الإثنين 10 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

لولا البنات.. مصر تبحث عن غناء جديد «قبل أن يبور الورد»

حرف

- الإنسان لا يستغنى عن الموسيقى من الميلاد إلى الرحيل

اللى بيسأل: يا مصر بتعمليها إزاى؟.. أكيد ما يعرفش مصر.. أو على الأقل ما يعرفهاش كويس.. وبرغم بساطة السؤال.. فإنه يكشف عن «حيرة وشوشرة» لدى قطاع كبير من جيل جديد تتشكل روحه على إيقاعات مضطربة فتبدو وكأنه يمارس «الزار» الرقصة الأولى التى اخترعها المصريون لكسب ود «حتحور» إلهة الجمال والموسيقى واستعطافها لطرد الأشرار من بلادهم وحياتهم بـ«شخشيخة» اخترعوها من الصلصال ورقصوا على إيقاعها طربًا فى حين.. وألمًا فى أغلب الأحيان. 

فى هذه المساحة المضطربة يمرق البعض إلى سطح الحكاية عن جهل غالبًا لينتقد أو يمدح أو يشتبك بطريقته الحديثة من خلال «بوست» أو «تويتة».. وبتصيد كامل لما يقدمه أهل الموسيقى فى مصر فى هذه الأيام.

عمرو دياب.. أنغام.. شيرين عبدالوهاب.. رامى صبرى.. محمد حماقى.. أحمد سعد وعشرات الأسماء التى نعرفها كانت فى قلب المعركة.. ليست معركة إيران وأمريكا وربيباتها بالطبع. معركة أغانى الصيف وربما تمتد الخناقة إلى «الشتاء» أيضًا.. وما أدعيه أن الأمر ليس جديدًا..

فلا دياب غنى ما يتناقض مع مسيرته السابقة.. ولا شيرين عبدالوهاب سقطت من السابع حينما تغزلت مع محمد حماقى فى «البلكونة البحرية».

هو التاريخ فقط يستعيد ذاكرته ويتوقف بشكل طبيعى فى مفترق طرق ليحدد وجهة الرحلة القادمة.. ليس فى الغناء والموسيقى فقط.. ولكن فى السياسة والجغرافيا والاقتصاد أيضًا.. كل الطرق تؤدى إلى نقطة فاصلة ما بعدها لن يكون شبيهًا بما قبل حتى وإن تحمل بعض ملامحه. 

فلما انتهت حبابة.. قال: «أريد أن أطير»

تاسع خلفاء الدولة الأموية واسمه يزيد بن عبدالملك.. يلقبه المؤرخون بيزيد الثانى.. تقول الكتب إنه حكم فى الفترة من عام ٧٢٠ إلى عام ٧٢٤ ميلادية تاليًا للخليفة عمر بن عبدالعزيز. وقد كتبوا أنه كان مُغرمًا وهو خليفة بمطربة اسمها حبابة.. وحسب الروائى والمؤرخ جورجى زيدان، مؤسس دار الهلال، فإن الخليفة كان قد طرب لغناء حبابة حتى ثمل من موسيقى غنائها، فقام من مجلسه يهتف «أريد أن أطير».. هكذا انتشى الخليفة فماذا عن الشعب؟.. الناس حتمًا على دين ملوكهم يطربون.. والناس فى مصر لا يكتفون بالنشوة.. يتقربون إلى ملوكهم وسلاطين دولهم مثلما فعلوا أيام «حتحور».. ويلعنون مطربيهم أيضًا مثلما فعل أجدادهم من العرب والمستعربين. 

هل أتاكم حديث اتفاق؟

فى القرن الرابع الميلادى ولدت صبية فلاحة من بلبيس- التى لا لم تكن تتبع الشرقية فى حينها- لأب يعمل فى البناء «فواعلى يعنى».. وقيل إنها كانت تساعده وتغنى وذاع صيتها فاشترتها «متعهدة» ودربتها على أصول الغناء لتنطلق فى ليالى القاهرة الساحرة.. ووصل صيتها إلى الملك «الصالح إسماعيل» وأخويه.. الملك الكامل شعبان والملك المظفر.. وأحبها ثلاثتهم.. وتزوجها ثلاثتهم أيضًا.

ونقلًا عن ابن حجر العسقلانى وابن تغرى بردى والمقريزى لم تكن سوى جارية سوداء.. ولكن كان صوتها عظيمًا وعنيدًا وقادرًا على سحر رجال وإن كانوا من السلاطين.. حتى إن زوجها الثانى السلطان الكامل بنى لها بيتًا طوله اثنتان وأربعون ذراعًا بتكلفة قدرها خمسة وعشرون ألف دينار مصرى.. وحسب الباحث كانت «اتفاق» تمتلك أربعين بذلة مزركشة مرصعة بالجواهر وستة عشر مقعدًا مزركشًا بها كذلك.. ويضيف الباحث فى كتابه النادر «سيدات الطرب والغناء» عن زيجتها الثالثة أن ثالث سلطان من أبناء قلاوون انهمك فى اللذات وانشغل بها عن الحكم وأفرط فى حبها حتى ذاع خبر هيامه بين الأمراء.. فخشى من انقلابهم عليه فأخرجها من القلعة بعد أن خلعت «عصبة رأسها لتودع فى خزانته».. بعد أن أنفق عليها ثلاثة سلاطين حتى بلغت قيمتها مائة ألف دينار مصرى.

لست مهووسًا بتاريخ السلاطين حتى أزيدكم من حكايات اتفاق وأخواتها.. لكننى فقط أشير إلى أن الغناء لم يكن يومًا بعيدًا عن ساحات الحكام.. مثلما هو متغلغل فى عروق الخشب وعيدان الجريد التى يتظلل بها الفقراء فى سقوف منازلهم.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. نعم.. ولا بالموسيقى.. لكنه لا يستغنى عنها فى كل حالاته من الميلاد إلى الرحيل حيث تودّعه النساء «الندابات».. من أيام المماليك وحتى هذه اللحظة فى صعيد مصر. 

«ولا تتكلونى 

على عيال بطنى 

يطول المطال 

ويزعلوا منى 

ولا تتكلونى

على عيال حشاى

يطول المطال ويزعلوا وياى

ولا تتكلونى

على العيال البوصى

ما يشيل الحمول

غير الرجال الخوصى».

ولى النعم.. من المذبحة إلى أحفاد بيتهوفن

يمكننى أن ألخص حال الموسيقى فى بلادى خلال مائتى عام ويزيد فى شارعين.. أولهما يحمل اسم بانى مصر الحديثة «محمد على» ولى النعم.. وثانيهما شارع الهرم.. الذى أنشأه حفيده الخديو إسماعيل لتمر من خلاله مواكب السلاطين والأمراء وعربة «أوجينى» فى طريقها إلى الأهرامات الثلاثة.

لم يكن ولى النعم الذى فرغ من مذبحته بقتل ما يزيد على خمسمائة أمير من المماليك يهدف إلى إقامة شارع للموسيقى والغناء.. لم يدر بخلده أنه سيصير موطنًا لسنية ترتر وفارسها الذى منحه حفيده لقب «باشا» لأنه أعجبه وهو يعزف فى حفلات «أعراس الأنجال» حسب الله السادس عشر.. كلاهما الجد والحفيد كان يحفر جسرًا بين قصوره وقصور قواد جيشه وأعيان حكمه.. لكن الناس كان لهم رأى آخر فتحول الشارعان إلى شاهد أعظم على أهم التحولات فى تاريخ الغناء المصرى الحديث الذى يدخل فى هذه اللحظة غرفة الإنعاش بحثًا عن بداية جديدة.

إزاى.. بين منير وبهاء سلطان

لم تكن الحيرة التى أصابت «سوق الغناء فى مصر» وليدة أغانى هذا الصيف.. بل هى نتيجة طبيعية لنوع من الغناء انتهى فعليًا منذ ما يزيد على خمس عشر سنة.. حينما وقف الفتى الأسمر صاحب التجربة الأهم فى دمج غناء الجنوب المصرى بموسيقى الغرب محمد منير وهو يصرخ «إزاى ترضى لى حبيبتى»، فيما كان هناك عدد من أذناب المتآمرين يفجرون «كنيسة القديسين فى الإسكندرية».. تلك التى راح ضحيتها ثمانون رجلًا وشابًا من أهل مصر دون ذنب ارتكبوه، ولم يكن لحظتها لا منير ولا شاعره نصر الدين ناجى أو الملحن أحمد فرحات أو الموزع أسامة الهندى يدركون أن هذه الموسيقى ستكون «الخلفية» المعتمدة موسيقيًا لما سموه «٢٥ يناير».

كتب نصر الدين ناجى أغنيته قبل ٢٥ يناير بستة أشهر كاملة.. ولم يكن يدور فى خلده أن أحدًا من أبناء مصر سيخرج إلى الشارع.. وينفجر غناءً.. وحلمًا.. فيما الإخوان الكاذبون والأمريكان ومَن وَلاهم يطمعون فى اصطيادها.. وما بين سؤال نصر الدين ناجى.. وسؤال خالد عصام مؤلف «يا مصر بتعمليها إزاى؟».. عشرات الأغنيات والأشكال الموسيقية التى صاحبت المرحلة الأخيرة من عمر هذه الحقبة التى امتدت لما يزيد على خمسين سنة كاملة هى عمر تلك الموسيقى التى شكلت وجدان المصريين منذ اتفاقية التطبيع فى كامب ديفيد وحتى غنى عمرو دياب «يا فراولة نفسى أشربها عصير».

فى وداع العندليب

«بنلف.. نلف.. نلف

والسنين بتلف تلف

وألم يزيد وجراح بتخف

حبيبى

بنودع ربيع.. ونستقبل ربيع

يأمرنا القدر

تنطفى الشموع

ويغيب القمر

وتصبح ذكريات.. مجرد ذكريات

تصبح غنوة حلوة.. من بين الأغنيات».

تلك الكلمات التى تغنت بها سميرة سعيد ومن بعدها وردة الجزائرية ومن بعدها مصطفى قمر.. لم تكن سوى مرثية كتبها ولحنها بليغ حمدى فى وداع «صوته» وصوت جيل كامل اسمه عبدالحليم حافظ.

لم يكن ٣٠ مارس عام ١٩٧٧ هو عام رحيل العندليب.. لكنه كان الإعلان الرسمى لنهاية مرحلة من الغناء المصرى بدأت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وإعلان الحماية البريطانية على مصر.. واستمرت مع المشروع الناصرى الذى بدأ مع حركة الضباط الأحرار فى يوليو ١٩٥٢ ليصطدم فى ١٩٦٧ بهزيمة سحقت أحلام جيل كامل ظل يترنح حتى جاء العبور العظيم لتسترد مصر أنفاسها وهُويتها وغناءها.. لكن التحول الكامل عن مشروع «يوليو» بالاتجاه غربًا لم يمنح أبناء ذلك الجيل متسعًا وساهمت قرارات الرئيس السادات المعروفة بالتحول الاقتصادى نحو «الانفتاح»، ومن بعده التحول السياسى الكامل باتجاه العدو.. هى اللحظة نفسها التى غاب فيها رموز غناء المرحلة السابقة بالوفاة أو الانسحاب.

سافر محمد رشدى إلى ملاهى لندن.. وهو نجم الغناء الشعبى فى الستينيات.. ومات فريد الأطرش فى ١٩٧٤.. ورحلت أم كلثوم بعد أن عجزت عن مواجهة الجماهير بغناء لحنها الأخير «حكم علينا الهوى».. وانتهى حليم واستجاب لمتاعب كبيرة ليغادر ويبحث أبناء حلمه عن أغنية جديدة كان رموزها على الحجار محمد الحلو وعمر فتحى ومحمد منير وعبدالرحيم منصور وهانى شنودة ومحمد الشيخ ومنير الوسيمى وعصام عبدالله ومرسى السيد ومحمد هلال.. أسماء كثيرة سنعرض لها تفصيلًا فى صفحات تالية راحت تبحث وهى فى ظلال أسماء آتية من التجربة السابقة.. فؤاد حداد.. صلاح جاهين.. وسيد مكاوى.. وإبراهيم رجب.. الأبنودى.. وسيد حجاب وغيرهم.

كانت ١٩٧٧ سنة فاصلة.. كتبت بدايات ذلك الجيل الذى صار ستينيًا الآن، ذلك الجيل الذى لم يفارق قديمه وإن حاول تقديم أشكال موسيقية تغادر مناطق سابقيه، وإن لم يتخلص من روحها بشكل كامل.

خمسة أجيال من المبدعين صنعت تجربة موسيقية بعمر أوطان كاملة.. لا يصح مطلقًا أن نلخصها فى أغنية فولكلورية لعمرو دياب تقول:

«لولا البنات يا وله

لولا البنات

كان بار الورد يا وله

فى الدكانات».

القصة أكبر من ذلك بكثير.. وده آخرها وليس أولها.. البداية هناك.. فى البعيد تحت أقدام عجوز أمريكى اسمه هنرى كيسنجر.. وربما أبعد من ذلك حيث يجلس إفريقى قادم من الجنوب يتابع رفاقه المهاجرين إلى مدينة «نيو أوليانز» فى ولاية «لويزيانا» وهم يدبدبون بأرجلهم فيما تعلو همهماتهم احتجاجًا لتصنع إيقاعًا اسمه الجاز.