نبى أرض الشمال.. الإنسان الحائر بين جدلية العلم والدين
- «نبى أرض الشمال» رواية تراهن على أن التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا بل سؤال متجدد
صدرت، مؤخرًا، عن دار الرواق فى القاهرة، رواية «نبى أرض الشمال» للدكتور أسامة عبدالرءوف الشاذلى، وهى العمل الثالث له الذى يمثل سياق مشروع سردى متصل، بعد «أوراق شمعون المصرى» و«عهد دميانة»، ويراهن الكاتب فى هذا المشروع على مزاوجة الحس التاريخى بالتأمل الفلسفى وعمق التفكير العلمى، مقدمًا مشروعًا أدبيًا مختلفًا انطلاقًا من خلفيته الأكاديمية فى دراسة الطب وتاريخه.
لذلك نجد دومًا فى كتابات المؤلف حضورًا قويًا ومؤثرًا للتاريخ من خلال الوقائع التاريخية فهى ليست للحبكة الدرامية فحسب، بل مادة معرفية يعاد توظيفها سرديًا مع الحفاظ على هوية النص كعمل أدبى متكامل الأركان.
من سطور الإهداء الأولى للرواية يضع الكاتب رسالته واضحة للقارئ ويورطه فيها محدثًا ذلك التنبيه أن إضاءة العتمة لن يكون سهلًا وأن مَن يبحثون عن الحقائق ونور المعرفة يجب عليهم تحمل طريقهم فى شجاعة فلا مكان على الأرض نعرفه « يغمره النور حيث لا ظلام».

اعتمدت الرواية فى بنيتها على خطين زمنيين متجاورين لا يلتقيان حدثيًا بشكل صريح، لكنهما يتقاطعان دلاليًا. الخط الأول هو المعاصر، ويمثله البطل الشاب الفيزيائى «عمر القداح» القادم إلى مارسيليا فى منحة علمية؛ والخط الثانى القديم، حدث قبل الميلاد بقرون بعيدة، فى نفس البقعة الجغرافية، مع الشاعر «قدموس» ومعلمه «بيثياس»- وهو استحضار لافت لشخصية بيثياس التاريخية، الرحالة اليونانى من مارسيليا «مسّاليا» الذى اشتهر برحلته الأسطورية نحو أقاصى الشمال بحثًا عن أرض «ثولى» الغامضة. هذا الاختيار يوضح التناص الذكى لعنوان الرواية «نبى أرض الشمال» فهنا العنوان ليس استعارة دينية مجردة، بل صدى لرحلة معرفية حقيقية سجلها التاريخ، حين خرج إنسان قديم يطارد يقينًا جغرافيًا يُشبه يقين «عمر» العلمى فى الحاضر.
هذه التقنية أقرب إلى استخدام تقنيات «المونتاج» فى السينما، حيث يقوم المخرج بوضع لقطتين متجاورتين فى نفس الكادر «وفى الرواية وضع الكاتب زمنين»، بحيث يتولّد فى ذهن القارئ معنى ثالث لم يكن حاضرًا فى أى منهما بمفرده. البناء إذن ليس تزيينًا تاريخيًا لرواية معاصرة، بل أداة تأويلية: القارئ مطالَب بأن يقرأ الماضى والحاضر معًا كنص واحد متصل، لا كحكايتين منفصلتين بفاصل زمنى.
تنطلق الرواية من لحظة عثور كلاسيكية، حيث يجد بطل الرواية ورقة قديمة أخفاها والده بين مذكراته، فيها صورة عمّه ومقال لا يتجاوز نصف الصفحة. الجملة الافتتاحية تصوغ هذا التوتر بإيجاز: «خفق قلبه لحظة رآها، لم يعرف سر احتفاظ أبيه بهذه الورقة بين مذكراته».
لكن الصدمة الحقيقية تكمن فى هذا الاقتباس الذى يشكّل العصب الفكرى للرواية كلها «إلى نَبِيِّ هَذَا الزَّمَانِ، العِلْمِ. أَشْهَدُ أَلَّا نَبِىَّ إِلَّا أَنْتَ» هذه الجملة التى تحاكى بنية الشهادتين هى مفتاح تأويلى بالغ الجرأة. فهنا الكاتب لا يطرح سؤال النبوة كموضوع مجرد للنقاش، بل يعيد تشكيله بلغة العصر الحداثى. العلم بوصفه أفقًا بديلًا للخلاص، لا نقيضًا للإيمان، بل مسارًا موازيًا لطلب اليقين. هنا يكمن أكثر ما فى الرواية خطورة وهو توظيف اللغة ذات الدلائل العقائدية فى سياق تمجيد العلم، وهو اختيار أسلوبى محفوف بالمخاطرة لأنه يشتغل على منطقة حساسة من الوعى الدينى، لكنه فى الوقت نفسه ما يمنح العنوان والنص طاقتهما التأملية.


«تعجبت كيف تنمو ألفتنا بالمكان فى سرعة شجرة جهنمية بمجرد أن نجد من نحب».
يختار الكاتب مدينة مارسيليا لأنها نقطة التقاء نادرة بين عمقين حضاريين وتاريخيين، فهى تحمل الإرث الإغريقى (مسّاليا القديمة) والحداثة الأوروبية المعاصرة. الوصف هنا لا يكتفى بوظيفة مشهدية، بل يوظَّف لعقد مقارنات فكرية بين جذور الحضارة القديمة والتحولات المجتمعية الراهنة أى أن الجغرافيا تتحول إلى حجة فى المقارنة الفلسفية: كيف يفكر الإنسان فى المكان نفسه حين يتغير سؤاله عن الحقيقة عبر القرون؟
من الملاحظ أسلوبيًا أن وصف الأمكنة عند الكاتب لا يُراد منه التوثيق أو الاشتباك مع جغرافيا المدينة بقدر ما يُراد منه استدعاء الإحساس بالانتماء والفقد معًا، فالمكان «مارسيليا بشقّيها القديم والحديث» ليس محايدًا؛ هو مشحون عاطفيًا بقدر ما هو مشحون تاريخيًا، ينتقل إلى القارئ عبر لغة وصفية شديدة الرهافة عن المدينة تجعل رحلته عبر أحداث الرواية تجربة حسية يستشعر فيها القارئ رحلته عبر أزقة وشوارع مارسيليا تغمسه التجربة بالكامل فى الزمكان بدل أن تصفه من الخارج دون اشتباك حقيقى.

يغلب على لغة الكاتب فى أعماله أنه يستخدم الجمل الشعرية الموسيقية ذات الطابع الروحانى وفى هذه الرواية يقدم الكاتب أسلوبًا لغويًا يجمع بين لغة العلم التقريرية لإظهار السمات الأساسية للبطل الفيزيائى عمر. وكذلك لغة صوفية عميقة لإظهار الجانب الدينى والفلسفى للرحلة الدينية التى يخوضها قدموس وهذا المزج أوضح قدرة الكاتب وخلفيته المعرفية العميقة بقصص القرآن والاستلهام من لغتها الثرية وإعادة تأويل قصة ذى القرنين مع قوم يأجوج ومأجوج، مفضلًا التفسيرات العلمية على التأويلات المعروفة. وكذلك لا يستغنى عن أسلوبه المعروف فى اللغة الشعرية لتقديم نص أدبى كثيف يحمل أسئلة فلسفية شديدة التعقيد والرمزية الصوفية «النهر، السباحة عاريًا، العباءة، شجرة الألفة»، وكلها صور واستلهام صوفى يشير إلى تجرد النفس والوجد وصفاء الروح.
ويعد هذا التنويع فى لغة الرواية مغامرة من الكاتب تبدو خطيرة؛ إلا إنها خلقت شخصية مستقلة داخل النص وكأنها بطل خفى فى خلفية الأحداث حتى إذا تباطأ إيقاع الحدث قليلًا لصالح التأمل وعمق الرؤية، ما يدفع القارئ إلى طرح الأسئلة على نفسه طوال الوقت وتتبع رحلة الأبطال كجزء لا يتجزأ منها.


تقدم الرواية سؤال أساسى هل يملأ العلم فراغ نهاية عصر النبوة؟ إنه السؤال الذى يجد الإنسان دومًا نفسه أمامه على مر العصور، الصراع الأزلى بين المجهول والمألوف، وسعى الإنسان الدءوب نحو اليقين، فالرواية هنا لا تقدم مواجهة «علم ضد دين»، بل تسوق نسخة أكثر إنسانية من صراع أزلى واحد يتكرر فى كل عصر بأشكال مختلفة فند أن «قدموس» الشاعر القديم يبحث عن يقينه بأدوات عصره «الأسطورة، الرحلة، الشعر»، و«عمر» الفيزيائى المعاصر يبحث عن اليقين نفسه بأدوات عصره «الفيزياء، المنهج التجريبى»- وبينهما تقف «النبوة» كاستعارة جامعة لكل من يجرؤ على الإجابة عن سؤال الحقيقة الكبرى. هذا ما يمنح العنوان طبقته المزدوجة: «نبى أرض الشمال» هو بيثياس التاريخى الذى «تنبّأ» بأرض لم يرها أحد، وهو أيضًا العلم الحديث الذى «يتنبأ» بحقائق الكون التى لم نكن ندركها بحواسنا المحدودة. وتبقى الرواية السؤال متاحًا للعقل وتجعل من التاريخ المتكرر شاهدًا ضمنيًا على السلوك الإنسانى والتأمل الفلسفى.


اعتمدت الرواية على السرد الوصفى التاريخى مستخدمًا للرموز الشخصية والفلسفية والدينية والعلمية بين العمق والتكثيف، فقد نجح الكاتب فى استدعاء الرمزية التاريخية عن طريق استحضار شخصية بيثياس الحقيقى بدل شخصية متخيلة بالكامل، ما منح خط الرواية القديم مصداقية وجعل من المقارنة بين الأزمنة أعمق من مجرد حيلة سردية.
كما شكلت الشهادة الدينية والصياغة العقائدية مجازفة وظفت ببراعة صيغة فى مديح العلم لا تخلو من استفزاز مقصود للقراء لطرح المشهد الفلسفى بشكل متوازن لأعمال العقل داخل الرواية.
وبالرغم من اتساع مشاهد الرواية وتعدد الحقول المعرفية «تاريخ، جغرافيا، هندسة، جيولوجيا، طب، تصوف» فقد نجح الكاتب فى تكثيف السرد وقد يُحمِّل هذا السرد أعباءً معرفية تُبطئ الإيقاع الروائى التقليدى لصالح شكل من «التأمل المطوّل» إلا أنه أضاف لعمق الشخصيات وثراءها.
ولا يمكن تجاهل الدور الذى لعبته اللغة كبطل موازٍ، يمكن القول إن اللغة نفسها شخصية فى الرواية، تتقمص أقنعة متعددة «شعرية، صوفية، علمية» بقدر ما تتقمص الشخصيات أقنعتها الزمنية.
«نبى أرض الشمال» رواية تراهن على أن التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا، بل سؤال متجدد. نجاحها الأكبر أنها تجعل من مدينة واحدة «مارسيليا» ومن ثنائية واحدة «اليقين/ المجهول» مرآة تعكس كل عصر بلغته الخاصة؛ ومجازفتها الأكبر أنها تطلب من القارئ صبرًا فكريًا غير معتاد خاصة عند عشاق السرد التقليدى، لكنها تكافئ من يمنحها هذا الصبر برؤية مركّبة نادرًا ما تجتمع فى عمل روائى واحد.







