الوجه الخفى.. دروس طه حسين للصحفيين
- حرية الرأى مكفولة إلا للذين يخالفون القانون
- لا ينبغى نشر الجهل أو أن نقدم للقراء ما يضرهم ولا ينفعهم
ما لا يعرفه كثيرون أن الدكتور طه حسين تولى رئاسة تحرير جريدة الجمهورية لمدة عام.
جرى هذا فى بداية الستينيات، وقتها كان صلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة يرأس مجلس إدارتها، وفكر فى أن يكون للجريدة أكثر من رئيس تحرير على الطريقة التى ابتكرتها جريدة الأخبار.
كان طه حسين واحدًا من رؤساء تحرير الجمهورية إلى جوار كامل الشناوى وناصر الدين النشاشيبى وإبراهيم نوار.
فى العام 1960 تم تعيين الكاتب الصحفى الكبير موسى صبرى رئيسًا تنفيذيًا للتحرير، وبدأ فى مباشرة عمله الذى لم يكن يرجع فيه كثيرًا إلى رؤساء التحرير.

ذات صباح- كما يقول موسى صبرى- اتصل به صلاح سالم تليفونيًا، وقال له: الدكتور طه حسين يتحدث معى وهو متألم، وقال إنه لا يقبل راتبًا بغير عمل، وقد اتفقت معه، على أن تتصل به تليفونيًا كل مساء، لكى تعرض عليه مانشيتات الصحيفة وأهم الأخبار، وأرجو أن تفهم أن هذا مجرد إجراء شكلى لإرضاء الرجل.
بدأ موسى صبرى يتصل بطه حسين بالفعل كل مساء فى منزله، وكان وقتها يعانى من اعتلال فى صحته، ويمضى معظم وقته فى بيته، يقرأ سكرتيره الكتب التى يريدها، وأهم المقالات فى الصحف، ويستقبل عددًا محدودًا من زائريه، وكانت زوجته حريصة على ألا يرهق نفسه.
كان طه حسين معجبًا بما يكتبه موسى صبرى، ويسجل هو ذلك فى مذكراته «٥٠ عامًا فى قطار الصحافة» التى صدرت فى العام ١٩٩٢.
يقول: كنت أكتب «اليوميات» فى الصفحة الأخيرة مرة كل أسبوع، ومرة قال لى طه حسين فى التليفون: لقد أمتعتنى يومياتك، لقد عادت بذاكرتى إلى يوم أن ولدت ابنتى، كأنك كنت تعبر عن مشاعرى فى ذلك اليوم، وأنت تكتب عن مشاعرك عن مولد ابنك.
وأضاف طه حسين لموسى: إنك صاحب أسلوب شائق، وأحب أن أقرأ لك، ولعلك الوحيد الذى أقرأ له فى «الجمهورية» غير كامل الشناوى.
حالة الود هذه لم تستمر طويلًا، فقد حدث ما عكر صفوها.

كان موسى صبرى يتحدث إلى طه حسين ويقرأ له المانشتات، واستمر ذلك قرابة شهر، يوثق موسى ما جرى على النحو التالى.
سألنى: ما هو المانشيت الذى اخترته؟
قلت: المانشيت الأحمر هو «ديجول فى أزمة».
قال: أحسب أن المانشيت غير دقيق، لأن ما رويته لى من الأخبار لا يرتقى إلى مستوى الأزمة، والأصح أن يكون المانشيت «ديجول فى حرج».
قلت: لو أذنت لى يا باشا فى ملاحظة، إن كلمة حرج صعبة القراءة فى العنوان الصحفى الكبير.
قال: شكلها.
قلت: المانشيتات تكتب بغير تشكيل.
قال: لا أرى صعوبة فى قراءتها.
قلت: حاضر.
استشار موسى صبرى كامل الشناوى فيما قاله طه حسين، فقال له: أبق المانشيت كما هو، وأنا سأسوى الأمر مع طه باشا بعد ذلك، إنه رجل سلس وسوف يقدر أن العبارة الصحفية غير العبارة الأدبية.
ظهرت الجمهورية بمانشيت «ديجول فى أزمة»، وغضب طه حسين، وأبلغ صلاح سالم أنه لا يريد أن يستمر فى الإشراف على المانشيتات والأخبار العامة، وهدد بالاستقالة، لكن صلاح سالم استوعب الموقف ومر بسلام.
كانت هذه أزمة مكتومة شهدت عليها خطوط التليفون الساخنة ومكاتب جريدة الجمهورية المغلقة، وسرعان ما تبددت، لكن كانت هناك أزمة أخرى، قرر طه حسين أن ينقلها إلى صفحات الجريدة.

فى أرشيف طه حسين مقال غاضب جدًا، عنوانه «بين السخف والجد».
أعتقد أنه لأهميته يمكننا أن ننشره هنا كاملًا، فقد كانت بداية معركة ملتهبة على صفحات جريدة الجمهورية فى العام ١٩٦٢، ثم وهذا هو الأهم، فإنه يمدنا نحن الصحفيين بدروس لها قيمتها وثقلها.
طه حسين يتكلم الآن.
«حرية الرأى مكفولة، هذا شىء ليس فيه شك ولا معنى للمماراة فيه، لكنها مكفولة للمواطنين جميعًا، إلا الذين يخالفون عن أمر القانون، وإذن فكل كاتب أو كل من ظن أنه كاتب يستطيع أن يكتب ما يشاء، وكل صحيفة حرة فى أن تنشر ما يرسل إليها من الفصول والأحاديث أو تعرض عن نشره لا ينظم حريتها فى ذلك إلا القانون من جهة، وخطتها ونظامها ومكانتها فى البيئة الاجتماعية من جهة أخرى.
وأنا آسف أشد الأسف وأعمقه لأنى مع مشاركتى فى احتمال تبعات «الجمهورية» لا أعرف إلى الآن مذهب غيرى من رؤساء التحرير فى خطة هذه الصحيفة بالقياس إلى الأدب والنقد، وبالقياس إلى المعرفة والجهل، وبالقياس إلى ما يجب أو لا يجب أن تقدمه إلى قرائها مما يتصل بهذه الأشياء.
فهى أحيانًا تنشر فى النقد والأدب أحاديث قيمة، وأحيانًا كثيرة تنشر سخفًا لا يشبهه سخف، وهى أحيانًا تنشر أحاديث ينتفع بها قراؤها من أوساط المثقفين، ومن الذين لم تتح لهم ظروفهم أن يتعلموا أو أن يمضوا فى تعليمهم إلى أبعد مما ألقى عليهم فى المدارس الأولية، وأحيانًا أخرى تنشر جهلًا ليس مثله جهل، وأحيانًا لا تكتفى بنشر الجهل، بل تنشر دعاء صريحًا إليه وإلحاحًا فى هذا الدعاء، فتسىء ظن القراء بها وإلى رأيهم فيما تقدم إليهم مما يضرهم ولا ينفعهم، وتمضى على هذه الخطة دون أن تنظر إلى مكانتها بين الصحف، ودون أن تنظر إلى ما يجب عليها من تثقيف قرائها إن قلت حظوظهم من الثقافة، ومن إمتاع بعض قرائها الذين يقرأونها لا ليقفوا على ما تنشر لهم من الأخبار الداخلية والخارجية فحسب، بل ليجدوا فيها بين حين وحين حديثًا فى الأدب أو فى الفن، أو فى أى لون من ألوان المعرفة التى يحتاج إليها القراء على اختلاف طبقاتهم وحظوظهم من المعرفة.
أقول هذا بعد أن قرأت سخفًا كثيرًا فى الجمهورية عن الأدب والنقد وعن المعرفة والجهل، ما هذه الدعوة الصريحة إلى الجهل التى نشرها كاتب من كتاب الجمهورية، ووصف فيها الأدب اليونانى بأنه أدب عفاريت، لأنه بالطبع لم يعرف منه قليلًا ولا كثيرًا، إنما سمع فى بعض مجالسه عن بعض الأساطير اليونانية ولم يتعمق فيما سمع، ووصف فيه الأدب العربى القديم بأنه أدب تقعر، لأنه لم يقرأ منه شيئًا، ولو قرأ أيسر نصوصه وأهونها لما فهمها فضلًا عن أن يذوقها، ووصف فيه الأدب الغربى بأنه أدب استعمار لا لشىء إلا لأنه لم يستطع أن يفرق بين سياسة بعض الدول المستعمرة وبين الأدب الذى ينشئه أدباء الغرب على اختلاف عصورهم وبيئاتهم، وعلى اختلاف آرائهم فى سياسة بلادهم وفى حرصها على الاستعمار.

لم يفرق بين السياسة والأدب، ولو حاول هذه التفرقة لما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لأنه لا يعرف من أدب الغرب ولا من سياسته إلا ما يسمع فى بعض الأحاديث وما يقرأ أحيانًا فى بعض الصحف.
هو إذن لا يعرف شيئًا عن الأدب مهما تختلف عصوره، ومهما تختلف مصادره، وهو من أجل ذلك يصدر حكمًا عامًا شاملًا، لأن الأدب كله لا نفع فيه وبأن محاولة العلم به إضاعة للوقت والجهد.
رضى عن جهله ورضى عنه جهله، ولكنه لم يكتف بهذا، إنما أراد أن يذهب الناس مذهبه، فى إيثار الجهل على المعرفة، وفى الحكم على الأشياء دون أن يكون له بها علم، ولم يكتف بهذا أيضًا، إنما أراد أن يلقى فى روع الناس أننا لا نحتاج إلى أدب أو ثقافة لننشئ ما نحاول إنشاءه من الأدب، وإنما ينبغى أن نستمد أدبنا من أعماق نفوسنا وأعماق وجداننا ودخائل ضمائرنا، كأنه يقدر أن الناس قد ولدوا أغنياء بنفوسهم ووجدانهم وضمائرهم، فهم لا يحتاجون إلى تربية ولا إلى تعليم، فضلًا عن أن يحتاجوا إلى الأدب الرفيع أو الثقافة العليا، ولدوا ونفوسهم مشرقة بطبعها، ووجدانهم حى بطبعه، وضمائرهم مهذبة بطبعها، فالأدب يصدر عنها لا لشىء إلا لأنها موجودة.

وسألت نفسى بعد أن قرأت هذا الكلام، هل قرأه رئيس من رؤساء التحرير قبل أن يجيز نشره فى الجمهورية وتقديمه إلى القراء، وفيهم المثقفون الذين يقرأون فيسخرون من هذا الكلام ومن الصحيفة التى نشرته، وفيهم أصحاب السذاجة الذين يقرأون فيطمئنون إليه ويغرهم بأنفسهم الغرور، أم هل لم يقرأه أحد من القائمين على تحرير الجمهورية وتلك هى الكارثة الكبرى؛ لأنها تدل على أن القائمين على تحرير هذه الصحيفة لا يقدرون صحيفتهم ولا يقدرون تبعاتهم، إنما يتركون صفحات الجمهورية نهبًا لهذه الحرية الآثمة التى لا تنفع أحدًا، وقد تضر كثيرًا من الناس.
وشىء آخر أذنت الجمهورية بنشره استجابوا لما سمته حرية النشر، والغريب أن الكاتب الأديب الذى نشر هذا الكلام فعل ذلك وهو منكر له ساخط عليه، ولكنه استجاب لحرية النشر من جهة، وأراد أن يعرف رأى الناس فيه من جهة أخرى، وهذا الكلام ترجمة لأثر من أروع آثار شكسبير هو قصة عطيل إلى اللغة العامية، والغريب أن مترجم هذه القصة زعم أن شكسبير نفسه كان يكتب تمثيلياته باللغة العامية الإنجليزية.
ومعنى ذلك أنه لم يترجم عن شكسبير، إنما أخذ ترجمة عربية قديمة، وحول نصها العربى الفصيح إلى اللغة العامية، ولو قرأ هذه التمثيلية وذاقها فى نص شكسبير نفسه لما زعم أن شكسبير كتبها فى اللغة العامية الإنجليزية فى عصر شكسبير، فكيف ينقلها إلى العامية المصرية؟
ولو كنت مكان الكاتب الأديب لما استجبت إلى حرية النشر بالقياس إلى هذا السخف، ولتركت صاحبه ينشره حيث شاء أو يعرض عن نشره إن أحب.
وأخرى ضقت بها أشد الضيق وأسفت لها أشد الأسف، وهى تلك المقالة التى نشرها الأستاذ موسى صبرى مستكثرًا على قراء الجمهورية ما نشره صديقنا الدكتور مندور من أحاديث فى النقد دارت بينه وبين فريق من الأدباء، وقد ذكر فى هذه الأحاديث اسم الشاعر العظيم إليوت ومذهبه القديم فى النقد، وقد نشرت الجمهورية هذه الأحاديث ثم اعترض عليها بعد ذلك زميلنا الأستاذ موسى صبرى، لأنه رآها أعلى وأعمق مما يطيق قراء الصحف اليومية، ومعنى ذلك أنه ألغى من حسابه- كما يقول الناس- طائفة المثقفين من قراء الجمهورية، سواء منهم من عظم حظه من الثقافة، ومن كان حظه منها قليلًا أو دون القليل.
ومعنى هذا أنه يحظر الصحف اليومية على المثقفين من القراء، كأنه يعتقد أن الصحف اليومية لا توجه إلا للعامة الذين لا حظ لهم من ثقافة أو معرفة، ومعنى هذا أيضًا أن المثقفين على اختلاف طبقاتهم لا ينبغى لهم أن يلتمسوا فى الصحف اليومية إلا ما يحتاجون إليه من هذا الكلام الذى ينشر على أنه أدب أو ثقافة، وليس من الأدب أو الثقافة فى شىء، إنما هو كلام يملأ الصحف ويريح المحررين من الجهد والعناء ليملأوا صفحاتهم، فهم حين ينشرون هذا الكلام ينظرون إلى أنفسهم ولا ينظرون إلى قرائهم، وهم من جهة أخرى يحببون إلى القراء الجهل ويشفقون عليهم من مشقة المعرفة.
ولو كنت مكان الأستاذ موسى صبرى وغيره من رؤساء التحرير فى الجمهورية لنفيت السخف عن الجمهورية تقديرًا لمكانتها أولًا، ونهوضًا بتبعاتهم ثانيًا، ولو كنت مكان الأستاذ موسى صبرى لطلبت فى إلحاح إلى الأستاذ مندور وأمثاله من كتاب الجمهورية أن يكثروا من الأحاديث التى تصور الثقافة الجادة والأدب بمعناه الصحيح، ذلك لأن الصحف اليومية لا ينبغى أن تهبط إلى القراء، إنما ينبغى أن ترتفع بهم من الجهل إلى المعرفة، ومن السخف إلى الجد، فهى أدوات رقى فى البيئة الاجتماعية، وليست أدوات انحطاط، وليست كذلك وسائل إلى إقرار ما هو كائن إنما هى قبل كل شىء، وبعد كل شىء، وفوق كل شىء وسائل إلى التثقيف والتهذيب وإذكاء الطموح فى نفوس القراء أعظم حظ ممكن من الرقى، ورحم الله زمان كان أصحاب الصحف يرون أنهم معلمون للناس لا مجهلون لهم ولا مقررون لما هم عليه من جهل.
أما بعد فإنى أتمنى لو استطاع رؤساء التحرير فى الصحف اليومية كلها أن يقدروا تبعاتهم وواجباتهم، ولكنى حين أتمنى أذكر قول الشاعر الأندلسى القديم: وإذا دنت منى المنى لأنالها/ وقف الزمان لها هناك فعاقها».
يمكننا اعتبار مقال طه حسين درسًا مهنيًا مجردًا فيما يجب أن تقوم به الصحف ويلتزم به الصحفيون، يسعى من خلفه إلى الارتقاء بالصحافة وبدورها فى المجتمع، وقد عبر عن ذلك بغضب شديد.
لكن الأقرب إلىّ أن طه حسين كان ينتقم من موسى صبرى بسبب تجرؤه عليه، فرغم أن طه كما وصفه كامل الشناوى بأنه رجل سلس، إلا أنه لم يكن سهلًا أبدًا.
الصورة لا تكتمل لدينا، إلا بما قاله موسى صبرى عن هذا المقال.
وتعالوا نفتح معه مذكراته مرة أخرى.
يقول موسى: نشر إبراهيم الوردانى مقالًا ملتهبًا، هاجم فيه الكتاب الأدباء، قال ما معناه إن من يطالبوننا بدراسة الأدب اليونانى القديم، إنما يطالبوننا بدراسة أدب العفاريت والخرافات والأساطير التى ليست بها أى قيمة، واعتبر طه حسين هذا المقال معبرًا عن قمة الجهل، وأن هذه دعوة خطيرة إلى التخلف، وكان طه حسين يأخذ على أدباء الجيل الجديد، أنهم لا يقرأون، وأنهم لا يعرفون شيئًا عن تاريخ الأدب العالمى، ولذلك فهو لا يقرأ لهم.
احتج طه حسين على هذا المقال التخريبى الذى لم يعرض عليه، ودار تحقيق، إذ كيف لم يعرض المقال على طه حسين.
يضيف موسى: وجدت عشرات الأعذار، ولكن طه حسين لم يقبل عذرًا واحدًا، وأملى سكرتيره مقالًا ملتهبًا، هاجم فيه هذا الجهل التخريبى.
قرأ موسى صبرى بروفة مقال طه حسين قبل النشر، وأحس أن الرجل الكبير ذبحه وظلمه، ووجه إليه إهانة على صفحات الجريدة وهو يعلم أنه رئيس التحرير المسئول.
توجه موسى صبرى إلى كامل الشناوى، وقال له: إذا أصر الدكتور طه على نشر هذا المقال، فلن يكون لى وجود فى الجمهورية، وهذه استقالتى، إننى أحمل له كل الإجلال والأكبار، وهو أستاذ أجيال وعميد الأدب العربى الذى نفاخر به، ولكن إهانتى على صفحات الجمهورية، ليس لها حل إلا أن أقدم استقالتى.
اتصل كامل الشناوى بصلاح سالم فى منزله، وأبلغه بما جرى، فاتصل صلاح بموسى صبرى، وقال له: حد يزعل من طه حسين، فرد موسى: إنك لا ترضى لكرامتى أن تهان، فقال صلاح: دع الأزمة تمر، إن الرجل يحبك ولا يقصدك.
أصر موسى صبرى على الاستقالة، ولكن صلاح سالم اقترح حلًا رضى به موسى، وهو أن ينشر مقال طه حسين، وفى وسطه برواز يكتب فيه أنه سيرد على المقال غدًا.
كتب موسى صبرى مقالًا هاجم فيه طه حسين، وكان هجومه عنيفًا حادًا، دفع فيه عن نفسه ما قاله طه حسين وتجاوز به فى حقه، ليجد رشدى صالح يقول له: ليس هكذا يخاطب طه حسين، ولم أكن أحب لك هذا الموقف، هذا أستاذ أجيال، ومهما كتب، فعلينا أن نناقشه بالرفق واللين.
فى مذكراته يعترف موسى صبرى أنه ندم على ما كتبه ضد طه حسين ندمًا شديدًا.
يكمل هو ما جرى: اتصلت تليفونيًا بالدكتور طه حسين، وأخجلنى أنه رد على بترحاب ومودة، وطلبت موعدًا لزيارته، واستجاب الرجل على الفور، وذهبت إلى منزله، وكان الوقت مساء، رأيته جالسًا على مقعد كبير، يغطى ساقيه بملحفة صوفية، وقد ارتدى البدلة فى أناقة، وكان يدخن سيجارة فى متعة، وسمع اسمى، فابتسم وجهه، وقال لى: مرحبًا بك أيها المتمرد.
قلت: جئت لأعتذر.
قال ضاحكًا: تخاصمنى فى زفة، وتصالحنى فى عطفة.
قلت: لا.. إننى سأكتب كل كلمة أقولها لك، إنها غضبة شاب لم تطحنه التجربة بعد.
قال لى: يجب أن تعلم أننى أقرأ كل ما تكتبه، أنت بالذات وأستمتع بأسلوبك، وسلاسة أفكارك، وقدرتك على التعبير بلغة عربية سليمة، أنت عندى غير هؤلاء الذين يسمون الأدب اليونانى أدب عفاريت، أو غير الأدباء الشبان الذين لم يثقفوا أنفسهم قبل أن يمسكوا القلم.
انتهت الأزمة لكنها وضعت أيدينا على دروس مهنية أعتقد أننا نظل فى حاجة إليها، ثم إننا أمام أستاذ جليل، ليبرالى بحق، لا يضيق بالنقد حتى لو فيه تجاوز، وهو ما يجعلنا دائمًا أسرى لطه حسين مهما طال به وبنا الزمن.







