تدمير العالم، يمنُّونهم بالتفرُّد ودور البطولة والفردوس الأعلى مقابل الطاعة العمياء، تُرى من يرفض- بعد أن سُلب حقه فى أن يُرى ويُعتبر بعد أن أُفرغ تمامًا من المعنى وصار مجرد هيكل صدئ يتجول- أن يُمنح دور البطولة، ليس فى حياته فحسب، بل فى تغيير مصائر العباد والسيطرة على زمام العالم؟ 

من الشخصيات التى أثرت فىَّ بصورة كبيرة شخصية آش، رغم أنه مصنَّف بالمصطلح السنيمائى «شرير الفيلم» أو الـvillain ومن منظور القارئ يصعب التعاطف معه، لكننى فى أكثر من موضع رأيته بنفس العين المتعاطفة مع العزيز وبيكا والخارق رقم صفر. 

«فى داخل الغرفة، كان آش جالسًا على الأرض، فى حالة تكشف عن ذاته، عاريًا تمامًا، جسده نصف أنثى ونصف رجل، بلا تمييز، صدره مسطح وأجزاؤه السفلية مشوَّهة. تلك الصورة أكثر من مجرد مشهد جسدى، كانت تمثل كائنًا ضائعًا بين الهويات، تتشظى كل فكرة عن الكمال فى هذا الشكل الملتبس».

ذلك الصياد، القوة المدمرة التى لا تعرف الرحمة، عندما يختلى بنفسه فى الغرف المغلقة تتعرَّى تشوُّهات روحه لتكشف عن حقيقة هشة كان سبيلها الوحيد لمقاومة المحو أو السحق تحت أقدام لا ترحم أن تطغى وتتشرَّس. 

كذلك تظهر بوضوح فكرة الغرف المغلقة، السراديب، الأوعية الزجاجية، المفارقات بين المرئى والمستور، أن تتبين الأشياء من خلف زجاج شفاف، ولا ترى شيئًا من خلال الجدران المعتمة السميكة المثيرة للتساؤلات.

توظيف الوصف/الشىء، لإيصال معانٍ قمة فى التعقيد، كان له دور رئيسى فى الرواية، فالغرفة التى حوت آش فى المشهد السابق كانت تمثل جدران أمان، توارٍ، تحرُّر، مواجهة الحقيقة. فى مشاهد أخرى هى صورة خانقة للزنازين والضياع والإفراغ التام من المعنى. 

فى المشاهد التى تتحدث عن فيرا كانت الغرفة الزجاجية شفافة وكانت المسافة بين فيرا الهالكة وبين القزم عزيز لا تُذكر، ورغم القرب، ورؤية العين، كانت آليات القمع الملموسة وغير الملموسة تتنفس بصوت عالٍ كأنها وحش يسكن كل زاوية تحيط بهما وتقيد رغباتهما. 

يمتلك الكاتب قدرة كبيرة على الوصف امتدت لحوالى ثلاثمائة صفحة، كلها تهدف إلى خدمة النص وشخوص الرواية. 

أخيرًا وليس آخرًا- فللرواية أبعاد شتى تستحق أن تُتناوَل بأكثر من طريقة وأكثر من قراءة- لن ننسى عنوان الرواية الجاذب الذى يُعتبر دوره التفسيرى لبنية النص وفكرته الرئيسية.