قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 7
إنه إبراهيم داود.. شاعر الحكايات الحزينة والأجنحة المتكسرة
- شاعر التفاصيل الصغيرة والقصيدة الخافتة والأحلام الكبيرة الضائعة
- يأتيه الشعر من الباب السهل باب جاك بريفير وريتسوس وجاهين وسعدى يوسف.. البساطة الآسرة واللغة المتداولة
بعد ديوانيه فى قصيدة التفعيلة «تفاصيل- دار النديم 1988» و«مطر خفيف فى الخارج- دار شرقيات1992»، تحول الشاعر إبراهيم داود إلى كتابة قصيدة النثر، وكان أول دواوينه فيها «الشتاء القادم- هيئة الكتاب 1996»، وتلاه «لا أحد هن- المجلس الأعلى للثقافة 1998»، يبدو أننى جئت متأخرًا- دار ميريت1999»، «انفجارات إضافية- دار ميريت 2000»، «حالة مشى - دار ميريت 2009»، «أنت فى لقاهرة- دار ميريت 2015»، «كن شجاعا هذه المرة- دار ميريت 2019»، ثم «مقام الصبا- دار العين 2026».
الذين لا يلاحظون فروقًا كبيرة بين مرحلة التفعيلة القصيرة ومرحلة قصيدة النثر الممتدة، لديهم الحق فى الملاحظة، لأن إبراهيم داود منذ بدايته الأولى شاعر يميل إلى القصيدة الخافتة المتوجهة إلى الداخل، إلى آلام الروح وما تعانيه من صعوبات فى التعايش والتأقلم ومكابدة الغربة المركبة، غربة المكان وغربة البشر وغربة الزمن المتغير بسرعة لا يلاحقها الشاعر، داود لم يراهن يوما على الخارج، على الإيقاع العالى الراقص ومهارة الطنطنة وإبهار الجمهور المحتشد فى التجمعات ليصفق عند رنين القافية أو تهدج صوت الشاعر المتلاعب بالحروف والأصوات، هو فى الغالب يكتب لأصدقائه على المقهى، أو للدراويش الجالسين على الأرض فى خيمة بمولد سيدنا الحسين أو للجيران المطلين من شبابيك الأدوار الأرضية فى البيوت المتلاصقة ببولاق الدكرور، أو لأصدقائه الذين رحلوا وتركوا علامة استفهام كبيرة حول قدرة الموت على التمييز والانتقاء.


عندما تقرأ أعمال إبراهيم داود لا بد أن يخطر على بالك هذا السؤال.. من أين يأتى الشعر ؟ وهو سؤال مختلف عليه منذ عصور طويلة، منذ أن عرف الإنسان العاقل تلك القوة الغامضة التى تسيطر على القلب وتمنح العقل بعض التعبيرات الغامضة، منها ما يذهب إلى الكهان فيزمزمون ويأمرون الناس بالذهاب إلى الموت، ومنها ما يذهب إلى المنجمين فيفسرون للناس أحلامهم مقابل ما يملكون من المال، ومنها ما يذهب للموسيقيين فيخترعون للناس أصواتًا تجعلهم يسكرون، ومنها ما يذهب للشعراء فيتكلمون للناس حتى لا يعود العالم كما هو وتبدأ العيون ترى عالمًا جديدًا تشعر معه بسعادة مشوبة بالحزن.
والشعراء فئات وطبقات، منهم من يتوغل فى المحيط ليجد كلماته، ومنهم من يتسلق الجبال حتى يمسك السحابات المثلجة ومنهم من يعدو حول الأرض ليرى كم نوعًا من الكائنات عند خط الاستواء، ومنهم من يتعلم الرياضات الروحية حتى يدرك الإيقاع السرى للكون أو يصنع أبراجًا عالية ليلتقط الإشارات، ومنهم أيضًا من يجلس على الأرض يتأمل القناة الصغيرة التى يتدفق إليها الماء إلى أعواد الذرة وسنابل القمح وتأتيه كلماته فينطق بها، أو يقضى نصف عمره يلعب الطاولة شاردًا على المقاهى، بينما تعرف يداه وعيناه قوانين دورات الزهر وحركة القواشيط ومحاولات السرقة فى النقلات والنقاط وتأتيه كلماته أيضًا وكأنه يراوغها قبل أن تحاصره وتأبى إلا أن يدونها.
إبراهيم داود يأتيه الشعر من الباب السهل، باب جاك بريفير ويانيس ريتسوس وصلاح جاهين وسعدى يوسف، من البساطة الآسرة، مما يشبه الكلام العادى لكنه يحمل ما يحمل من طاقة تعبيرية ومن دهشة ومن تساؤل ومن شجن ومن رغبة فى معرفة ما حدث ولماذا حدث.
ولأن إبراهيم داود من مشائى القاهرة وحراس وسط البلد، تجد عالمه مليئًا بالحكايات والتفاصيل والشخصيات وكثيرًا من الأماكن المعروفة والغامضة التى تمر سريعًا فى القصيدة، لكنها تضبط الإحداثيات وتحدد اللوكيشن للقطة المصورة، من المقاهى إلى بيوت الأصدقاء والبيوت التى يمر عليها الغرباء وأبناء السبيل وأماكن الانتظار والبيوت الفقيرة التى يفوز بها الشاعر، والأحلام أيضا باعتبارها أماكن أساسية حاضرة ومستقرة ويركن إليها الشاعر كثيرًا.
صوت إبراهيم داود الشعرى مندغم فى كلامه، فى قدرته على الإمساك بالقصيدة داخل الكلام العادى، لا يبذل مجهودًا فى اختراع الفاكهة، هو يهز الشجر فى البستان فيتساقط عليه الثمر، وهو مرتاح إلى هذا الحل ومتصالح مع إنتاج القصيدة الرائقة البوحية الشجنية بدون تعقيدات، واكتشافه لنبرته هذه، خلفها سعى ومجهود وانحياز، فهو يكره الرطانة حول الشعر، ويهرب من جلسات التنظير والحوارات حول القصيدة لأنه يمتلك وعيًا فطريًا بأن الشعر له ألف باب والعبرة بالنتيجة التى تقدمها للقراء، وأنه لا جدوى من الجدل والاختلاف حول الشعر بل إن الأجدى هو سماعه مثل الموسيقى، مثل صوت النقشبندى ومصطفى إسماعيل، ولك أن تخرج منه بما أعجبك دون أن تسأل لماذا أعجبك، يقول فى تصدير ديوانه «كن شجاعا هذه المرة»- ميريت ٢٠١٩:
«اللغة متفق عليها/ والشاعر الذى ضاق من الثرثرة عن العشق/ يبحث عن طرق قصيرة/ تفضى إلى البحر الكبير/ طرق ضيقة/ تسكن إلى جانبها الحياة/ يمشى فيها آمنا/ يصطاد ألحانًا غامضة تعينه على الشتاء».
البوح إذن هو أقصر الطرق التى اختارها إبراهيم داود للوصول إلى الناس، لكنه ليس بوحًا ذاتيًا صرفًا، بل تشكيل كادرات سينمائية مزدحمة بالعناصر والأرواح تشبه عالم وكادرات رضوان الكاشف، حيث الشاعر وشخصياته من المعذبين الحاملين للحكايات والراغبين فى الفضفضة والتواصل.

إبراهيم داود شاعر مصاب بالوحدة، لذا يكتب القصائد بخط دقيق على أوراق الدشت ويخبئها فى جيوبه ليطمئن، ويمكنك أن تعرف ما إذا كان فى جيبه قصيدة أم لا، من طبيعة سلامه عند دخوله حرم المقهى، فإذا لوح للجالسين رافعًا يده اليمنى لأعلى وكانت ابتسامته زائدة، اعرف أنه مطمئن، أما إذا فوجئت به جالسًا فى صمت بدون سلام ولا كلام، فاعلم أنه مقهور ويضع همه فى الطاولة، يحب الناس ويخاف من الفقد، وتمتد دائرة معارفه من مقهى البستان وشرايينه بوسط القاهرة، مرورًا بالسيدة زينب والغورية وسيدنا الحسين، وحتى القلعة والأبجية وبولاق الدكرور والمرج الجديدة، يحب شعراء العامية أكثر من شعراء الفصحى لاعتقاده فى الأسطورة التى تقول إن شعراء العامية أقرب إلى الأرض السوداء فى الدلتا وشرق النيل بالصعيد، من أندادهم شعراء الفصحى المستعربين، ولا يمكن أن تضبطه أبدًا متحدثًا عن الشعر أو مجادلًا فيه، وإذا انعقد مجلس تنظير يرد ردوده المعهودة : «ماشى الحال، الله كريم»، ليس عن عدم قدرة على الرطانة، وإنما لأنه يتعامل مع الشعر من المحطة الأخيرة، محطة الوصول، الحلو ظاهر واصل إلى القلب والعقل، والردىء لا يمكن إخفاؤه كصفوانٍ عليه ترابٌ فأصابه وابلٌ، ومن العجب أنّ له فى كل ميدان أصدقاء ومعارف يرحبون به ويأخذونه بالأحضان، حتى لتسأل نفسك : متى عرف كل هؤلاء الناس ومن أين يأتى بوقت لهم؟
و«الشتاء القادم- ١٩٩٦» ديوان إبراهيم داود الثالث والأول له فى قصيدة النثر، هو الديوان الذى اتضحت فيه نبرة إبراهيم داود وعالمه وخصوصيته فى بناء القصيدة، من استدعاء اللحظات الماضية من الذاكرة تحت ضوء اللحظة الراهنة، أو البوح المباشر المشوب بالشجن، حيث تتدفق التفاصيل والقصص والحكايات الناقصة التى تحتاج إلى استكمالها بين ثنايا العبارات، وكأننا أمام ذاكرة المهزومين الذين يحكون عن أزمان قديمة ومعارك خاضوها بابتسامة ودون مرارات، يحكون عن جراح أصيبوا بها وعن أسلحة مدمرة تعاملوا معها كألعاب فى الملاهى، وعن أشخاص ومشاهير صادفوهم وهم يبكون منهارين أو على حافة الجنون، أو يضحكون بصوت عال قبل الموت مباشرة، وفى كل الأحوال يطوى الزمن صفحاته وتمر السنون ولا يبقى معنا إلا ضباب الحكايات وأشباح العالم الذى مر من هنا وأصوات الموسيقيين العابرين آخر الليل والبارات التى بكينا فيها وخرجنا نبحث عن بيت نقضى فيه بقية الليل.. يتشكل عالم وبشر وأماكن وأحداث، بعضها معنون بالأسماء وبعضها الآخر مجرد تلميحات وخطوط سريعة تشبه الاسكتش بالقلم الرصاص لكنها تحمل روحًا ما، والأهم تعيدنا إلى لحظات وأزمنة نعرفها ونعرف أننا فقدناها وفقدنا معها أجزاء من أرواحنا، ومن ثم نقف أمام قصائد إبراهيم داود لنستعيد أزمنتنا ولحظاتنا المفقودة، يقول فى قصيدة بعنوان «حنين» :
«المقهى الذى اكتشفه إبراهيم فهمى/ وأوصانى ألا يعرفه أحدْ/ تغير نادله الشابُ/ وتغيرت جدرانه/ ويسهر حتى الصباح/ أصبح شيئًا آخر/ وأتمنى أن يعرفه الجميع»- الشتاء القادم.
نحن أمام عالم من الرموز والأحداث والحكايات، فمن لحق القاص الجنوبى الموهوب إبراهيم فهمى صاحب «القمر بوبا» و«بحر النيل» و«العشق أوله القرى»، يعرف مدى تعلقه بمقهى البستان ومقاهى وسط البلد التى قضى عليها أيامه ولياليه يكتب ويدخن الشيشة وكانت له عشرات المواقف الطريفة والنبيلة مع شعراء وكتاب تلك الحقبة، وجميعنا كنا آتين من قرانا ومدننا الصغيرة، مضروبين بحلم الكتابة ومخلصين له وكانت حياتنا موزعة على المقاهى، لذا ليس غريبًا أن يحتفظ إبراهيم فهمى بسر مقهى ينفرد به ويكتب ويقرأ ويدخن فيه، إلى أن التقاه بالمصادفة إبراهيم داود فكشف سره الكبير ومخبأه الذى يهرب إليه.. الزمن يتقلب، يسرق أعمارنا ويتركنا أمام الأماكن والأحداث أغرابًا، نبحث عن أحد نعرفه فنكتشف أن جميع رفقاء الروح ماتوا أو اختفوا فى ظروف غامضة أو هجروا الفن إلى الصمت والقشور وأشياء أخرى، ولم يعد فى أيدينا من البحر إلا قطرات من الذكريات العنيدة.
ويقول فى قصيدة أخرى بعنوان « ميادين سبتمبر»
«فى مقاهى الميادين/ لا تستطيع أن تجلس بمفردك/ بالكاد.. تكون قد وجدت مقعدًا بينهم/ يستريب الذين سبقوك فيك/ وأنتَ.. تستقبل الوافدين مثلهم !/ تحاول أن تكون دائمًا واثقًا/ ومن سُكَّان على بعض خطوتين/ وأن النقود التى فى جيبك الأيمن/ أقل بكثيرٍ من التى فى جيبك الآخرْ»- الشتاء القادم.
المقاهى مكان أساسى فى شعرية إبراهيم داود وفى وعيه وفى تعيينه للقصيدة، من المقهى يراقب ومن المقهى يتعرف على الوجوه والمشاعر ومن المقهى يخوض معاركه ويدرك درجة حرارة البلد وما إذا كان سيعود إلى قريته قريبًا أم لا، ومن المقهى يتعامل مع الأزمنة الجديدة والغرباء الوافدين والغرباء الطارئين والغرباء القبيحين، ومن المقهى ينطلق إلى الحياة ويعود إليها ليلتقى مع أحلامه وكوابيسه وأصدقائه يفكرون فى طريقة لقتل الوقت والتمثيل بجثته انتقامًا من أعداء غامضين ومن أشرار يظهرون فى عز الظهر.

إبرهيم داود ليس من مدينة ساحلية، بل من عمق الدلتا، لكن الشتاء حاضر دائمًا فى قصائده، شبح، غول، نذير خوف وفقد وارتباكات وحزن، ويمكن للقارئ تتبع « متلازمة الشتاء» فى قصائد إبراهيم داود بما يحيل إليه من أجواء ومشاعر وتأثيرات، هو الفصل الذى نتذكر فيه أننا أضعف من الطبيعة فنجرى نختبئ فى كهوفنا أو بيوتنا الفقيرة وبين أيدينا شاى ساخن وأمامنا مَنْقد الفحم، وهو الفصل الذى يلجئنا الخوف فيه إلى الموسيقى التى تطمئننا، وهو الفصل المقبض الذى يأتى ومعه حالة الكتابة والرغبة فى السفر بعيدًا، ويا ضيعة من تتلقفه الشوارع فى الشتاء.. فى قصيدة بعنوان «طِلِب» (المطرب محمد عبدالمطلب) يقول:
عندما ينزل الشتاءُ على الساقين/ ويتسلل الليل من تحت الأظافر/ ويُبح الصوتُ/ وتبوش الخيالاتُ التى أخلت الشارعَ/ أمشى مع صوته/ بحثا عن صديقٍ/ فى الحانات الأخرى- حالة مشى».
والشتاء أيضًا موسم العزلة ومراجعة الذات والبحث فيما جرى وما يجرى والإنصات إلى وقع الأيام وما تحمله من أنباء ونذر وحكايات، فالشتاء المتقلب الذى يلزم الشاعر بالانفراد بنفسه أو بمواجهة نفسه فى مرايا الكلمات، يدفعه للتدوين تحت هيمنة الطقس المتقلب والمطر والبرد، لكأن الشتاء يثير لدى الشاعر غريزة الخوف وحب البقاء معا فيتجه إلى ما يسميه «الكلام الجديد»، أو ما يمكن أن يدونه عندما يأتى الشتاء برعده ودفاتره وأقلامه وأمطاره وفقده وحنينه وخوفه وعزلته، فى قصيدة بعنوان «ثرثرة»، يقول:
الرجل الذى ابيض شعره/ فجأة/ وهو فى الحانة/ يبحث كل عام/ عندما ينزل الشتاء على لسانه عن كلام جديد- حالة مشى.
الشتاء موسم الكتابة ومحاسبة الذات نعم، وهو أيضًا موسم الرحيل والانفصال والسفر، لكن إلى أين والأرض قد ضاقت، ولا أحد يرغب بنا هنا أو هناك، ولا أمل فى الأفق ولا جهة تلوح أمامنا يمكن أن نسعى إليها، لقد حوصرنا فى مكاننا وفى عزلتنا، ولم يعد أمامنا إلا الحلم بالمغادرة ومعنا حكاياتنا وأغنياتنا وأمراضنا والسنوات الطويلة التى أنفقناها فى الزمان الخطأ، يقول فى قصيدة «نزوح» :
«سنحملُ أغنياتنا معنا/ وأدوية السيولة/ والحكايات التى لم نتمكن من حكايتها/ سنخرج قبل الشتاء/ وربما أخذنا الخريف معنا/ لأنه لا يوجد من يريدنا هنا/ ولا أحد ينتظرنا هناك»- «كن شجاعا هذه المرة».
أبناء الدلتا وخصوصًا القرى، يرتفع عندهم مؤشر الحنين والفقد والحزن فى الشتاء، ربما لأن الشتاء يضطرهم للمكوث فى البيت، أو يكشف لهم محنة أنهم فرادى، وحدهم فى مواجهة العالم، وأن من كانوا يختبئون فى وسطهم قد حبسهم المطر والطقس السيئ والأيام الرصاصية..
«ميادين سبتمبر/ عندما هبط الشتاء على المقعد/ كان الصباح على موعد مع الآخرين/ ابتسم لهم وكانوا سعداء «..» (الشتاء القادم).

فى قصيدة «إلى إبراهيم عبدالفتاح» من ديوان «كن شجاعًا هذه المرة» يقدم إبراهيم داود مرافعته ضد الأيام الملتبسة التى يتغير فيها طعم الماء وطباع البشر ويلتبس الحق بالباطل وتفسد الأذواق ويحتار الناس فى أى اتجاه يمشون، فيسيرون كأنهم نيامًا ويتحركون ناحية العنف والقسوة، فيتراجع لون الحياة وصورتها، ويكون لزامًا على الشاعر أن يبرئ ذمته ويخلى مسئوليته، أنه لم يشارك فى الحروب الصغيرة ولا الكبيرة التى أفرزت التغيرات الكارثية:
«أصدقاؤنا الذين ماتوا ونحن نعبر/ كانوا يستحقون حياة أفضل/ نعرف أنا وأنت هذا/ ولا شىء فى يدينا/ كنا ندافع عن شىء كبير وغامض/ (قد لا يكون مهمًا الآن)/ لا علاقة له بما تتداوله الصحف/ نعرف أنه يحرس السكينة فى الحقول والأزقة/ ويحتمى به الغرباء من الليل- «ص٧٤».
كأننا أمام جندى يجرجر هزيمته ويتأملها ويحاول تفسيرها، بينما الضباب يغطى كل شىء، والآمال التى كانت معقودة على الحرب خابت، محاولة تفسيره للأمور أو مرافعته ضد الأيام، لا تتوجه إلى الآخر بقدر ما تتوجه إلى الذات لتدعمها وتسندها، وتربت عليها حتى لا يكتسحها الخوف السائد، الشاعر خائف ويريد أن يطمئن فيتحدث أو يشكو بصوت عال حتى يهدأ:
«لم تعد مصر القديمة قديمة / ولا الجديدة جديدة/ وسقطت وسط المدينة فى أيدى المخبرين/ وكُتّاب الحكايات الأكثر مبيعًا/ وامتلأت الشاشات بالظلام/ بشر كثيرون ظهروا فى الصورة / وقلّ الناس / ولا طعم للعب»- ص ٧٥.
شكوى جديدة لفلاح فصيح معاصر، يعبر عما اعترى الأيام من مظالم واختلالات، فمن يسمع للفلاح الفصيح شكواه؟ من يسمع التشخيص حتى يجد علاجًا قبل تفاقم الداء؟
الديوان بالكامل «كن شجاعًا هذه المرة» محاولة تلمس وإدراك ما كنا عليه، لنرى بوضوح ما أصبحنا فيه، كأن مطرًا حمضيًا ضرب الناس والمكان، كأن غبارًا ذريًا تغلغل فى الهواء الذى نتنفسه وفى الذوق الذى شببنا عليه وعرفنا به الموسيقى والكلمات والألوان، كأننا فى تشيرنوبل بعد الكارثة، البشر غاطسون فى أنفسهم، وعدد المسعورين والأشباه والكائنات الخرافية فى زيادة رهيبة وفى المقابل يتراجع عدد الناس، من النادر أن تجد أحدا يمتلك ذلك الحس القديم بالشوارع والبنايات والمقاهى، من النادر أن تجد إنسانًا يمكنك الحوار معه، أو يضحك من قلبه، أو يطمئن إلى اليوم التالى، والحنين له أظافر، بحسب تعبير الشاعر.

مقام الصَّبا هو الأكثر شجنًا وحزنًا بين المقامات فى الموسيقى الشرقية، ويكفى أن تعرف مثلًا أن أغنيات لأم كلثوم مثل «هو صحيح الهوى غلاب»- زكريا أحمد، «على عينى بكت عينى»- رياض السنباطى من مقام الصبا، وإبراهيم داود يستحضر هذا المقام الشجنى الحزين ليكتب من خلال ديوانًا كاملًا، قصائده بدون عناوين، وإنما هى مقاطع مرقمة ومتفاوتة فى الطول والقصر، ويمكن أن يتكون المقطع منها من عدة مقاطع أصغر، وأظن أن بعض هذه المقاطع/ القصائد كان لها عناوين مستقلة لكن الشاعر عند التنضيد والتحرير النهائى للديوان آثر أن يرتبها مرقمة، حتى تكون فيما بينها سلسلة مترابطة أو متوالية شعرية، بهدف الحفاظ على المناخ الجامع لعناصر القصيدة.
المقاطع/ القصائد الست والعشرون التى يتضمنها نص ديوان «على مقام الصَّبا»، تبدأ بالتيه وتنتهى بالخوف، حيث يقر الشاعر أخيرًا بمتاهته وأنه الوحيد الذى لم يكن يعرف أنه تائه، والمعرفة بالمتاهة ليست الخطر الوحيد أو الصدمة الوحيدة، بل إن المتاهة التى احتلت الماضى من الأيام والسنوات كانت رحيمة ومليئة بالحكايات التى منحت الشاعر الصبر والقدرة على الاحتمال، أما الآتى فقد يكون أكثر وحشة، خاليا من التفاصيل والحكايات، وبعيدا عن الحياة، يقول فى مقطع رقم (١):
«الذين تعرفت إليهم فى الطريق الطويل يعرفون أنك تائه/ الوحيد الذى لا يعرف.. هو أنت/ والذين ماتوا فى الطريق نفسه يلوِّحون لك../ وأنت تحاول تذكر المكان الذى كنت ذاهبًا إليه/ لن يكون بعيدًا عن هنا/ وربما كان أكثر وحشة/ ويفتقد إلى الحكايات التى صبّرَتك كل هذه السنوات/ وجعلتك ممتلئًا بالفراغ»- ص ٩
ومن المتاهة فى المقطع الأول إلى الخوف فى المقطع الأخير، الخوف من تحولات المدينة ومن كائن غريب متوحش يهيمن على المكان، كائن مجهول تنسج حوله الحكايات فى المدينة ومعه الرعب والارتياب والضجر والرغبة فى الهروب لكن إلى أين والطرق مقطوعة والبلاد خراب والعالم يغلى والأحلام تبخرت، الكائن الغريب الوافد على المدينة يفرض الخوف على القلوب الضعيفة، وعلى الليل الذى كان صديق الحكايات والسهر وصناعة الحياة ولم يعد كذلك، يقول فى مقطع (٢٦):
«ينام الليلُ خارجَ المدينةِ/ الليلُ ليس له أبناء/ والمدينةُ أيضًا/ عشاقُ الليلِ والمدينةِ خائفون/ يُقال إن كائنًا غريبًا يتجولُ فى الأسواق/ يصطادُ قلوبَ الأبرياء/ قلوبُ الذين يعيشون فى المدينة ضعيفة/ ولا يشعر أحدٌ بالأمان/ التاريخ أظافره طويلة/ تنهش فى لحم الأيام/ الأيام التى نتحرك فيها ثقيلة»- ص ص٧٣-٧٤.
ماذا يصنع إبراهيم داود فى مقام الصبا بين المقطعين، الأول مقطع المتاهة والأخير مقطع الخوف والكائن الغريب المهيمن على المدينة، يصنع نوعًا من الديستوبيا الشعرية، عناصرها بشر كانوا حالمين ثم فقدوا أحلامهم، ووافدون غرباء يسيطرون على المدينة التى كانت جميلة ومحبة للحياة، يتكلم سكانها لغة خضراء ويتسمون بالطيبة ويحرسون الحب والأمل وهم يرددون أنياتهم فى مواسم الحصاد أو على الجبال وفى الأعياد، إلى أن ظهر كائن غريب وحشى يسكن جحرًا فى جبل المقطم وينشر الرعب وسط السكان.
«تعَارف سكانُ المدينةِ فى عيدٍ من الأعياد/ وخرجوا إلى الحقول معًا/ كانت اللغةُ التى يتحدثون بها خضراء/ تعلَّم أطفالُهم السباحةَ فى النهرِ/ والغناءَ فى الجبل/ ووقفت الأجيالُ صفًّا واحدًا/ تحرس الحياةَ والطيبةَ والأملْ»- ص ١٦.
«كائن غريب ظهر فى المدينةِ../ قِيل أنه يتجول عاريًا فى صحراء المماليك/ وله جُحر فى جبل المقطم/ سكان البنايات الكبيرة يميزون خطواته / تتسارع دقَّات قلوبهم حين يعبر/ سكان الغرف الضيقة يلوِّحون له/ والنوافذ مغلقة/ يعتقدون أنه سيأخذهم الى البحر!»- ص٢٤.
يصف الشاعر تأثير الكائن الغريب على المدينة وعلى أناسها الطيبين وعلى طبيعة الحياة والأحلام والموسيقى، وكيف أن الناس الطيبين لا يعرفون ماذا يفعلون ولا يوجد من يأخذ بأيديهم ويعلمهم الإيقاع الجديد للحياة والمدينة، الأمر الذى أدى إلى شيوع الخوف والحزن والريبة وسيادة الصمت على اللغة والأحلام والخيال، والناس يسقطون مجبرين فى المتاهة..
«لن نجدَ كلامًا نقوله حين نلتقى/ لأننا التقينا بعد صمت طويلٍ../ لن تنجح الموسيقى/ فى ترميمِ الحكايات هذه المرة»- ص٢٠.
«يستيقظ الناس ببطءٍ على غير العادة/ ولا يتثاءبون كما كما كانوا يفعلون كل صباح/ الطعام منذ سنوات.. فى الثلاجة/ وحزن غريب يتربص بك/ ويحرسك فى الوقت نفسه!/ الناس تائهون»- ص٣٠.
والحال هكذا ماذا يفعل الشاعر ؟ يسعى للتعامل مع الخوف ومصادره، أم يتجه لإنكاره ويدخل فى نوع من العزلة والانفصال عن المدينة والمقاهى والناس والأحلام والليل المحبب إليه، المدينة نفسها ضربها الاختلال والجنون وأصبحت ترتكب أفعالًا غير معهودة كأن تضحك فى عزاءات عشاقها.
«الخوف هذه المرة له ملامحُ واضحة/ وربما تصادفه فى طريقك إلى مطبخ بيتك/ وتقنع نفسك أنك لا تخاف/ وتنسى سبب ذهابك إلى المطبخ/ وأنت عائدٌ لمتابعة الفيلم العربى القديم/الذى شاهدته عشرات المرات» ص٢٩.
«مدينتُنا الوَدُودَةُ أصابها الجنون../ تضحك/ تضحك بصوتٍ عالٍ/ فى عزاءات عشاقها»- ص٥٥.
يغلب على الشاعر اليأس والحزن، بعد أن اختفت الضحكات العالية، لأن الخوف يحاصر القلوب الناصعة، لكنه لا يتوقف عن التحذير والإشارة إلى الخطر المحدق على الجميع، أما بالنسبة للحل الفردى فقد أعلنه بأن أجل حياته وأحلامه إلى الحياة الأخرى، فى نوع من السخرية السوداء، فى هذه الحياة الأخرى سيصنع البيت الذى يحب وسيكون جميلًا وسيلتقى البشر الذين يرتاح إليهم الطيبين الأنقياء أصحاب القلوب الرحيمة والدموع القريبة والعارفين بهوان المظاهر وتغير الفصول.
«قبل النهايات بخطوات/ يظهرُ شجرٌ كثيف/ وألوانٌ غامضةٌ على الأرض/ ولا تتغير الفصول/ الذاهبون صامتون فى الطريق/ على رءُوسهم الطير والفراغ/ وعلى أكتافهم تظهر المدن- ص ٧٢.
«فى العالم الآخر/ سأقوم بترتيب أوراقى/ وأبتنى البيت الذى حلمت به على الأرض/ البيت الذى ستحرسه الموسيقى والأساطير/ وكرامات الأولياء والقدِّيسين/ البيت البسيط/ الذى يَسعُ الحكايات كلها/ ولا يعرف الوشاة مكانه» ص ١٣.
تتوقف الموسيقى ولا نعرف أين ذهبت..
ويحل صمت ثقيل.







