سيد الدراما.. من كان يكتب لـ«أسامة أنور عكاشة»؟
- كان يكتب لأسامة أنور عكاشة عالمٌ كامل.. أماكن عاشها وناس عرفهم وذاكرة ظلّت تعمل
- لا يكتب شخصية من «الخيال المطلق» بل يجب أن يكون قد شاهدها أو عرفها
السؤال يبدو للوهلة الأولى كأنه يبحث عن اسم مجهول شارك أسامة أنور عكاشة الكتابة من وراء الستار، لكن التحقيق هنا يذهب إلى منطقة أخرى تمامًا: إذا كان عكاشة هو الكاتب الذى أمسك وحده بالقلم، فمن أين جاءت كل تلك التفاصيل؟ من أين جاءت الشخصيات التى بدت كأنها خرجت من الشارع مباشرة، والأحياء التى تحولت إلى أبطال، والحوارات التى بدت مألوفة لمن عاش فى تلك الأماكن؟ الإجابة لا تقود إلى كاتب آخر، بقدر ما تقود إلى ثلاثة مصادر ظلّت تعمل معه فى صمت: المكان، والناس، والذاكرة.

فى حوار أجرته معه الصحفية إيمان مصطفى عام ١٩٩٦، كان عكاشة واضحًا فى تفسيره لطريقته فى بناء الدراما. قال إن الدراما الجيدة يجب أن تجيب عن ثلاثة أسئلة: «أين؟» و«متى؟» و«كيف؟»؛ أين يقع الحدث، ومتى يحدث، وكيف يتطور. بالنسبة إليه، المكان والزمان لم يكونا خلفية تكمّل الحكاية، بل كانا جزءًا من تكوينها. وكان يرى أن الكاتب عليه أن يضفر «الخاص مع العام والتوثيق مع السرد الواقعى»، وأن يشعر بالزمن حتى لا تنفصل الدراما عن الواقع.
لكن الأهم فى الشهادة نفسها أنه شرح من أين تأتى الشخصيات. عكاشة قال بوضوح إنه لا يكتب شخصية من «الخيال المطلق»، بل يجب أن يكون قد شاهدها أو عرفها، وقد يأخذ سمة من شخص، وتفصيلًا من آخر، وملمحًا من ثالث، ثم يعيد صياغتها فى شخصية جديدة مستقلة. ووصف علاقته بالناس بأنها جزء من أدواته، موضحًا أن التجربة الشخصية، وتجارب الآخرين، ودقة الملاحظة، والقدرة على اكتشاف «غير العادى فى العادى» هى التى تجعل التفاصيل تتراكم فى الذاكرة حتى تتشكل ملامح الشخصية، ثم يأتى وقت الورق.
هذه النقطة تحديدًا تعيد قراءة شهادته عن نفسه باعتبارها مفتاحًا لفهم أعماله. ففى الحوار نفسه، واجه عكاشة مباشرة الشائعة التى تحدثت عن وجود «ورشة» من الكتاب تساعده فى إنجاز أعماله. نفى ذلك صراحة، وقال إنه يكتب بنفسه، مؤكدًا أن أعماله تحمل «روحًا واحدة»، وأنه يعمل منفردًا. ولم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد نفى لشائعة، بل كانت دفاعًا عن الطريقة التى تتشكل بها الكتابة عنده: الملاحظة أولًا، ثم التخزين فى الذاكرة، ثم العزلة أمام الورق.
وهنا تأتى شهادة ابنته الإذاعية نسرين أسامة أنور عكاشة لتضيف تفصيلًا شخصيًا إلى ما قاله والدها عن طريقته فى الكتابة. فى حديث لها عام ٢٠٢٣، قالت إن الإسكندرية كانت المكان المفضل له للكتابة، وإنه فى الأوقات التى لا يكتب فيها كان يحضر فعاليات ثقافية أو يناقش أصدقاءه أو يجلس مع العائلة، وكان دائمًا فى حالة حديث مع المحيطين به. ثم قالت جملة تختصر جانبًا كبيرًا من هذه العملية: «فى الوقت الذى يدردش فيه مع المحيطين يخزن طوال الوقت أشياء، ويخلق دراما دون أن يشعر بذلك أحد».

الشهادة تكشف عن أن عملية الكتابة عند عكاشة لم تبدأ لحظة جلوسه أمام المكتب. كانت تبدأ قبل ذلك بكثير؛ فى جلسة عائلية، أو حديث عابر، أو نقاش ثقافى، أو ملاحظة لشخص يمر أمامه. وحين يجلس إلى مكتبه، تكون المادة الإنسانية قد قطعت بالفعل جزءًا كبيرًا من الطريق.
وهذا ما يجعل العودة إلى أعماله أشبه بتتبع آثار مصادر مجهولة على الورق. فى «ليالى الحلمية»، مثلًا، لم تكن الحارة مجرد مكان تجرى فيه الأحداث، بل مساحة تتغير مع تغير مصر نفسها. البيوت، والمقاهى، والعلاقات بين السكان، وصعود طبقات اجتماعية وتراجع أخرى، كلها تحولت إلى سجل درامى لتحولات ممتدة عبر الزمن. المكان هنا لا يشرح الشخصيات فقط؛ بل يشارك فى صنعها.
وفى «زيزينيا»، يصبح المكان أكثر وضوحًا بوصفه جزءًا من سؤال الهوية. الإسكندرية ليست مجرد مدينة تدور فيها الأحداث، وإنما عالم له تركيبته الاجتماعية والثقافية واللغوية والتاريخية. وهو ما يتقاطع مع الفيلم الوثائقى «أسامة أنور عكاشة» الذى عرضته قناة «الوثائقية» عام ٢٠٢٣، وتناول ضمن محاوره سؤال الهوية عند عكاشة، وأعمالًا مثل «أرابيسك» و«زيزينيا»، إضافة إلى علاقته بالأماكن وتشابه بعض عوالمه المكانية مع عوالم نجيب محفوظ. وشارك فى الفيلم عدد من الفنانين والمخرجين والكتاب والنقاد، إلى جانب ابنته نسرين، بما أتاح أكثر من زاوية لقراءة مشروعه.
أما الإنسان فكان يدخل إلى أعماله بطريقة أكثر خفاءً. فى «حسن أرابيسك» لا تبدو الشخصية مجرد نموذج درامى لمهنة أو طبقة اجتماعية، وإنما شخص له لغته ومزاجه وعلاقته بالمكان. وهذه ليست مصادفة فى ضوء ما قاله عكاشة عن تقمص الشخصية قبل أن يكتبها؛ فقد شرح أنه حين يكتب شخصية مثل حسن أرابيسك يحاول أن يدخل إلى جلدها، ويتخيل مفرداتها وحركاتها ونظراتها وتعليقاتها، ثم يكتب من داخلها.
ولذلك تبدو شوارع القاهرة والإسكندرية فى أعماله أقل شبهًا بالديكور وأكثر شبهًا بذاكرة حية. فى «عفاريت السيالة» يتحول المكان الشعبى إلى مجتمع كامل له قوانينه وعلاقاته وصراعاته. وفى «أميرة فى عابدين» يصبح الحى التاريخى جزءًا من الحكاية، لا مجرد عنوان لها. وفى «المصراوية» يتسع الأمر ليصبح المكان والناس والتاريخ شبكة واحدة، بحيث يصعب فصل الشخصيات عن البيئة التى صنعتها.

حتى الأعمال التى تبدو فكرتها بعيدة عن التوثيق المباشر تحمل أثر الملاحظة. فالمكان عند عكاشة لم يكن بالضرورة نسخة فوتوغرافية من الواقع، وإنما مادة يعيد تشكيلها. هو لا ينقل الحى كما هو، بل ينتقى منه ما يخدم الدراما؛ صوتًا، أو عادة، أو ملامح شخصية، أو علاقة بين شخصين، أو حتى تفصيلًا صغيرًا يمكن أن يحمل معنى أكبر. وهنا تحديدًا تتضح قيمة «الذاكرة» كأحد شركاء الكتابة.
الفيلم الوثائقى على «الوثائقية» يعزز هذه الصورة من زاوية أخرى؛ فهو لم يكتفِ بسرد السيرة، وإنما جمع شهادات من فنانين ومخرجين وكتاب ونقاد حول مشروع عكاشة الممتد لنحو أربعين عامًا، وتوقف عند أعماله وأسئلته الفكرية وعلاقته بالهوية والمكان. وجود هذه الشهادات المتعددة مهم لأنه ينقل الحديث عن عكاشة من صورة الكاتب الفرد إلى أثر تجربته فى الذين عملوا معه وعاشوا زمن أعماله.
لكن ربما يكون الدليل الأوضح على «الكاتب الخفى» فى تجربة عكاشة هو ما قاله هو نفسه: الكاتب الحقيقى لا يستطيع أن يصنع شخصيات حية من فراغ. عليه أن يكون وسط الناس، أن يراهم ويستمع إليهم ويعرف تفاصيلهم، ثم يحتفظ بما يراه حتى يحين وقت تحويله إلى دراما. وبذلك لا يعود السؤال «من كان يكتب لعكاشة؟» بحثًا عن شخص آخر، وإنما يصبح بحثًا عن العالم الذى كان يكتب من داخله.

المكان كان يمده بالجغرافيا، والناس كانوا يمنحونه الأصوات والملامح، والزمن كان يضع الأحداث فى سياقها، والذاكرة كانت تحتفظ بكل ذلك إلى أن يأتى موعد الكتابة. أما عكاشة فكان يقوم بالعملية الأصعب: تحويل هذه المواد المتناثرة إلى شخصيات وحكايات لها حياتها الخاصة.
لذلك، إذا كان لا بد من إجابة واحدة عن سؤال العنوان، فهى ليست اسمًا يظهر فى نهاية التترات. كان يكتب لأسامة أنور عكاشة عالمٌ كامل: أماكن عاشها، وناس عرفهم، وذاكرة ظلّت تعمل حتى بعد أن أغلق الباب وبدأ يكتب. وكان هو الكاتب الذى يعرف كيف يحوّل كل ذلك إلى دراما تبدو، حتى بعد سنوات، كأنها تعرف أصحابها جيدًا.







