السبت 27 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

شلة البؤس الفكرى.. محاكمة علنية لرموز خطاب الاستعراب

حرف

- قادرون على المراوغة والتخفى ولا يهاجمون الحداثة بأدوات السلفية التقليدية

- خالد فهمى عاشق للدولة العثمانية ويرى أننا ينبغى أن نكرس وجودنا لصالح القضايا العروبية

- البرغوتى شاعرٌ محدود الموهبة والخطاب الذى يُنتجه شعرًا وتحليلًا وتشنجات كراهية صفراء كبول الإبل

- مشروع المسيرى هو فى جوهره مشروعٌ معادٍ الحداثة يجعل من العلمانية الشاملة جذرًا مشتركًا للصهيونية والفاشية

- مشروع هبة رءوف يجمع بين الأطروحة الدينية الرجعية السياسية وخطاب الحقوق

فى الخريطة الفكرية «العروبية، والمستعربة» المعاصرة، أسماء بعضها فى صدارة المشهد الثقافى والأكاديمى؛ من أمثال: عبدالوهاب المسيرى، إدوارد سعيد، وائل حلاق، حسن حنفى، وصولًا إلى جيل أحدث وأكثر حركية، أقل ناشطية، مثل خالد فهمى، هبة رءوف عزت، تميم البرغوثى، رباب المهدى، ومونيكا حنا. طيف بشرى متنوع، بأوزان فكرية متفاوتة، وأدوات مختلفة. والتدقيق فى منتجاتهم المعرفية يكشف عن تقاطع بنيوى واضح: شيطنة الحداثة الغربية، والتفكيك المستمر لشرعية الدولة الوطنية الحديثة. 

هذا مؤشر على نجاح القوى الرجعية والتراثية فى احتواء محاولة النهضة، والحداثة، لدرجة توظيف مناهجها، والتبجح بشيطنتها، بعد حقبة تراجع تكتيكى، كانت علامة عليها المقولة المنسوبة للشيخ محمد عبده: «فى أوروبا رأيت إسلامًا بلا مسلمين، وفى بلادنا رأيت مسلمين بلا إسلام». والنتيجة هى تبرير الهيمنة الرجعية، بوعيها النكوصى، لدرجة تمريرهما فى قوالب بحثية تبدو «علمية ومحايدة»، بينما تصبُ فى الواقع لصالح عقلية المأزق التاريخى التى ترفض مركزية الإنسان والعقل، لحساب مركزية الوعى البدوى، الغزواتى، الأصولى القديم.

والحداثة بمختلف تعريفاتها، خاصة بمعنى استبدال التفكير العلمى بأنماط التفكير الخرافية والدينية، تأسست على كل ما سبقها من محاولات وحضارات إنسانية فى حلقات تتابعت، وتداخلت، وتفاعلت، فيما بينها، وصولًا للحلقة الراهنة، من هنا يصح القول الحداثة الإنسانية، حيث منتهى ما وصلت إليه البشرية فى مسيرتها المعرفية، ومنتهى ما وصل إليه العقل والضمير. وأما وصفنا الحداثة بالأوروبية أو الغربية فمرده أن التجربة الأوروبية خاصة والغربية عامة، هى الأكثر نجاحًا، وغالبًا هناك غرض -للتيار الذى يمثله المذكورين أعلاه- من وراء وصف الحداثة حصريًا بالأوروبية أو الغربية.

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

قبل أن نتناول كل اسمٍ على حدة، لهؤلاء الذين يصح وصفهم، شلة البؤس، الفكرى، هناك بضعة ملامح أساسية لهذا الطيف.

الملمح الأول: «التربُص المعرفى بالحداثة» وهو آلية عمل تقوم على تتبّع خطايا الحداثة فى التجربة الغربية، لا بغرض تقويمها، بل لتقويض تمثُلاتها فى واقعنا، وتعظيم الحاجز الذى يفصلنا عنها، وتشكيل أجيال متلاحقة تتغذى على كراهية الآخر الغربى، المختلف الحضارى، ومنجزاته المعرفية والقيمية، رغم استحالة الاستغناء عن منجزاته المادية خاصة التكنولوجية. 

ووراء ذلك تفكير مثالى «طفولى؟»، لا يدرك- أو يتجاهل- الطبيعة المركبة للتجربة الإنسانية التى لا تسلم من الخطأ، فلم توجد، ويبدو أنه لن توجد تجربة بشرية خالصة من كل عيب، ومبرأة من كل نقيصة. التجربة الناجحة ليست تلك التى لا تخطئ، بل هى التى لديها آليات للنقد والمكاشفة وتصويب المسار.

وتقوم آلية التربص المعرفى على مبدأين متلازمين: استعارة أدوات النقد الغربى للحداثة، واستخدامها فى ضرب الحداثة ذاتها؛ ثم توظيف هذا النقد من أجل إفساح المجال أمام الرجعية الدينية الماضوية بمختلف صيَغها بما فيها الصيغ العروبية، والتنظيمية، السياسية والميليشياوية. 

الملمح الثانى: أن بعضهم عمل فى السياق الغربى ويكأنه جزء من مسيرته فى نقد الذات، وأغلبهم يعملون هنا، فقط يذهبون إلى هناك للحصول على الشهادات العلمية، وأشياء أخرى، ثم هم لا يتوجهون للغرب نفسه بنقودهم لتعريفه بأخطائه، بل يتوجهون للداخل المستعرب لتحذيره من شيطان الحداثة، وقد يستعينون فى ذلك بمنتجات الناشطين فى السياق الغربى.

الملمح الثالث: هو «التبرير»، بإنتاج غطاء خطابى يبرر ومن ثم يكرس الهيمنة الرجعية على العقل، فى الوقت الذى يغطى على فشلها الموضوعى، ويبعد عنها الشبهة فى إفساد الحياة على كل مستوى.

المفارقة الواضحة، هى أن محاولات الحداثة الغربية لنقد الذات والتطور تصبح مبررات شيطنتها، وتخريبها، والفارق هو السياق الذى يغير المعنى، نقَّاد الحداثة الغربيون من أدورنو وهوركهايمر إلى فوكو وهابرماس وغيرهم عملوا من داخل مشروع الحداثة فى السياق الغربى، ومنتجاتهم الفكرية تستهدف الإشارة إلى تناقضاتها الداخلية؛ ليصلحوها، ويطوروا بدائل فى إطارها؛ لتجاوز أزماتها، والوصول إلى مزيد من مأسسة العقل وتعميق حقوق الإنسان. المنتجات الفكرية ذاتها فى السياق العروبى والمستعرب، قد تفيد فى التعرف على الآخر الغربى، لكنها تُوظَّف بسهولة من أمثال «شلة البؤس» فى الشطب على مشروع الحداثة بأسره، وترك الأرض خالية لتتمدد فيها الهيمنة الدينية الرجعية، حيث تقوى الأصولية الدينية ومشاريع الهوية الرجعية. 

الملمح الرابع: هو قدرتهم على المراوغة والتخفى. هم لا يهاجمون الحداثة بأدوات السلفية التقليدية أو التكفير الصريح، لا أحد منهم يتحدث عن: «الغرب العلمانى، الكافر، الذى تشيع فيه الفاحشة، وينتشر الفسق والفجور»، بل يتخلون عن اللغة الدينية المباشرة، يتقنَّعون بالرطانة الأكاديمية، والتحليل الذى قد يتخذ شكل بحث تاريخى مثلًا بمنهج علمى. يرتدون عباءة الحداثة ذاتها، وأقنعتها، ويستخدمون مناهجها ومصطلحاتها مثل: التفكيكية «Deconstruction»، ونظريات ما بعد الاستعمار «Post-colonial studies»، وكل أطروحات ما بعد الحداثة «Post-modernism»، يستعيرون مصطلحات نقد الفلاسفة الغربيين لنسقهم الحضارى، مثل توحش الرأسمالية، وأزمات البيئة، والسعار الاستهلاكى، والاغتراب الإنسانى، ويُحوِّلون ذلك كله إلى «مظلة معرفية» لتبرير الهيمنة الرجعية والردة الحضارية الأصولية. 

البعض، مثل عبدالوهاب المسيرى، برع فى نحت مصطلحات خاصة.

الملمح الخامس: هؤلاء جميعًا ينظرون لمصر بوصفها جزءًا من كلٍ رجعى، وهم لا ينظرون للإسلام كدين، مثل كل عاقل فى دولة حداثية، تحترم عقائد مواطنيها، بل هم لا ينظرون للإسلام إلا كمشروع استعمارى، رجعى، قائم على تراث ومركزية ماضى شبه جزيرة العرب، وتوابعه فى العراق والشام. 

ونرى نحن أن مصر ليست مجرد «بلدٍ عربى»، ولا مجرد «حاملة راية الإسلام» كما يُصوِّرها الخطاب الرجعى، خطاب الأمة الهلامية. مصر ذات خصوصية لا يمكن اختزالها، أقدم دولة فى التاريخ، صاحبة التجربة الأعرق مع الحداثة فى إقليمها الجغرافى، تجربتها مع الدولة والقانون والإدارة والهوية الجماعية تسبق ما تدَّعيه أيديولوجيا الاستعراب الرجعية من أصالة، بل ربما سبقت من بعض النواحى مفهوم «الدولة الوطنية الحديثة» فى المخيلة الأوروبية. 

هذا لا يعنى التنكر للإسلام كدين، لكنه يعنى أن مصرية مصر أعمق من أى مشروع دينى-سياسى، والهوية المصرية لا تُختزل فى لغة أو دين، وتذويبها فى كل رجعى ليس مجرد خطأ فكرى نظرى؛ إنه تهديدٌ للأمن القومى المصرى خاصة فى معناه الثقافى والهوياتى. فالدولة التى لا تملك هويةً وطنية راسخة، تحمى مؤسساتها من النقد التفتيتى، لا تصمد أمام الأصولية والميليشيات والتدخل الخارجى.

هذا يعنى أننا عندما نقول «الأمة»، فينبغى أن يحيل ذلك فى الذهن للأمة المصرية، وعندما نقول «نحن» فالقصد نحن المصريين، لا «نحن» التى يرددها الخطاب الرجعى الذى- حين يرى مصر جزءًا من كل- يستهدف استخدامها فى خدمة قضايا لا تخصها. لسنا ذلك الـ «نحن» الذى يتمثل فى قول القائل «عندما كانت لنا رجل فى الصين ورجل فى الأندلس..»، القصد من «لنا» هنا ليس نحن المصريين، فلم يكن لمصر قط رجل فى الصين وأخرى فى الأندلس.

علينا التمييز بين القيمة المعرفية لمن ذكرنا من رموز هذا التيار؛ هناك تفاوت ضخم بين مفكر كبير مثل إدوارد سعيد، وأسماء ذات أجندات حركية وناشطية مباشرة، أو اهتمامات ضيقة، محدودة. مع ذلك، ما يتفقون عليه ويجمعهم هو ما يهمنا، حيث ينتهى لأثر ضار بحياتنا، وهذا أهم بالنسبة لنا مما يختلفون فيه، ويتمايزون به.

وربما كان وضع إدوارد سعيد تحديدًا معهم هو الأكثر إشكالًا، غير أن معيارنا هو الأثر الحتمى لمجموع تلك الخطابات حين تُصبُ على التربة العربية والمصرية المستعربة، حيث العقل الدينى الرجعى المهيمن انتهازى بطبعه، جاهزٌ دائمًا لالتقاط كل ذخيرة ممكنة، ليُحوِّلها إلى حجة فى مواجهة الدولة الوطنية الحديثة، التى تعمل على تحسين حياة مواطنيها، وتتطلع نحو ذلك ماديًا ومعنويًا، وصولًا نحو كامل التحقق فى الحريات الفردية، وحقوق المرأة، والأقليات، والمواطنة الكاملة. 

وأما النوايا مُعلَنة أو غير معلنة، فلا تهمنا.

أشرنا إلى أن المسألة فى وضع إدوارد سعيد «١٩٣٥-٢٠٠٣» مع باقى الأسماء التى شملها هذا المقال متعلقة بتوظيف إنتاجه الفكرى أكثر من أى شىء آخر، ومن هنا قد لا يمكن لومه على توظيف أفكاره رجعيًا فى السياق العروبى والمستعرب، مع ذلك لا يمكن نغفل عن غزارة ذلك التوظيف، فضلًا عن تجاهله الواضح من إدوارد نفسه، وقد لا يهم هنا أصوله الفلسطينية. وفى كل حال لا يحول تسليمنا بمنزلته الأكاديمية؛ عن نقد كتابه «الاستشراق» (١٩٧٨)، رغم أنه من بين الكتب الأكثر تأثيرًا فى حقل الدراسات الثقافية، ونقد الاستعمار فى القرن العشرين. 

هذا الكتاب يزعم أن «المعرفة» التى أنتجها الغرب عن «الشرق» ليست محايدة، بل هى نظامٌ من المعرفة- السلطة يُنتج صورةً نمطيةً للشرق باعتباره متخلفًا وعاجزًا وغير قادر على إدارة نفسه، وذلك لتبرير الهيمنة الاستعمارية عليه. يتكئ سعيد على المنهجية الفوكوية فى تحليل الخطاب، ويمزجها برؤيته المستقاة من المعنى الجرامشى للهيمنة الثقافية، ليُقدِّم فى النهاية دفاعًا عن حق «الشرق» فى أن يُعرِّف نفسه بنفسه.

إدوارد سعيد نفسه كان مثقفًا علمانيًا، لا تربطه صلة مباشرة بالإسلام السياسى، وكتاباته عن الموسيقى الكلاسيك، وعن المثقف ورسالته، وعن الثقافة والإمبريالية، تكشف عن شخصية إنسانية كبيرة. مع ذلك، فإن كتاب «الاستشراق» تمت إسالته فى الثقافة المحلية ليتحوَّل إلى آلية دفاعية ونفسية تمنح الذات التراثية/الرجعية «صك براءة» من عيوبها البنيوية؛ فهى خير وحق أمام شر الحداثة وضلالها، من هنا قد ينظر لرفض الهيمنة الدينية الرجعية، ومحاولات التفاعل الإيجابى مع الحداثة والآخر الغربى كنوع من التماهى مع المستعمر، ويقال انبطاح، وتخاذل، واستسلام، فى خلط بين الغرب الحضارى والغرب السياسى.

هذا التحريف استُثمر رجعيًا ببراعة، فبدلًا من توظيف سعيد لنقد بنى السلطة وآليات الهيمنة الثقافية من أجل بناء نقد ذاتى حقيقى، أصبح الكتاب مُبرِّرًا للانغلاق، ورفض النقد الذاتى، وتصوير للآخر بوصفه مصدر البلاء. سعيد الذى طالب المثقف باستقلاليته وعدم انتمائه الأعمى لأيديولوجيا بعينها، وُظِّف لتبرير أشد الأيديولوجيات انغلاقًا، أحط حزمة قيم وتصورات فى التاريخ البشرى، ونعنى بذلك الهيمنة الدينية الرجعية، التى تُمركِز ماضى شبه جزيرة العرب باستعمال الدين، أو بتحميله على المقدس، وتحويله إلى أيديولوجى سياسى استعمارى تخريبى، فهو نوع غير نمطى من الاحتلال، امتد من الأرض للعقل، يعادى الآخر المختلف، والعلم، والفن، والمرأة، والهويات الوطنية عامة، ومصرية مصر بصفة خاصة.

حسن حنفى
حسن حنفى

حنفى «١٩٣٥-٢٠٢١» أحد أكثر المفكرين المصريين المستعربين إنتاجًا فى القرن العشرين. مشروعه الفكرى «التراث والتجديد» يشتمل على ثلاثة محاور متكاملة؛ الموقف من التراث القديم، والموقف من التراث الغربى الذى تُمثِّله «مقدمة فى علم الاستغراب»، والموقف من الواقع فى إطار نظرية التفسير. 

«علم الاستغراب» كما رسمه حنفى هو محاولة لبناء علم موازٍ للاستشراق فى الاتجاه المعاكس: إذا كان الاستشراق رؤيةَ الغرب للشرق، فالاستغراب هو رؤية الشرق للغرب، وغايته «رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية». وأعلن حنفى أن التراث «نقطة البداية كمسئولية ثقافية وقومية»، وأن التجديد «إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر».

لقد سلم ابتداء- كسابقه ولاحقيه- بمركزية ماضى شبه جزيرة العرب، وامتداداته وتوابعه خاصة فى العراق والشام. 

فى باريس عايش حنفى المشهد الفلسفى الأوروبى عن كثب. غير أن مشروعه يحمل فى بنيته إشكاليةً عضوية: فحين يتم مركزة التراث العربى القديم ويصبح هو دائمًا المرجعية، المثل الأعلى، سقف القيم، ويكون مجرد إعادة تفسيره هو التجديد، وغاية الطموح، فإن الإطار يظل أسيرًا للماضى العربى القديم بتصوراته ومنظوماته المعرفية والقيمية منتهية الصلاحية، والحداثة مجرد أداةٍ لإضفاء الصبغة الثورية على ذلك الماضى لا لتجاوزه، والقطيعة معه. وقد آل المشروع إلى تلوين التراث الدينى الرجعى بصبغة يسارية ثورية. هذا وفَّر غطاءً شرعيًا للأصولية بدلًا من نقدها وتفكيكها. والأثر الصافى لمشروع الاستغراب فى الوعى «العربي» كان فى الغالب تحفيزيًا للنرجسية الثقافية لا انطلاقًا نحو بناء حضارى مختلف.

المسيرى
المسيرى

المسيرى «١٩٣٨-٢٠٠٨» صاحب ثمانية مجلدات بعنوان «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيرى جديد»، كرَّس فيها جهدًا بحثيًا كبيرًا- مثيرًا للعجب أكثر من إثارته للإعجاب- لتفكيك المشروع الصهيونى.

والمشروع الفكرى للمسيرى لا يمكن اختزاله فى نقد الصهيونية. هو فى جوهره مشروعٌ معادٍ الحداثة، والعلمانية، وقد حاول أن يبرر ويؤسس للتمييز بين ما أسماه «العلمانية الجزئية» التى يقبلها «بوصفها فصل الدين عن الدولة» من جهة، و«العلمانية الشاملة» التى يرفضها ويعتبرها أصل الداء «بوصفها فصل الدين عن الحياة» من جهة أخرى، إنه يرى العلمانية شرًا، تُحوِّل الكون إلى مادة خام قابلة للاستغلال دون قيم متجاوِزة، وتُجرِّد الإنسان من إنسانيته وتُحوِّله إلى مجرد كيان مادى وظيفى، وقبوله لما أسماها الجزئية دون الشاملة باعتبارها أخف الشرين.

قضى المسيرى عقودًا فى صياغة هذا الإطار التحليلى، حيث يجعل من «العلمانية الشاملة» جذرًا مشتركًا للصهيونية والفاشية والرأسمالية المتوحشة والإمبريالية على حدٍّ سواء، ثم يُقدِّم الإطار الدينى الإسلامى باعتباره المرجعية البديلة الكفيلة بإنقاذ الإنسانية.

ويضيق المقام عن النقد التفصيلى لتهافت تصورات المسيرى وافتكاساته الاصطلاحية، ويكفى هنا أن نتصور ذهابه ببضاعته للغرب، حيث ستظهر حقيقتها غير الأصيلة، المنحوتة من فلاسفة غربيين، خاصة ماكس فيبر وإريك فروم، ولعله كان مدركًا بأنه يتوجه للجماعير المتعطشة لمن يطمئن توترها، بين رجعية فاشلة خاضعين لها، وحداثة واضحة التفوق والنجاح. 

استعمل المسيرى أساليب كثيرة تجعله جديرًا بلقب «شعراوى المثقفين»، نقده الرجعى فى جوهره للحداثة الغربية، حين يُترجَم فى الواقع الفكرى المشوَّه بالهيمنة الدينية الرجعية، لا يُستخدَم للبناء، بل يُستخدَم صك براءة للروحانيات الزائفة؛ تمامًا كأن بديل الحداثة الطبية، الكخة، هو الغيبيات وأساليب التداوى التراثية البدائية، بالأعشاب والحجامة وما يوصف رجعيًا بالطب النبوى. هكذا يُدفَع الوعى العام نحو مزيد من الغيبوبة والرجعية، بينما يبقى الغطاء الأكاديمى شاهدًا على «أصالة» ذلك الانتكاس. لم تنشأ ظاهرة دكتور ضياء العوضى وطيباته المؤذية، من فراغ. 

التقابل الذى تبناه المسيرى بين ما زعمه من المادية الغربية هناك والروحانيات عندنا، كان فى حقيقته تقابل بين الحداثة والرجعية، العلم والخرافة. لا يحتاج المرء الكثير من التأمل حتى يدرك أن كلمة «روحانيات» والألفاظ التى تحيل إليها من تعبيرات واصطلاحات المسيرى تعنى فى الحقيقة الخرافة. 

وما هى الروحانيات إن لم تكن مثلًا فى مسرحيات شيكسبير، وروايات تشارلز ديكنز، وموسيقى بيتهوفن، وأوبرات فاجنر، ولوحات فان جوخ، وبيكاسو؟!

النتيجة الحتمية للتصورات المسيرية هى أن منجزات الحداثة الغربية- من حقوق الإنسان إلى المؤسسات العلمانية والديمقراطية التمثيلية- تصبح خطيرة على الهوية «الاستعرابية فى مصر» أو هى مشبوهة فى أحسن الأحوال. هذا بالضبط ما يحتاجه العقل الدينى الرجعى من غطاء مدجج بالرطانة الأكاديمية أو شبه الأكاديمية: أن يقال له بالنحوى، إن الحداثة «تُطمس روح الإنسان وتُجرِّده من إنسانيته»، ليبنى على ذلك شرعية رفضه لكل ما جاءت به من نظم وقيم لتحسين الحياة. 

المفارقة الدالة أن المسيرى- شأن كل أفراد تيار البؤس الفكرى ممن ذكرناهم ولم نذكرهم- عاش مُطبَّقًا على حياته كل منجز تقنى وطبى للحداثة التى ينتقدها. 

هل قلت إنه جدير بلقب شعراوى المثقفين؟ هذا اللقب الدال ليس من اختراعى، كل التحية لمن اقترحه. 

وائل حلاق
وائل حلاق

وائل حلاق «مولود فى ١٩٥٥» أكاديمى كندى من أصل فلسطينى، أستاذ للدراسات الإسلامية فى جامعة كولومبيا، عمله الأشهر كتاب «الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقى»، ٢٠١٢.

تقوم أطروحة الكتاب الرئيسية على مسلَّمتين: الأولى، أن الدولة الحديثة بنيةٌ لا أخلاقية، تعتمد على الأجهزة البيروقراطية والقمع المنظَّم والسيطرة بالمعنى الفوكوى، وتُقصى البعد الأخلاقى الروحانى. والثانية، أن الحكم الإسلامى ما قبل الحداثى كان نموذجًا أخلاقيًا متكاملًا أكثر إنسانيةً وعدالةً من الدولة الحديثة، إذ يقدِّم ما يوصف رجعيًا بالشريعة الإسلامية لا بوصفها قانونًا، بل منظومةً أخلاقية شاملة. يستخدم حلاق فى بناء هذا الإطار منظومةً فكرية غربية معقدة: من ماكس فيبر وميشيل فوكو وكارل شميت وتشارلز تايلور.

المفارقة هنا صارخة على أكثر من صعيد: حلاق يرفض «أسلمة الدولة» بوصفها محاولةً لتطبيق بنية حداثية على مضمون «إسلامى»، ويرفض فى الوقت ذاته الدولة الحديثة، وبما أن إذن، هيا إلى نموذج الحكم الدينى الرجعى ما قبل الحداثى، أى الخلافة. ولا تدرى هل لم يطلع حلاق- فى ذلك النموذج المتوهم- أم اطلع وتجاهل، على الاستبداد، والصراعات الدموية، على وضعية المرأة، ومنظومة الغزو، والرق والعبودية.. إلخ؟!

وكالعادة، تنتهى أطروحاته عند الإفراغ والهدم دون بناء. أخطر من ذلك أن هذا التفكيك النظرى الكامل يتم من داخل قاعات جامعة كولومبيا فى نيويورك، حيث يتمتع وائل حلاق، وكل الحلاقين، بثمار الاستقرار الحقوقى، والتطور التقنى والطبى الذى أنتجته الحداثة الغربية، فى حين ينتهى كلامه فى الوعى العربى والمستعرب، إلى تبرير كراهية التمثل الأكبر للحداثة فى الدولة الوطنية الحديثة، لصالح الهيمنة الدينية الرجعية خاصة فى شكلها التنظيمى، من جماعات إرهابية كالإخوان.

خالد فهمى
خالد فهمى

دكتور خالد فهمى مؤرخٌ مصرى تلقَّى دكتوراه من أكسفورد، وعمل أستاذًا فى جامعة نيويورك ثم فى كامبريدج، وله مؤلفات عديدة فيما يبدو كتأريخ اجتماعى لمصر الحديثة. كتابه الرئيسى «كل رجال الباشا: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة» يتخذ شكل بحث أكاديمى، يعنى يفترض أنه بمنهج علمى، لكنه يُعيد قراءة المرحلة التأسيسية للدولة المصرية الحديثة، بتربص واضح، وشيطنة لتجربة النهضة والحداثة، خاصة الجانب القمعى لعملية التحديث التى قادها محمد على، «كان على الباشا محمد على أن يجرى انتخابات تعددية تحت رقابة دولية»، ويجتهد خالد فهمى- الدكتور- فى بيان كيف أن الجهاز العسكرى قام بالأساس على تجنيد قسرى، واستخدم فى العموم آليات الإكراه فى عملية التحديث.

لست باحثًا ولا مؤرخًا، إذن لقمت بعمل أبحاث مشابهة، أجمع فيها حصيلة تنقيبى فى السجلات والوثائق، لانتقاء ما يؤكد الجوانب الإيجابية، وهى كثيرة، لتجربة النهضة والحداثة بداية من تأسيس محمد على الدولة الحديثة فى مصر، فى تلك الحال سأرصع الكتب بالمراجع، والاستشهادات، ولعلى أقدم أبحاثى للخواجات الذين يغيب عنهم إدراك السياق المصرجعى، حيث حركة تاريخية ضخمة قامت بها الرجعية الدينية المهيمنة على العقل والحياة، بدأت مع محاولة النهضة والحداثة لاحتواء تلك المحاولة، وقد نجحت لدرجة إنتاج ذلك الطيف الضخم، هائل التنوع، والذى لعله التيار الرئيسى الآن، من المتعلمين و«المفكرين» الذين يعبرون عن المراد الرجعى، خارج اللغة الدينية المباشرة، وهذا جوهر ما أسميه «الحوشاشة الدينية»، ويبلغ الأمر مداه مع خالد فهمى، لدرجة استعمال الرطانة الأكاديمية، وما يبدو أبحاثًا بمناهج علمية. 

لست سوى قارئ، أعرض وجهة نظرى، وأقرأ بعين ناقدة، لا أستسلم لإملاءات الكاتب، ومن ثم فإن أداتى فى كشف زيوف ما تبدو أبحاثًا علمية «للدكتور» خالد فهمى هى النقد الداخلى لمؤلفاته نفسها، وفى عمومها ستجد التناقض، والقراءة المتعسفة، وذلك الفرض القسرى للرؤية الغلاوية، المتربصة، المعادية، المشيطنة، للحداثة وتجربتها فى مصر، والتى تصل درجة الشخصنة مع محمد علي. وتلك الرؤية ممتدة فى كل مؤلفات دكتور خالد فهمى، لدرجة أنك تستطيع أن تعتبرها مؤلفًا واحدًا، يمكنك نقل فصول من هنا، ووضعها هناك بكل سهولة، من «كل رجال الباشا» إلى «الجسد والحداثة» إلى «السعى للعدالة»، حتى كتابه «ولى النعم». 

ولعل القارئ قد لاحظ التكامل أو التناغم بين أطروحات مختلف الأعضاء فى «شلة البؤس» السابق الحديث عنهم واللاحقين. ويكاد لا يضيف خالد فهمى جديدًا من الوجهة الفكرية، لا يمكن اعتباره مفكرًا، إنه فقط عابد لميشيل فوكو، متربص بارع فى انتقاء الحكاويت التاريخية المؤيدة لرؤيته المعادية للدولة المصرية. والتاريخ مثل الواقع، بلا ضفاف، كما يقول سارتر. دائمًا يمكنك انتقاء ما تريد ما دمت متربصًا بانحياز معرفى، لفرض الرؤية المسبقة على المنتج النهائى. 

هذا الفرض القسرى للرؤية، على ما يبدو أنه نقد أو بحث تاريخى، يطيح بعلمية المنهج، ونتيجته الضمنية، بل ربما الصريحة، التشكيك فى مشروعية المؤسسات التأسيسية للدولة المصرية. فحين تصبح الرواية التاريخية السائدة عن الجيش المصرى مجرد أداة للقمع، لا ركيزةً للبناء الوطنى، وحين تُقدَّم التجربة التحديثية فى مصر بوصفها «استعمارًا داخليًا» لا نهضةً تعثَّرت فى أماكن وأصابت فى أخرى، شأن كل تجربة بشرية، فإن الأثر العملى لهذا الخطاب فى السياق المصرجعى- خاصةً قبيل ٢٠١١ وما بعدها- كان إضعاف السند الوطنى للمؤسسات الوطنية فى أشد لحظاتها حرجًا. 

قناع البحث التاريخى والنقد الأيديولوجى التفتيتى، فى إطار ما بعد استعمارى، يستخدمان أحيانًا الأدوات المنهجية ذاتها، غير أن الغاية والسياق يُحددان المعنى. 

واستكمال البروفايل الفكرى للدكتور خالد فهمى يسهم فى إيضاح الصورة، إنه عاشق للدولة العثمانية، قل الخلافة، قول ما تنكسفش، ويرى أننا ينبغى أن نكرس وجودنا لصالح القضايا العروبية، هو داعم للأفروسنتريزم، ضد المركزية الأوروبية الشريرة، بايع حضارة مصر القديمة للأفارقة السود؛ لأنهم- يا كبدى- تعرضوا للاضطهاد من الرجل الأبيض الكولونيالى الاستعمارى، أبوعيون بتطج شرار. المنطق هنا أنه عندما ينط حرامى فى بيتكم للسرقة، عليك أن تتفهم دوافعه، فقد تعرض «للزولم» ومن ثم عليك أن تترك له بيتك وبيت أجدادك، لتثبت إنسانيتك وحنية قلبك. 

ذلك المنطق لا يسرى لدى الدكتور خالد مع الصهيونية، التى قامت على أساس حل إشكالية اضطهاد اليهود فى أوروبا الذى وصل لدرجة أفران الغاز، ولا يقول دكتور خالد هنا إن على الفلسطينيين أن يتركوا بلادهم لليهود، الذين عانوا هم أيضًا من «الزولم»، بل يرى إن على مصر أن تترك كل شىء وتقحم نفسها فى الصراع، وتحارب- فورًا حالًا بالًا- من أجل تحرير فلسطين، بصرف النظر عن كل اعتبار، وعلى أساس «حوشاشة دينية» انتحارية تستخدمنا فى صراع وجودى صفرى، يخرب حياتنا وبلادنا. 

تميم البرغوثى
تميم البرغوثى

تميم البرغوثى شاعرٌ فلسطينى وُلد فى القاهرة «١٩٧٧»، نال دكتوراهه من جامعة بوسطن فى العلوم السياسية، كالعادة جامعة فى الغرب الشرير، وله كتاب بالإنجليزية عن «تشكُّل الهوية السياسية فى الإسلام». تمتد قصائده وخطابه السياسى حول ثيمات الأمة والنكبة والمقاومة وفلسطين.

البرغوتى شاعرٌ محدود الموهبة. الخطاب الذى يُنتجه- شعرًا وتحليلًا وتشنجات كراهية صفراء كبول الإبل تتخذ شكل بوستات سوشيال ميديا- ذلك الخطاب ينطوى على رؤية سياسية ضحلة، موتورة، تجعل من فلسطين الشاهد والنموذج، مركز مدار الجلال وقطب فلك الجلال برضه، المركز الذى ينبغى لما يقال له «الوطن العربى» أن يدور حوله وينظم أولوياته. فى تلك الرؤية، الهوية الوطنية المصرية تصبح «شعوبيةً مُفتِّتة» فى مقابل وحدة الأمة، «البعرية». هذا يُناسب إعادة توليد المشاريع الأصولية، خاصة الجماعات الإرهابية بأشكالها المختلفة، التى ثبت فشلها، وتفريطها عند التمكن.

وقد رأينا وسنرى تلك الجماعات، وداعميهم، يتاجرون بكل شىء لأجل السلطة، ويسوقون مزاعم انكشفت انتهازيتها كثيرًا، كما حدث من النظام «الإسلامى» فى سوريا الذى فرط فى الأرض بكل بساطة لصالح إسرائيل، وأكثر بضاعتهم رواجًا المتاجرة بمحنة الشعب الفلسطينى. من هنا نقترح أنه يجوز ولعل الأصول الفلسطينية للبرغوتى- وكثيرين غيره- تدعوهم لتبنى وترويج مثل تلك الاقتراحات، إذ ربما تسهم فى جلب الدعم للكفاح الفلسطينى، عبر تأكيد وعى هوياتى هلامى، موسع، مزيف، ضد الوعى الوطنى المرتبط بدولة الحداثة، التى حين تستهدف تحسين حياة المواطنين فهى بالضرورة تنأى بهم عن الصراعات العبثية، جالبة الخراب. 

ولسنا فى مصر ضد دعم الكفاح الفلسطينى، وليس كمصر من داعم للحقوق الفلسطينية، لكن شتان بين التعاطف والدعم على أسس إنسانية وحداثية، وبين توهمات الأيديولوجى الدينى الرجعى التخريبى، الساعى نحو تذويب الهوية المصرية فى الكل الرجعى، وتخريب الدولة الحديثة، واستلابها واستخدامها أداة فى خدمة قضايا خارجها، لا تؤدى لتحسين حياة المصريين، بل تجلب الخراب وتكرس التخلف.

وأما الست، الدكتورة برضه، هبة رءوف عزت، فتعمل فى المساحة ذاتها بأدواتٍ مختلفة: لها مشروع يجمع بين الأطروحة الدينية الرجعية السياسية وخطاب الحقوق والمجتمع المدنى، تسعى إلى «إعادة قراءة الإسلام السياسى» من داخل اللغة الحقوقية والديمقراطية، وهو ما يجعل مشروعها فى حقيقته تلبيسًا للأيديولوجيا الماضوية بثوب حداثى. 

كلا الصوتين، الشاعر والدرويشة، يطعن فى الحدود السياسية للدول الوطنية واعتبارها مجرد «إفرازات استعمارية»، مما يُغذِّى الفكر العابر للحدود الذى أدى عمليًا إلى انهيار دول بأكملها وتحولها إلى ساحات للميليشيات.

رباب المهدى
رباب المهدى

رباب المهدى أستاذ فى العلوم السياسية، ذات ميول يمكن وصفها باليسار الرجعى، ومشاركة فى أبحاث الحركات الاجتماعية والنضال العمالى، كانت من الأصوات الداعمة لهوجة يناير ٢٠١١ وما تبعها، وكانت -مع بلال فضل- من أعضاء الفريق الانتخابى للمرشح الإخوانى- بس كان عامل مش إخوان- عبمنعم أبوالفتوح. 

تلعب المهدى الحجلة بساحة التشكيك فى شرعية الدولة الوطنية بأدواتٍ يسارية الظاهر، وبهدف تكريس الهيمنة الرجعية من باب الديمقراطية والحقوق. ففى غياب دولة وطنية راسخة تحمى الحقوق الفردية وتضمن الأمن والقانون، لا تنمو الديمقراطية ولا يعيش المجتمع المدنى، بل تنمو الجماعات الرجعية وميليشياتها.

وأما د. مونيكا حنا، فهى أثرية مصرية، تزعم أنها ذات أصول حبشية، انخرطت فى النشاط السياسى إبان هوجة يناير ٢٠١١. حماية التراث الأثرى قضيةٌ مشروعة طبعًا. المشكلة تكمن فى استعمال ذلك كأساس لانسياقها فى ترديد ما يراد أن ينسب لأثرية مصرية، من جهات أكاديمية وإعلامية وفنية مشبوهة، ويكثر ظهورها فى وثائقيات ومقابلات مع شبكات أجنبية، منها وثائقى عن سيدنا موسى، لدعم الأفروسنتريزم، وعداء المركزية الأوروبية «اليوروسنتريزم»، يعنى فى العمق الحداثة الغربية، مع الطرمخة على السردية الرجعية والتوراتية بشأن مصر القديمة، فى إطار سياسى وناشطى تفتيتى، يجعل من الآثار ورقة ضغط فى سياق صراعات ضد الآخر «الاستعمارى الشرير»، ويُلبِس محاربة النزعة الوطنية المصرية «الكميتية» ثوب الأكاديميا ما بعد الكولونيالية. وحين تُبنى شرعية المطالبات السياسية على خطاب الهوية الآثارية خارج سياقها الوطنى المصرى، فإنها تنزلق إلى مزايدات ضد الهوية المصرية عن امتدادها التاريخى.

يتلخص المشهد الراهن فى مواجهة صفرية بين مركزيتين: مركزية العقل والإنسان «الحداثى»: جوهرها أن الإنسان سيد مصيره ومسئول عن تطوره. منجزاتها طفراتٌ علمية وحقوقية وطبية ومؤسساتية كبرى، رغم أخطائها الاستعمارية التاريخية الواجب نقدها. موقفها من النقد الداخلى: بنَّاء يستهدف التطوير المؤسسى.

مركزية الماضى الأصولى «الرجعى»: جوهرها القداسة لتجربته البدوية القديمة. «منجزاتها» الواقعية حياة فاسدة وفشلٌ على كل مستوى. موقفها من نقد الحداثة: تربُّص تخريبى يستهدف تقويض الدولة الوطنية الحالية. 

مونيكا حنا
مونيكا حنا

نحن أمام ظاهرة فكرية تعمل لصالح الهيمنة التراثية العربية القديمة على العقل والحياة. وظيفة هذا التيار تثبيت الفشل الحضارى الراهن عبر التربُص المستمر بتجربة الدولة الوطنية الحديثة، الابن الشرعى لمحاولة النهضة والحداثة فى مصر، وتفكيك شرعية هذه الدولة ومؤسساتها وحدودها السياسية دون تقديم بديل حضارى حقيقى قابل للتطبيق، أسهم هذا التيار- الحوشاشجى- فى إضعاف الحصانة الفكرية للمجتمعات أمام ضربات الأصولية الدينية والميليشيات العنيفة. وقد شهدنا بأعيننا نموذج ذلك فى سوريا وليبيا والعراق واليمن، والسودان، حيث أفضى تفكيك شرعية الدولة إلى فراغ ملأته الميليشيات لا الديمقراطية.

هبة رؤوف عزت
هبة رؤوف عزت

إن بيع وهم «التميز الروحى والأخلاقى التراثى» لشعوب محبطة ومأزومة، مستلبة رجعيًا، ليس إلا نوعًا من التخدير والتخريب الثقافى. ورغم أن بعض الأسماء تطرح نفسها تحت لافتات الليبرالية أو اليسارية أو التأريخ العلمى المحايد، فإن النتيجة الحتمية والحركية لمنتجاتهم الفكرية هى تغذية العقل الدينى الرجعى المهيمن لدينا، وإمداده بغطاء معرفى يبرِّر به كراهيته للآخر الحضارى المتفوق، وتجربة الحداثة عمومًا.

ويجدر بنا القول، إن نقد تجربة الحداثة الغربية ضرورة تصحيحية، فى المجتمعات التى استكملت شروط التحديث وعاشت فى ظله. لسنا ضد ممارسة هذا النقد فى سياقه الأصلى، وإطلاعنا عليه للتعرف على تفاصيل المسيرة الحضارية الغربية، مرادنا فضح استعماله فى مجتمعات لم تدخل الحداثة بعد، ولم ترسّخ فيها قيم العقل والعلم والمواطنة، للصد عن سبيل الحداثة وتكريس التخلف. إذن فالبديل ليس الدفاع الأعمى عن الحداثة الغربية ومركزيتها، بل نقدٌ حداثىٌّ عضوى يعمل من داخل مشروع الحداثة لتطويره، وينطلق من الهوية الوطنية المصرية الخاصة- بكل تعقيداتها وتناقضاتها- لا من أيديولوجيا تُعيد إنتاج ماضى شبه جزيرة العرب جزئيًا وكليًا، فرديًا وجماعيًا، بوصفه مركزًا، وأفقًا للمستقبل. نقدٌ يعى أن لمصر حق التقدم والرفاهية المستقلة، وأن هذا الحق لا يتحقق بقطع صلتها بالتجربة الإنسانية فى بناء الدولة الحديثة، بل بالمشاركة الفاعلة فى هذه التجربة من موقع هويتها الحضارية العريقة، بوصفها أمة بذاتها.